وقول ابن الرومي في وصف لحية طويلة:
ولحية سائلة منصبّة ... شهباء تحكي ذنب المذبّة
فابن الرومي يشبّه لحية طويلة شهباء يختلط فيها السواد بالبياض بذنب المذبة، أي المنشة التي يذب بها الذباب ويطرد. والغرض هو تقبيح هذه اللحية والسخرية بصاحبها.
وقول أعرابي في ذم امرأته:
وتفتح- لا كانت- فما لو رأيته ... توهمته بابا من النار يفتح
فالأعرابي الساخط على امرأته بعد أن يدعو عليها بالحرمان من الوجود يشبه فمها عند ما تفتحه بباب من أبواب جهنم. والغرض من هذا التشبيه هو التقبيح.
والتشبيه بغرض التقبيح أكثر ما يستعمل في الهجاء والسخرية والتهكم ووصف ما تنفر منه النفس.
وفيما يلي بعض أمثلة أخرى للتشبيه عند ما يكون الغرض منه التقبيح:
قال ابن الرومي في وصف لؤم شخص ذي لحية:
لا تكذبن فإن لؤمك ناصل ... كنصول تلك اللمّة الشمطاء
شبّه لؤمه الظاهر بظهور اللحية المخضوبة حين يزول الخضاب عنها.
وقال السري الرفاء في وصف منزله:
لي منزل كوجار الكلب أنزله ... ضنك تقارب قطراه فقد ضاقا
стр. 107
فهو يشبّه منزله الضيق الذي تقارب قطراه أي جانباه بوجار الكلب وجحره.
وقال ابن الرومي:
أبدئت صفحة قسوة وخشونة ... من دون تافه نيلك المطلوب
فكأنك الينبوت في إبدائه ... شوكا يذود به عن الخروب
يشبّه ابن الرومي هنا شخصا فظّا غليظ القلب حين يطلب منه أقل معروف بشجر الخروب الذي لا يعادل شوكه ما يجنى من ثمره الأسود المعوجّ الصلب.
وقال أيضا في وصف قينة:
غنّت فمسّ القلب كلّ كرب ... واستوجبت منّا أليم الضرب
لها فم مثل اتساع الدّرب (١)
شبّه فم هذه القينة وهي تغني بالدرب أي الباب الواسع.
ومن فوائد التشبيه أنه يمكن عن طريقه تحسين الشيء وتقبيحه في وقت واحد كقول ابن الرومي في مدح العسل وذمّه:
تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت: ذا قيء الزنابير
فابن الرومي قد مدح وذمّ الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة الذي خيّل به إلى السامع خيالا يحسّن الشيء عنده تارة
стр. 108
ويقبّحه أخرى، ولولا التوصل بطريق التشبيه إلى هذا الوجه لما أمكنه ذلك.
...
وبعد فمن بحثنا السابق لأغراض التشبيه يتضح أن للتشبيه أغراضا شتى نلخص ما ذكرناه منها فيما يلي:
١ - بيان إمكان وجود المشبه: وذلك حين يسند إلى المشبّه أمر مستغرب لا تزول غرابته إلا بذكر شبيه له.
٢ - بيان حال المشبّه: وذلك حينما يكون المشبه مجهول الصفة قبل التشبيه، فيفيده التشبيه الوصف.
٣ - بيان مقدار حال المشبه: وذلك إذا كان المشبّه معروف الصفة قبل التشبيه معرفة إجمالية، ثم يأتي التشبيه لبيان مقدار هذه الصفة من جهة القوة والضعف والزيادة والنقصان.
٤ - تقرير حال المشبّه: وذلك بتثبيت حال المشبّه في نفس السامع وتقوية شأنه لديه، كما إذا كان ما أسند إلى المشبّه يحتاج إلى التأكيد والإيضاح بالمثال. وأغراض التشبيه الأربعة السابقة تقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبّه به أتمّ وهو به أشهر، وذلك لكي تتحقق هذه الأغراض بالنسبة للمشبّه.
٥ - تزيين المشبّه: وذلك بأن يلتمس للمشبّه مشبّه به حسن الصورة أو حسن المعنى يرغب فيه. وأكثر ما يكون هذا الغرض في المدح والرثاء والفخر ووصف ما تميل إليه النفس.
٦ - تقبيح المشبّه: وذلك إذا كان المشبّه قبيحا حقيقيا أو اعتباريا، فيؤتى له بمشبه أقبح منه للتنفير منه. وأكثر ما يكون هذا الغرض في الهجاء
стр. 109
ووصف ما تنفر منه النفس.
وتجدر الإشارة أخيرا إلى أن جميع هذه الأغراض ترجع في الغالب إلى المشبّه، وقد ترجع إلى المشبّه به وذلك في حالة التشبيه المقلوب.
...
غرائب التشبيه وبديعه
التشبيه أسلوب من الأساليب البيانية، وهو ميدان واسع تتبارى فيه قرائح الشعراء والبلغاء. ولعلّه هو وأسلوب الاستعارة من أكثر أساليب البيان دلالة على عقل الأديب وقدرته على الخلق والإبداع.
والتشبيه الذي هو في الوقت ذاته أساس الاستعارة يدلّ فيما يدلّ على خصب الخيال وسموّه وسعته وعمقه، كما يظهر كذلك مدى القدرة على تمثيل المعاني والتعبير عنها في صور رائعة خلّابة.
من أجل ذلك كله يفتنّ الشعراء والبلغاء في صور التشبيه وألوانه، ويتنافس ذوو المواهب في طرق تناوله والإتيان فيه بكل غريب وبديع طريف.
ولما كان التشبيه على هذا الوضع يعدّ مقياسا يقاس به بلاغة البليغ وأصالته، فإننا نرى من البلغاء من لا يقف في الدلالة على براعته في التشبيه عند حدّ إجادته، وإنما يتجاوز ذلك إلى الإتيان بأكثر من تشبيه في بيت واحد.
فمنهم مثلا من شبّه شيئين بشيئين في بيت واحد، كقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
стр. 110
فقد شبّه الرطب من قلوب الطير بالعناب، واليابس منها بالحشف البالي، فجاء تشبيهه في غاية الجودة.
وكقول الطرماح في وصف ثور وحشي:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
فالثور الوحشي حين يظهر كأنه سيف يسلّ من غمده على مكان عال، وهو حين يخفى كأنه سيف يغمد في غمده.
وكقول البحتري في وصف الندى تحمله شقائق النعمان:
شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد (١)
فقطرات الندى مشبهة بدموع التصابي، وشقائق النعمان بخدود الحسان.
وكقول بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
شبّه مثار النقع والغبار فوق الرؤوس بظلمة الليل، وشبّه السيوف بالكواكب وقد كثر تشبيههم شيئين بشيئين حتى لم يصر عجبا.
وكقول آخر:
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
شبّه امرأة بيضاء في شعرها الأسود المسترسل إلى الأرض بالنهار الساطع وشبّه شعرها الكثيف الملتف على رأسها بالليل المظلم.
стр. 111
ومنهم من شبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، كقول البحتري أيضا:
وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكرّ على الرجال بكوكب
شبّه وغى الحرب وعجاجها وجلبة أصواتها بالظلم، وشبّه الممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب.
وكقول شاعر آخر:
نشرت إليّ غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدو المويق (١)
فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق
شبّه الشاعر نفسه وشبّه صاحبته بصبحين، وشبّه شعر صاحبته الأسود بليل مطبق الظلام.
وكقول المرقش:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم (٢)
شبّه الرائحة بالمسك، والوجوه بالدنانير، وأطراف الأكفّ بالعنم.
وكقول ابن الرومي:
كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد
شبّه الدموع بقطر الندى، والعيون بالنرجس، والخدود بالورد وكقول ابن المعتز:
стр. 112
بدر وليل وغصن ... وجه وشعر وقدّ
خمر ودرّ وورد ... ريق وثغر وخدّ
في البيت الأول شبّه البدر بالوجه، والليل بالشعر، والغصن بالقد، وفي البيت الثاني شبّه الخمر بالريق، والدرّ بالثغر، والورد بالخد.
ويلاحظ في جميع هذه التشبيهات أنها من التشبيه المقلوب.
ومنهم من شبّه أربعة أشياء بأربعة أشياء كقول امرئ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل
شبّه خاصرتي الفرس بخاصرتي الظبي، وشبّه ساقيه بساقي النعامة، وشبّه إرخاءه، أي مدّ عنقه في استرسال عند السير بإرخاء السرحان أي الذئب، وليس دابة بأحسن إرخاء منه، وشبّه تقريبه، أي جمع يديه ووثبه عند الجري بتقريب التتفل، أي ولد الثعلب، والمعنى يوحي بأنه أراد الثعلب بعينه مشبّها به.
وكقول المتنبي:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا (١)
شبّه المتغزّل فيها بالقمر حسنا، وشبّه تمايلها وتثنيها في مشيتها بغصن البان، وشبّه طيب رائحتها بالعنبر، وشبّه سواد مقلتيها عند ما ترنو وتنظر بمقلتي الغزال.
ومثله قول شاعر آخر:
سفرن بدورا وانتقبن أهلّة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا
وكقول ابن حاجب وزير القادر بالله:
стр. 113
ثغر وخد ونهد واختضاب يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح (١)
شبّه الثغر بالطلع، والخد بالورد، والنهد بالرمان، واليد المخضوبة بالبلح.
وكقول ابن رشيق:
بفرع ووجه وقدّ وردف ... كليل وبدر وغصن وحقف
شبّه الشعر الأسود بالليل، والوجه بالبدر، والقدّ أو القامة بالغصن، والردف (٢) بالحقف وهو كثير الرمل.
ومنهم من شبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء كقول أبي الفرج الوأواء الدمشقي:
قالت وقد فتكت فينا لواحظها ... كم ذا أما لقتيل اللحظ من قود (٣)؟
وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
إنسانة لو بدت للشمس ما طلعت ... من بعد رؤيتها يوما على أحد
كأنما بين غابات الجفون لها ... أسد الحمام مقيمات على رصد
ففي البيت الثاني شبّه دموع هذه الإنسانة باللؤلؤ، وعينيها بالنرجس، وخدّيها بالورد، والأنامل المخضوبة بالعناب، وثناياها بالبرد.
ويقول أبو هلال العسكري: «ولا أعرف لهذا البيت ثانيا في
стр. 114
أشعارهم» ومعنى هذا أن أقصى ما وصل إليه الشعراء هو تشبيه خمسة أشياء بخمسة أشياء في بيت واحد، وأن هذا النوع نادر في الشعر العربي.
وهكذا نرى أن بعض الشعراء قد أكثروا من التشبيهات في البيت الواحد ولكن الولع بهذا اللون من التشبيه ومحاولة إظهار البراعة والافتنان فيه من شأنه أن يؤدي إلى التكلّف الذي يذهب برونق التشبيه ونضارته وتأثيره كما يبدو على بعض هذه التشبيهات.
محاسن التشبيه
من بلاغة التشبيه أن يشبّه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، لأن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة، فإما أن
يكون مدحا أو ذمّا أو بيانا وإيضاحا، ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة.
وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ فيه من تقدير لفظة «أفعل»، فإن لم تقدّر فيه لفظة «أفعل» فليس بتشبيه بليغ. ألا ترى أنّا نقول في التشبيه المضمر الأداة «زيد أسد» فقد شبّهنا زيدا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبّه به في هذا المقام أشجع من زيد الذي هو المشبّه كان التشبيه ناقصا إذ لا مبالغة.
ومن التشبيه المظهر للأداة قوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر لأن السفن البحرية وإن كانت كبيرة فإن الجبال أكبر منها.
وكذلك إذا شبّه شيء حسن بشيء حسن، فإنه إذا لم يشبه بما هو أحسن منه فليس بوارد على طريق البلاغة، وإن شبّه قبيح بقبيح فينبغي أن يكون المشبّه به أقبح.
وإن قصد البيان والإيضاح فينبغي أن يكون المشبه به أبين وأوضح.
стр. 115
ومن ذلك يرى أن تقدير لفظة «أفعل» لا بدّ منه فيما يقصد به بلاغة التشبيه وإلا كان التشبيه ناقصا.
وقد عرفنا مما سبق أن تشبيه الشيئين أحدهما بالآخر لا يخلو من أن يكون تشبيه معنى بمعنى، أو تشبيه صورة بصورة، أو تشبيه معنى بصورة، أو تشبيه صورة بمعنى. وأبلغ هذه الأنواع تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ووجه بلاغة هذا النوع تأتي من تمثيله للمعاني الموهومة بالصور المشاهدة.
ومن محاسن التشبيه المضمر الأداة قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً فشبّه الليل باللباس، لأن الليل من شأنه أن يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربا من عدو أو ثباتا لعدو أو إخفاء ما لا يجب الاطّلاع عليه من أمره. وهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلا القرآن الكريم، فإن تشبيه الليل بلباس مما اختصّ به القرآن دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم.
ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فشبّه تبرّؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ، وذلك أنه لما كانت هوادي الصبح وأوائله عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن يقال: «يخرج» لأن السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج.
ومن محاسن التشبيه المضمر في الأمثال «الليل جنة الهارب»، ومنه في الشعر قول المتنبي:
وإذا اهتزّ للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلا
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
стр. 116
فهنا أربعة تشبيهات، كلّ واحد منها تشبيه صورة بصورة وحسن في معناه.
ومن تشبيه المركب بالمركب مع إضمار الأداة، ما رواه معاذ بن جبل عن الرسول عند ما قال له: «أمسك عليك هذا» وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: «أو نحن مؤاخذون بما نتكلم»؟ فقال له الرسول: «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكبّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟». فقوله: حصائد ألسنتهم، من تشبيه المركب بالمركب، فإنه شبّه الألسنة وما تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض. وهذا تشبيه بليغ عجيب لم يسمع إلا من النبي ﷺ .
ومنه قول أبي تمام:
معشر أصبحوا حصون المعالي ... ودروع الأحساب والأعراض
فقوله «حصون المعالي» من التشبيه المركب، لأنه شبّه المعشر الممدوح في منعهم المعالي وحمايتها من أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته.
وكذلك الشأن في تشبيههم بدروع الأحساب والأعراض.
ومن تشبيه المركب بالمركب مع إظهار الأداة قول النبي ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة (١) طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم له،
стр. 117
ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مرّ».
فالرسول قد شبّه المؤمن القارئ وهو متّصف بصفتين هما الإيمان والقراءة بالأترجة وهي ذات وصفين هما الطعم والريح، وشبّه المؤمن غير القارئ، وهو متّصف بصفتين هما الإيمان وعدم القراءة بالتمرة، وهي ذات وصفين هما الطعم وعدم الريح، ووصف المنافق القارئ، وهو متّصف بصفتين هما النفاق والقراءة بالريحانة وهي ذات وصفين هما الريح وعدم الطعم، ووصف المنافق غير القارئ، وهو متّصف بصفتين هما النفاق وعدم القراءة بالحنظلة، وهي ذات وصفين هما عدم الريح ومرارة الطعم.
ومما ورد من هذا النوع شعرا قول البحتري:
خلق منهمو تردّد فيهم ... وليته عصابة عن عصابة
كالحسام الجراز يبقى على الده ... ر، ويفنى في كل حين قرابه (١)
وقول ابن الرومي:
أدرك ثقاتك أنهم وقعوا ... في نرجس معه ابنة العنب
فهمو بحال لو بصرت بها ... سبّحت من عجب ومن عجب
ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درّ على ذهب (٢)
ويقارن ابن الأثير بين هذا التشبيه وسابقه مقررا أن تشبيه البحتري أصنع، وذلك أن تشبيه ابن الرومي صدر عن صورة مشاهدة، على حين
стр. 118
استنبط البحتري تشبيهه استنباطا من خاطره.
ثم يوضّح ابن الأثير رأيه بقوله: «وإذا شئت أن تفرّق بين صناعة التشبيه فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا، فإن كان أحد التشبيهين عن صورة مشاهدة والآخر عن صورة غير مشاهدة، فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة أصنع. ولعمري أن التشبيهين كليهما لا بدّ فيهما من صورة تحكى، لكن أحدهما شوهدت الصورة فيه فحكيت والآخر استنبطت له صورة لم تشاهد في تلك الحال وإنما الفكر استنبطها.
ألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى النرجس وإلى الخمر فشبّه، وأما البحتري فإنه مدح قوما بأن خلق السماح باق فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم استنبط لذلك تشبيها فأدّاه فكره إلى السيف وقرابه الذي يفنى في كل حين وهو باق لا يفنى بفنائه. ومن أجل ذلك كان البحتري أصنع في تشبيهه» (١).
والأصل في حسن التشبيه أن يشبه الغائب الخفي غير المعتاد بالظاهر المعتاد، وهذا يؤدي إلى إيضاح المعنى وبيان المراد، وذلك كقول الرسول:
«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» ففي هذا الحديث إرشاد إلى خفة الحال وعدم الارتباط والتعلّق الشديد
بالدنيا؛ فإن الغريب لا ارتباط له في بلاد الغربة، وابن السبيل لا وجود له في مكان إلا بمقدار العبور وقطع المسافة. فهذا المعنى أظهره التشبيه نهاية الظهور.
ويؤكد أبو هلال العسكري هذا الأصل من أصول التشبيه الحسن بقوله: «والتشبيه يزيد المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا، ولهذا أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحد منهم عنه. وقد جاء
стр. 119
عن القدماء وأهل الجاهلية من كل جيل ما يستدل به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكل لسان. فمن ذلك ما قاله صاحب كليلة ودمنة:
الدنيا كالماء الملح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا. وقال: لا يخفى فضل ذو العلم وإن أخفاه كالمسك يخبا ويستر، ثم لا يمنع ذلك رائحته أن تفوح. وقال: الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكرا، كالنهار يزيد البصير بصرا ويزيد الخفاش سوء بصر» (١).
ومن مقاصد التشبيه إفادة المبالغة، ولهذا قلّما خلا تشبيه مصيب عن هذا القصد. ولكن ينبغي ألّا يؤدي الإغراق في المبالغة إلى البعد بين المشبه والمشبه به أو إلى عدم الملاءمة بينهما، وإلّا ارتدّ التشبيه قبيحا.
ويعبّر عبد القاهر الجرجاني عن مدى أثر التشبيه في التعبير عن المعاني المختلفة بقوله (٢): «فإن كان- التشبيه- مدحا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم، وأهزّ للعطف وأسرع للإلف، وأجلب للفرح وأغلب على الممتدح ... ، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر.
وإن كان ذمّا كان مسه أوجع وميسمه (٣) ألذع، ووقعه أشدّ وحدّه أحدّ. وإن كان حجاجا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر. وإن كان افتخارا كان شأوه (٤) أبعد، وشرفه أجدّ ولسانه ألدّ. وإن كان اعتذارا
стр. 120
كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم (١) أسلّ، ولغرب (٢) الغضب أفلّ. وإن كان وعظا كان أشفى للصدر، وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر ... وهكذا الحكم إذا استقصيت فنون القول وضروبه ...».
ويرجع عبد القاهر تأثير التشبيه في النفس إلى علل وأسباب. فأول ذلك وأظهره أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفيّ إلى جليّ، وتأتيها بصريح بعد مكني، وأن تردّها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعمّا يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواس ... يفضّل المستفاد من جهة النظر والفكر ... ، كما قالوا: «ليس الخبر كالمعاينة ولا الظن كاليقين»، فالانتقال في الشيء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر ليس له سبب سوى زوال الشك والريب.
فالمشاهدة لها أثرها في تحريك النفس وتمكين المعنى من القلب، ولولا أن الأمر كذلك لما كان هناك معنى لنحو قول أبي تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لدياجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وذلك أن هذا التجدّد لا معنى له إن كانت الرؤية لا تفيد أنسا من
стр. 121
حيث هي رؤية، وكان الإنس لنفيها الشك والرّيب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم من قبل.
ولو أن رجلا أراد أن يضرب لك مثلا في تنافي الشيئين فقال: هذا وذاك هل يجتمعان؟ وأشار إلى ماء ونار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك بالقول فقال: هل يجتمع الماء والنار؟
وسبب آخر من أسباب بلاغة التشبيه وتأثيره في النفس عند عبد القاهر هو التماس شبه للشيء في غير جنسه وشكله، لأن التشبيه لا يكون له موقع من السامعين ولا يهزّ ولا يحرّك حتى يكون الشبه مقررا بين شيئين مختلفين في الجنس، كتشبيه العين بالنرجس وتشبيه الثريا بما شبّهت به من عنقود الكرم المنوّر.
وفي ذلك يقول: «وهكذا إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشدّ كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب».
«وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتألف للنافر من المسرّة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى بها- التشبيهات- الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض ...».
«ومبنى الطباع وموضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان الشغف منها أكثر وأجدر. فسواء في إثارة التعجب، وإخراجك إلى روعة المستغرب وجودك الشيء في مكان ليس من أمكنته،
стр. 122
ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من أصله في ذاته وصفته ...».
«وإذا ثبت هذا الأصل وهو أن تصوير الشبه بين المختلفين في الجنس مما يحرّك قوى الاستحسان، ويثير الكامن من الاستظراف فإن التمثيل- أي التشبيه- أخصّ شيء بهذا الشأن».
فالتشبيه عنده «يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر بعد ما بن المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق (١). وهو يريك للمعاني الممثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة والأشباح القائمة، وينطق لك الأخرى، ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد ويريك التئام عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين. كما يقال في الممدوح هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهة ماء ومن أخرى نار، كقول الشاعر:
أنا نار في مرتقى نظر الحا ... سد ماء جار مع الإخوان
وكما يجعل الشيء حلوا مرّا، وصابا عسلا، وقبيحا حسنا، وأسود أبيض في حال كقول الشاعر:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع (٢)
ويجعل الشيء قريبا بعيدا معا، كقول البحتري:
دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ندّ في الندى وضريب
كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... للعصبة السارين جدّ قريب
ويجعله حاضرا غائبا، كقول الشاعر:
стр. 123
أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الحاضر الغائب (١)
ثم يخلص عبد القاهر من كل ذلك إلى القول بأن الشاعر الصنّاع يبلغ بتصرفه في التشبيه إلى غايات الابتداع، فيقول: «وكفى دليلا على تصرفه باليد الصناع وإيفائه على غايات الابتداع أن يريك العدم وجودا والوجود عدما، والميت حيّا والحيّ ميتا، أعني جعلهم الرجل إذا بقي له ذكر جميل وثناء حسن بعد موته كأنه لم يمت، وجعل الذكر حياة له، كما قال: «ذكرة (٢) الفتى عمره الثاني»، وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل الدنيء بالموت ... ولطيفة أخرى له وهي: جعل الموت نفسه حياة مستأنفة حتى يقال إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم: «فلان عاش حين مات» يراد الرجل تحمله النفس الأبيّة والأنفة من العار أن يسخو بنفسه في الجود والبأس وقتال الأعداء، حتى يكون له يوم لا يزال يذكر، وحديث يعاد على مرّ الدهور ويشهر، كما قال ابن نباتة:
بأبي وأمي كل ذي ... نفس تعاف الضيم مرة
يرضى بأن يردّ الردى ... فيميتها ويعيش ذكره» (٣)
...
عيوب التشبيه
لعلّ التشبيه من بين الأساليب البيانية أكثرها دلالة على قدرة البليغ وأصالته في فن القول. وذلك لأن التشبيه هو في الواقع ضرب من التصوير
стр. 124
لا تتأتى الإجادة أو الإبداع فيه إلا لمن توافرت له أدواته، من لفظ ومعنى وصياغة، ومن سموّ خيال ورهافة حسّ، ومن براعة في تشكيل صور التشبيه على نحو يبثّ فيها الحركة ويمنحها الجمال والتأثير.
ومن أجل ذلك يقال: إن التشبيه بين ألوان البلاغة ممعن في الترف، كثير الأناقة، شديد الحساسية، رقيق المزاج، وأيّ تهاون فيه يعيبه، ويخرجه من الحسن إلى القبح.
وهذا القبح أنواع كثيرة، منها ما يرجع إلى اللفظ أو المعنى أو الصياغة أو الخيال أو الأصول البلاغية التي يبنى
عليها التشبيه.
فمن الأصول البلاغية أن يشبّه الشيء بما هو أكبر وأقوى منه، فيشبه الحسن مثلا بالأحسن، والقبيح بالأقبح، والبينّ الواضح بما هو أبين وأوضح منه، وإلا كان التشبيه ناقصا.
وطبقا لذلك يقول ابن الأثير: «ومن ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبّها له فقال: هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة (١) خضبها الأصيل فكان الهلال منها قلامة.
وهذا الكاتب حفظ شيئا وغابت عنه أشياء، فإنه أخطأ في تشبيه الحصن بالأنملة، أي مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟».
ثم يستطرد ابن الأثير: «فإن قيل إن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. فمثل الهلال بأصل عذق النخلة. والجواب أنه شبّه الهلال في
стр. 125
الآية بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته لا في مقداره، فإن مقدار الهلال عظيم ولا نسبة للعرجون إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئة لا مقدارا. وأما هذا الكاتب فإن تشبيهه ليس على هذا النسق، لأنه شبّه صورة الحصن بأنملة في المقدار لا في الهيئة والشكل، وهذا غير حسن ولا مناسب.
ومن بلاغة التشبيه أن يثبت للمشبّه حكم من أحكام المشبّه به، فإذا لم يكن بهذه الصفة أو كان بين المشبه به بعد فإن ذلك مما يعيب التشبيه ويضع من قيمته البلاغية.
ومن أمثلة ذلك قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبّ قد استعذبت ماء بكائي
فالشاعر جعل للملام ماء، وذلك تشبيه بعيد، وسبب بعده أن الماء مستلذ والملام مستكره فحصل بينهما المخالفة والبعد من هذه الجهة.
ومنه قول المرّار:
وخال على خديك يبدو كأنّه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها (١)
فالمتعارف عليه أنّ الخدود بيض والخال أسود، ولكنّ الشاعر رغم ذلك يشبه الخال بضوء البدر والخدين بالليلة
المظلمة. فالتشبيه هنا ليس بعيدا فحسب، بل هو مناقض للعادة، ومن أجل ذلك فهو تشبيه رديء.
ومن بعيد التشبيه أيضا قول الفرزدق:
стр. 126
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل (١)
فالفرزدق شبّه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد؛ لأنّه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما في اللون لأنّ لون الحديد أبيض، ومن أجل ذلك سميت السيوف بالبيض. ومع كون هذا التشبيه بعيدا فإنّه تشبيه سخيف.
ومنه كذلك قول أعرابي:
وما زلت ترجو نيل سلمى وودها ... وتبعد حتى ابيض منك المسائح
ملا حاجبيك الشيب حتى كأنّه ... ظباء جرت منها سنيح وبارح (٢)
فشبه شعرات بيضا في حاجبيه بظباء سوانح وبوارح تمر بين يديه يمينا وشمالا. فهذا كما ترى من بعيد التشبيه.
ومنه قول أبي نواس في الخمر:
وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلا من الغزل
لؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذرّ من جبل
فشبّه الجب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل، وهذا من
стр. 127
البعيد، كما يقول ابن الأثير، على غاية لا يحتاج فيها إلى بيان وإيضاح.
...
وقد يكون التشبيه مصيبا ولكنّ وقع المشبه به على النفس صورة كان أو صفة أو حالا قد يثير فيها حالا من البشاعة أو الاستنكار، وبهذا يفقد التشبيه روعته وسحره وتنتفي عنه صفة البلاغة، ويضحى تشبيها قبيحا معيبا. ومن أمثلة ذلك قول شاعر يصف روضا:
كأنّ شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روين من الدماء
فتشبيه شقائق النعمان بالثياب المرتوية بالدماء قد يكون هذا تشبيها مصيبا ولكن فيه بشاعة ذكر الدماء، ولو شبه الشقائق مثلا بالعصفر الأحمر اللون أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الأنس.
وقول امرئ القيس:
وتعطو برخص غير شثن كأنّه ... أساريع ظبي أو مساويك أسحل (١)
فامرؤ القيس يقول إنّ صاحبته تتناول الأشياء ببنان أو أصابع رخصة ليّنة ناعمة، ثمّ يشبه تلك الأنامل بدود الرمل أو المساويك المتخذة من شجر الأسحل. فقد يكون تشبيه البنان بهذا الضرب من الدود مصيبا من جهة اللين والبياض والطول والاستواء والدقة، ولكنه في الوقت ذاته يحضر إلى الذهن صورة الدود وفي ذلك ما فيه من نفور النفس واشمئزازها. ومن
стр. 128
هنا يتطرق القبح إلى هذا التشبيه على إصابته. أمّا تشبيه البنان بمساويك الأسحل فجار مجرى غيره من تشبيهاتهم، لأنّهم يصفونها بالأقلام والعنم وما أشبه ذلك. والبنان قريب الشبه من أعواد المساويك في القدر والاستواء ونعومة الملمس.
وقول العرجي في دبيب الهوى:
يدب هواها في عظامي وحبها ... كما دب في الملسوع سم العقارب
فتشبيه دبيب الهوى في العظام بدبيب سم العقارب في الملسوع غاية في البشاعة.
ومنه قول أبي محجن الثقفي في وصف قينة:
وترفع الصوت أحيانا وتخفضه ... كما يطن ذباب الروضة الغرد
فقد شبّه القينة وهي ترفع صوتها أحيانا وتخفضه بالغناء بطنين الذباب الغرد في الروضة. فهذا التشبيه وإن كان مصيبا لعين الشبه فإنّه غير طيب في النفس ولا مستقر على القلب. فأي قينة تحب أن تشبه بالذباب، وأن يشبه غناؤها بطنين الذباب؟
ومع هذا فقد سرق أبو محجن هذا التشبيه ولم يحسن استخدامه فقلبه وأفسده. أجل لقد سرقه من قول عنترة العبسي يصف ذباب روضة:
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم
وشتان بين تشبيه وتشبيه.
وأين قول أبي محجن من قول بشار في وصف قينة:
تصلى لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوب دواعي
стр. 129
إذا قلّدت أطرافها العود زلزلت ... قلوبا دعاها للوساوس داعي
كأنّهم في جنة قد تلاحقت ... محاسنها من روضة وبقاع
يروحون من تغريدها وحديثها ... نشاوى وما تسقيهم بصواع (١)
وبعد فالجوانب التي تعيب التشبيه ويتطرق منها القبح إليه أكثر من أن تحصى أو تستقصى؛ فمنها ما أوردناه ومثلنا له، ومنها ما يتطرق إليه من جوانب أخرى كاللفظ أو المعنى أو رداءة الصياغة والنسج أو قلق القافية في الشعر، وما أشبه ذلك.
وكما ذكرت آنفا أنّ التشبيه من أكثر الأساليب البيانية دلالة على مقدرة البليغ ومدى أصالته في فن القول. فالبلغاء كانوا- وما زالوا- في كل زمان ومكان يتنافسون في اصطياده، ويلقون بشباك خيالهم في محيطه، ثمّ ينزعونها وإذا بعضها ملؤه اللآلئ والدرر! وإذا بعضها الآخر ملؤه الحصى والحجر!.
стр. 130
المبحث الثاني الحقيقة والمجاز
إذا تتبعنا نشأة الكلام عن «الحقيقة والمجاز» فإننا نجد أنّ الجاحظ من أوائل من عرضوا لهذا الموضوع بالبحث.
والجاحظ إذ يتناول قضايا البيان العربي لا يهتم كثيرا بصبها في قوالب التعريفات والتحديدات على عادة رجال
البلاغة من بعده. وإنّما نراه يسوق النماذج عليها من بليغ القول نثرا وشعرا، مع شرح بعضها أحيانا أو التعليق عليه، تاركا لمن يهمهم أن يعرفوا مفهومه لأي موضوع بلاغي طرقه أن يستنبطوه من خلال شرحه له.
ففي كلامه عن الحقيقة والمجاز يقول: «وإذا قالوا: أكله الأسد، فإنّما يذهبون إلى الأكل المعروف، وإذا قالوا: أكله الأسود، فإنّما يعنون النهش واللدغ والعض فقط. وقد قال الله أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
стр. 131
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟ ويقولون في باب آخر: فلان يأكل الناس، وإن لم يكن يأكل من طعامهم شيئا، وكذلك قول دهمان النهري:
سألتني عن أناس أكلوا ... شرب الدهر عليهم وأكل
فهذا كله مختلف، وهو كله مجاز» (١).
فالأكل في قوله: «أكله الأسد» حقيقي، أمّا في الأمثلة الأخرى فالأكل على اختلاف أنواعه مجازي كما ذكر.
فمن هذه الأمثلة يتضح أنّ المجاز عند الجاحظ مقابل للحقيقة، وأنّ الحقيقة في مفهومه تعني «استعمال اللفظ فيما وضع له أصلا»، كما أنّ المجاز عنده هو «استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي».
ومن معاصري الجاحظ الذين عرضوا لذات الموضوع من زاوية خاصة أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري «٢٧٦ هـ»، فقد اهتمّ ابن قتيبة فقط بالرد على من أنكروا المجاز وزعموا أنّ الكلام كله حقيقة ولا مجاز فيه. وفي ذلك يقول: «لو كان المجاز كذبا لكان أكثر كلامنا باطلا، لأنّا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل ورخص السعر ... ، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء. وقال الله : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ، لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بدا من أن يقول: يهمّ أن ينقض، أو يكاد أو يقارب، فإن فعل فقد جعله فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة
стр. 132
العجم إلّا بمثل هده الألفاظ» (١).
وبعد ابن قتيبة جاء أبو الحسين أحمد بن فارس «٣٩٦ هـ» فعرف الحقيقة والمجاز بقوله: «الحقيقة هي الكلام
الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل ولا تقديم ولا تأخير كقول القائل: الحمد لله على نعمه وإحسانه، وهذا أكثر الكلام، أي أنّ الكلام الحقيقي يمضي لسنته لا يعترض عليه. وقد يكون غيره ويجوز جوازه لقربه منه إلّا أنّ فيه من تشبيه واستعارة وكف ما ليس في الأول.
كقولك: عطاء فلان مزن واكف، فهذا التشبيه. وقد جاز مجاز قوله:
عطاؤه كثير واف» (٢). فالمجاز عند ما كان قريبا من الحقيقة وفيه تشبيه أو استعارة.
وعند ابن رشيق القيرواني «٤٥٦ هـ» أنّ «المجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعا في القلوب والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثمّ لم يكن محالا محضا فهو مجاز، لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلّا أنّهم خصوا بالمجاز، بابا بعينه، وذلك أن يسمّى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه بسبب، كما قال جرير بن عطية:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد «بالسماء» السحاب، لأنّ كل ما أظلّك سماء، وقال «سقط» يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال
стр. 133
«رعيناه» والمطر لا يرعى، ولكنه أراد «النبت» الذي يكون عنه فهذا كله مجاز» (١).
كذلك أشار إلى ولع العرب بالمجاز فقال: «والعرب كثيرا ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها، فإنّه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات» (٢).
ويعرف عبد القاهر الجرجاني «٤٧١ هـ» الحقيقة في المفرد بقوله:
«كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع وقوعا لا يستند فيه إلى غيره.
وهذه عبارة تنتظم الوضع الأول وما تأخر عنه كلغة تحدث في قبيلة أو في جميع العرب أو في جميع الناس مثلا أو تحدث اليوم. ويدخل فيها الأعلام منقولة كانت كزيد وعمرو أو مرتجلة كغطفان، وكل كلمة استؤنف بها على الجملة مواضعة أو ادّعي الاستثناف فيها.
وإنّما اشترطت هذا كله لأنّ وصف اللفظة بأنّها حقيقة أو مجاز حكم فيها من حيث أنّ لها دلالة على الجملة لا من
حيث هي عربية أو فارسية أو سابقة في الوضع أو محدثة مولدة».
ويعرف المجاز بقوله: «أمّا المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول. وإن شئت قلت: كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له، من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوّز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز» (٣).
стр. 134
كذلك عرض السكاكي «٦٢٦ هـ» للحقيقة والمجاز وعرفهما بقوله:
«الحقيقة اللغوية هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له، والمجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة من إرادة معناها في ذلك النوع» (١).
وممن توسع في موضوع «الحقيقة والمجاز» ضياء الدين الأثير «٦٣٧ هـ» فقد عرفهما أولا بقوله: «الحقيقة اللغوية: هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء، أي نفسه وعينه، فالحقيقة اللفظية إذن هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة، والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره.
وتقرير ذلك أنّ أقوال المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها ليعرف كل منها باسمه من أجل التفاهم بين الناس وهذا يقع ضرورة لا بدّ منها.
فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار مجازا. ومثال ذلك أنا إذا قلنا «شمس» أردنا به هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وهذا الاسم له حقيقة لأنّه وضع بإزائه. وكذلك إذا قلنا «بحر» أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة لأنّه وضع بإزائه.
فإذا نقلنا «الشمس» إلى الوجه المليح استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة، وكذلك إذا نقلنا «البحر» إلى الرجل الجواد استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة» (٢).
стр. 135
ويوضح ابن الأثير كلامه هذا بما معناه أنّ إطلاق لفظ «الشمس» على الوجه المليح مجاز، وإطلاق لفظ «البحر» على الرجل الجواد مجاز أيضا. ومن هذا يرى أنّ لفظ «الشمس» له دلالتان، إحداهما حقيقية وهي هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، والأخرى مجازية وهي الوجه المليح، وأنّ لفظ «البحر» له دلالتان أيضا، إحداهما هذا الماء العظيم الملح وهي حقيقية، والأخرى هذا الرجل الجواد وهي مجازية.
ولا يمكن أن يقال إنّ هاتين الدلالتين سواء، وإنّ الشمس حقيقية في الكواكب والوجه المليح، وإنّ البحر حقيقية في الماء العظيم الملح والرجل الجواد. لأنّ ذلك لو قيل لكان اللفظ مشتركا بحيث إذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصصه لم يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، على حين أنّ الأمر بخلاف ذلك، لأننا إذا قلنا «شمس» أو «بحر» وأطلقنا القول لم يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، وإنّما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير.
والمرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أنّ الوجه المليح يسمى شمسا ولا أنّ الرجل الجواد يسمى بحرا، وإنما أهل الخطابة والشعر هم الذين توسعوا في الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية.
هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله، فمن ذلك أنّه أوّل من عبّر عن الفرس بقوله: «قيد الأوابد» (١) ولم يسمع ذلك لأحد من
стр. 136
قبله. وقد روي عن النبي ﷺ أنّه قال يوم غزوة حنين: «الآن حمي الوطيس»، وأراد بذلك شدّة الحرب، فإنّ «الوطيس» في الوضع هو «التنور» (١)، فنقل إلى الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي ﷺ ، وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك، فعلمنا حينئذ أنّ من اللغة حقيقة بوضعه ومجازات بتوسعات أهل الخطابة والشعر. وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل، ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده ولا زيد فيه ولا نقص منه.
ثمّ يستطرد ابن الأثير إلى الكلام عمّا بين المجاز والحقيقة من عموم وخصوص وكذلك إلى الكلام عن قيمة المجاز البلاغية فيقول: «واعلم أنّ كل مجاز له حقيقة لأنّه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلّا لنقله عن حقيقة موضوعة له، إذ المجاز اسم للموضوع الذي ينتقل فيه من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها، وإذا كان كل مجاز لا بدّ له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية، فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإنّ من الأسماء ما لا مجاز له كأسماء الأعلام لأنّها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات.
стр. 137
وكذلك فاعلم أنّ المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة، لأنّه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه حيث هو فرع عليها، ولييس الأمر كذلك، لأنّه قد ثبت وتحقق أنّ فائدة الكلام الخطابي هي إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصور حتى يكاد ينظر إليه عيانا.
ألا ترى أنّ حقيقة قولنا: «زيد أسد» هي قولنا: «زيد شجاع»، لكنّ هناك فرقا بين القولين في التصوير والتخييل وإثبات الغرض المقصود في نفس السامع، لأنّ قولنا: «زيد شجاع» لا يتخيل منه السامع سوى رجل جريء مقدام، فإذا قلنا: «زيد أسد» يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته وما عنده من البطش والقوة ودق الفرائس، وهذا لا نزاع فيه» (١).
فأعجب ما في العبارة المجازية عنده أنّها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال، فإذا البخيل سمح جواد، والجبان شجاع، والطائش حكيم حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام وأفاق من نشوته عاد إلى حالته الأولى، وهذا هو فحوى السحر الحلال المستغني عن إلقاء العصا والحبال.
وأخيرا يشير ابن الأثير إلى ضرورة العدول عن المجاز إلى الحقيقة إن لم يكن فيه زيادة فائدة عليها، وفي ذلك يقول: «واعلم أنّه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه فانظر، فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز، فلا ينبغي أن يحمل إلّا على طريق الحقيقة لأنّها هي الأصل والمجاز هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلّا لفائدة ... وهكذا كل ما يجيء من الكلام
стр. 138
الجاري هذا المجرى، فإنّه إن لم يكن في المجاز زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه» (١).
وبعد فتلك نبذة عن آراء بعض العلماء في مفهوم الحقيقة والمجاز، وقد كثر كلام رجال البلاغة في تحديد هذا المفهوم، ولا يخرج كلامهم في الواقع عن معنى ما أسلفناه.
...
أقسام المجاز:
يقسم علماء البلاغة المجاز قسمين:
١ - المجاز العقلي: ويكون في الإسناد، أي في إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له. ويسمى المجاز الحكمي، والإسناد المجازي، ولا يكون إلّا في التركيب.
٢ - المجاز اللغوي: ويكون في نقل الألفاظ من حقائقها اللغوية إلى معان أخرى بينها صلة ومناسبة. وهذا المجاز يكون في المفرد، كما يكون في التركيب المستعمل في غير ما وضع له. وهذا المجاز اللغويّ نوعان:
أ- الاستعارة: وهي مجاز لغويّ تكون العلاقة فيه بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي المشابهة.
ب- المجاز المرسل: وهو مجاز تكون العلاقة فيه غير المشابهة.
وسمّي مرسلا لأنّه لم يقيّد بعلاقة المشابهة، أو لأنّ له علاقات شتى.
المجاز العقلي
عرّف السكاكي المجاز العقليّ بأنّه الكلام المفاد به خلاف ما عند
стр. 139
المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بواسطة وضع، كقولك: أنبت الربيع البقل، وشفى الطبيب المريض، وكسا الخليفة الكعبة، وهزم الأمير الجند، وبنى الوزير القصر (١).
وعرف الخطيب القزويني هذا المجاز بقوله: «هو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأويل». وللفعل ملابسات شتى، فهو يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب، فإسناد الفعل إلى الفاعل إذا كان مبنيا له حقيقة، وكذا إسناده إلى المفعول إذا كان مبنيا له. أمّا إسناد الفعل إلى غيرهما لمشابهته لما هو له في ملابسة الفعل فمجاز، كقولهم في المفعول به: عيشة راضية، وماء دافق، وكقولهم في عكسه: سيل مفعم، وفي المصدر: شعر شاعر، وفي الزمان: نهاره صائم وليله قائم، وفي المكان: طريق سائر، ونهر جار، وفي السبب: بنى الأمير المدينة (٢).
أمّا عبد القاهر الجرجاني فيسمي هذا الضرب من المجاز «المجاز الحكمي». ويفهم من كلامه أنّه يقصد به المجاز الذي لا يكون في ذات الكلمة ونفس اللفظ، ففي قولك: «نهارك صائم وليلك قائم» ليس المجاز في نفس «صائم وقائم» ولكن في إجرائهما خبرين على «النهار والليل».
وكذلك في قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ليس المجاز في لفظة «ربحت» نفسها ولكن في إسنادها إلى «التجارة». فكل لفظة هنا أريد بها معناها الذي وضعت له على وجهه وحقيقته- فلم يرد بصائم غير الصوم، ولا بقائم غير القيام، ولا بربحت غير الربح (٣).
стр. 140
ولما كان الكلام السابق مجملا فإنّا نورد فيما يلي طائفة من الأمثلة ثمّ نعقب عليها بالشرح والتحليل توضيحا لحقيقة هذا الضرب من المجاز.
الأمثلة:
١ - أعمير إنّ أباك غيّر رأسه ... مرّ الليالي واختلاف الأعصر
٢ - بنى خوفو الهرم الأكبر.
٣ - ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
٤ - يغنّي كما صدحت أيكة ... وقد نبّه الصبح أطيارها
٥ - قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً؟.
٦ - قال تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا.
٧ - تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها برقية طالب
فإذا تأملنا المثال الأول رأينا أنّ المجاز العقلي هو قول الشاعر: «غيّر رأسه مرّ الليالي»، ومعنى غير رأسه، أي لوّن شعر رأسه فحوله من السواد إلى البياض، وقد أسند تغيير لون الرأس إلى مرور الليالي وتواليها وهذا لا يشيب، وإنّما الشيب يحدث عادة من ضعف في أصول الشعر ومواطن غذائه. ولكن لما كان مر الليالي وتعاقبها سببا في هذا الضعف أسند تغيير لون الشعر إلى مر الليالي. ففي الإسناد مجاز عقلي علاقته السببية.
كذلك إذا تأملنا المثال الثاني وجدنا أنّ الفعل «بنى» قد أسند إلى غير فاعله، فإنّ خوفو لم يبن وإنما الذين بنوا هم عماله، ولما كان خوفو سببا في البناء أسند الفعل إليه. ففي الإسناد هنا مجاز عقلي علاقته السببية أيضا.
وإذا نظرنا إلى المثال الثالث وجدنا الفعل «ستبدي» أسند إلى «الأيام» أي أسند إلى غير فاعله الحقيقي. لأنّ فاعله الحقيقي هو «حوادث
стр. 141
الأيام»، والذي سوغ هذا الإسناد أنّ المسند إليه «الأيام» زمان الفعل.
فإسناد الإبداء إلى الأيام مجاز عقلي علاقته الزمانية.
وفي المثال الرابع الأيكة الشجرة وهي لا تغني ولا تصدح، فالفعل «صدحت» أسند إلى «الأيكة» أي إلى غير فاعله، لأنّ فاعله الحقيقي هو «الطيور» التي تتخذ من الأيكة مكانا لها تصدح من فوقه. وعلى هذا فإسناد الصّدح إلى الأيكة مجاز عقلي علاقته «المكانية» لأنها مكان الطيور التي تصدح.
وفي المثال الخامس يقول الله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً؟.
فالحرم لا يكون آمنا لأنّ الإحساس بالأمن صفة من صفات الأحياء وإنّما الحرم مأمون بمعنى يؤمن، ولهذا أسند
الوصف المبني للفاعل «آمن» إلى ضمير المفعول. وهذا مجاز عقلي علاقته «المفعولية».
وإذا تدبرنا المثال السادس وهو قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، نجد أنّ كلمة «مأتيا» جاءت بدل كلمة «آت»، فاستعمل هنا اسم المفعول مكان اسم الفاعل، أو بعبارة أخرى أسند الوصف المبني للمفعول إلى الفاعل، وهذا مجاز عقلي علاقته «الفاعلية».
وفي المثال السابع والأخير نجد أنّ المجاز العقلي هو في قول الشاعر «يجنّ جنونها» فالفعل «يجنّ» أسند إلى مصدره ولم يسند إلى فاعله، وإسناد الفعل إلى مصدره مجاز عقلي علاقته «المصدرية».
فمن معالجة هذه الأمثلة نرى أنّ أفعالا أو ما يشبهها لم تسند إلى فاعلها الحقيقي، بل أسندت إلى سبب الفعل أو زمانه أو مكانه، أو مصدره، وأنّ صفات كان من حقها أن تسند إلى المفعول أسندت إلى الفاعل، وأخرى كان يجب أن تسند إلى الفاعل أسندت إلى المفعول.
стр. 142
كذلك رأينا أنّ هذا النوع من الإسناد غير حقيقي، لأنّ الإسناد الحقيقي هو إسناد الفعل إلى فاعله الحقيقي. فالإسناد إذن هنا إسناد مجازي ويسمى بالمجاز العقلي، لأنّ المجاز ليس في اللفظ كالاستعارة والمجاز المرسل، بل في الإسناد وهذا يدرك بالعقل.
...
على ضوء هذا الشرح نستطيع أن نستنبط القواعد التالية:
١ - المجاز العقلي: هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي.
٢ - الإسناد المجازي: يكون إلى سبب الفعل أو زمانه أو مكانه أو مصدره، أو بإسناد المبني للفاعل إلى المفعول أو المبني للمفعول إلى الفاعل.
٣ - من القاعدة السابقة يتضح أنّ علاقات المجاز العقلي هي السببية أو الزمانية أو المكانية أو المصدرية أو المفعولية أو الفاعلية.
...
ولمزيد من الإيضاح نقدم طائفة أخرى من الأمثلة مع بيان المجاز العقلي في كل منها وعلاقته.
أ- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة السببية:
١ - قال تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ.
ففي إسناد بناء الصرح إلى هامان وزير فرعون مجاز عقلي علاقته السببية، لأنّ هامان لم يبن الصرح بنفسه، وإنّما بناه عماله، ولكن لما كان
стр. 143
هامان سببا في البناء أسند الفعل إليه.
٢ - إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا؟ (١)
فإسناد الإفناء إلى قول الكماة مجاز عقلي علاقته السببية، لأنّ قول الكماة: «ألا أين المحامون؟» سبب في هجوم هؤلاء المحامين وقتلهم.
٣ - يفعل المال ما تعجز عنه القوة.
فإسناد الفعل إلى المال إسناد غير حقيقي لأنّ المال لا يفعل وإنّما صاحبه هو الذي يفعل، فهنا مجاز عقلي علاقته السببية، لأنّ المال هو الذي يدفع صاحبه إلى الفعل.
٤ - لها وجه يصف الحسن.
فإسناد وصف الحسن إلى الوجه هو إسناد الفعل إلى غير فاعله الحقيقي لأنّ الذي يصف حسن الوجه إنّما هو من يراه، ولما كان الوجه وما أودع فيه من جمال هو السبب في دفع الناس إلى وصفه أسند الوصف إليه. وهذا مجاز عقلي علاقته السببية.
٥ - قال المتنبي:
والهمّ يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبيّ ويهرم (٢)
الفعل «يخترم» بمعنى يهلك وقد أسند «الهم» أي إلى غير فاعله
стр. 144
الحقيقي، لأنّ الهم لا يهلك الجسم وإنّما الذي يهلكه هو المرض الذي سببه الهم، وكذلك الفعل «يشيب» أسند إلى ضمير الهم، أي إلى غير فاعله الحقيقي أيضا، لأنّ الهم لا يشيب الرأس وإنّما الذي يشيبه هو الضعف في جذور الشعر الناشئ عن الهم. وعلى هذا فإسناد الاخترام والإشابة إلى الهم مجاز عقلي علاقته «السببية».
...
ب- أمثلة للمجاز العقلي والعلاقة الزمانية:
١ - نهار الزاهد صائم وليله قائم.
إذا تأملنا هذا المثال وجدنا أن «الصوم» أسند إلى ضمير «النهار»، وأن «القيام» أسند إلى ضمير «الليل»، مع أن النهار لا يصوم، بل يصوم من فيه، وأن الليل لا يقوم بل يقوم من فيه. وعلى هذا فكل من الوصفين «صائم وقائم» أسند إلى غير ما هو له، والذي سوغ ذلك الإسناد أن المسند إليه زمان الفعل. وعلى هذا فإسناد الصوم إلى ضمير النهار وإسناد القيام إلى ضمير الليل مجاز عقلي علاقته «الزمانية».
٢ - ضرب الدهر بينهم وفرق شملهم.
في هذا المثال أسند الضرب والتفريق إلى الدهر مع أن الدهر في حقيقته لا يضرب ولا يفرق، وعلى هذا فإسناد الضرب والتفريق إليه هو إسناد لكل من هذين الفعلين إلى غير فاعله الحقيقي، لأن الذي ضرب بينهم وفرق شملهم هو الحوادث والمصائب التي حدثت في الدهر. فالمجاز هنا مجاز عقلي علاقته «الزمانية».
٣ - ضرّسهم الزمان وطحنتهم الأيام.
في إسناد فعل التضريس إلى الزمان وفعل الطحن إلى الأيام إسناد
стр. 145
إلى غير الفاعل الحقيقي لأن الذي يضرس ويطحن هو الحوادث والكوارث التي تقع في الزمان والأيام. فإسناد التضريس إلى الزمان والطحن إلى الأيام إذن مجاز عقلي علاقته «الزمانية».
٤ - قال المتنبي:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من أمره ما عنانا
وتولوا بغصة كلهم من ... هـ وإن سر بعضهم أحيانا
ربما تحسن الصنيع ليالي ... هـ ولكن تكدر الإحسانا
كلما أنبت الزمان قناة ... ركب المرء في القناة سنانا (١)
في البيت الثاني الفعل «سرّ» فاعله ضمير يعود على «الزمان» قبله، وإسناد هذا الفعل إلى ضمير الزمان إسناد للفعل إلى غير فاعله الحقيقي، لأن الزمان وهو الوقت لا يسر وإنما تسر الحوادث التي به. وإذن فإسناد السرور إلى الزمان مجاز عقلي علاقته «الزمانية». كذلك في كل من «تحسن الصنيع لياليه» وفي «تكدر الإحسانا» مجاز عقلي علاقته «الزمانية»، فإسناد إحسان الصنيع وتكدير الإحسان إلى الليالي إسناد غير حقيقي، لأن الذي يفعل ذلك هو الحوادث التي تقع في الليالي التي هي زمان. ومن أجل ذلك قلنا إن إسناد إحسان الصنيع وتكدير
الإحسان إلى الليالي إسناد غير حقيقي، لأن الذي يفعل ذلك هو الحوادث التي تقع في الليالي التي هي زمان. ومن أجل ذلك قلنا إن إسناد إحسان الصنيع وتكدير الإحسان إلى الليالي مجاز عقلي علاقته «الزمانية».
وفي البيت الأخير «كلما أنبت الزمان قناة» أسند إنبات القناة إلى الزمان أي إلى غير فاعله الأصلي، لأن الزمان ليس في قدرته وطبيعته