← Баляга

Баляга · id 17669

علم البيان

عبد العزيز عتيق

Полный текст (220 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فهو هنا يشبه نجوم الليل في ثباتها وعدم تحركها كما لو كانت قد شدت بشيء مفتول قوي إلى جانب هذا الجبل. وقد ذكر ابن رشيق أمثلة للتشبيه المصيب منها قول النابغة في وصف المتجردة: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العوّد وقول عدي بن الرقاع العاملي: وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم وقول صريع الغواني: فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع (١) ٣ - التشبيه المقارب: كقول ذي الرمة: ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جللته المظلمات الحنادس وهذا من نوع التشبيه المقلوب الذي يجعل فيه المشبه مشبها به فالعادة أن أعجاز النساء أو أوراك العذارى تشبه بكثبان الرمال ولكن الشاعر هنا قلب التشبيه طلبا للمبالغة. ومن المقارب الحسن قول الشماخ: كأن المتن والشرخين منه ... خلاف النصل سيط به مشيج

стр. 72

يريد سهما رمى به فأنفذ الرميّة وقد اتصل به دمها، والمتن متن السهم، وشرخ كل شيء حده، فأراد شرخي الفوق (١) وهما حرفاه، والمشيج المختلط. ٤ - التشبيه البعيد: وهو الذي يحتاج إلى تفسير، وعند المبرد أن هذا النوع هو أخشن الكلام، كقول الشاعر: بل لو رأتني أخت جيراننا ... إذ أنا في الدار كأني حمار فإن الشاعر أراد الصحة، وهذا بعيد، لأن السامع إنما يستدل عليه بغيره. وقال الله وهو من البين الواضح-: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً في أنهم قد تعاموا عن التوراة وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها. ويلاحظ على هذا التقسيم الذي أورده المبرد للتشبيه أمور منها: أن هذه الأنواع الأربعة هي صفات لبعض التشبيهات، وأنه لم يضع حدودا تميز كل نوع عما عداه. وترك هذا لحدس القارئ وتخمينه، وأنه قد حكم على بعض الأمثلة التي أوردها بالحسن أو القبح دون أن يعلل لما استحسنه أو استقبحه. ولكنه في عصره المبكر وفي المراحل الأولى للبلاغة والنقد لم يكن ينتظر منه أن يتوسع في دراسة التشبيه بأكثر مما فعل. أداة التشبيه وأداة التشبيه كل لفظ يدل على المماثلة والاشتراك، وهي حرفان وأسماء، وأفعال، وكلها تفيد قرب المشبه من المشبه به في صفته. والحرفان هما:

стр. 73

١ - الكاف: وهي الأصل لبساطتها، والأصل فيها أن يليها المشبه به، كقول الشاعر: أنا كالماء- إن رضيت- صفاء ... وإذا ما سخطت كنت لهيبا وقول آخر: أنت كالليث في الشجاعة والإقدام ... والسيف في قراع الخطوب (١) وقد يليها مفرد لا يتأتى التشبيه به، وذلك إذا كان المشبه به مركبا، كقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، ولا بمفرد آخر يتعمل ويتمحل لتقديره، بل المراد تشبيه حالها في نضارتها وبهجتها وما يعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفا ثم يهيج فتطيّره الرياح كأن لم يكن. ونحو قول لبيد: وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وبعد بلاقع فلبيد لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم بحلول أهل الديار فيها وسرعة نهوضهم عنها وتركها خالية. ٢ - كأن: وتدخل على المشبه أو يليها المشبه، كقول الشاعر: كأن أخلاقك في لطفها ... ورقة فيها نسيم الصباح وقول آخر: وكأنّ الشمس المنيرة دينا ... رجلته حدائد الضّرّاب (٢)

стр. 74

و «كأن» حرف مركب عند أكثر علماء اللغة من الكاف وإن. قالوا: والأصل في «كأن زيدا أسد» «إن زيدا كأسد» ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به، ففتحت همزة «إن» لدخول الجار، وما بعد الكاف جرّ بها. و «كأن» للتشبيه على الإطلاق، وهذا هو استعمالها الغالب والمتفق عليه من جمهور النحاة، وزعم جماعة من النحاة أنها لا تكون للتشبيه إلا إذا كان خبرها اسما جامدا، نحو: كأن زيدا أسد. بخلاف كأن زيدا قائم، أو في الدار، أو عندك، أو يقوم، فإنها في ذلك كله للظن والشك. أي بمنزلة ظننت وتوهمت. ومعنى هذا أنه إذا كان خبرها وصفا أو جملة أو شبه جملة فهي فيهن للظن، ولا تكون للتشبيه إلا إذا كان الخبر مما يتمثل به. فإن قلت: كأن زيدا قائم، لا يكون تشبيها لأن الشيء لا يشبه نفسه. ولكن جمهور النحاة على الرأي الأول القائل بأنها للتشبيه على الإطلاق، وعلى هذا يقولون: إن معنى كأن زيدا قائم، تشبيه حالته غير قائم بحالته قائما. ٣ - مثل: ومن أدوات التشبيه مثل وما في معنى مثل كلفظة «نحو»، وما يشتق من لفظة مثل وشبه، نحو مماثل ومشابه وما رادفهما. وأما أدوات التشبيه الفعلية فنحو: يشبه ويشابه ويماثل ويضارع ويحاكي ويضاهي. وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه كالفعل «علم» في قولك: علمت زيدا أسدا ونحوه، هذا إذا قرب التشبيه بمعنى أن يكون وجه الشبه قريب الإدراك، فيحقق بأدنى التفات إليه. وذلك لأن العلم معناه التحقق، وذلك مما يناسب الأمور الظاهرة البعيدة عن الخفاء. أما إن بعد التشبيه أدنى تبعيد قيل: خلته وحسبته ونحوهما لبعد الوجه عن التحقق، وخفائه عن الإدراك العلمي، وذلك لأن الحسبان

стр. 75

ليس فيه الرجحان، ومن شأن البعيد عن الإدراك أن يكون إدراكه كذلك دون التحقق المشعر بالظهور وقرب الإدراك. التشبيه باعتبار الأداة: والبلاغيون يقسمون التشبيه باعتبار الأداة إلى مرسل ومؤكد: ١ - فالتشبيه المرسل: هو ما ذكرت فيه أداة التشبيه، نحو: خلق كالمدام أو كرضا ال ... مسك أو كالعبير أو كالملاب وقول الشاعر: العمر مثل الضيف أو ... كالطيف ليس له إقامة وقول المتنبي في هجاء إبراهيم بن إسحاق الأعور بن كيغلغ: وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم ٢ - والتشبيه المؤكد: هو ما حذفت منه أداة التشبيه، وتأكيد التشبيه حاصل من ادعاء أن المشبه عين المشبه به، وذلك نحو قوله تعالى تصويرا لبعض ما يرى يوم القيامة: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي أن الجبال ترى يوم ينفخ في الصور تمر كمر السحاب، أي تسير في الهواء كسير السحاب الذي تسوقه الرياح. ومنه شعرا قول المتنبي مادحا: أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الرّبا وأنت الغمام (١) كل عيش ما لم تطبه حمام ... كل شمس ما لم تكنها ظلام (٢)

стр. 76

والتشبيه المؤكد أبلغ من التشبيه المرسل وأوجز، أما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبها به من غير واسطة أداة فيكون هو إياه، فإنك إن قلت: زيد أسد كنت قد جعلته أسدا من غير إظهار أداة التشبيه، وأما كونه أوجز فلحذف أداة التشبيه منه. ومن التشبيه المؤكد ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه، نحو قول الشاعر: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء فالصورة هنا أن الريح تعبث بغصون الأشجار المخضرة فتميلها يمينا وشمالا وأعلى وأسفل، والحال أنه قد جرى «ذهب الأصيل» أي الأصيل الذي كالذهب في الصفرة على «لجين الماء»، أي على ماء كاللجين أي كالفضة في الصفاء والبياض. وقول الشريف الرضي: أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العرّاصة الهمع (١) فهو يريد «بحوامل المزن» المزن أو السحب التي هي كالحوامل من الحيوان، بجامع ما في كل من المنفعة، كما يريد «بجنين النبت» النبت الذي كالجنين. فالمشبه به في هذين التشبيهين قد أضيف إلى المشبه. وهذا تشبيه مؤكد. وقد يسمى التشبيه المرسل «مظهرا» كما يسمى التشبيه المؤكد

стр. 77

«مضمرا». وهذا التشبيه المؤكد أو المضمر ينقسم أقساما، منها: - ما يقع فيه المشبه والمشبه به موقع المبتدأ وخبره المفرد، نحو: أنت أسد، وكرمك بحر، وقولك شعر، وحديثك شهد. ففي هذه الأمثلة وأشباهها لا يصعب تقدير الأداة. ٢ - وما يقع فيه المشبه موقع المبتدأ والمشبه به موقع الخبر المفرد المكون من مضاف ومضاف إليه، نحو: أنت حصن الضعفاء. وهذا القسم بدوره يأتي على نوعين: أ- إذا كان المضاف إليه معرفة، كما في المثال السابق، جاز لنا عند تقدير أداة التشبيه الإبقاء على المضاف إليه كما هو أو تقديمه على المضاف، فنقول مثلا: أنت كحصن الضعفاء، أو أنت للضعفاء كحصن. ب- وإذا كان المضاف إليه نكرة تعين تقديمه عند تقدير الأداة، فنقول في مثل: فلان بحر بلاغة، «فلان في البلاغة كبحر». ومن ذلك قول البحتري مادحا: غمام سحاب ما يغبّ له حيا ... ومسعر حرب ما يضيع له وتر فإذا شئنا تقدير الأداة هنا قلنا: «سماح كالغمام»، ولا يقدر إلا هكذا والمبتدأ هنا محذوف وهو الإشارة إلى الممدوح، وكأن التقدير: هو غمام سماح. وعند تقدير الأداة يقدم المضاف إليه فيقال: هو سماح كالغمام، أو هو في السماح كالغمام (١). ومه قول أبي تمام: أيّ مرعى عين ووادي نسيب ... لحبته الأيام في ملحوب

стр. 78

ومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنا ثم زال عنه حسنه فقال بأن العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى، فإنه كان يشبب به في الأشعار لحسنه وطيبه. وإذا قدرنا الأداة هنا قلنا: كأنه كان للعين مرعى وللنسيب منزلا ومألفا. وجه الشبه وجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه طرفا التشبيه تحقيقا أو تخييلا. والمراد بالتحقيق هنا أن يتقرر المعنى المشترك في كل من الطرفين على وجه التحقيق. وذلك نحو تشبيه الرجل بالأسد. فالشجاعة هي المعنى المشترك أو الصفة الجامعة بينهما، وهي على حقيقتها موجودة في الإنسان. وإنما يقع الفرق بينه وبين الأسد الذي شبّه به من جهة قوة الشجاعة وضعفها. وزيادتها ونقصانها. ومثل ذلك تشبيه الشعر بالليل ووجه الشبه هنا هو السواد وهو مأخوذ من صفة موجودة في كل واحد من الطرفين وجودا حقيقيا، وإن كان من فرق في الصفة فهو في درجة قوتها وضعفها. والمراد بالتخييل أن لا يمكن وجوده في المشبه به إلا على سبيل التأويل والتخييل كقول القاضي التنوخي: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهنّ ابتداع (١)

стр. 79

فإن وجه الشبه في هذا التشبيه أو الجامع بين الطرفين هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض في جوانب شيء مظلم أسود. فهذه الهيئة غير موجودة في المشبه به إلا على طريق التخييل، وذلك أنه لما كانت البدعة والضلالة وكل ما هو جهل يجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظلمة فلا يهتدي إلى الطريق ولا يفصل الشيء من غيره- شبهت بالظلمة، ولزم على عكس ذلك أن تشبّه السنة والهدى وكلّ ما هو علم بالنور. وأصل ذلك قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ،* وشاع ذلك حتى وصف الصنف الأول بالسواد، كما في قول القائل: «شاهدت سواد الكفر من جبين فلان»، وحتى وصف الصنف الثاني بالبياض، كما في قول النبي ﷺ : «أتيتكم بالحنيفية البيضاء»؛ وذلك لتخيل أن السنن ونحوها من الجنس الذي هو إشراق أو ابيضاض في العين، وأن البدعة ونحوها على خلاف ذلك. ولهذا صار تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين البدع، كتشبيه النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب، أو بالأزهار مؤتلقة بين النبات الشديد الخضرة. فالتأويل فيه أنه تخيّل ما لا لون له ذا لون. ومن التشبيه التخييلي قول ابن بابك: وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا (١) فإن الأخلاق لما كانت توصف بالسعة والضيق تشبيها لها بالأماكن الواسعة والضيقة، تخيّل أخلاق الكرام شيئا له سعة، وجعله أصلا فيها، فشبّه الأرض بالسعة.

стр. 80

ومنه قول أبي طالب الرقي: ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق فإنه لما كانت أيام المكاره توصف بالسواد توسعا، فيقال اسودّ النهار في عيني وأظلمت الدنيا عليّ، ولما كان المحب الغزل يفترض القسوة فيمن لم يعشق، وكان القلب القاسي يوصف بالسواد توسعا، تخيّل الشاعر العاشق يوم النوى وفؤاد من لم يعشق شيئين لهما سواد، وجعلهما أعرف به، وأشهر من الظلام فشبهه بهما. وجه الشبه من حيث الإفراد والتعدد: ووجه الشبه قد يكون واحدا حسيا كالحمرة والخفاء وطيب الرائحة ولذة الطعم ولين الملمس، في تشبيه الخد بالورد، والصوت الضعيف بالهمس، والنكهة بالعنبر، والريق بالعنبر، والريق بالخمر، والجلد الناعم بالحرير. وقد يكون وجه الشبه واحدا عقليا، كالجراءة في تشبيه الرجل الشجاع بالأسد، وكمطلق الهداية في قوله ﷺ : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». وقد يكون وجه الشبه متعددا حسيا، والمراد بالتعدد هنا أن يذكر في التشبيه عدد من أوجه الشبه من اثنين فأكثر على وجه صحة الاستقلال، بمعنى أن كل واحد منها لو اقتصر عليه كفى في التشبيه. مثال ذلك أن يقال: البرتقالة كالتفاحة في شكلها وفي لونها وفي حلاوتها، وفي رائحتها. فلو أسقط وجهان من أوجه الشبه هذه لكفى الباقي في التشبيه للإبانة عن قصد المتكلم. وهذا هو وجه الشبه المتعدد. والمتعدد العقلي نحو: البنت كأمها حنانا وعطفا وعقلا ولطفا.

стр. 81

والمتعدد المختلف نحو: الولد كأبيه في طوله ومشيته وصوته، وخلقه وكرمه وعلمه. التشبيه باعتبار وجهه: وللتشبيه باعتبار وجه الشبه ثلاث تقسيمات: تمثيل وغير تمثيل. مفصل ومجمل. قريب وبعيد. ١ - تشبيه التمثيل: وهو ما كان وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد أمرين أو أمور. هذا هو مذهب جمهور البلاغيين في تعريفه، ولا يشترطون فيه غير تركيب الصورة، سواء أكانت العناصر التي تتألف منها صورته أو تركيبه حسية أو معنوية. وكلما كانت عناصر الصورة أو المركب أكثر كان التشبيه أبعد وأبلغ. ومن أمثلته قول شاعر يمدح فارسا: وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكرّ على الرجال بكوكب فالمشبه هنا هو صورة الممدوح الفارس وبيده سيف لا مع يشق به ظلام غبار الحرب، والمشبه به صورة قمر يشق ظلمة الفضاء ويتصل به كوكب مضيء، ووجه الشبه هو الصورة المركبة من ظهور شيء مضيء يلوح بشيء متلألئ في وسط الظلام. ومنه قول ابن المعتز يصف السماء بعد تقشع سحابة: كأن سماءنا لما تجلّت ... خلال نجومها عند الصباح

стр. 82

رياض بنفسج خضل نداه ... تفتّح بينه نور الأقاح (١) فالمشبه صورة السماء والنجوم منثورة فيها وقت الصباح والمشبه به صورة رياض من أزهار البنفسج تخللتها أزهار الأقاحي، ووجه الشبه هو الصورة الحاصلة من شيء أزرق انتشرت في أثنائه صور صغيرة بيضاء. ومنه قول أبي تمام في مغنية تغني بالفارسية: ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها فبتّ كأنني أعمى معنّى ... بحبّ الغانيات وما يراها (٢) فالمشبه هنا حال الشاعر يثير نغم المغنية بالفارسية في نفسه كوامن الشوق وهو لا يفهم لغتها، والمشبه به حال الأعمى يعشق الغانيات وهو لا يرى شيئا من حسنهن، ووجه الشبه هو صورة قلب يتأثر وينفعل بأشياء لا يدركها كل الإدراك. ومنه قول شاعر في صديق عاق: إني وإياك كالصادي رأى نهلا ... ودونه هوّة يخشى بها التلفا رأى بعينيه ماء عزّ مورده ... وليس يملك دون الماء منصرفا فالمشبه حال الشاعر مع صديقه العاق يدعوه الوفاء إلى الإبقاء على مودته، ويدعوه ما يراه فيه من العقوق إلى قطعه، وهو بين الأمرين حائر، ولكنه يصغي أخيرا إلى داعي الوفاء، والمشبه به حال عطشان رأى ماء

стр. 83

تحول بينه وبين الشرب منه هوّة يخشى منها الهلاك على نفسه لو دنا منه، فوقف حائرا ولكنه لا يستطيع الانصراف عن الماء، ووجه الشبه هو صورة من يريد شيئا فتحول العقبات دونه فتدركه الحيرة ولكنه لا ييئس. ومنه قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. فالمشبه حال من ينفق قليلا في سبيل الله ثم يلقى عليه جزاء جزيلا، والمشبه به حال من بذر حبة فأنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة، ووجه الشبه هو صورة من يعمل قليلا فيجني من ثمار عمله كثيرا. ... أما وجه الشبه عند ما يكون غير تمثيل فهو عكس ذلك، أي عند ما لا يكون صورة منتزعة من متعدد، وبعبارة أخرى هو ما يكون غير مركب أي مفردا، وكونه مفردا لا يمنع من تعدد الصفات المشتركة بين طرفي التشبيه. ومن أمثلة التشبيه عند ما يكون وجه الشبه فيه غير تمثيل قول البحتري: هو بحر السماح والجود فازدد ... منه قربا تزدد من الفقر بعدا فالمشبه هنا هو الممدوح والمشبه به هو البحر، ووجه الشبه الذي يشترك فيه الممدوح والبحر هو صفة الجود. وقول امرئ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

стр. 84

فالمشبه في هذا البيت هو الليل في ظلامه وهوله، والمشبه به هو موج البحر، وأن هذا الليل أرخى عليه حجبه وسدوله مصحوبة بكل أنواع الهموم والأحزان ليختبر صبره وقوة احتماله، ووجه الشبه الذي يشترك فيه الليل وموج البحر صفتان هما: الظلمة والروعة. وقول أبي بكر الخالدي: يا شبيه البدر حسنا ... وضياء ومنالا وشبيه الغصن لينا ... وقواما واعتدالا أنت مثل الورد لونا ... ونسيما وملالا زارنا حتى إذا ما ... سرّنا بالقرب زالا فالمشبه في هذا المثال هو الحبيب، والمشبه به هو البدر مرة، والغصن مرة ثانية، والورد مرة ثالثة، ووجه الشبه الذي يشترك فيه الطرفان صفات متعددة لا يرتبط بعضها ببعض، وكل صفة منها يمكن الاكتفاء بها كوجه شبه، بمعنى أنه لو حذف بعضها دون بعض أو قدّم بعضها على بعض ما اختل التشبيه. ولعلنا الآن أدركنا من هذه الأمثلة أن تشبيه غير التمثيل هو ما كان وجه الشبه فيه غير صورة أي غير مركب. وبعبارة أخرى هو ما كان مفردا مهما تعددت الصفات التي يشترك فيها الطرفان، وأن هذه الصفات المشتركة إن وجدت لا يشترط فيها نظام أو ترتيب معين، بمعنى أنه يجوز فيها التقديم والتأخير، كما يجوز الإبقاء عليها أو على بعضها كوجه شبه من غير إخلال بالتشبيه. ٢ - ويكون وجه الشبه مفصلا ومجملا: أ- فالتشبيه المفصل: هو ما ذكر فيه وجه الشبه، وذلك نحو قول الشاعر:

стр. 85

كم وجوه مثل النهار ضياء ... لنفوس كالليل في الإظلام فالبيت هنا فيه تشبيهان وجه الشبه في الأول «ضياء» وفي الثاني «الإظلام» وكلاهما مذكور في التشبيه. قول ابن الرومي: يا شبيه البدر في الحس ... ن وفي بعد المنال جد فقد تنفجر الصخ ... رة في الماء الزلال فالمشبه هو الحبيب والمشبه به البدر ووجه الشبه هو اشتراك الطرفين في صفتي الحسن وبعد المنال، وكلتاهما مذكورة في التشبيه. وقول آخر: أنت كالبحر في السماحة، والش ... مس علوا، والبدر في الإشراق فهذا البيت يشتمل على ثلاثة تشبيهات ذكر في كل منها وجه الشبه، وهو في التشبيه الأول «السماحة» وفي الثاني «العلو» وفي الثالث «الإشراق». فكل تشبيه من التشبيهات التي تضمنتها هذه الأمثلة تشبيه مفصّل، لأن وجه الشبه قد ذكر فيه. ب- والتشبيه المجمل: هو ما حذف منه وجه الشبه، وذلك نحو قول الشاعر: وكأن إيماض السيوف بوارق ... وعجاج خيلهم سحاب مظلم (١) ففي البيت تشبيهان: تشبيه إيماض السيوف بالبرق في الظهور وسرعة الخفاء، وتشبيه عجاج الخيل بالسحاب المظلم في سواده وانعقاده

стр. 86

في الجو. ووجه الشبه في كليهما محذوف، ولهذا فهو تشبيه مجمل. ومن التشبيه المجمل ما وجه شبهه ظاهر يفهمه كل أحد حتى العامة كالمثال السابق، وكقولنا: زيد أسد، إذ لا يخفى على أحد أن المراد به التشبيه في الشجاعة دون غيرها. ومن التشبيه المجمل ما وجهه خفيّ لا يدركه إلّا من له ذهن يرتفع عن طبقة العامة، كقول فاطمة بنت الخرشب عند ما سئلت عن بنيها أيهم أفضل فقالت: «عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان. ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيّهم أفضل. هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها». فمعنى ذلك أن أبناءها لتناسب أصولهم وفروعهم وتساويهم في الشرف يمتنع تعيين بعضهم فاضلا وبعضهم أفضل منه، كما أن الحلقة المفرغة لتناسب أجزائها وتساويها يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا. فتشبيه أبناء بنت الخرشب بالحلقة المفرغة تشبيه مجمل، ووجه شبهه المحذوف هو تعذر بل استحالة تعيين أوليّة أو أفضلية أشياء متناسبة متساوية، أو هو التناسب المانع من تمييز يصح معه التفاوت. فهذا الوجه المحذوف والذي يشترك فيه طرفا التشبيه أمر خفيّ لا يستطيع إدراكه إلا من له ذهن يرتفع عن طبقة العامة، كما ذكرت آنفا. ومن التشبيه المجمل ما لم يذكر فيه وصف المشبه ولا وصف المشبه به، أي الوصف المشعر بوجه الشبه، ومن هذا النوع: تشبيه إيماض السيوف بالبوارق، وتشبيه زيد بالأسد السابقين. ومنه ما يذكر فيه وصف المشبه به وحده، كتشبيه عجاج الخيل بالسحاب المظلم، وتشبيه أبناء بنت الخرشب بالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها.

стр. 87

ومن هذا النوع أيضا، أي التشبيه المجمل الذي ذكر فيه وصف المشبه به وحده قول زياد الأعجم: وأنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما تلق في البحر يغرق وقول النابغة الذبياني: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ومن التشبيه المجمل ما ذكر فيه وصف كل من المشبه والمشبه به، كقول أبي تمام في مدح الحسن بن سهل: صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عنيّ، وعاوده ظني فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك ريّقه ... وإن ترحلت عنه لجّ في الطلب (١) فالتشبيه هنا هو: «الممدوح كالغيث» والبيت الأول مشتمل على وصف المشبه وهو الممدوح، والبيت الثاني مشتمل على وصف المشبه به وهو الغيث، وكلا الوصفين مشعر بوجه الشبه المحذوف، وهو عدم التخلص من كليهما على أي حال. ٣ - ويكون قريبا وبعيدا: كذلك يكون التشبيه باعتبار الوجه قريبا وبعيدا. والمراد بالقريب القريب المتبذل، وبالبعيد البعيد الغريب. فالقريب المتبذل: هو ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير

стр. 88

تدقيق نظر، وذلك لظهور وجهه في بادئ الرأي. وسبب ظهوره أمران: الأول كون الشيء جمليا، فإن الجملة أسبق دائما إلى النفس من التفصيل. ألا ترى أن الرؤية لا تصل في أول أمرها إلى الوصف على التفصيل لكن على الجملة، ثم على التفصيل؟ ولذلك قيل النظرة الأولى حمقاء، وفلان لم يمعن النظر. وكذلك الشأن بالنسبة لسائر الحواس، فإنه يدرك من تفاصيل الصوت والذوق والشم واللمس في المرة الثانية ما لم يدرك في المرة الأولى. فمن يروم التفصيل كمن يبتغي الشيء من بين جملة أشياء يريد تمييزه مما اختلط به، ومن يريد الإجمال كمن يريد أخذ الشيء جزافا من غير تدقيق نظر. وكذلك حكم ما يدرك بالعقل، ترى الشيء يسبق دائما إلى الذهن إجمالا، أما التفاصيل فمغمورة في الإجمال لا تحضر وتنكشف إلا بعد إعمال الرؤية. والأمر الثاني في ظهور وجه الشبه في بادئ الرأي كونه قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن، إما عند حضور المشبه لقرب المناسبة بينهما، كتشبيه العنبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل وفي المقدار، وإما مطلقا لتكرره على الحس، كتشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة في الاستدارة والاستنارة؛ فإن قرب المناسبة والتكرر كل واحد منهما يعارض التفصيل لاقتضائه سرعة الانتقال. والبعيد الغريب: هو ما لا ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر، وذلك لخفاء وجهه في بادئ الرأي. وسبب خفائه أمران: أحدهما كونه كثير التفصيل، كقول الراجز: «والشمس كالمرآة في كف الأشل». فوجه الشبه في هذا التشبيه هو الهيئة

стр. 89

الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة مع تموّج الإشراق واضطرابه بسبب تلك الحركة حتى يرى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له فيرجع من الانبساط إلى الانقباض. فالشمس إذا أحدّ الإنسان النظر إليها ليتبين جرمها وجدها مؤدية إلى هذه الهيئة، وكذلك المرآة إذا كانت في كف الأشل. فالهيئة التي يتركب منها وجه الشبه هنا لا تقوم في نفس الرائي للمرآة الدائمة الاضطراب إلا بعد تأمل وطول نظر وتمهل. والأمر الثاني لخفاء وجه الشبه في بادئ الرأي هو ندرة حضور المشبه به في الذهن، أما عند حضور المشبه لبعد المناسبة بينهما كتشبيه البنفسج بنار الكبريت في قول الشاعر: ولا زورديّة تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت فإن لازورديّة وهي البنفسجة شبهت بالنار في أطراف كبريت، ومعلوم أن الشيء الطبيعي الذي يتبادر إلى الذهن بسرعة عند حضور «اللازوردية» فيه هو الأزهار والرياحين التي هي من جنسها لا أوائل النار في أطراف الكبريت. ولما كان الانتقال من البنفسج إلى النار المذكورة بعد التأمل وطول النظر كان التشبيه غريبا. وإما أن تحصل ندرة المشبه به حصولا مطلقا من غير تقيد بوقت حضور المشبه لكونه وهميا، كما مضى من تشبيه نصال السهام بأنياب الأغوال، أو لكونه مركبا خياليا كتشبيه أزهار الشقيق بأعلام ياقوت منشورة على رماح من الزبرجد، أو لكونه مركبا عقليا كتشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا.

стр. 90

فإن كلّا سبب لندرة حضور المشبه به في الذهن، أو لقلة تكرره على الحس، كما مر من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، فقد يقضي الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة في يد الأشل. فالغرابة في هذا التشبيه من وجهين هما: كثرة التفصيل في وجه الشبه، وقلة التكرار أو الورود على الحس. التشبيه المقلوب التشبيه المقلوب هو جعل المشبه مشبها به بادعاء أن وجه الشبه فيه أقوى وأظهر. وأبو الفتح عثمان بن جني في كتابه الخصائص (١) يسمي هذا النوع من التشبيه «غلبة الفروع على الأصول» ويقول: «هذا فصل من فصول العربية طريف، تجده في معاني العرب، كما تجده في معاني الأعراب. ولا تكاد تجد شيئا من ذلك إلا والغرض فيه المبالغة. فمها جاء فيه ذلك للعرب قول ذي الرمة: ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس (٢) أفلا ترى ذا الرمة كيف جعل الأصل فرعا والفرع أصلا؟ وذلك أن العادة والعرف في نحو هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء أي الرمال، ألا ترى إلى قوله:

стр. 91

ليلى قضيب تحته كثيب ... وفي القلاد رشأ ربيب (١)؟ ولله البحتري فما أعذب وأظرف وأدمث قوله: أين الغزال المستعير من النقا ... كفلا ومن نور الأقاحي مبسما؟ فقلب ذو الرمة العادة والعرف في هذا، فشبّه كثبان الأنقاء، أي الرمال بأعجاز النساء. وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة، أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء، وصار كأنه الأصل فيه، حتى شبه به كثبان الأنقاء». وقد عرض ابن الأثير في كتابه المثل السائر لهذا النوع من التشبيه، وسماه «الطرد والعكس»، وذلك إذ يقول: «واعلم أن من التشبيه ضربا يسمى الطرد والعكس، وهو أن يجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به، وبعضهم يسميه غلبة الفروع على الأصول ... ومما جاء منه قول البحتري: في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها وقول عبد الله بن المعتز في تشبيه الهلال: ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظّفر ولما شاع ذلك في كلام العرب واتسع صار كأنه الأصل، وهو موضع من علم البيان حسن الموقع لطيف المأخذ. وهذا قد ذكره أبو الفتح ابن جني في كتاب الخصائص. ولما نظرت أنا في ذلك وأنعمت نظري فيه تبين لي ما أذكره، وهو

стр. 92

أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبّه الشيء بما يطلق عليه لفظة أفعل، أي يشبه بما هو أبين وأوضح، أو بما هو أحسن منه أو أقبح، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى. وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة لأن الذي قدمنا ذكره مطرد في بابه وعليه مدار الاستعمال. وهذا غير مطرد وإنما يحسن في عكس المعنى المتعارف، وذاك أن تجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به. ولا يحسن في غير ذلك مما ليس بمتعارف؛ ألا ترى أن من العادة والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان، فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنا لائقا، وكذلك فعل البحتري، فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر، والقد الحسن بالقضيب، فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضا حسنا لائقا. ولو شبه ذو الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك، وهكذا لو شبه البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء، والقضيب بغير قدّها لما حسن ذلك أيضا. وهكذا القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة؛ لأن من العادة أن تشبه القلامة بالهلال، فلما صار ذلك مشهورا متعارفا حسن عكس القضية فيه» (١). ... ومن أمثلة التشبيه المقلوب قول ابن المعتز: والصبح في طرّة ليل مسفر ... كأنه غرّة مهر أشقر (٢)

стр. 93

فالمشبه هنا هو الصبح والمشبه به هو غرّة مهر أشقر، وهذا تشبيه مقلوب، لأن العادة في عرف الأدباء أن تشبّه غرّة المهر بالصبح، لأن وجه الشبه وهو البياض أقوى في الصبح منه في المهر. ولكن الشاعر عدل عن المألوف، وقلب التشبيه للمبالغة، بادّعاء أن وجه الشبه أقوى في غرّة المهر منه في الصبح. ومنه قول محمد بن وهيب الحميري (١) في ذات التشبيه: وبدا الصباح كأن غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح فالمشبّه هنا أيضا هو ضوء الصباح في أول تباشيره، والمشبه به هو وجه الخليفة عند سماعه المديح. فالتشبيه كما ترى مقلوب، والأصل فيه هو العكس، لأن المألوف أن يشبّه الشيء دائما بما هو أقوى وأوضح منه في وجه الشبه؛ ليكتسب منه قوة ووضوحا. ولكن الشاعر تفننا منه في التعبير عكس القضية وقلب التشبيه للمبالغة والإغراق بادّعاء أن الشبه أقوى في المشبّه. ومنه قول البحتري مادحا: كأن سناها بالعشيّ لصبحها ... تبسّم عيسى حين يلفظ بالوعد شبّه البحتري برق السحابة الذي ظلّ لّماعا طوال الليل بتبسم الممدوح حين يعد بالعطاء، ولا شك أن لمعان البرق أقوى من بريق الابتسام، فكان المألوف أن يشبّه الابتسام بالبرق على عادة الشعراء، ولكن البحتري قلب التشبيه تفننا في التعبير والتماسا للمبالغة بادّعاء أن وجه الشبه أقوى في المشبّه.

стр. 94

ومنه قول شاعر آخر: أحنّ لهم ودونهم فلاة ... كأن فسيحها صدر الحليم فالشاعر في هذا البيت شبّه فسيح الفلاة بصدر الحليم، فالتشبيه كما ترى مقلوب، إذ المعهود تشبيه صدر الحليم بالفلاة. ولكن الشاعر رغبة منه في المبالغة بادّعاء أن صدر الحليم أفسح من الصحراء عكس التشبيه. ... وفيما يلي طائفة أخرى من أمثلة التشبيه المقلوب تترك للدّارس أمر التعرّف إلى المشبه والمشبه به في كلّ منها. قال أبو نواس في وصف النرجس: لدى نرجس غضّ القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون وقال البحتري في المدح: لجرّ عليّ الغيث هدّاب مزنه ... أواخرها فيه وأوّلها عندي تعجّل عن ميقاته فكأنه ... أبو صالح قد بت منه على وعد وقال ابن المعتز يصف سحابة ويشبه البرق بالسيوف المنتضاة: وسارية لا تملّ البكا ... جرى دمعها في خدود الثرى سرت تقدح الصبح في ليلها ... ببرق كهندية تنتضى (١) وقال البحتري في تشبيه حمرة الورد بحمرة خدي محبوبته، وتشبيه ميلان الغصن إذا هزّه النسيم بتثني قدّها:

стр. 95

في حمرة الورد شيء من تلهّبها ... وللقضيب نصيب من تثنيها وقال أيضا في وصف بركة المتوكل، وتشبيه البركة في تدفق مائها بيد المتوكل في العطاء: كأنها حين لجّت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها (١) وقال في تشبيه الندى على شقائق النعمان بدموع الشوق على خدود الحسان: شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد ... والخلاصة أن الأصل في التشبيه أن يجري على السّنن المعروف عند العرب والذي يتمثل في أن يلتمس المشبه به مما هو معروف ومألوف في حياتهم حتى ولو كان المشبه أقوى وأعظم في الصفة التي يشترك فيها مع المشبه به. فالعرب مثلا قد اشتهر بينهم عمرو بن معدّ يكرب بالإقدام، وحاتم بالجود، وأحنف بن قيس بالحلم، وإياس بالذكاء، وأصبح كل واحد من هؤلاء مثلا عاليا في الصفة التي اشتهر بها. فالأسلوب العربي يقضي على الشاعر أن يجعل كل واحد من هؤلاء الأعلام مشبّها به، سواء أوجد بعده من هو أعظم منه في الصفة وأقوى أم لم يوجد. وقد سلك القرآن الكريم هذا السّنن فشبّه نور الله ، وهو بلا شك أقوى الأنوار، بنور المصباح في مشكاة، لأنّ العرب جروا على عادة أن يجعلوا نور المصباح أكبر الأنوار وأعظم الأضواء. كذلك اطّردت العادة في البلاغة على تشبيه الأدنى بالأعلى، فإذا جاء

стр. 96

الأمر على خلاف ذلك فهو التشبيه المعكوس أو المقلوب طلبا للمبالغة بادّعاء أن وجه الشبه في المشبه أقوى منه في المشبه به. وقد شاع ذلك، كما يقول ابن الأثير، في كلام العرب واتّسع حتى صار كأنه الأصل في التشبيه. والواقع أن هذا الضرب من التشبيه حسن الموقع لطيف المأخذ، وهو مظهر من مظاهر الافتنان والإبداع في التعبير. والشرط في استعمال التشبيه المقلوب ألّا يرد إلا فيما جرى عليه العرف والإلف لدى العرب، وذلك حتى تظهر فيه بوضوح صورة القلب والانعكاس. على هذا الأساس يحسن التشبيه المقلوب ويقبل، أما إذا ورد في غير المعهود المألوف فإنه يكون معيبا لأن المبالغة فيه تصيبه بالغموض، وتؤدي إلى التداخل بين طرفيه، فلا يعرف أيّهما المشبّه، وأيّهما المشبه به. ويقرب من هذا النوع ما أطلق عليه «تشبيه التفضيل»، وهو أن يشبّه شيء بشيء لفظا أو تقديرا، ثم يعدل عن التشبيه لادّعاء أن المشبه أفضل من المشبه به. ومن ذلك قول الشاعر: حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال؟ وقول شاعر آخر: من قاس جدواك يوما ... بالسحب أخطأ مدحك السحّب تعطي وتبكي ... وأنت تعطي وتضحك التشبيه الضمني التشبيه الضمني: تشبيه لا يوضع فيه المشبه والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمحان في التركيب. وهذا الضرب من التشبيه

стр. 97

يؤتى به ليفيد أن الحكم الذي أسند إلى المشبه ممكن. وبيان ذلك أن الكاتب أو الشاعر قد يلجأ عند التعبير عن بعض أفكاره إلى أسلوب يوحي بالتشبيه من غير أن يصرّح به في صورة من صوره المعروفة. ومن بواعث ذلك التفنّن في أساليب التعبير، والنزوع إلى الابتكار والتجديد، وإقامة البرهان على الحكم المراد إسناده إلى المشبه، والرغبة في إخفاء معالم التشبيه، لأنه كلما خفي ودقّ كان أبلغ في النفس. ولنأخذ مثالا لذلك، وهو قول أبي فراس الحمداني: سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر فهو هنا يريد أن يقول: إن قومه سيذكرونه عند اشتداد الخطوب والأهوال عليهم ويطلبونه فلا يجدونه، ولا عجب في ذلك لأن البدر يفتقد ويطلب عند اشتداد الظلام. فهذا الكلام يوحي بأنه تضمن تشبيها غير مصرّح به؛ فالشاعر يشبّه ضمنا حاله وقد ذكره قومه وطلبوه فلم يجدوه عند ما ألّمت بهم الخطوب بحال البدر يطلب عند اشتداد الظلام. فهو لم يصرّح بهذا التشبيه وإنما أورده في جملة مستقلة وضمنه هذا المعنى في صورة برهان. ولنأخذ مثالا آخر وهو قول البحتري: ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم ... وللسيف حدّ حين يسطو ورونق فممدوح البحتري يلقى الشجعان بوجه ضاحك وهو يروعهم ويفزعهم في الوقت ذاته ببأسه وسطوته، وكذلك السيف له عند القتال والضرب رونق وفتك. وهذا كلام يشمّ منه رائحة التشبيه الضمني.

стр. 98

فالبحتري لم يأت بالتشبيه صريحا فيقول: إن حال الممدوح يضحك في غير مبالاة عند ملاقاة الشجعان ويفزعهم ببأسه وسطوته تشبه حال السيف عند الضرب له رونق وفتك، ولكنه أتى بذلك ضمنا، لباعث من البواعث السابقة. ولنأخذ مثالا ثالثا وهو قول ابن الرومي: قد يشيب الفتى وليس عجيبا ... أن يرى النّور في القضيب الرطيب (١) فابن الرومي يودّ أن يقول هنا: قد يعتري الفتى الشيب في ريعان شبابه، وليس ذلك بالأمر العجيب لأن الغصن الغضّ الندي قد يظهر فيه الزهر الأبيض قبل أوانه. فالأسلوب الذي عبّر به ابن الرومي عن فكرته هنا يتضمن تشبيها لم يصرّح به، فإنه لم يقل مثلا: إن الفتى وقد شاب مبكرا كالغصن الغضّ الرطيب وقد أزهر قبل أوانه، ولكنه أتى بالتشبيه ضمنا، لإفادة أن الحكم الذي أسند للمشبّه أمر ممكن الوقوع. ولنأخذ مثلا أخيرا وهو قول أبي تمام: لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... السيل حرب للمكان العالي يريد أبو تمام أن يقول لمن يخاطبها: لا تنكري خلوّ الرجل الكريم من الغني، فإن ذلك ليس غريبا، لأن قمم الجبال وهي أعلى الأماكن لا يستقر فيها ماء السيل. فالكلام يوحي بتشبيه ضمني، ولو صرّح به لقال مثلا: إن الرجل الكريم المحروم الغنى يشبه قمة الجبل وقد خلت من ماء السيل. ولكن

стр. 99

الشاعر لم يقل ذلك صراحة، وإنما أتى بجملة مستقلة وضمّنها هذا المعنى في صورة برهان على إمكان وقوع ما أسنده للمشبّه. ... وفيما يلي طائفة من أمثلة التشبيه الضمنى: ١ - قال المتنبي: وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام (١) المشبه حال الشاعر لا يعدّ نفسه من أهل دهره وإن عاش بينهم، والمشبه به حال الذهب يختلط بالتراب، مع أنه ليس من جنسه. ٢ - وقال أيضا: ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام (٢) المشبه حال العطاء يتأخر وصوله ويكون ذلك دليلا على كثرته، والمشبّه به حال السحب تبطئ في السير ويكون ذلك دليلا على غزارة مائها. ٣ - وقال أبو العتاهية: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها؟ ... إن السفينة لا تجري على اليبس المشبه حال من يرجو النجاة من عذاب الآخرة ولا يسلك مسالك النجاة، والمشبه به حال السفينة التي تحاول الجري على الأرض اليابسة. ٤ - وقال ابن الرومي:

стр. 100

ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهنّ أليم المشبه حال المحبوبة إذا نظرت وإذا أعرضت، والمشبه به حال السهام تؤلم إذا وقعت وتؤلم إذا نزعت. التشبيه البليغ: والتشبيه إذا ما حذفت منه الأداة ووجه الشبه فهو «التشبيه البليغ» وهو أعلى مراتب التشبيه في البلاغة وقوة المبالغة، لما فيه من ادّعاء أن المشبّه هو عين المشبه به، ولما فيه من الإيجاز الناشئ عن حذف الأداة والوجه معا، هذا الإيجاز الذي يجعل نفس السامع تذهب كل مذهب، ويوحي لها بصور شتى من وجوه التشبيه، كقول أبي فراس: إذا نلت منك الودّ فالكل هينّ ... وكل الذي فوق التراب تراب أغراض التشبيه قد يلجأ الكاتب أو الشاعر في التعبير إلى أسلوب التشبيه لشعوره بأنه أكثر من غيره في إصابة الغرض ووضوح الدلالة على المعنى. وأغراض التشبيه منوعة، وهي تعود في الغالب إلى المشبّه، وقد تعود إلى المشبّه به. وهذه الأغراض هي: ١ - بيان إمكان وجود المشبّه: وذلك حين يسند إلى المشبه أمر مستغرب لا تزول غرابته إلا بذكر شبيه له. مثال ذلك قول المتنبي: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فالتشبيه هنا ضمني، وفيه ادّعى الشاعر أن المشبّه وهو الممدوح مباين لأصله بصفات وخصائص جعلته حقيقة منفردة. ولما رأى غرابة دعواه وأن هناك من قد ينكر وجودها احتجّ على صحتها بتشبيه الممدوح

стр. 101

بالمسك الذي أصله دم الغزال. ومن أمثلة ذلك أيضا قول البحتري: دان إلى أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ندّ في الندى وضريب كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... للعصبة السارين جدّ قريب ففي البيت الأول وصف الشاعر ممدوحه بأنه قريب للمحتاجين، بعيد المنزلة، بينه وبين نظرائه في الكرم والندى بون شاسع. ولكن الشاعر حينما أحسّ أنه وصف ممدوحه بوصفين متضادين، هما القرب والبعد في وقت واحد، أراد أن يبينّ أن ذلك ممكن، وأن ليس في الأمر تناقض، ولهذا شبّه الممدوح في البيت الثاني بالبدر الذي هو بعيد في السماء، ولكن ضوءه قريب جدا للسارين بالليل. فالغرض من التشبيه في هذين المثالين هو بيان إمكان وجود المشبّه. ٢ - بيان حال المشبه: وذلك حينما يكون المشبه مجهول الصفة غير معروفها قبل التشبيه، فيفيده التشبيه الوصف. ومن أمثلة ذلك قول النابغة الذبياني: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب فالنابغة يشبه ممدوحه بالشمس، ويشبّه غيره من الملوك بالكواكب، لأن عظمة ممدوحه تغضّ من عظمة كل ملك كما تخفي الشمس الكواكب. ولما كانت حال الممدوح وغيره من الملوك، وكلّ منهما مشبّه، مجهولة غير معروفة، فقد أتى بالمشبّه به لبيان أن حال الممدوح مع غيره من الملوك كحال الشمس مع الكواكب، فإذا ظهر أخفاهم كما تخفي الشمس الكواكب بطلوعها. ومن أمثلته أيضا قول ابن الرومي:

стр. 102

حبر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أيّ سيل فالمشبّه هنا هو حبر أبي حفص أو مداده، والمشبّه به هو لعاب الليل أي سواده. فالمشبه وهو الحبر مجهول الحال أو الصفة لأن للحبر أكثر من لون. ولذلك التمس ابن الرومي له مشبها به هو لعاب الليل الأسود لبيان حاله. فبيان حال المشبه إذن غرض من أغراض التشبيه. ٣ - بيان مقدار حال المشبه: أي مقدار حاله في القوة والضعف والزيادة والنقصان، وذلك إذا كان المشبه معروف الصفة قبل التشبيه معرفة إجمالية، ثم يأتي التشبيه لبيان مقدار هذه الصفة. وذلك نحو قول عنترة: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسود فعنترة يخبر في هذا البيت بأن حمولة أهل محبوبته تتألف من اثنتين وأربعين ناقة تحلب، ثم وصف هذه النوق بأنها سود، والنوق السود هي أنفس الإبل وأعزّها عند العرب. ولبيان مقدار سواد هذه النوق شبّهها بخافية الغراب الأسحم، أي جناحه الأسود. فالغرض من التشبيه بيان مقدار حال المشبّه. ومن قول المتنبي في وصف أسد: ما قوبلت عيناه إلا ظنّنا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا فالمتنبي يصف عينيّ الأسد في الليل بأنهما محمرّتان، ولبيان مقدار احمرارهما لمن يراهما في الليل عن بعد يشبههما بنار لفريق من الناس حلول مقيمين. وقد اضطر المتنبي إلى التشبيه ليبينّ هذا الاحمرار وعظمه، أي ليبينّ مقدار حال المشبه. وهذا غرض من أغراض التشبيه.

стр. 103

ومنه كذلك قول ابن شهيد (١) الأندلسي يصف برغوثا: «أسود زنجيّ. أهليّ وحشيّ ... كأنه جزء لا يتجزأ من ليل، أو نقطة مداد، أو سويداء فؤاد ...» فالغرض من التشبيهات الثلاثة هنا هو بيان مقدار حال المشبه، لأنه لما وصف البرغوث بالسواد أراد أن يبيّن مقدار هذا السواد. فالغرض من التشبيه عند عنترة والمتنبي وابن شهيد هو بيان مقدار حال المشبه، أي بيان مقدار صفته المعروفة فيه قبل التشبيه معرفة إجمالية. ٤ - تقرير حال المشبه: أي تثبيت حاله في نفس السامع وتقوية شأنه لديه، كما إذا كان ما أسند إلى المشبه يحتاج إلى التأكيد والإيضاح بالمثال؛ وذلك نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ. فالآية الكريمة تتحدث في شأن عبّاد الأوثان الذين يتخذون آلهة غير الله، وتصفهم بأنهم إذا دعوا آلهتهم لا يستجيبون لهم، ولا يعود عليهم دعاؤهم إياهم بفائدة. وقد أراد الله سبحانه أن يقرّر هذه الحال ويثبتها في الأذهان، فشبّه هؤلاء الوثنيين بمن يبسط كفّيه إلى الماء ليشرب فلا يصل الماء إلى فمه بداهة، لأنه يخرج من خلال أصابعه ما دامت كفّاه مبسوطتين. فالغرض من التشبيه هنا تقرير حال المشبه. ومن أمثلة هذا الغرض أيضا قول الشاعر: وأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع فحال الشاعر مع صاحبته ليلى هي حال من كلما دنا منها بعدت عنه، أو حال من كلما أوشك أن يظفر بها أفلتت منه، وقد أراد الشاعر أن

стр. 104

يقرر هذه الحالة ويوضّحها فشبّهها بحال القابض على الماء يحاول إمساكه والظفر به فيسيل ويخرج من بين أصابعه. فالغرض من هذا التشبيه أيضا تقرير حال المشبه. ومما يلاحظ على هذا الغرض أنه لا يأتي إلا حينما يكون المشبه أمرا معنويا، لأن النفس لا تسلّم بالمعنويات تسليمها بالحسيّات، ومن أجل ذلك تكون في حاجة إلى الإقناع. وأغراض التشبيه الأربعة السابقة، وهي: بيان إمكان وجود المشبّه، وبيان حاله، وبيان مقداره، وتقرير حاله، تقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبّه به أتم وهو به أشهر؛ إذ على تمام وجه الشبه في المشبه به واشتهاره به يكون حظ التشبيه في تحقيق الغرض بالنسبة للمشبّه. ... ٥ - تزيين المشبّه: ويقصد به تحسين المشبّه والترغيب فيه عن طريق تشبيهه بشيء حسن الصورة أو المعنى. ومن أمثلة ذلك قول الشريف الرضي: أحبّك يا لون الشباب لأنني ... رأيتكما في القلب والعين توأما (١) سكنت سواد القلب إذ كنت شبهه ... فلم أدر من عزّ من القلب منكما؟ فالشريف الرضي في قوله: «سكنت سواد القلب إذ كنت شبهه» يشبّه حبيبته بحبة القلب السوداء التي هي مناط الحياة في الإنسان. فالغرض من التشبيه هنا تزيين المشبه وبيان أن منزلته في نفس الشاعر منزلة المشبّه به.

стр. 105

ومن أمثلته أيضا قول أبي الحسن الأنباري (١) في رثاء مصلوب: مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدّهما إليهم بالهبات فالأنباري يشبّه مدّ ذراعي المصلوب على الخشبة والناس حوله بمدّ ذراعيه بالعطاء للسائلين أيام حياته. فالمشبّه وهو هنا الصلب أمر قبيح تشمئز منه النفوس، ولكن صورة المشبّه به وهي مدّ اليدين بالعطاء للسائلين قد أزالت قبحه وزينته. فالغرض من التشبيه في هذين المثالين هو التزيين، وأكثر ما يكون هذا الغرض في المدح والرثاء والفخر ووصف ما تميل إليه النفوس. ... ٦ - تقبيح المشبه: وذلك إذا كان المشبّه قبيحا قبحا حقيقيا أو اعتباريا فيؤتى له بمشبّه به أقبح منه يولّد في النفس صورة قبيحة عن المشبّه تدعو إلى التنفير عنه. ومن أمثلة ذلك قول الشاعر المتنبي في الهجاء: وإذا أشار محدّثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم فالمتنبي يشبّه المهجو عند ما يتحدث بالقرد يقهقه أو العجوز تلطم. والغرض من التشبيه تقبيح المشبّه لأن قهقهة القرد ولطم العجوز أمران مستكرهان تنفر منهما النفس.

стр. 106

وقول ابن الرومي في وصف لحية طويلة: ولحية سائلة منصبّة ... شهباء تحكي ذنب المذبّة فابن الرومي يشبّه لحية طويلة شهباء يختلط فيها السواد بالبياض بذنب المذبة، أي المنشة التي يذب بها الذباب ويطرد. والغرض هو تقبيح هذه اللحية والسخرية بصاحبها. وقول أعرابي في ذم امرأته: وتفتح- لا كانت- فما لو رأيته ... توهمته بابا من النار يفتح فالأعرابي الساخط على امرأته بعد أن يدعو عليها بالحرمان من الوجود يشبه فمها عند ما تفتحه بباب من أبواب جهنم. والغرض من هذا التشبيه هو التقبيح. والتشبيه بغرض التقبيح أكثر ما يستعمل في الهجاء والسخرية والتهكم ووصف ما تنفر منه النفس. وفيما يلي بعض أمثلة أخرى للتشبيه عند ما يكون الغرض منه التقبيح: قال ابن الرومي في وصف لؤم شخص ذي لحية: لا تكذبن فإن لؤمك ناصل ... كنصول تلك اللمّة الشمطاء شبّه لؤمه الظاهر بظهور اللحية المخضوبة حين يزول الخضاب عنها. وقال السري الرفاء في وصف منزله: لي منزل كوجار الكلب أنزله ... ضنك تقارب قطراه فقد ضاقا

стр. 107

فهو يشبّه منزله الضيق الذي تقارب قطراه أي جانباه بوجار الكلب وجحره. وقال ابن الرومي: أبدئت صفحة قسوة وخشونة ... من دون تافه نيلك المطلوب فكأنك الينبوت في إبدائه ... شوكا يذود به عن الخروب يشبّه ابن الرومي هنا شخصا فظّا غليظ القلب حين يطلب منه أقل معروف بشجر الخروب الذي لا يعادل شوكه ما يجنى من ثمره الأسود المعوجّ الصلب. وقال أيضا في وصف قينة: غنّت فمسّ القلب كلّ كرب ... واستوجبت منّا أليم الضرب لها فم مثل اتساع الدّرب (١) شبّه فم هذه القينة وهي تغني بالدرب أي الباب الواسع. ومن فوائد التشبيه أنه يمكن عن طريقه تحسين الشيء وتقبيحه في وقت واحد كقول ابن الرومي في مدح العسل وذمّه: تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت: ذا قيء الزنابير فابن الرومي قد مدح وذمّ الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة الذي خيّل به إلى السامع خيالا يحسّن الشيء عنده تارة

стр. 108

ويقبّحه أخرى، ولولا التوصل بطريق التشبيه إلى هذا الوجه لما أمكنه ذلك. ... وبعد فمن بحثنا السابق لأغراض التشبيه يتضح أن للتشبيه أغراضا شتى نلخص ما ذكرناه منها فيما يلي: ١ - بيان إمكان وجود المشبه: وذلك حين يسند إلى المشبّه أمر مستغرب لا تزول غرابته إلا بذكر شبيه له. ٢ - بيان حال المشبّه: وذلك حينما يكون المشبه مجهول الصفة قبل التشبيه، فيفيده التشبيه الوصف. ٣ - بيان مقدار حال المشبه: وذلك إذا كان المشبّه معروف الصفة قبل التشبيه معرفة إجمالية، ثم يأتي التشبيه لبيان مقدار هذه الصفة من جهة القوة والضعف والزيادة والنقصان. ٤ - تقرير حال المشبّه: وذلك بتثبيت حال المشبّه في نفس السامع وتقوية شأنه لديه، كما إذا كان ما أسند إلى المشبّه يحتاج إلى التأكيد والإيضاح بالمثال. وأغراض التشبيه الأربعة السابقة تقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبّه به أتمّ وهو به أشهر، وذلك لكي تتحقق هذه الأغراض بالنسبة للمشبّه. ٥ - تزيين المشبّه: وذلك بأن يلتمس للمشبّه مشبّه به حسن الصورة أو حسن المعنى يرغب فيه. وأكثر ما يكون هذا الغرض في المدح والرثاء والفخر ووصف ما تميل إليه النفس. ٦ - تقبيح المشبّه: وذلك إذا كان المشبّه قبيحا حقيقيا أو اعتباريا، فيؤتى له بمشبه أقبح منه للتنفير منه. وأكثر ما يكون هذا الغرض في الهجاء

стр. 109

ووصف ما تنفر منه النفس. وتجدر الإشارة أخيرا إلى أن جميع هذه الأغراض ترجع في الغالب إلى المشبّه، وقد ترجع إلى المشبّه به وذلك في حالة التشبيه المقلوب. ... غرائب التشبيه وبديعه التشبيه أسلوب من الأساليب البيانية، وهو ميدان واسع تتبارى فيه قرائح الشعراء والبلغاء. ولعلّه هو وأسلوب الاستعارة من أكثر أساليب البيان دلالة على عقل الأديب وقدرته على الخلق والإبداع. والتشبيه الذي هو في الوقت ذاته أساس الاستعارة يدلّ فيما يدلّ على خصب الخيال وسموّه وسعته وعمقه، كما يظهر كذلك مدى القدرة على تمثيل المعاني والتعبير عنها في صور رائعة خلّابة. من أجل ذلك كله يفتنّ الشعراء والبلغاء في صور التشبيه وألوانه، ويتنافس ذوو المواهب في طرق تناوله والإتيان فيه بكل غريب وبديع طريف. ولما كان التشبيه على هذا الوضع يعدّ مقياسا يقاس به بلاغة البليغ وأصالته، فإننا نرى من البلغاء من لا يقف في الدلالة على براعته في التشبيه عند حدّ إجادته، وإنما يتجاوز ذلك إلى الإتيان بأكثر من تشبيه في بيت واحد. فمنهم مثلا من شبّه شيئين بشيئين في بيت واحد، كقول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي

стр. 110

فقد شبّه الرطب من قلوب الطير بالعناب، واليابس منها بالحشف البالي، فجاء تشبيهه في غاية الجودة. وكقول الطرماح في وصف ثور وحشي: يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد فالثور الوحشي حين يظهر كأنه سيف يسلّ من غمده على مكان عال، وهو حين يخفى كأنه سيف يغمد في غمده. وكقول البحتري في وصف الندى تحمله شقائق النعمان: شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد (١) فقطرات الندى مشبهة بدموع التصابي، وشقائق النعمان بخدود الحسان. وكقول بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه شبّه مثار النقع والغبار فوق الرؤوس بظلمة الليل، وشبّه السيوف بالكواكب وقد كثر تشبيههم شيئين بشيئين حتى لم يصر عجبا. وكقول آخر: بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم شبّه امرأة بيضاء في شعرها الأسود المسترسل إلى الأرض بالنهار الساطع وشبّه شعرها الكثيف الملتف على رأسها بالليل المظلم.
следующие страницы →