وقوله مفتخرا:
ولو برز الزمان إليّ شخصا ... لخضب شعر مفرقه حسامي (١)
وقوله في قبيلة الممدوح:
ولو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا (٢)
ومن الغلو المقبول والأداة المقربة إلى الصحة «لولا» قول أبي العلاء المعري يصف سيف ممدوحه:
يذيب الرعب منه كلّ عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا (٣)
فالمعنى هنا أولا: أن سيفك أيها الممدوح تهابه السيوف وتصاب بالرعب والفزع منه كما يهابك الرجال ويصابون بالرعب والفزع منك، وأشد ما يجوز على السيف أن يسيل حديده ولولا الغمد يمسكه لظهر سيلانه.
فذوبان كل سيف إلى حد السيلان في غمده بباعث الرعب من سيف الممدوح أمر ممتنع عقلا وعادة. ولكن تدخّل «لولا» التي أفادت امتناع سيلان هذا السيف الذائب لوجود غمده الذي يمسكه عن السيلان قد جعلت هذا الغلو
المفرط في المعنى مقبولا.
...
стр. 107
٢ - أما الغلو غير المقبول فيتمثل في المعنى الذي يمتنع عقلا وعادة مع خلوه من أدوات التقريب التي تدنيه إلى الصحة والقبول. فمن أمثلة ذلك قول المتنبي مادحا:
فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيئ بعضه الرأي أجمع (١)
فعلى ما في البيت من بعض التعقيد الناشئ عن التقديم والتأخير الذي اقتضاه الوزن يريد المتنبي أن يقول: إن هذا الممدوح فتى رأيه في أحوال زمانه بقدر ألف جزء، وأقل جزء من هذه الأجزاء يعادل جزء منه كل ما لدى الناس من الرأي.
فوجود إنسان رأيه على النحو الذي صوره الشاعر ممتنع عقلا وعادة، وهو غلو غث لا يدعو إلى الإعجاب به بل إلى التعجب منه!
ومنه أيضا مادحا:
ونفس دون مطلبها الثريا ... وكف دونها فيض البحار
ومنه قول أبي نواس في وصف الخمر:
فلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها: قفي
مخافة أن يسطو علي شعاعها ... فيطلع ندماني على سري الخفي
فسطوة شعاع الخمر عليه بحيث يصير جسمه شفّافا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلا ولا عادة، فهو غلو مفرط.
...
ومراتب القبول في الغلو تتفاوت إلى الحد الذي تؤول بقائلها إلى الكفر، فمن ذلك قول أبي نواس مادحا:
стр. 108
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النّطف التي لم تخلق
وهذا كما لا يخفى أمر مستحيل، لأن قيام العرض الموجود وهو الخوف بالمعدوم وهي النطف التي لم تخلق لا يمكن عقلا ولا عادة.
ومنه قول ابن هانئ الأندلسي في مطلع قصيدة يمدح بها المعز لدين الله الفاطميّ:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
فادعاء أن مشيئة المعز فوق مشيئة الأقدار وأنه هو الواحد القهار غلو يوهم الكفر.
ومنه قول المتنبي في مدح سيف الدولة:
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم
فعلم الغيب مما استأثر الله به، فالزعم بأن إنسانا كائنا من كان يعلم الغيب إفراط في الغلو يؤول بقائله إلى الكفر.
الإيغال
والإيغال ضرب من المبالغة، إلّا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها.
والإيغال مشتق من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض إذا أبعد فيها. وقيل إنه سرعة الدخول في الشيء يقال: أوغل في الأمر إذا دخل فيه بسرعة.
فعلى القول الأول كأن الشاعر قد أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني كأنه أسرع الدخول في المبالغة بمبادرته القافية.
والإيغال الذي هو ضرب من المبالغة مقصور على القوافي يعني أن
стр. 109
الشاعر إذا انتهى إلى آخر البيت استخرج قافية يريد بها معنى زائدا، فكأنه قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد.
وهذا النوع من المبالغة مما فرّعه قدامة بن جعفر وعرّفه بقوله: «هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا على معنى البيت» (١).
وعرف أبو هلال العسكري الإيغال بقوله: «هو أن يستوفي معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع فيزيد معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا حسنا» (٢).
سئل الأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيرا، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، فسئل: نحو من؟ فقال:
نحو الأعشى إذ يقول:
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (٣)
فقد تم المثل- أي التشبيه- بقوله: «وأوهى قرنه» فلما احتاج إلى القافية قال «الوعل». فسئل: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنّة الجبل على قرنه فلا يضيره.
ثم سئل: نحو من؟ قال: نحو ذي الرّمة بقوله:
стр. 110
قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل (١)
ففي البيت الأول تمم الشاعر كلامه بقوله «كأخلاق الرداء» ثم احتاج إلى القافية، فقال «المسلسل» فزاد شيئا على المعنى.
وفي البيت الثاني تمّ كلامه بقوله «كتبديد الجمان» ثم احتاج إلى القافية فأتى بما يفيد معنى زائدا وهو «المفصل» (٢).
ويقال: إن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى، أي الإيغال، وذلك بقوله يصف الفرس:
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب (٣)
فالمعنى هنا أن الفرس إذا أجرى شوطين وابتلّ جانبه من العرق سمعت له صوتا وخفقا كخفق الريح إذا مرّت بشجر الأثأب. فالشاعر بالغ في وصف الفرس وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شوطين ويبتل عطفه بالعرق، وقد تم المعنى بقوله «مرت» ثم زاد إيغالا في صفته بذكر الأثأب الذي يكون للريح في أضعاف أغصانه
حفيف عظيم وشدة صوت.
وعلى هذا فإذا كانت لفظة «أثأب» قد استدعتها القافية ليكون الكلام شعرا، فإنها في الوقت ذاته أفادت معنى زائدا، وهو المبالغة في شدة
стр. 111
حفيف الفرس بتشبيهه بهزيز الريح المنبعث من اصطدامها بأغصان هذا الشجر عند مرورها من خلاله.
ومن الإيغال قول امرئ القيس أيضا:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
فهنا شبه الشاعر عيون الوحش لما فيهن من السواد والبياض بالجزع، وهو الخرز الأسود المشوب بالبياض، ولما كانت عيون الوحش لا ثقوب فيها كانت أشبه بالخرز الذي لم يثقب. فمعنى التشبيه تمّ بقوله «الجزع» وقوله «الذي لم يثقب» إيغال في التشبيه زوّد البيت بالقافية وأفاد معنى زائدا هو تأكيده التشبيه، لأن عيون الوحش غير مثقبة. ولا يخفى ما في هذه الزيادة من حسن.
ومن الإيغال في التشبيه كذلك قول زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطم (١)
والمعنى الذي عبر عنه زهير انتهى عند قوله «حب الفنا» وزيادة المعنى في قوله «لم يحطم». فزهير شبه ما تفتت وتساقط من العهن أو الصوف الملون بحب الفنا الأحمر، ولما قال بعد تمام بيته «لم يحطم» أراد أن يكون حب الفنا صحيحا لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة. فهذا البيت شبيه ببيت امرئ القيس السابق من حيث أن الإيغال فيه زوّد البيت بالقافية، وأفاد معنى زائدا في المشبه به.
ومن الإيغال البليغ باتفاق البديعيين قول الخنساء في أخيها صخر:
стр. 112
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فإن معنى جملة البيت كامل من غير القافية، ووجودها زيادة لم تكن له قبلها. فالخنساء لم ترض لأخيها أن يأتمّ به جهّال الناس حتى جعلته يأتمّ به أئمة الناس، ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه نارا. فهذا الإيغال البديع أكمل معنى المشبه به، وزوّد البيت بالقافية.
ومن بديع إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:
همو القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فقوله «وأجزلوا» إيغال في نهاية الحسن.
...
والإيغال ليس مقصورا على الشعر، وإنما هو يجيء في الشعر والنثر على حد سواء. ومجيئه في النثر المسجوع أكثر وذلك لإتمام الفواصل وزيادة المعنى. ومن أمثلته قوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. فإن الكلام تمّ بقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة أو الفاصلة الأولى، فلما أتى بها وهي لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أفاد بها معنى زائدا، وذلك لأنه لا يعلم أن حكم الله أحسن من كل حكم إلا من أيقن أنه سبحانه حكيم عادل.
ومثله قوله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فإن المعنى تم بقوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ثم ورد ما بعد ذلك وهو إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ لإتمام الكلام بالفاصلة ولإفادة معنى زائد، هو المبالغة في
стр. 113
إعراض الكفار الذين شبّهوا بالموتى في عدم انتفاعهم بالأدلة.
والإيغال الذي يعد من البديع حقا هو ما يستدعيه المعنى ويتطلبه الكلام استكمالا للشعر بالقافية وللسجع بالفاصلة. وليس من بديع المعنى في شيء كل إيغال يتكلفه الشاعر أو الناثر.
التتميم
أول من ذكر التتميم وعده من محاسن الكلام عبد الله بن المعتز في كتابه البديع (١). وقد سماه «اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه ثم يعود إليه فيتممه في بيت واحد»، ومثّل له بثلاثة أبيات من الشعر منها:
لو أن الباخلين، وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا
فمبادرة الشاعر إلى الاعتراض بقوله «وأنت منهم» قبل تمام معنى الكلام هو في الواقع تتميم قصد به المبالغة في بخل المخاطبة وأن الباخلين وهي واحدة منهم جديرون بأن يتعلموا منها المطال.
ومن بعد ابن المعتز جاء قدامة بن جعفر فأطلق على هذا المحسن البديعي اسم «التتميم» وعده من نعوت المعاني وعرفه بقوله: «هو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل معها جودته شيئا إلا أتى به».
وقد استشهد عليه بأربعة عشر بيتا من الشعر، منها قول نافع بن خليفة الغنوي:
رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عاذوا بالسيوف القواطع (٢)
стр. 114
ثم يعلق على البيت قائلا: «فما تمت جودة المعنى إلا بقوله «يعطوه»، وإلا كان المعنى منقوص الصحة» (١).
ويبدو أن تعريف قدامة لهذا الفن البديعي لاقى استحسان البلاغيين من بعده أكثر من تعريف ابن المعتز.
فأبو هلال العسكري اعتمد تعريف قدامة وأضاف إليه فأسماه «التتميم والتكميل» وعرفه على حسب مفهومه له، وأورد عليه أمثلة كثيرة من القرآن الكريم والنثر والشعر.
والتتميم والتكميل عند أبي هلال هو: أن توفي المعنى حظه من الجودة، وتعطيه نصيبه من الصحة، ثم لا تغادر معنى يكون فيه تمامه إلا تورده، أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره (٢).
...
وقد عرفه بعض رجال البديع بقوله: «والتتميم عبارة عن الإتيان في النظم والنثر بكلمة إذا طرحت من الكلام نقص حسنه ومعناه».
أقسام التتميم:
والتتميم يأتي على ضربين: ضرب في المعنى وضرب في الألفاظ.
١ - فالتتميم المعنوي: هو تتميم المعنى، وهو المراد هنا، ويجيء للمبالغة والاحتراس. ومجيئه في المقاطع والحشو، وأكثر مجيئه في الحشو.
ومن أمثلة مجيئه للاحتراس قول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.
стр. 115
فقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى تتميم وقوله وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميم ثان في غاية البلاغة، فبذكر هذين التتميمين تم معنى الكلام وجرى على الصحة. ولو حذف أحدهما أو كلاهما لنقص معنى الكلام واختل حسن البناء.
ومنه قول الرسول ﵇: «ما من مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتا في الجنة».
ففي هذا الحديث وقع التتميم في أربعة مواضع هي: قوله «مسلم» وقوله «الله» وقوله «كل يوم» وقوله «من غير الفرائض». فحذف أي من هذه التتميمات ينقص من معنى الحديث الشريف ويقلل من قيمته البلاغية.
ومما ورد فيه التتميم المعنوي للاحتراس من النثر قول أعرابية:
«كبت الله كل عدو لك إلا نفسك» فبقولها: «نفسك» تمّ الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجري مجرى العدوّ له، يعني أنها تورّطه وتدعوه إلى ما يوبقه ويهلكه.
ومن أمثلته شعرا قول عمرو بن برّاق:
فلا تأمنن الدهر حرا ظلمته ... فما ليل مظلوم كريم بنائم
فقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضي على العار، وينام عن الثأر، ولا يكون منه دون المظالم تكبّر.
ومنه أيضا قول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
فقوله: «غير مفسدها إتمام للمعنى بالاحتراس والتحرز».
стр. 116
ومثال ما جاء منه للمبالغة قول زهير بن أبي سلمى:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى طرقا
فقوله: «على علاته» تتميم للمبالغة.
ومن أبلغ ما ورد من التتميم للمبالغة قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً فقوله: عَلى حُبِّهِ
تتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين.
٢ - والتتميم اللفظي: يقصد به التتميم الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث أنه لو طرحت الكلمة استقل معنى البيت بدونها. وهذا النوع على ضربين أيضا: كلمة لا يفيد مجيئها إلا إقامة الوزن، وأخرى تفيد مع إقامة الوزن ضربا من المحاسن، فالأولى من العيوب، والثانية من النعوت والمحاسن.
والتتميم في الألفاظ الذي يفيد مع إقامة الوزن ضربا من البديع هو المراد هنا، ومثاله قول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما
فإنه جاء بقوله: «يا جنتي» لإقامة الوزن، ولكنها في الوقت ذاته أفادت تتميم المطابقة بين «الجنة» و «جهنم».
...
لقد ذكرنا فيما سبق أن قدامة هو أول من أطلق اسم «التتميم» على هذا النوع من البديع المعنوي، وأن أبا هلال العسكري استحسن هذه التسمية فاعتمدها وأضاف إليها «التكميل».
وقد جارى بعض البلاغيين أبا هلال في تسميته لهذا الفن البديعي،
стр. 117
وخلطوا التكميل بالتتميم، ولكن المتأخرين من أصحاب البديع عادوا بهذا الفن إلى تسمية قدامة له، وذلك لما لحظوه من فرق بين الأمرين.
فالتتميم عندهم يرد على المعنى الناقص فيتمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التمام. والتمام أيضا يكون متمما لمعاني النقص لا لأغراض الشعر ومقاصده، والتكميل يكملها.
ولمزيد من الإيضاح نورد هنا مثالا للتكميل وهو لكثير عزة:
لو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها
فقوله: «عند موفق» تكميل حسن، فإنه لو قال: «عند محكّم» لتمّ المعنى، لكن في قوله: «عند موفق» زيادة تكميل بها حسن البيت، والسامع يجد لهذه اللفظة من الموقع الحلو في النفس ما ليس للأولى، إذ ليس كل محكّم موفقا، فإن الموفق من الحكام من قضى بالحق لأهله.
وتجدر الإشارة بعد دراستنا لكل من التتميم والإيغال إلى أن هناك فارقا بينهما. فالتتميم كما ذكرنا يرد على المعنى الناقص فيتمه، على حين يرد الإيغال على المعنى التام لختم الكلام شعرا أو نثرا مسجوعا بما يعطيه قافيته، ويفيد في الوقت ذاته فائدة يتم المعنى بدونها كالمبالغة مثلا.
ولبيان أثر التتميم في تحسين المعنى وصحته وبلاغته نقارن هنا بين بيتين لطرفة بن العبد وذي الرمة في معنى واحد. فطرفة في دعائه لديار صاحبته بالسقيا يقول:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
فقوله: «غير مفسدها» فيه إتمام للمعنى بما يفيد أنه يدعو لديار صاحبته بأن يسقيها الغيث أو المطر بالقدر المطلوب، لا بالقدر الذي يزيد
стр. 118
عن حاجتها فيصيبها بالتلف والإفساد. فهذا التتميم بالاحتراس من البديع حقا.
أما ذو الرمة ففي دعائه بالسقيا لدار صاحبته يقول:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر (١)
فذو الرمة يدعو لدار صاحبته ميّ بالسلامة وبأن يظل المطر ينهل وينصبّ على جرعائها انصبابا شديدا. وهذا بالدعاء على دار صاحبته أشبه منه بالدعاء لها، لأن القطر إذا انهل فيها دائما فسدت. وهذا العيب ناشئ من أن الشاعر لم يتم معناه، ولم يتحرّز فيه كما فعل طرفة في بيته.
التورية
التورية من فنون البديع المعنوي، ويقال لها أيضا: الإيهام والتوجيه والتخيير، ولكن لفظة «التورية» أولى في التسمية لقربها من مطابقة المسمّى، لأنها مصدر ورّى بتضعيف الراء تورية، يقال: ورّيت الخبر:
جعلته ورائي وسترته وأظهرت غيره، كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر.
والتورية في اصطلاح رجال البديع: هي أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان، قريب ظاهر غير مراد، وبعيد خفي هو المراد.
ونحن نجد لها أكثر من تعريف لدى المتأخرين، ولكن هذه
стр. 119
التعريفات وإن اختلفت لفظا فإنها تتفق معنى، ولا تخرج جميعها في مضمونها عن مضمون التعريف السابق الذي اصطلح عليه جمهور البديعيين.
فزكي الدين بن أبي الأصبع «٦٥٤ هـ» قد عرفها في كتابه المسمى «تحرير التحبير» بقوله: «التورية وتسمى التوجيه هي أن يكون الكلام يحتمل معنيين فيستعمل المتكلم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله».
والخطيب القزويني «٧٣٩ هـ» يعرفها في كتابه التلخيص بقوله:
«ومن البديع التورية وتسمى الإيهام أيضا، وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد، وهي ضربان مجردة ومرشحة» ولم يزد على هذا القدر شيئا.
وصلاح الدين الصفدي «٧٦٤ هـ» يعرفها في كتابه «فضّ الختام عن التورية والاستخدام» بقوله: «التورية هي أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين، قريب وبعيد، فيذكر لفظا يوهم القريب إلى أن يجيء بقرينة يظهر منها أن مراده البعيد».
وتقي الدين بن حجة الحموي «٨٣٧ هـ» يعرّفها في كتابه «خزانة الأدب» بقوله: «التورية أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان حقيقيان أو حقيقة ومجاز، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد، ويورّى عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك، ولأجل هذا سمى هذا النوع إيهاما» (١).
...
стр. 120
ومن أمثلة التورية قول سراج الدين الورّاق (١):
أصون أديم وجهي عن أناس ... لقاء الموت عندهم الأديب
ورب الشعر عندهم بغيض ... ولو وافى به لهم «حبيب»
فالتورية في لفظة «حبيب»، ولها معنيان: أحدهما المحبوب، وهذا هو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهن أول وهلة بسبب التمهيد له بكلمة «بغيض»، والمعنى الثاني اسم أبي تمام الشاعر وهو حبيب بن أوس، وهذا هو المعنى البعيد الذي أراده الشاعر ولكنه تلطف فورّى عنه وستره بالمعنى القريب.
ومن أمثلتها أيضا قول بدر الدين الذهبي:
يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو؟
يمر بي كل وقت ... وكلما «مر» يحلو
فالتورية هنا كلمة «مرّ»، فإن لها معنيين: أحدهما أنها مأخوذة من المرارة وهو المعنى القريب بدليل مقابلتها بكلمة «يحلو»، وهذا المعنى القريب الظاهر غير مراد، والمعنى الثاني أنها مأخوذة من المرور، وهذا هو المعنى البعيد الذي يريده الشاعر.
ومنها كذلك قول بدر الدين الحمّاميّ:
جودوا لنسجع بالمدي ... ح على علاكم سرمدا
فالطير أحسن ما تغر ... د عند ما يقع الندى (٢)
فالتورية هنا في كلمة «الندى»، فمعناها القريب الظاهر غير المراد
стр. 121
هو ما يسقط آخر الليل من بلل ومطر خفيف، بدليل التمهيد له بذكر الطير والتغريد والوقوع، ومعناها البعيد هو الجود وهذا هو الذي أراده الشاعر.
وقوله أيضا:
أبيات شعرك كالقص ... ور ولا قصور بها يعوق
ومن العجائب لفظها ... حرّ ومعناها «رقيق»
والتورية في هذا المثال هي كلمة «رقيق» ولها معنيان: أولهما قريب ظاهر غير مراد، وهو العبد المملوك، وسبب قربه وتبادره إلى الذهن ما سبقه من كلمة «حر»، والمعنى الثاني بعيد وهو اللطيف السهل الدّمث من المعاني. وهذا هو الذي يريده الشاعر بعد أن ستره وأخفاه في ظل المعنى القريب.
ومما ورد منها في القرآن الكريم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ (١). فلفظة التورية في الآية الكريمة هي جَرَحْتُمْ ولها معنيان: أولهما قريب ظاهر غير مراد وهو إحداث تمزّق في الجسم، والثاني بعيد خفي مراد وهو ارتكاب الذنوب واقترافها.
ومن الأمثلة السابقة تتضح حقيقة التورية وأنها تتمثل دائما في لفظ مفرد له معنيان: قريب ظاهر غير مراد، وبعيد خفي هو المراد.
ومن الأمثلة السابقة تتضح حقيقة التورية، وأن القصد من لفظ التورية أن يكون مشتركا بين معنيين: أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد
стр. 122
ويورّى عنه بالمعنى القريب، فيوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك. ولهذا سمي هذا النوع إيهاما.
...
أنواع التورية:
والتورية أربعة أنواع: مجردة، ومرشحة، ومبيّنة، ومهيّأة.
١ - التورية المجردة: وهي التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المورّى به، وهو المعنى القريب، ولا من لوازم المورّى عنه، وهو المعنى البعيد.
وأعظم أمثلة هذا النوع قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فكلمة التورية هي اسْتَوى والاستواء، كما يقول الزمخشري، على معنيين: أحدهما الاستقرار في المكان، وهو المعنى القريب المورّى به غير المقصود، والثاني الاستيلاء والملك، وهو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو المراد، لأن الحق سبحانه منزّه عن المعنى الأول. ولم يذكر من لوازم هذا أو ذاك شيء، فالتورية مجردة بهذا الاعتبار.
ومن هذا النوع قول النبي ﷺ في خروجه إلى بدر، وقد قيل له:
ممن أنتم؟ فلم يرد أن يعلم السائل، فقال: «من ماء»، وأراد: أنا مخلوقون من ماء. فورّى عنه بقبيلة من العرب يقال لها: ماء.
ومن ذلك قول أبي بكر الصديق في الهجرة عند ما سأله سائل عن النبي قائلا: «من هذا؟» فقال أبو بكر: «هاد يهديني». أراد أبو بكر هو هاد يهديني إلى الإسلام فورّى عنه بهادي الطريق الذي هو الدليل في السفر.
ومنه شعرا قول القاضي عياض في سنة كان فيها شهر كانون معتدلا فأزهرت فيه الأرض:
стр. 123
كأن نيسان أهدى من ملابسه ... لشهر كانون أنواعا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل (١)
فالتورية هنا مجرّدة، والشاهد في الغزالة والجدي والحمل، فإن الشاعر لم يذكر قبل الغزالة ولا بعدها شيئا من لوازم المورّى به، كالأوصاف المختصة بالغزالة الوحشية من طول العنق، وسرعة الالتفات، وسرعة النفرة، وسواد العين، ولا من أوصاف المورّى عنه كالأوصاف المختصة بالغزالة الشمسية من الإشراق والسمو والطلوع والغروب.
٢ - والتورية المرشحة: هي التي يذكر فيها لازم المورّى به، وهو المعنى القريب، وسميت مرشحة لتقويتها بذكر لازم المورى به. ثم تارة يذكر اللازم قبل لفظ التورية وتارة بعده، فهي بهذا الاعتبار قسمان:
أ- فالقسم الأول منها: هو ما ذكر لازمه قبل لفظ التورية. وأعظم أمثلته قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ فإن قوله: بِأَيْدٍ يحتمل اليد الجارجة، وهذا هو المعنى القريب المورّى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح «البنيان»، ويحتمل القوة وعظمة الخالق، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو المراد لأن الله سبحانه منزه عن المعنى الأول.
ومنه قول يحيى بن منصور من شعراء الحماسة:
فلما نأت عنا العشيرة كلّها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وقر
فالشاهد لفظة «الجفون» فإنها تحتمل جفون العين، وهذا هو المعنى القريب المورّى به، وقد تقدم لازم من لوازمه على جهة الترشيح وهو
стр. 124
«الإغضاء» لأنه من لوازم العين، وتحتمل أن تكون جفون السيوف أي أغمادها، وهذا هو المعنى البعيد المراد المورى عنه.
ب- والقسم الثاني: هو ما ذكر لازم المورى به بعد لفظ التورية.
ومن أمثلته اللطيفة قول الشاعر:
مذ همت من وجدي في خالها ... ولم أصل منه إلى اللثم (١)
قالت: قفوا واستمعوا ما جرى ... خالي قد هام به عمي!
فلفظة التورية هنا «خالها» فإنها تحتمل خال النسب وهو المعنى القريب المورّى به وقد ذكر لازمه بعد لفظ التورية على جهة الترشيح وهو «العم»، وتحتمل أن تكون الشامة السوداء التي تظهر غالبا في الوجه وتكون علامة حسن، وهذا هو المعنى البعيد الخفيّ المورّى عنه.
٣ - التورية المبيّنة: وهي ما ذكر فيها لازم المورّى عنه قبل لفظ التورية أو بعده. فهي بهذا الاعتبار قسمان:
أ- فالقسم الأول: ما ذكر لازم المورّى عنه قبل لفظ التورية، واستشهدوا عليه بقول البحتري:
ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب
فالشاهد هنا في «تملح» فإنه يحتمل أن يكون من الملوحة التي هي صد العذوبة، وهذا هو المعنى القريب المورّى به وغير المراد، ويحتمل أن يكون من الملاحة التي هي عبارة عن الحسن، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه وهو المراد. وقد تقدم من لوازمه على التبيين «مليّة بالحسن».
стр. 125
ومن أحسن الشواهد على هذا القسم قول شرف الدين بن عبد العزيز:
قالوا: أما في جلق نزهة ... تنسيك من أنت به مغرى
يا عاذلي دونك من لحظه ... سهما ومن عارضه سطرا
الشاهد هنا في موضعين وهما «السهم وسطر» فإن المعنى البعيد هما الموضعان المشهوران بمتنزهات دمشق، وذكر النزهة بجلّق قبلهما هو المبين لهما، وأما المعنى القريب غير المراد فسهم اللحظ وسطر العارض.
ب- والقسم الثاني، من التورية المبينة: هو الذي ذكر فيه لازم المورّى عنه بعد لفظ التورية. ومن أمثلته البديعة قول الشاعر:
أرى ذنب السّرحان في الأفق طالعا ... فهل ممكن أن الغزالة تطلع؟
فالبيت فيه توريتان إحداهما «ذنب السرحان» فإنه يحتمل أول ضوء النهار، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو مراد الشاعر، وقد بيّنه بذكر لازمه بعده بقوله: «طالعا». ويحتمل ذنب الحيوان المعروف وهو الذئب أو الأسد، وهذا هو المعنى القريب المورّى به والتورية الثانية في «الغزالة» فإنه يحتمل أن يكون المراد بها الشمس، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو مقصود الشاعر وقد بيّنه بذكر لازمه بعد بقوله:
«تطلع». ويحتمل أن يكون المراد بها الغزالة الوحشية المعروفة، وهذا هو المعنى القريب المورّى به والذي لم يقصده الشاعر.
٤ - التورية المهيّأة: وهي التي لا تقع فيها التورية ولا تتهيأ إلا باللفظ الذي قبلها، أو باللفظ الذي بعدها، أو تكون التورية في لفظين لولا كل منهما لما تهيأت التورية في الآخر. فالمهيّأ على هذا الاعتبار ثلاثة أقسام.
стр. 126
أ- فالقسم الأول من التورية المهيأة: هو الذي تتهيأ فيه التورية من قبل. واستشهدوا على ذلك بقول ابن سناء الملك يمدح الملك المظفر صاحب حماة:
وسيرك فينا سيرة عمرية ... فروحت عن قلب وأفرجت عن كرب
وأظهرت فينا من سميك سنة ... فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب
فالشاهد هنا في «الفرض والندب» وهما يحتملان أن يكونا من الأحكام الشرعية، وهذا هو المعنى القريب المورّى به، ويحتمل أن يكون الفرض بمعنى العطاء والندب صفة الرجل السريع في قضاء الحوائج الماضي في الأمور، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه. ولولا ذكر «السنّة» لما تهيأت التورية فيهما ولا فهم من الفرض والندب الحكمان الشرعيان اللذان صحت بهما التورية.
ب- والقسم الثاني من التورية المهيأة: هو الذي تتهيأ فيه التورية بلفظة من بعده. ومن أمثلته نثرا قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الأشعث بن قيس: «إنه كان يحوك «الشمال» (١) باليمين»، فالشمال يحتمل أن يكون جمع شملة وهي الكساء يشتمل به، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، ويحتمل أن يراد بها الشمال التي هي إحدى اليدين ونقيض اليمين، وهذا هو المعنى القريب المورّى به. ولولا ذكر اليمين بعد الشمال لما تنبه السامع لمعنى اليد.
ومن هذا النوع من التورية المهيأة شعرا قول الشاعر:
لولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا: مريض لا يعود مريضا
لقضيت نحبي في جنابك خدمة ... لأكون «مندوبا» قضى مفروضا
стр. 127
«فالمندوب» هنا يحتمل الميت الذي يبكى عليه، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه وهو المراد، ويحتمل أن يكون أحدا لأحكام الشرعية، وهو المعنى القريب المورى به. ولولا ذكر «المفروض» بعده لم يتنبّه السامع لمعنى المندوب، ولكنه لما ذكر تهيّأت التورية بذكره.
ج- والقسم الثالث من التورية المهيّأة: هو الذي تقع التورية فيه في لفظين لولا كل منهما لما تهيّأت التورية في الآخر. واستشهدوا على ذلك بقول عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان؟
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني (١)
وموضع الشاهد هنا هو «الثريا وسهيل»، فإن «الثريا» يحتمل أن يكون الشاعر أراد بها بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، ويحتمل أن يكون أراد بها نجم الثريا، وهذا هو المعنى القريب المورى به. و «سهيل» يحتمل أيضا أن يكون سهيل بن عبد الرحمن بن عوف وقيل كان رجلا مشهورا من اليمن، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ويحتمل أن يكون النجم المعروف بسهيل، وهذا هو المعنى القريب المورى به. ولولا ذكر «الثريا» التي هي النجم لم يتنبه السامع لسهيل. وكل واحد منهما صالح للتورية.
ومما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام أن التورية هنا لا تصلح أن تكون مرشحة ولا مبيّنة؛ لأن الترشيح والتبيين لا يكون كل منهما إلا بلازم
стр. 128
خاص. والفرق بين اللفظ الذي تتهيأ به التورية، واللفظ الذي تترشح به، واللفظ الذي تتبيّن به- أن اللفظ الذي تقع به التورية مهيّأة لو لم يذكر لما تهيأت التورية أصلا، وأن اللفظ المرشح واللفظ المبين إنما هما مقويان للتورية، فلو لم يذكرا لكانت التورية موجودة.
...
والتورية التي هي نوع من البديع المعنوي لم يتنبه لمحاسنها إلا المتأخرون من حذّاق الشعر وأعيان الكتاب. وهؤلاء نظروا إليها على أنها من أغلى فنون الأدب وأعلاها رتبة، ولهذا نرى الكثيرين جدا من شعراء مصر والشام خاصة في القرن السادس والسابع والثامن للهجرة يتوسعون ويفتنون في استعمالها، ويأتون فيها بالعجيب الرائع الذي يدل على صفاء الطبع والقدرة على التلاعب في أساليب الكلام.
والقاضي الفاضل (١) «٥٩٦ هـ» يعد أول من فتح باب التورية لأهل عصره ومن بعدهم بما أودع منها في نظمه ونثره. وقد تأثر به في الولع بالتورية كثيرون من شعراء مصر من أمثال ابن سناء الملك، والسرّاج، والورّاق، والجزار، والحمامي، وابن دانيال، ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وجمال الدين بن نباته، وصلاح الدين الصفدي.
وممن اشتهر بالتوسع في استعمال التورية من شعراء الشام شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، ومجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف الذهبي، ومحيي الدين الحموي، وشمس الدين بن العفيف، وعلاء الدين
стр. 129
الكندي الشهير بالوداعي، والذي يقال: إنه أشهر من «قفا نبك» في نظم التورية!
ولعل تقي الدين بن حجة الحموي من أكثر رجال البديع المتأخرين اهتماما بالتورية. نقول ذلك لأن ما استشهد به عليها من شعر شعراء البديع بمصر والشام من عصر القاضي الفاضل إلى عصره يمثل في الواقع ربع كتابه «خزانة الأدب» الذي يشتمل على ٤٦٧ صفحة.
وهو ينبئنا عن سبب اهتمامه بالتورية إلى هذا الحد بأنه كان ينوي بعد الفراغ من تأليف «خزانة الأدب» أن يؤلف كتابا خاصا بالتورية والاستخدام يسميه «كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام» (١).
...
وإذا ألقينا نظرة على نشأة هذا النوع من البديع المعنوي فإننا نرى أن المتقدمين لم يحفلوا كثيرا بالتورية. وأن المرء ليحس فيما يلقاه منها في أدبهم أنها كانت تقع لهم عفوا من غير قصد.
ويقال إن المتنبي هو أول من التفت إليها واستخدمها في شعره على نحو ظاهر، ولكن التحقيق يظهر أن شعراء البديع في العصر العباسي الأول والثاني من أمثال أبي نواس ومسلم بن الوليد وأبي تمام والبحتري قد سبقوه إليها.
ثم أخذ الاهتمام بها ابتداء من عصر المتنبي يزداد شيئا فشيئا حتى وصلت إلى عصر القاضي الفاضل فتلقفها وتوسع في استعمالها في شعره ونثره إلى الحد الذي لفت الأنظار إليها. ومن ثم جاراه فيها شعراء مصر
стр. 130
والشام خاصة في عصره وبعد عصره، وقد أدى الإعجاب بها والمبالغة في استعمالها والإكثار منها والتكلف فيها إلى إفساد الكثير من شعر المتأخرين وإحالته إلى رياضة ذهنية وحيل لفظية ينطبق عليها قول القائل:
وما مثله إلا كفارغ بندق ... خلى من المعنى ولكن يفرقع!
التقسيم
التقسيم فن من فنون البديع المعنوي، وهو في اللغة مصدر قسمت الشيء إذا جزّأته. أما في الاصطلاح فاختلفت فيه العبارات، والكل راجع إلى مقصود واحد.
ومن أوائل من عرض له أبو هلال العسكري وفسره بقوله:
«التقسيم الصحيح: أن تقسم الكلام قسمة مستوية تحتوي على جميع أنواعه، ولا يخرج منها جنس من أجناسه، فمن ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وهذا أحسن تقسيم لأن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، ليس فيهم ثالث» (١) وقد قدم الخوف على الطمع لأن الأمر المخوف من البرق يقع في أول برقه، والأمر المطمع إنما يقع من البرق بعد الأمر المخوف. وذلك ليكون الطمع ناسخا للخوف، لمجيء الفرج بعد الشدة.
وذكر ابن رشيق القيرواني أن الناس مختلفون فيه: «فبعضهم يرى أنه استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به، كقول بشار يصف هزيمة:
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجى الفرار مثالبه
فراحوا: فريق في الأسار، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه
стр. 131
فالبيت الأول قسمان: إما موت، وإما حياة تورث عارا ومثلبة، والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسير، وقتيل، وهارب، فاستقصى جميع الأقسام، ولا يوجد في ذكر الهزيمة زيادة على ما ذكر» (١).
وعرفه الخطيب القزويني في كتابه التلخيص بقوله: «والتقسيم ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكل إليه التعيين، كقول المتلمس:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحيّ والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد (٢)
فقد ذكر الشاعر العير والوتد، ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخسف، وإلى الثاني الشج على التعيين.
وقبله عرّفه السكاكي بقوله: «هو أن تذكر شيئا ذا جزأين أو أكثر ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك، كقوله:
أديبان في بلخ لا يأكلان ... إذا صحبا المرء غير الكبد
فهذا طويل كظل القناة ... وهذا قصير كظل الوتد (٣)
كذلك عرفه زكي الدين بن أبي الأصبع بقوله: «التقسيم عبارة عن استيفاء المتكلم أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه» (٤) وقد مثل لتعريفه بقوله
стр. 132
تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ، فاستوفت الآية الكريمة جميع الهيئات الممكنة.
وكذلك بقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فاستوفت الآية الكريمة جميع الأقسام التي يمكن وجودها؛ فإن العالم جميعه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة.
وبقوله تعالى أيضا: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ، فالآية الشريفة جامعة لأقسام الزمان الثلاثة ولا رابع لها، والمراد الحال والماضي والمستقبل. فله ما بين أيدينا المراد به المستقبل، وما خلفنا المراد به الماضي، وما بين ذلك الحال.
ومما ينطبق على تعريف ابن أبي الأصبع وهو من أشرف المنثور قوله ﷺ : «وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وألبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟»، فلم يبق الرسول قسما رابعا لو طلب لوجد.
وقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «أنعم على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره».
فالإمام علي قد استوعب هنا أقسام الدرجات وأقسام أحوال الإنسان بين الفضل والكفاف والنقص.
ومنه أن شابا قدم مع بعض وفود العرب على عمر بن عبد العزيز ثم قام وتقدم المجلس قائلا: «يا أمير المؤمنين
أصابتنا سنون: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم (١)، وفي أيديكم فضول
стр. 133
أموال؛ فإن كانت لنا لا تمنعونا، وإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لكم فتصدقوا. إن الله يجزي المتصدقين». فقال عمر بن عبد العزيز: «ما ترك لنا الأعرابي في واحدة عذرا».
...
ومن التعريفات والأمثلة السابقة يمكن القول بأن التقسيم يطلق على أمور:
أحدها: استيفاء جميع أقسام المعنى، وقد ينقسم المعنى إلى اثنين لا ثالث لهما، أو إلى ثلاثة لا رابع لها، أو إلى أربعة لا خامس لها، وهكذا ..
ومن تقسيم المعنى إلى اثنين لا ثالث لهما بالإضافة إلى بعض الأمثلة السابقة قول ثابت البناني: «الحمد لله وأستغفر الله»، ولما سئل: لم خصهما؟ قال: لأني بين نعمة وذنب، فأحمد الله على النعمة، وأستغفره من الذنوب.
ومنه قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار:
متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج (١)
فالوطء الشديد إذا صادف الموطوء رخوا ارفض وتفرق منه، أو صلبا تدحرج عنه، ولهذا لم يبق الشماخ قسما ثالثا.
ومن تقسيم المعنى إلى ثلاثة لا رابع لها قول زهير:
فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء (٢)
стр. 134
فذلكم مقاطع كل حق ... ثلاث كلهن لكم شفاء
وكان عمر ﵁ يتعجب من صحة هذا التقسيم ويقول:
«لو أدركت زهيرا لوليته القضاء لمعرفته».
ومنه قول نصيب:
فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري
فليس في أقسام الإجابة عن المطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام الثلاثة.
وقول عمر بن أبي ربيعة:
وهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر
فلم يبق ابن ربيعة مما يعبر به عن إنسان مفقود قسما إلا أتى به في هذا البيت.
وقول زهير:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم
فالبيت جامع لأقسام الزمان الثلاثة ولا رابع لها.
...
والأمر الثاني الذي قد يطلق التقسيم عليه يتمثل في ذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل حالة ما يلائمها ويليق بها. ومن أمثلة ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
стр. 135
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا (١)
فالشاعر قد أضاف هنا كل حال ما يلائمها، بأن أضاف إلى الثقل حال ملاقاتهم الأعداء، وإلى الخفة حال دعوتهم إلى الحرب، وإلى الكثرة حال شدهم وهجومهم على الأعداء في الحرب، وإلى القلة حال عدّهم وإحصائهم، لأنهم إذا غلبوا أعداءهم في قلة عددهم، كان هذا أفخر لهم من الكثرة.
ومنه قول زهير:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فزهير قد أتى في هذا البيت بجميع ما استعمله الممدوح مع أعدائه في وقت الهياج والحرب مضيفا إلى كل حال ما يلائمها، وذلك بأن أضاف إلى طعن الممدوح لأعدائه حالة ارتمائهم، وإلى ضربه إياهم حالة طعنهم، وإلى اعتناقه حالة مضاربتهم. فهو في كل حال يتقدم خطوة على أقرانه.
ومنه قول طريح الثقفي:
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا
فهنا أضاف الشاعر إلى سماع الخير حالة إخفائه، وإلى سماع الشر حالة إذاعته، وإلى عدم سماعهم خيرا أو شرا حالة الكذب.
...
والأمر الثالث الذي قد يطلق التقسيم عليه يتمثل في التقطيع، ويقصد به تقطيع ألفاظ البيت الواحد من الشعر إلى أقسام تمثل تفعيلاته
стр. 136
العروضية، أو إلى مقاطع متساوية في الوزن. ويسمى التقسيم حينئذ «التقسيم بالتقطيع».
ومن أمثلة ذلك وهو من بحر الطويل قول المتنبي:
فيا شوق ما أبقى ويالي من النوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا
فقد جاء المتنبي بهذا البيت مقسما على تقطيع الوزن، كل لفظتين ربع بيت.
ومنه وهو من بحر البسيط قول المتنبي أيضا:
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
فقد جاء البيت مقسما مقطعا إلى أربعة مقاطع متساوية في الوزن.
ومنه وهو من بحر الخفيف قول البحتري:
قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو معينا أو عاذرا أو عدولا
فالبيت هنا مقسم مقطّع إلى ستة مقاطع كل واحد منها يمثل تفعيلة من تفعيلات بحر الخفيف.
وقد يجيء التقسيم بالتقطيع مسجوعا، كقول مسلم بن الوليد:
كأنه قمر أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر أو عارض هطل
وكقول أبي تمام من قصيدة يمدح فيها المعتصم ويذكر فتح عمورية:
لم يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المنية بين السّمر والقضب (١)
تدبير معتصم بالله منتقم .. ... لله مرتقب في الله مرتغب
стр. 137
فالبيت الثاني هنا فيه تقسيم بالتقطيع المسجوع. وقد أطلق قدامة على هذا النوع اسم «الترصيع»، وفضله، وأطنب كثيرا في وصفه.
والقدماء لم يكثروا من هذا النوع كراهة التكلف، ومما ورد عندهم منه قول أبي المثلم في الرثاء:
هباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان
يعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه ... من التلاد وهوب غير منان (١)
فالتقسيم بالتقطيع المسجوع هو هنا في البيت الأول كما يرى.
ومن التقسيم نوع يقال له «تقسيم الضد» ويكون بجعل كل شيء ضده، كقول العباس بن الأحنف.
وصالكمو صرم، وحبكمو قلى ... وعطفكمو صد، وسلمكمو حرب
حكى الصولي أن محمد بن موسى المنجم كان يحب التقسيم في الشعر وكان معجبا ببيت العباس بن الأحنف هذا ويقول: «أحسن والله فيما قسم حين جعل كل شيء ضده، والله إن هذا التقسيم لأحسن من تقسيمات إقليدس» (٢)!.
عيوب التقسيم:
والتقسيم إذا استوعب جميع أقسام المعنى أو جميع أحواله فهو التقسيم الصحيح الذي يعد من فنون البديع المعنوي. ولكن التقسيم قد يعتريه بعض أمور تفسده وتنقص من قيمته، ومن ذلك:
١ - عدم استيفاء كل أقسام المعنى، كقول جرير:
стр. 138
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من موالينا
فهو بعد أن ذكر أنهم أقسام ثلاثة ذكر قسمين وسكت عن الثالث، فالقسمة هنا رديئة. قيل: إن جريرا أنشد هذا البيت ورجل من حنيفة حاضر، فقيل له: من أي قسم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره!
ومن هذا النوع أيضا قول ابن القربة: «الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر»، فإن القسمة هنا رديئة لعدم استيفاء أقسامها، لأن الفاجر يجوز أن يكون أحمق، ويجوز أن يكون عاقلا، والعاقل يجوز أن يكون فاجرا، وكذلك
الأحمق.
٢ - دخول أحد القسمين في الآخر، كقول أمية بن أبي الصلت:
لله نعمتنا تبارك ربنا ... ربّ الأنام ورب من يتأبّد
فالقسمة هنا فاسدة لأن «من يتأبد ويتوحش» داخل في «الأنام».
وكقول الآخر:
فما برحت تومي إليك بطرفها ... وتومض أحيانا إذا طرفها غفل
فالقسمان في البيت متداخلان لأن «تومي وتومض» واحد.
وكقول جميل:
لو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبّا وصلتك أو أتتك رسائلي
فالبيت يوهم بالتقسيم، ولكنه ليس كذلك لأن إتيان الرسائل داخل في الوصل.
الالتفات
لعل الأصمعي «٢١٤ هـ» أول من ذكر «الالتفات»، فقد حكى عن
стр. 139
إسحاق الموصلي أنه قال: قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت:
وما هو؟ فأنشدني قوله:
أتنسى إذ تود عنا سليمى ... بعود بشامة؟ سقي الغمام
أما تراه مقبلا على شعره، إذ التفت إلى البشام فذكره فدعا له (١).
...
وقد عدّ ابن المعتز «الالتفات» من محاسن الكلام وبديعه، فعرفه ومثل له بعدة أمثلة من القرآن الكريم والشعر. ففي تعريفه له يقول:
«الالتفات هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك. ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر» (٢).
ثم مثل لانصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، أو بعبارة أخرى لانصرافه عن الخطاب إلى الغيبة بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
فالالتفات في الآية الكريمة هو في قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وعن هذا الالتفات يقول ابن الأثير:
«فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم.
стр. 140
ولو أنه قال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة» (١).
ومثل ابن المعتز كذلك لانصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، أو بعبارة أخرى لانصرافه عن الغيبة إلى الخطاب بقول جرير:
طرب الحمام بذي الأراك فشاقني ... لا زلت في علل وأيك ناضر (٢)
فجرير قد أخبر عن الغائب في الشطر الأول وهو «الحمام»، ولكنه في الشطر الثاني انصرف عن الاستمرار في خطاب هذا الغائب والتفت إلى مخاطبته بقوله «لا زلت في علل وأيك ناضر» لزيادة فائدة في المعنى هي الدعاء للحمام.
أما النوع الثالث من الالتفات عند ابن المعتز وهو انصراف المتكلم عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر فقد مثل له بقول أبي تمام:
وأنجدتمو من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
فالشاعر، وهو المتكلم هنا، يخبر من يخاطبهم بأنه يعلم أنهم قد اتخذوا دارهم في نجد بعد أن كانت في تهامة، ثم ينصرف أو يلتفت بعد ذلك إلى معنى آخر يتمثل في دعاء الدمع ومطالبته بأن يسعفه على ساكني نجد.
...
وجاء قدامة بن جعفر بعد ابن المعتز فعد «الالتفات» من نعوت
стр. 141
المعاني وعرّفه بقوله: «الالتفات أن يكون الشاعر آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظن بأن رادا يرد عليه قوله، أو سائلا يسأله عن سببه فيعود راجعا إلى ما قدمه، بمعنى يلتفت إليه بعد فراغه، فإما أن يذكر سببه أو يجلي الشك فيه» (١).
ومن أمثلة ذلك عنده قول المعطل الهذلي:
تبين صلاة الحرب منا ومنهمو ... إذا ما التقينا والمسالم بادن (٢)
فقوله: «والمسالم بادن» رجوع عن المعنى الذي قدمه حين بيّن أن علامة «صلاة الحرب» من غيرهم أن المسالم يكون بادنا والمحارب ضامرا.
ومن أمثلته أيضا قول الرماح بن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه (٣)
فكأنه يقول: «وفي اليأس راحة» والتفت إلى المعنى لتقدير أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمه أي هجره؟ فيقول مبينا علة ما يرجوه من انكشاف صرمه وهجره: لأنه يؤدي إلى اليأس، وفي اليأس راحة.
...
ومن يقارن مفهوم «الالتفات» عند ابن المعتز وقدامة، ثم يتابع مفهومه عند غيرهم من أمثال أبي هلال العسكري، وابن رشيق، وفخر الدين الرازي والسكاكي، يجد أن منهم من يستوحي مفهوم الالتفات عند
стр. 142
ابن المعتز أو قدامة، ومنهم من يخلط بين هذا الفن البديعي والاعتراض.
وخير من عرض لموضوع «الالتفات» في نظرنا هو ضياء الدين ابن الأثير، فقد عالجه بوضوح وفهم لأسراره البلاغية، ولهذا آثرنا أن ننقل هنا خلاصة لكلامه عن «الالتفات» توضح حقيقته ووظيفته البلاغية، وتجنبنا الخلط الكثير الذي وقع فيه غيره من البلاغيين.
يستهل ابن الأثير كلامه، عن هذا الفن من فنون البديع المعنوي ببيان حقيقته فيقول: «وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقيل بوجهة تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة، لأنه
ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقالات من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.
ويسمى أيضا «شجاعة العربية»، وإنما سمي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات» (١).
أقسام الالتفات
ثم يقسم ابن الأثير الالتفات ثلاثة أقسام هي:
١ - القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة.
стр. 143
٢ - القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
٣ - القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالفعل الماضي.
وفيما يلي خلاصة لكلام ابن الأثير عن كل قسم من هذه الأقسام.
...
١ - فعن القسم الأول، وهو الخاص بالرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة يورد ابن الأثير أولا آراء بعض علماء البلاغة في السبب الذي قصدت العرب إليه من وراء استعمال هذا الأسلوب، ثم يعقب عليها برأيه.
فعامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبة قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامهم. وهذا القول عنده عكاز العميان كما يقال.
كذلك لم يرتض جواب الزمخشري عن هذا السؤال بأن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه.
وعند ابن الأثير أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته. وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها.
فالانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد يكون الغرض منه تعظيم شأن المخاطب، وقد يستعمل ذات الغرض للضد، أي للانتقال من الخطاب
стр. 144
إلى الغيبة، ومن ذلك يفهم أن الغرض الموجب لاستعمال «الالتفات» لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه. وفي الأمثلة التالية توضيح ذلك.
أ- فمن الالتفات بالرجوع والعدول عن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (١). وإنما قيل:
لَقَدْ جِئْتُمْ وهو خطاب للحاضر بعد قوله وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل على قائلي هذا القول بالجرأة على الله، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم وموبخا لهم.
ومن هذا النوع أيضا، أي من الالتفات بالرجوع أو العدول عن الغيبة إلى الخطاب قول القاضي الأرّجاني:
وهل هي إلا مهجة يطلبونها؟ ... فإن أرضت الأحباب فهي لهم فدى
إذا رمتمو قتلي وأنتم أحبتي ... فماذا الذي أخشى إذا كنتمو عدى؟
فالبيت الثاني قد جاء وهو خطاب للحاضر بعد البيت الأول وهو خطاب للغائب. فالغرض البلاغي من وراء الالتفات بالعدول عن الاستمرار في الإخبار عن الغائب إلى مخاطبته هو تمثل أحبابه الغائبين في البيت الأول كأنهم حاضرون أمامه ليقرّعهم ويلومهم على عدم معاملته بالمثل، وذلك بالمقابلة بين مشاعرهم نحوه: هو على أتم استعداد لأن يفديهم بمهجته إن أرضاهم ذلك، وهم يرومون قتله بالتمادي في هجرانه
стр. 145
والإعراض عنه كما لو كان عدوا لهم.
...
ومما ينخرط في هذا السلك الالتفات بالرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
فالآية مثال للالتفات بالعدول عن الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال وَزَيَّنَّا بعد قوله ثُمَّ اسْتَوى وقوله فَقَضاهُنَّ- وَأَوْحى.
والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس لأنه مهمة من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه.
...
ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن مخاطبة النفس إلى مخاطبة الجماعة، قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. وقد وضع قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي مكان قوله «وما لكم لا تعبدون الذي فطركم» بدليل قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ولولا أنه قصد ذلك لقال «الذي فطرني وإليه أرجع».
***