المعاني وعرّفه بقوله: «الالتفات أن يكون الشاعر آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظن بأن رادا يرد عليه قوله، أو سائلا يسأله عن سببه فيعود راجعا إلى ما قدمه، بمعنى يلتفت إليه بعد فراغه، فإما أن يذكر سببه أو يجلي الشك فيه» (١).
ومن أمثلة ذلك عنده قول المعطل الهذلي:
تبين صلاة الحرب منا ومنهمو ... إذا ما التقينا والمسالم بادن (٢)
فقوله: «والمسالم بادن» رجوع عن المعنى الذي قدمه حين بيّن أن علامة «صلاة الحرب» من غيرهم أن المسالم يكون بادنا والمحارب ضامرا.
ومن أمثلته أيضا قول الرماح بن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه (٣)
فكأنه يقول: «وفي اليأس راحة» والتفت إلى المعنى لتقدير أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمه أي هجره؟ فيقول مبينا علة ما يرجوه من انكشاف صرمه وهجره: لأنه يؤدي إلى اليأس، وفي اليأس راحة.
...
ومن يقارن مفهوم «الالتفات» عند ابن المعتز وقدامة، ثم يتابع مفهومه عند غيرهم من أمثال أبي هلال العسكري، وابن رشيق، وفخر الدين الرازي والسكاكي، يجد أن منهم من يستوحي مفهوم الالتفات عند
стр. 142
ابن المعتز أو قدامة، ومنهم من يخلط بين هذا الفن البديعي والاعتراض.
وخير من عرض لموضوع «الالتفات» في نظرنا هو ضياء الدين ابن الأثير، فقد عالجه بوضوح وفهم لأسراره البلاغية، ولهذا آثرنا أن ننقل هنا خلاصة لكلامه عن «الالتفات» توضح حقيقته ووظيفته البلاغية، وتجنبنا الخلط الكثير الذي وقع فيه غيره من البلاغيين.
يستهل ابن الأثير كلامه، عن هذا الفن من فنون البديع المعنوي ببيان حقيقته فيقول: «وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقيل بوجهة تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة، لأنه
ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقالات من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.
ويسمى أيضا «شجاعة العربية»، وإنما سمي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات» (١).
أقسام الالتفات
ثم يقسم ابن الأثير الالتفات ثلاثة أقسام هي:
١ - القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة.
стр. 143
٢ - القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
٣ - القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالفعل الماضي.
وفيما يلي خلاصة لكلام ابن الأثير عن كل قسم من هذه الأقسام.
...
١ - فعن القسم الأول، وهو الخاص بالرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة يورد ابن الأثير أولا آراء بعض علماء البلاغة في السبب الذي قصدت العرب إليه من وراء استعمال هذا الأسلوب، ثم يعقب عليها برأيه.
فعامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبة قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامهم. وهذا القول عنده عكاز العميان كما يقال.
كذلك لم يرتض جواب الزمخشري عن هذا السؤال بأن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه.
وعند ابن الأثير أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته. وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها.
فالانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد يكون الغرض منه تعظيم شأن المخاطب، وقد يستعمل ذات الغرض للضد، أي للانتقال من الخطاب
стр. 144
إلى الغيبة، ومن ذلك يفهم أن الغرض الموجب لاستعمال «الالتفات» لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه. وفي الأمثلة التالية توضيح ذلك.
أ- فمن الالتفات بالرجوع والعدول عن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (١). وإنما قيل:
لَقَدْ جِئْتُمْ وهو خطاب للحاضر بعد قوله وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل على قائلي هذا القول بالجرأة على الله، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم وموبخا لهم.
ومن هذا النوع أيضا، أي من الالتفات بالرجوع أو العدول عن الغيبة إلى الخطاب قول القاضي الأرّجاني:
وهل هي إلا مهجة يطلبونها؟ ... فإن أرضت الأحباب فهي لهم فدى
إذا رمتمو قتلي وأنتم أحبتي ... فماذا الذي أخشى إذا كنتمو عدى؟
فالبيت الثاني قد جاء وهو خطاب للحاضر بعد البيت الأول وهو خطاب للغائب. فالغرض البلاغي من وراء الالتفات بالعدول عن الاستمرار في الإخبار عن الغائب إلى مخاطبته هو تمثل أحبابه الغائبين في البيت الأول كأنهم حاضرون أمامه ليقرّعهم ويلومهم على عدم معاملته بالمثل، وذلك بالمقابلة بين مشاعرهم نحوه: هو على أتم استعداد لأن يفديهم بمهجته إن أرضاهم ذلك، وهم يرومون قتله بالتمادي في هجرانه
стр. 145
والإعراض عنه كما لو كان عدوا لهم.
...
ومما ينخرط في هذا السلك الالتفات بالرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
فالآية مثال للالتفات بالعدول عن الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال وَزَيَّنَّا بعد قوله ثُمَّ اسْتَوى وقوله فَقَضاهُنَّ- وَأَوْحى.
والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس لأنه مهمة من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه.
...
ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن مخاطبة النفس إلى مخاطبة الجماعة، قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. وقد وضع قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي مكان قوله «وما لكم لا تعبدون الذي فطركم» بدليل قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ولولا أنه قصد ذلك لقال «الذي فطرني وإليه أرجع».
***
стр. 146
ب- ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الخطاب إلى الغيبة، قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
فإنه إنما قال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ولم يقل: «فآمنوا بالله وبي» عطفا على قوله: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه. وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب. فقرر أولا في صدر الآية أني رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين: الأول منهما إجراء تلك الصفات عليه، والثاني الخروج من تهمة التعصب.
ومن هذا النوع، أي من الالتفات بالرجوع أو العدول عن الخطاب إلى الغيبة قول ابن النبيه:
من سحر عينيك الأمان الأمان ... قتلت ربّ السيف والطيلسان
أسمر كالرمح له مقلة ... لو لم تكن كحلاء كانت سنان
فقد عدل عن الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في البيت الثاني لغرض بلاغي قد يكون التفنن في الأسلوب، وقد يكون التمكن من بناء التشبيه الذي يشبه فيه القوام بالرمح، مع المحافظة على سلامة الوزن الشعري.
...
والقسم الثاني من الالتفات، هو الخاص بالرجوع أو العدول عن
стр. 147
الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
ويقول ابن الأثير إن هذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل الأمر وراء ذلك. وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجرى عليه فعل الأمر.
فمن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر قوله تعالى: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ. وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ. وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ. قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ. وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
فإنه إنما قال: أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا ولم يقل: «وأشهدكم» ليكون موازنا له وبمعناه، لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول- المستقبل- لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن ساءت علاقته به: أشهد عليّ أني أحبك، تهكما به واستهانة بحاله.
...
ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر بغرض التوكيد لما أجرى عليه فعل الأمر لمكان العناية بتحقيقه قوله تعالى:
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.
وكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك بالالتفات إلى فعل الأمر للعناية بتوكيده في
стр. 148
نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي ﷺ : «الأعمال بالنيات».
...
أما القسم الثالث والأخير من أقسام الالتفات فهو الخاص بالإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وعن المستقبل بالفعل الماضي.
فالأول هنا، هو «الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل». وبيان ذلك أن الفعل المستقبل إذا أتى في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي. والسبب في ذلك أن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها وليس كذلك الفعل الماضي.
وليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض يجري هذا المجرى.
وتفصيل ذلك أن عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين: أحدهما بلاغي وهو إخبار عن الفعل الماضي بمستقبل، والآخر ليس بلاغيا. وليس إخبارا عن فعل ماض بمستقبل، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.
فالضرب الأول كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ.
فإنما قال فَتُثِيرُ مستقبلا وما قبله وما بعده ماض، وذلك حكاية للحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة ... وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تميز وخصوصية، كحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك.
стр. 149
ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ. فقال أولا خَرَّ مِنَ السَّماءِ بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل وهو «فتخطفه وتهوي»، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهويّ الريح به في مكان سحيق.
ومنه كذلك قول تأبط شرا:
بأني قد لقيت الغول تهوي ... بشهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران (١)
فتأبط شرا قصد في هذين البيتين أن يصوّر لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يريهم إياها مشاهدة ماثلة أمام أعينهم للتعجب من جرأته على ذلك الهول. ولو قال: «فضربتها» عطفا على الفعل الماضي قبله وهو «لقيت» لزال الغرض البلاغي المذكور.
أما الضرب الثاني، وهو الفعل المستقبل الذي يدل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أنه فعل مستمر الوجود
لم يمض فكقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فإنه إنما عطف الفعل المستقبل يَصُدُّونَ على الماضي كَفَرُوا لأن كفرهم كان
стр. 150
ووجد ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا، وصدهم عن سبيل الله متجدد على الأيام لم يمض وجوده، وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين.
ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. فهنا عدل عن لفظ الماضي إلى المستقبل فقال: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ولم يقل «فأصبحت» عطفا على «أنزل» وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. فإنزال الماء مضى وجوده واخضرار الأرض باق لم يمض.
وهذا كما تقول: «أنعم عليّ فلان فأروح وأغدو شاكرا له» ولو قلت: «فرحت وغدوت شاكرا له» لم يقع ذلك الموقع، لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى.
...
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر عن المستقبل الذي لم يوجد بعد، كان ذلك أبلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده، لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد.
وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها. والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل واستحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بالإخبار بالماضي عن المستقبل هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد.
فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، فإنه إنما قال
стр. 151
فَفَزِعَ بلفظ الماضي بعد قوله يُنْفَخُ وهو مستقبل، للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به.
ومن أمثلة الالتفات بالإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل أيضا قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. وإنما قيل وَحَشَرْناهُمْ ماضيا بعد «نسيّر وترى» وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك لأن الحشر هو المهم، لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي.
فالعدول بالالتفات عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة لا يكون، كما رأينا، إلا لنوع من الخصوصية اقتضت ذلك. وهذه أمر لا يتوخاه في كلامه إلا المتمرس بفن القول والعارف بأسرار الفصاحة والبلاغة (١).
الجمع
الجمع: هو أن يجمع بين متعدد في حكم واحد، أو هو أن يجمع المتكلم بين شيئين فأكثر في حكم واحد، كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، فقد جمع الله المال والبنون في الزينة.
ومنه قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٢). فجمع بين الشمس والقمر في الحسبان أي الحساب
стр. 152
الدقيق، وجمع بين النجم والشجر في السجود أي الانقياد لإرادة الله سبحانه.
ومنه قوله ﷺ : «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (١). فجمع الأمن ومعافاة البدن وقوت اليوم في حكم واحد هو حيازة الدنيا وامتلاكها بحذافيرها أي من جميع نواحيها.
ومنه شعرا قول أبي العتاهية:
إن الفراغ والشباب والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
فجمع الشاعر بين الفراغ والشباب والجدة أي الاستغناء في حكم واحد هو المفسدة، أي أن هذه الأمور تؤدي بصاحبها إلى الفساد.
التفريق
التفريق في اللغة ضد الاجتماع.
والتفريق في اصطلاح البديعيين هو إيقاع تباين بين أمرين من نوع، في المدح وغيره. وهذا معناه أن المتكلم أو الناظم يأتي إلى شيئين من نوع واحد فيوقع بينهما تباينا وتفريقا بفرق يفيد زيادة وترجيحا فيما هو بصدده من مدح أو ذم أو نسيب أو غيره من الأغراض الأدبية.
ومن أمثلة التفريق قول رشيد الدين الوطواط:
стр. 153
ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين (١) ... ونوال الغمام قطرة ماء
فالشاعر هنا قد أوقع التباين بين النوالين أي العطائين: نوال الغمام ونوال الأمير، مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق نوال.
ومن أمثلة التفريق أيضا قول الشاعر:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين
فهنا شيئان من نوع واحد هما جدوى الممدوح وجدوى الغمام، أي عطاؤهما، وقد أوقع الشاعر تباينا بينهما بفرق يفيد زيادة وترجيحا لكفة عطاء الممدوح، فهو يعطي ضاحكا فرحا بالعطاء، على حين يعطي الغمام دامع العين، كأنما هناك قوة تدفعه إلى العطاء على غير إرادة منه.
ومنه قول الشاعر:
قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف
هذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف
فالشاعر أتى هنا بشيئين من نوع واحد على التشبيه هما: غصن شجر الخلاف أي الصفصاف، وقوام صاحبته الذي يشبه الغصن في التثني، ثم أوقع التباين والتفريق بينهما لفائدة معنوية ادعاها، وهي تفضيل قوام صاحبته على غصن الخلاف، لأن الأخير تنفر النفس عنه لاسمه «الخلاف»
стр. 154
أما الأول وهو قوام صاحبته فغصن لا خلاف ولا شك فيه. وفي «خلاف» و «خلاف» جناس تام لتشابه اللفظين نطقا لا معنى، واتفاق حروفهما هيئة ونوعا وعددا وترتيبا.
ومن التفريق أيضا قول صفي الدين الحلي في مدح الرسول:
فجود كفيه لم تقلع سحائبه ... عن العباد وجود السحب لم يدم
ففي البيت شيئان من نوع واحد هما: جود كفي الرسول صلوات الله عليه وجود السحب، وقد أوقع الشاعر تباينا بينهما مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق جود.
وقد قصد الشاعر من وراء هذا التباين أو التفريق بين الشيئين من نوع واحد إلى غرض بلاغي هو ترجيح وتفضيل جود كفي الرسول على جود السحب، فجود كفي الرسول على العباد متصل دائم وجود السحب منقطع غير دائم.
الجمع مع التقسيم
الجمع مع التقسيم: هو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه، أو العكس أي تقسيم متعدد ثم جمعه تحت حكم.
فالأول وهو جمع المتعدد ثم تقسيمه كقول المتنبي من قصيدة يصف فيها موقعة دارت بين الروم والعرب بقيادة
سيف الدولة بالقرب من بحيرة الحدث:
حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع (١)
стр. 155
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
فالمتنبي هنا جمع الروم ممثلين في نسائهم وأولادهم وأموالهم وزرعهم تحت حكم واحد هو الشقاء، ثم قسم ذلك الحكم إلى سبي وقتل ونهب وإحراق، وأرجع إلى كل قسم من هذه الأقسام ما يلائمه ويناسبه، فأرجع للسبي ما نكحوا، وللقتل ما ولدوا، وللنهب ما جمعوا، وللنار ما زرعوا، أي إتلاف مزارعهم بالإحراق.
ومع أن الصلبان والبيع تشترك بالعطف مع الروم في الحكم عليها بالشقاء إلا أن التقسيم خصّ بالروم وقصر عليهم وحدهم.
والثاني: هو التقسيم ثم الجمع، أو بعبارة أخرى هو تقديم التقسيم وتأخير الجمع في الحكم عليه. ومن أمثلته قول حسان بن ثابت:
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهمو ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرّها البدع (١)
قسم الشاعر في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء في الحرب ونفع الأشياع والأولياء، ثم عاد فجمعها في البيت الثاني حيث قال: «سجية تلك».
والنوع الأول هنا كما يبدو أحسن وأوقع في القلوب من الثاني، وعليه مشى أصحاب البديعيات.
стр. 156
ومن النوع الأول أيضا وهو الجمع ثم التقسيم قول صفي الدين الحلي:
أبادهم فلبيت المال ما جمعوا ... والروح للسيف والأجساد للرخم (١)
فكما يفهم من البيت جمع الشاعر المتمردين على السلطان تحت حكم واحد هو الإبادة، ثم قسم ذلك الحكم إلى المال والروح والأجساد، وأرجع إلى كل واحد من هذه الأقسام ما يناسبه، فأرجع لبيت المال ما جمعوا، وللسيف الروح وللرخم الأجساد.
ويلاحظ على هذا البيت أن صفي الدين الحلي قد استوحى معناه من معنى المتنبي السابق، ولكن شتان بين صياغة وصياغة، وبين شاعر مبتدع وآخر مقلد.
الجمع مع التفريق
يعرفه علماء البديع بأنه الجمع بين شيئين في حكم واحد ثم التفريق بينهما في ذلك الحكم.
ومن أمثلته قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً. فالمعنى أولا أن الله سبحانه جعل الليل والنهار آيتين، أي دليلين على قدرته وحكمته، والمراد بمحو آية خلقها ممحوا ضوءها، أي جعلها مظلمة كما جعل آية النهار مبصرة.
على هذا جمع بين الليل والنهار في حكم واحد هو أنهما آيتان ودليلان على القدرة والحكمة، ثم فرق بينهما في ذلك الحكم من جهة أن الليل يكون مظلما والنهار يكون مضيئا.
стр. 157
ومن أمثلة الجمع مع التفريق شعرا قول رشيد الدين الوطواط:
فوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرّها
فقد جمع بين وجه الحبيب وقلب نفسه في حكم واحد هو تشبيههما بالنار، ثم فرّق بينهما في ذلك الحكم من جهة وجه الشبه في كليهما، فوجه الحبيبة كالنار في ضوئها ولمعانها، وقلب الشاعر كالنار في حرارتها ولهبها المحرق.
ومن الشواهد أيضا قول الفخر عيسى:
تشابه دمعانا غداة فراقنا ... مشابهة في قصة دون قصة
فوجنتها تكسو المدامع حمرة ... ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي
فالشاعر هنا جمع بين الدمعين ساعة الفراق في الشبه، ثم فرّق بينهما بأن دمع الحبيبة أبيض فإذا جرى على خدها صار أحمر بسبب احمرار خدّها، وأنّ دمعه أحمر لأنه يبكي دما وجسده من النحول والشحوب أصفر فإذا جرى دمعه على خده صيّره أحمر.
ومن أمثلة الجمع مع التفريق كذلك قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدرّ منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
فالبحتري في بيتيه هذين جمع بين رائي الدر ولاقطه في حكم واحد هو التعجب، ثم فرّق بينهما في ذلك الحكم، أي من جهة التعجب، فرائي الدر يتعجب من ثناياها اللؤلؤية التي تبدو له عند ابتسامها، ولاقط الدر يتعجب مما تنفرج عنه شفتاها عند الحديث من كلمات يلتقطها وكأنها اللؤلؤ قيمة ونفاسة.
стр. 158
الجمع مع التفريق والتقسيم
وهو الجمع بين شيئين أو أشياء في حكم واحد، ثم التفريق بينها في ذلك الحكم، ثم التقسيم بين الشيئين أو الأشياء المفرقة بأن يضاف إلى كل ما يلائمه ويناسبه.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١).
أما الجمع ففي قوله: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فإن قوله نَفْسٌ متعدد معنى، أي جمع الأنفس بقوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، ثم فرق بينهم بأن بعضهم شقي وبعضهم سعيد، ثم قسم بأن أضاف إلى الأشقياء ما لهم من عذاب النار، وإلى السعداء ما لهم من نعيم الجنة.
ومن الجمع مع التفريق والتقسيم شعرا قول ابن شرف القيرواني:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فنّ
فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن (٢)
فمختلفي الحاجات جمع بينهم في حكم واحد هو الاجتماع أمام
стр. 159
بابه، ثم فرّق بينهم في ذلك الحكم من جهة أن كلا منهم له حال خاصة تخالف حال غيره، ثم عاد فقسّم بأن أضاف إلى كل واحد منهم ما يناسب حاله، فللخامل العليا، وللمعدم الغنى، وللمذنب العتبى، وللخائف الأمن.
стр. 160
تأكيد المدح بما يشبه الذم
أول من فطن إلى هذا النوع من البديع المعنوي عبد الله بن المعتز، فقد عده في كتابه «البديع» من محاسن الكلام، وسمّاه «تأكيد مدح بما يشبه الذم» وأورد له مثالين، هما قول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
وقول النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
ومن البلاغيين من يسمي هذا الفن البديعي «الاستثناء» ناظرين إلى أن حسنه المعنوي ناشئ من أثر أداة الاستثناء التي يبنى عليها، ولكن تسمية ابن المعتز له أدلّ في الواقع عليه من تسميته «بالاستثناء».
...
وتأكيد المدح بما يشبه الذم ضربان:
١ - أولهما، وهو في الوقت ذاته أفضلهما، أن يستثنى من صفة ذم
стр. 161
منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها في صفة الذم.
كقول النابغة الذبياني السابق:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١)
فالنابغة هنا نفى أولا عن ممدوحيه صفة العيب ثم عاد فأثبت لهم بالاستثناء عيبا هو أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب، وهذه ليست في الواقع صفة ذم وإنما هي صفة مدح أثبتها الشاعر لممدوحيه وأكدها بما يشبه الذم.
وتأكيد المدح في هذا الضرب من وجهين: أحدهما أن التأكيد فيه هو من جهة أنه كدعوى الشيء ببيّنة وبرهان، كأنه استدل على أنه لا عيب فيهم بأن ثبوت عيب لهم معلق بكون فلول السيف عيبا وهو محال.
والوجه الثاني أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال، بمعنى أن المستثنى يكون داخلا في المستثنى منه وفردا من أفراده، وعلى هذا فإذا قيل:
«ولا عيب فيهم غير ...» فإن السامع يتوهم بمجرد التلفظ بأداة الاستثناء «غير» أو نحوها وقبل النطق بما بعدها أن ما يأتي بعدها وهو المستثنى لا بدّ أن يكون صفة ذم، فإذا ولى أداة الاستثناء صفة مدح تبدد توهم السامع بهذه المفاجأة التي لم يكن يتوقعها. لقد توهم أن الذي سيلي أداة الاستثناء لا بدّ أن يكون صفة ذم فإذا به يفاجأ بأنها صفة مدح. ومن هنا يجيء التوكيد لما فيه من المدح على المدح، ومن الإشعار بأن المتكلم لم يجد صفة ذم يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح وتحويل الاستثناء من متصل إلى منقطع.
...
стр. 162
٢ - والضرب الثاني من تأكيد المدح بما يشبه الذم يتمثل في إثبات صفة مدح لشيء تعقبها أداة استثناء يكون المستثنى بها صفة مدح أخرى له.
ومثال ذلك قول الرسول: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش»، و «بيد» بمعنى «غير» وهو أداة استثناء، وأصل الاستثناء في هذا الضرب أن يكون منقطعا، ولم يقدر متصلا لأنه ليس هنا صفة ذم منفية عامة يمكن تقدير دخول صفة المدح فيها.
وإذا لم يمكن تقدير الاستثناء متصلا في هذا الضرب فلا يفيد التوكيد إلا من الوجه الثاني، وهو أن ذكر أداة الاستثناء يوهم إخراج شيء مما قبلها من حيث أن الأصل في مطلق الاستثناء هو الاتصال، فإذا ذكر بعد الأداة صفة مدح أخرى جاء التوكيد.
ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم ضرب آخر وهو أن يؤتى بمستثنى فيه معنى المدح معمولا لفعل فيه معنى الذم، وذلك نحو قوله تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا. أي وما تعيب منا إلا الإيمان بالله الذي هو أصل المناقب والمفاخر كلها.
فالفعل تَنْقِمُ فيه معنى العيب والذم، والمستثنى بإلا وهو مصدر الإيمان المؤول من «أن آمنا» يتضمن صفة مدح، وهو في الوقت ذاته معمول الفعل تَنْقِمُ. فهذا المثال ونظائره مما تأتي فيه صفة المدح الواقعة بعد أداة الاستثناء
معمولا لفعل فيه معنى الذم- يعد ضربا آخر من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
وفي هذا الأسلوب البديعي قد تأتي أدوات الاستثناء من مثل «إلا، وغير، وسوى» بمعنى «لكن» التي للاستدراك، وعندئذ يكون تأكيد المدح
стр. 163
بما يشبه الذم فيها من الضرب الثاني الذي يتمثل في إثبات صفة مدح لشيء تعقبها أداة استثناء يكون المستثنى بها صفة مدح أخرى له. وذلك كقول الشاعر:
هو البحر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
فالممدوح هنا هو البحر، لكنه البحر زاخرا، لكنه الضرغام، لكنه الوبل أي المطر، فقد شبه الممدوح بالبحر وهذه صفة مدح، ثم أكدت هذه الصفة بصفات مدح أخرى هي: أنه البحر زاخرا، وأنه الضرغام شجاعة، وأنه الوبل أي المطر غزارة. وكل ذلك قد ثبت وتأكد بالاستدراك الذي أزال توهم السامع بالاستثناء لصفات ذم وأحل محلها صفات مدح.
وبعد ... فتجدر الإشارة هنا إلى أن تسمية هذا الفن البديعي «بتأكيد المدح بما يشبه الذم» قد نظر فيها إلى الأعم الأغلب، وإلا فقد يكون ذلك في غير المدح والذم ويكون من محسنات الكلام، كقوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يحل لكم غيره، وذلك غير الممكن.
والغرض بطبيعة الحال هنا هو المبالغة في تحريم هذا النوع من الزواج وسد الطريق إلى إباحته. ويمكن تسمية ما يأتي من هذا القبيل «بتأكيد الشيء بما يشبه نقيضه».
...
وتتمة لما سبق وزيادة في توضيحه نورد فيما يلي بعض أمثلة مما جادت به قرائح الشعراء فيه.
стр. 164
فالضرب الأول من تأكيد المدح بما يشبه الذم هو، كما عرفنا، أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها في صفة الذم. ومن أمثلة ذلك:
١ - قول أبي هفّان الشاعر:
ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضرّ بنا، والبأس من كل جانب
فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب
فقوله إن السماح والبأس أضرّا بهم ليس بعيب على الحقيقة، ولكنه توكيد مدح. ومما زاد المعنى ملاحة ولطف
موقع ما تضمنه من احتراس بديع في قوله «غير ظالم وغير عائب».
٢ - وقول ابن الرومي:
ليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه
فجعل انفراده في الدنيا بالحسن دون أن يكون له قرين يؤنسه عيبا، فهو بذلك يزيد توكيد حسنه.
٣ - وقول حاتم الطائي:
وما تشتكي جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر عليّ ستورها
٤ - وقول أبي هلال العسكري:
ولا عيب فيه غير أن ذوي الندى ... خساس إذا قيسوا به ولئام
٥ - وقول شاعر:
ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن
стр. 165
٦ - وقول صفي الدين الحلي في المعنى السابق:
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم
٧ - وقول جمال الدين بن نباتة:
لا عيب فيه سوى العزائم قصّرت ... عنها الكواكب وهي بعد تحلق
٨ - وأعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً.
...
والضرب الثاني من تأكيد المدح بما يشبه الذم يتمثل في إثبات صفة مدح لشيء تعقبها أداة استثناء يكون المستثنى بها صفة مدح أخرى له.
ومن أمثلته:
١ - قول النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
فتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسيء الأعاديا
٢ - وقول شاعر آخر:
أدافع عن أحسابهم غير أنني ... وحاشاي يوما لا أمنّ عليهمو
٣ - وقول شاعر ثالث:
أطلب المجد دائبا غير أني ... في طلابي لا تعرف اليأس نفسي
стр. 166
تأكيد الذم بما يشبه المدح
وتأكيد الذم بما يشبه المدح كعكسه السابق ضربان:
١ - أحدهما أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم، بتقدير دخولها في صفة المدح.
وذلك نحو قول القائل: «فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من أحسن إليه».
٢ - وثانيهما أن يثبت للشيء صفة ذم وتعقّب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له. وذلك كقول القائل: «فلان فاسق إلا أنه جاهل».
والضرب الأول يفيد التأكيد من وجهين، والثاني من وجه واحد، كما مر من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
المذهب الكلامي
المذهب الكلامي نوع كبير من أنواع البديع المعنوي، وقد عده ابن المعتز أحد الفنون البديعية الخمسة الأساسية التي بنى عليها كتابه
стр. 167
«البديع»، وقال عنه: «هو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي.
وهذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئا، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» (١).
ولكن ابن المعتز لم يذكر مفهوم الجاحظ لهذا الفن البديعي كما أنه لم يحاول هو تحديده، وكل ما فعله أنه ذكر بعض أمثلة له، منها قول الفرزدق:
لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرار هنّ شفيعها
ومنها قول أبي نواس:
إن هذا يرى- ولا رأي للأح ... مق- أني أعده إنسانا
ذاك في الظن عنده وهو عندي ... كالذي لم يكن وإن كان كانا
وقول إبراهيم بن المهدي يعتذر للمأمون من وثوبه على الخلاقة:
البرّ منك وطاء العذر عندك لي ... فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم
وإذا تأملنا كل مثال من هذه الأمثلة وجدنا أن الشاعر يدعي دعوى ثم يحاول التماس دليل مقنع عليها. تماما كما يفعل المتكلمون بإيراد الحجج العقلية على دعاواهم.
وعلى هذا فأغلب الظن أن مفهوم المذهب الكلامي عند الجاحظ وابن المعتز كما توحي به الأمثلة السابقة هو: اصطناع مذهب المتكلمين العقلي في الجدل والاستدلال وإيراد الحجج والتماس العلل، وذلك بأن
стр. 168
يأتي البليغ على صحة دعواه بحجة قاطعة أيا كان نوعها.
ولعل مما يؤكد ذلك قول الجاحظ في معرض المعرفة والاستدلال:
«ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنه لولا الاستدلال لما كان لوضع الدلالة معنى ..... وللعقل في خلال ذلك مجال، وللرأي تقلب، وتنشر للخواطر أسباب، ويتهيأ لصواب الرأي أبواب» (١).
...
وقد عرض البلاغيون بعد ابن المعتز للمذهب الكلامي وعدوه من فنون البديع، ومن هؤلاء أبو هلال العسكري وابن رشيق القيرواني.
وكلام هذين الأديبين لم يزد في جملته على ما قاله ابن المعتز نقلا عن الجاحظ، ولكن أبا هلال يعلق بملاحظة ذكية على قول ابن المعتز، فيقول في مستهل كلامه عن المذهب الكلامي: «جعله عبد الله بن المعتز الباب الخامس من البديع، وقال: ما أعلم أني وجدت منه شيئا في القرآن وهو ينسب إلى التكلف، فنسبه إلى التكلف وجعله من البديع» (٢)!.
كما أن ابن رشيق يقرر أنه «مذهب كلاميّ فلسفيّ» (٣) كما جاء في تعقيبه على بيتين من شعر أبي نواس.
...
وإذا ما انتهينا إلى العصور المتأخرة فإننا نجد الخطيب القزويني «٧٣٩ هـ» يعرف المذهب الكلامي بقوله: «هو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام، نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٤).
стр. 169
والقزويني يقصد «بطريقة أهل الكلام» أن تكون الحجة بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب. ففي قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا اللازم، وهو فساد السموات والأرض باطل، لأن المراد به خروجهما عن النظام الذي هما عليه، فكذا الملزوم وهو تعدد الآلهة باطل.
ومثل هذه الآية الكريمة قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي والإعادة أهون عليه من البدء، والأهون من البدء أدخل في الإمكان من البدء. فالإعادة أدخل في الإمكان من البدء وهو المطلوب.
وقد استشهد القزويني على هذا الفن البديعي أيضا بأبيات من قصيدة للنابغة الذبياني يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر، وهي:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب (١)
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب (٢)
ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا
فالقضية كما يفهم من القصيدة التي منها هذه الأبيات أن النابغة قد كان مدح آل جفنة بالشام فتنكر النعمان لذلك وغضب على الشاعر. وفي هذه الأبيات التي هي مثال للمذهب الكلامي يجادل النابغة النعمان بالمنطق ويدافع عن نفسه بالحجج وبأنه لم ينحرف عن ولائه له، وليس من العدل التفرقة في الحكم بين مدح ومدح. ثم ينتهي بالحجة الدامغة
стр. 170
فيقول: أنت أحسنت إلى قوم أراك اصطفيتهم فمدحوك، وأنا أحسن إليّ قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا، فكذلك مدحي لمن أحسن إليّ لا يعد ذنبا.
ففي المذهب الكلامي قضايا ودعاوى يدافع عنها بالمنطق والجدل، والحجج والأدلة المقنعة، كما رأينا.
...
وممن جاءوا بعد القزويني وعرضوا للمذهب الكلامي ابن حجة الحموي أحد علماء وأدباء القرن التاسع الهجري.
ففي مستهل حديثه عنه يقول: «المذهب الكلامي نوع كبير نسبت تسميته إلى الجاحظ. وهو في الاصطلاح أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة قاطعة عقلية تصح نسبتها إلى علم الكلام، إذ علم الكلام عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية القاطعة».
ثم يستطرد إلى الرد على قول ابن المعتز بأنه لا يعلم ذلك في القرآن، يعني المذهب الكلامي، فيقول ابن حجة: «وليس عدم علمه مانعا علم غيره، إذ لم يستشهد على هذا المذهب الكلامي بأعظم من شواهد القرآن، وأصح الأدلة في شواهد هذا النوع وأبلغها قوله تعالى:
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، هذا دليل قاطع على وحدانيته ﷻ ، وتمام الدليل أن تقول: لكنهما لم تفسدا، فليس فيهما آلهة غير الله».
ومن أدلته أيضا عنده قوله ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»، وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم. فهذان قياسان شرطيان من كلام الله وكلام نبيه.
стр. 171
ومثله قول مالك بن المرجل الأندلسي:
لو يكون الحبّ وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل
أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل
إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالعلل
فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي، فإنه قاس الوصل على الماء، فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش، فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر.
وعند ابن حجة أن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره، وأعذب في الذوق، وأسهل في التركيب، فإنه جملة واقعة بعد «لو» الشرطية وجوابها، وهذه الجملة على اصطلاح المناطقة مقدمة شرطية يستدل بها على
ما تقدم من الحكم (١).
اللف والنشر
ويسميه بعض البديعيين «الطي والنشر»: وهو ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين، ثقة بأن السامع يرده إليه لعلمه بذلك بالقرائن اللفظية أو المعنوية.
وهذا يعني أن تذكر شيئين فصاعدا إما تفصيلا فتنص على كل واحد منهما، وإما إجمالا فتأتي بلفظ واحد يشتمل على متعدد وتفوض إلى العقل رد كل واحد إلى ما يليق به من غير حاجة إلى أن تنص أنت على ذلك.
стр. 172
أقسامه:
واللف والنشر كما يفهم من التعريف السابق قسمان:
الأول: ذكر المتعدد على التفصيل وهو ضربان:
١ - أحدهما: أن يكون النشر على ترتيب اللف بأن يكون الأول من المتعدد في النشر للأول من المتعدد في اللف، والثاني للثاني، وهكذا إلى الآخر. وهذا الضرب هو الأكثر في اللف والنشر والأشهر.
ومن شواهد هذا الضرب بين اثنين قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ فالسكون راجع إلى الليل والابتغاء من فضل الله راجع إلى النهار على الترتيب.
ومن شواهده شعرا قول الشاعر:
ألست أنت الذي من ورد نعمته ... وورد راحته أجني وأغترف؟
ومنها أيضا مع زيادة التورية قول شاعر آخر:
سألته عن قومه فانثنى ... يعجب من إسراف دمعي السخي
وأبصر المسك وبدر الدجى ... فقال ذا خالي وهذا أخي
ومن شواهده بين ثلاثة وثلاثة قول ابن حيوس:
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه (١)
فعل المدام ولونها ومذاقها ... من مقلتيه ووجنتيه وريقه
ومنها قول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
стр. 173
فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم (١)
ومثله قول حميدة الأندلسية:
ولما أبي الواشون إلا فراقنا ... وما لهمو عندي وعندك من ثار
غزوناهمو من ناظريك وأدمعي ... وأنفاسنا بالسيف والسيل والنار
ومن شواهد ذكر المتعدد على التفصيل والترتيب بين أربعة وأربعة قول الشاب الظريف شمس الدين بن العفيف:
رأى جسدي والدمع والقلب والحشا ... فأضنى وأفنى واستمال وتيما
ومن شواهده أيضا قول الشاعر:
ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح
وقد افتن الشعراء في هذا النوع من اللف والنشر المفصل المرتب حتى بلغوا فيه إلى الجمع بين عشرة وعشرة كقول بعضهم:
شعر جبين محيا معطف كفل ... صدغ فم وجنات ناظر ثغر
ليل صباح هلال بانة ونقا ... آس أقاح شقيق نرجس درّ
وحسن هذا النوع من البديع يتمثل في أن يكون اللف والنشر في بيت واحد خاليا من الحشو والتعقيد جامعا بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة. ولكن المبالغة والإسراف في كثرة المتعدد منه كما في بعض الأمثلة السابقة تخرج به عن دائرة البديع وتجرده من نعوت الحسن وترده إلى نوع من العبث يدعو إلى العجب منه بدل الإعجاب به.
٢ - والضرب الثاني من اللف والنشر المفصل: هو ما يجيء على غير
стр. 174
ترتيب اللف. ومن هذا الضرب ما يكون معكوس الترتيب، كقول ابن حيوس:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدا وردفا (١)
فاللحظ للغزال، والقد للغصن، والردف للحقف.
وكقول الفرزدق:
لقد خنت قوما لو لجأت إليهمو ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت فيهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم (٢)
ومنه ما يكون مختلطا مشوشا، ولهذا يسمى اللف والنشر المشوش، نحو: «هو ليل وورد ومسك خدا وأنفاسا وشعرا».
...
والقسم الثاني من اللف والنشر ما يكون ذكر المتعدد فيه على الإجمال، نحو قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى. فإن الضمير في قالُوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، فذكر الفريقان على وجه الإجمال بالضمير العائد إليهما، ثم ذكر ما لكل منهما، أي: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى.
فلف بين القولين إجمالا ثقة بقدرة السامع على أن يرد إلى كل فريق قوله، وأمنا من الالتباس، وذلك لعلمه بالتعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه بدعوى أن داخل الجنة هو لا صاحبه. وهذا
стр. 175
القسم من اللف والنشر لا يقتضي ترتيبا أو عدم ترتيب.
...
ومن بديع اللف والنشر وغريبه أن يذكر متعددان أو أكثر ثم يذكر في نشر واحد ما يكون لكل من أفراد كل من المتعددين، كقول القائل:
«الغنى والفقر والعلم والجهل بها تحيا الشعوب وبها تموت».
«فالغنى والفقر» لف أول، و «العلم والجهل» لفّ ثان، وقوله: «بها تحيا الشعوب وبها تموت» نشر ذكر فيه ما لكل
واحد من اللفين، لأن قوله: «بها تحيا الشعوب» نشر راجع للغنى من اللف الأول وللعلم من اللف الثاني. وقوله: «وبها تموت» نشر راجع للفقر في اللف الأول، وللجهل في اللف الثاني.
ولعنا بعد كل ما تقدم ندرك معنى تسمية هذا النوع من البديع المعنوي «باللف والنشر». فوجه تسمية المعنى المتعدد الأول على وجه التفصيل أو الإجمال باللف أنه انطوى فيه حكمه، لأنه اشتمل عليه من غير تصريح به، ثم لما صرح به في الثاني كان كأنه نشر لما كان مطويا، فلذلك سمي نشرا.
مراعاة النظير
ويسميه أصحاب البديع التناسب والائتلاف والتوفيق والمؤاخاة أيضا. وهو في الاصطلاح: أن يجمع الناظم أو الناشر أمرا وما يناسبه لا بالتضاد لتخرج المطابقة، سواء كانت المناسبة لفظا لمعنى أو لفظا للفظ أو معنى لمعنى، إذ المقصود جمع شيء إلى ما يناسبه من نوعه أو ما يلائمه من أي وجه من الوجوه.
стр. 176
ومن أمثلة ذلك قول البحتري في وصف الإبل الانضاء التي أنحلها السير:
كالقسيّ المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار
فإنه لما شبه الإبل بالقسي وأراد أن يكرر التشبيه كان يمكنه أن يشبهها مثلا بالعراجين أو نون الخط لأن المعنى واحد في الانحناء والرقة، ولكنه قصد المناسبة بين الأسهم والأوتار لما تقدم ذكر القسي.
ومن شواهد مراعاة النظير التي يجمع فيها بين الأمر وما يناسبه لا على وجه التضاد قول الشاعر في وصف فرس:
من جلّنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس (١)
فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة.
ومنها أيضا قول ابن رشيق في مدح الأمير تميم:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
فإن الشاعر قد ناسب هنا بين الصحة والقوة والسماع والخبر المأثور والرواية، ثم بين السيل والحيا والبحر وكف تميم، مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث، فإن السيول أصلها المطر والمطر أصله البحر، ولهذا جعل كف الممدوح أصلا للبحر مبالغة.
ومنها كذلك قول الشاعر:
стр. 177
والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط
والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط
فالجمع بين كل أمر وما يناسبه في البيتين أوضح من أن يدل عليه.
تشابه الأطراف:
ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم «تشابه الأطراف»، وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب من يدرك شيئا، فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به.
ومنه قوله تعالى أيضا: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. قال: الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ على أن ما له ليس لحاجة، بل هو غني عنه جواد به، فإذا جاد به حمده المنعم عليه.
إيهام التناسب:
ويقصد به الجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وإن لم يكونا مقصودين، ومن أجل ذلك يلحق بمراعاة النظير.
ومثال إيهام التناسب هذا قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي بحساب معلوم وتقدير محكم دقيق، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ، النجم: النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول، والشجر الذي له ساق. وسجودهما: انقيادهما لله فيما خلقا له.
فالنجم بمعنى النبات وإن لم يكن مناسبا للشمس والقمر، فقد يكون بمعنى الكوكب وهو مناسب لهما. ولهذا سمي إيهام التناسب.
стр. 178
أسلوب الحكيم
يقصد بأسلوب الحكيم تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، إما بترك سؤاله والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد، إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل هذا السؤال أو يقصد هذا المعنى.
ومن أمثلة ذلك: قيل لتاجر: «كم رأس مالك؟ فقال: إني أمين وثقة الناس بي عظيمة». وقيل لشيخ هرم: «كم سنك؟ فقال: إني أنعم بالعافية».
ففي السؤال الأول صرف التاجر سائله عن رأس ماله ببيان ما هو عليه من الأمانة وعظم ثقة الناس فيه، إشعارا بأن هاتين الصفتين وأمثالهما أجلب للربح وأضمن لنجاح التجارة.
وفي السؤال الثاني ترك الشيخ الهرم الإجابة عن السؤال الموجه إليه، وصرف سائله في رفق عن ذلك، وأخبره أن صحته موفورة، إشعارا للسائل بأن السؤال عن الصحة أولى وأجدر.
...
стр. 179
ولعل الجاحظ أول من فطن إلى هذا النوع من البديع المعنوي، فقد عقد له بابا خاصا في كتابه البيان والتبيين (١) وأطلق عليه اسم «اللغز في الجواب» وأورد له أمثلة شتى منها:
سأل رجل بلالا مولى أبي بكر ﵀ وقد أقبل من جهة الحلبة:
من سبق؟ قال: سبق المقربون. قال: إنما أسألك عن الخيل. قال: وأنا أجيبك عن الخير. فترك بلال جواب لفظه إلى خبر هو أنفع له.
وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أمتفرقا كان فأجمعه؟ قال أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بل أقرؤه وأنا أنظر إليه. قال:
أفتحفظه؟ قال: أفخشيت فراره فأحفظه؟ قال ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال لعنه الله ولعنك. قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟ قال ألقى الله بعملي، وتلقاه أنت بدمي.
وقالوا: كان الحطيئة يرعى غنما، وفي يده عصا، فمر به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك، قال: عجراء من سلم (٢)، يعني عصاه، قال: إني ضيف، فقال الحطيئة: للضيفان أعددتها.
فمن هذه الشواهد ونظائرها يتضح أن هذا الأسلوب من الكلام والذي أطلق عليه الجاحظ «اللغز في الجواب» كان يستعمله العرب لأغراض مختلفة كالتظرف أو التخلص من إحراج السائل، أو تقديم الأهم، أو التهكم.
وما من شك في أن ما قدمه الجاحظ من أمثلة شتى في هذا الباب قد لفت أنظار البلاغيين من بعده لهذا النوع من الكلام، وأعطاهم الأساس
стр. 180
للونين من ألوان البديع هما: اللغز وأسلوب الحكيم.
...
وقد أطلق عليه المتأخرون من البلاغيين اسم «القول بالموجب»، ولهم فيه عبارات مختلفة. ومن هؤلاء ابن أبي الأصبع المصري فقد عرفه بقوله: «هو أن يخاطب المتكلم مخاطبا بكلام فيعمد المخاطب إلى كلمة مفردة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظه ما يوجب عكس معنى المتكلم». وذلك عين القول بالموجب لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه.
وكلام ابن أبي الأصبع هذا يذكرنا إلى حد ما بكلام الجاحظ السابق ويوحي بأنه قد تأثر به في مفهومه لهذا النوع البديعي.
وقد قسم الخطيب القزويني «القول بالموجب» في تلخيصه وإيضاحه (١) قسمين:
١ - أحدهما أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم أو انتفائه.
مثال ذلك قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فإنهم كنوا «بالأعز» عن فريقهم، و «بالأذل» عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز «الإخراج»، فأثبت الله في الرد عليهم صفة الْعِزَّةُ لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة ولا لنفيه عنهم.