٣ - رغبة المتكلم في الإبهام على السامع .
كقول القائل: تبرّع بألف دولار، رغبة منه في عدم ذكر اسم المتبرّع. وهذا ما يلجأ إليه كبار النفوس الذين يعطون حبّا بالعطاء، لا طمعا في شهرة. فالمتبرّع الكريم أفضل عند هؤلاء من التصريح بأسمائهم.
٤ - رغبة المتكلم في إظهار تعظيمه للفاعل:
ويتمّ التعظيم بصون اسمه عن أن يجري على لسانه، كقولك:
خلق الخنزير.
٥ - رغبة المتكلم في إظهار تحقير الفاعل:
فيصون لسانه عن أن يجري بذكر الفاعل، كقول أحدهم في وصف آخر: يهان ويذلّ ولا يغضب.
٦ - خوف المتكلم من الفاعل، أو خوفه عليه:
كقول أحدهم: قتل جاري. والقاتل معروف منه غير مجهول، وإخفاء اسمه عائد إمّا لرهبة من القاتل، وإمّا لرغبة
منه في عدم تعريف الآخرين إليه.
стр. 317
تمارين:
١ - وضّح أسباب حذف المسند إليه في ما يأتي وبيّن ما إذا كان مبتدأ أو فاعلا.
قال تعالى:
- فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ* وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ* فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ* وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ القارعة: ٦ - ١١.
- صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ البقرة: ١٨.
- أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ الحج: ٣٩ - ٤٠.
- فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الجمعة: ١٠.
وقال الشاعر:
- ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكّم في أموالهم وأقرّب.
- عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام.
- لئن كنت قد بلّغت عنّي وشاية ... لمبلغك الواشي أغشّ واكذب.
- نبّئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول.
- سأشكر عمرا ما تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت.
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت.
- سريع الى ابن العم يلطم وجهه ... وليس الى داعي النّدى بسريع.
- حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع.
- علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرّجل
стр. 318
٣ - في تعريف المسند إليه:
الأصل في المسند إليه أن يكون معرفة، لأنّ المحكوم عليه لا بد أن يكون معروفا. ويتمّ تعريفه ب: الإضمار، والعلميّة، والإشارة، والموصوليّة، وأل التعريف، والاضافة، والنداء.
١ - تعريف المسند إليه بالإضمار:
يؤتى بالمسند إليه ضميرا في أحد المقامات الثلاثة: التكلّم، والغيبة، والخطاب.
أ. في مقام التكلّم:
مثاله قوله تعالى متحدثا عن نفسه مناديا موسى ﵇:
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً* وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي* إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى طه: ١٢ - ١٥.
ب. في مقام الخطاب:
إذا كان المتكلّم يخاطب إنسانا أمامه كقوله تعالى مخاطبا نبيّه الكريم. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ الضحى: ٩ - ١١.
ج. في مقام الغيبة:
إذا كان المتكلّم يتحدّث عن غائب فلا بدّ من تقدم ذكره لفظا، كقوله تعالى فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ الأعراف: ٨٧.
стр. 319
١. والأصل في الخطاب ان يكون لمعيّن، غير أنّه قد يخرج عن وضعه، فيخاطب به غير المشاهد والمعيّن.
أ. إذا كان غير المشاهد مستحضرا في القلب. كقوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة: ٥.
ب. إذا قصد تعميم الخطاب لكل من يمكن خطابه على سبيل البدل، لا التّناول دفعة واحدة. ومثاله قول المتنبي (الطويل):
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا.
٢. والأصل في وضع الضمير عدم ذكره إلّا بعد تقدّم ما يفسّره، وقد يعدل عن هذا الأصل فيقدّم الضمير على مرجعه لأغراض منها:
أ. تمكين ما بعد الضمير في نفس السامع لتشّوقه إليه:
ومثاله قوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ الحج: ٤٦.
وكقوله: هي النّفس ما حمّلتها تتحمل:
ونعم رجلا علي، فالفاعل هنا ضمير يفسّره التمييز ويطّرد ذلك في أفعال المدح والذم.
وكقوله تعالى هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص: ١. ويطرّد ذلك في ضمير الشأن.
٢. ادّعاء أن مرجع الضمير دائم الحضور في الذهن.
ومثاله قوله: أقبل وعليه الهيبة والوقار.
وقول الشاعر (الكامل):
أبت الوصال مخافة الرّقباء ... وأتتك تحت مدارع الظّلماء.
стр. 320
٣. وقد يوضع الظاهر (علما أو صفة أو اسم إشارة) موضع الضمير لأغراض بلاغية منها:
أ. إلقاء المهابة في نفس السامع:
كقول الخليفة عن نفسه: أمير المؤمنين يأمر بكذا.
ب. تمكين المعنى في نفس المخاطب:
نحو: الله ربّي ولا أشرك بربّي أحدا.
ج. التلذّذ: كقول الشاعر (الطويل):
سقى الله نجدا والسّلام على نجد ... ويا حبّذا نجد على القرب والبعد.
د. الاستعطاف:
نحو: اللهمّ عبدك المسكين يسألك المغفرة، بدلا من قوله: أنا أسألك.
٢ - في تعريف المسند إليه بالعلمية:
يؤتى بالمسند إليه علما لإحضار مدلوله بعينه وشخصه في ذهن السامع باسمه الخاص ليمتاز عمّا سواه.
ومثله قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص: ١.
وقوله تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ البقرة: ١٢٧.
فقد أتى بالمسند اليه بصيغة العلم قصدا الى إحضار مدلوله بشخصه وباسمه الخاص حتى لا يلتبس بغيره.
وقد يقصد به أغراض أخرى منها:
стр. 321
١ - المدح في الألقاب التي تشعر بذلك:
نحو: جاء نصر، وحضر صلاح الدين.
٢ - التفاؤل في الألقاب التي تشعر بذلك:
نحو: جاءت بشرى وأقبل سرور.
٣ - التشاؤم:
نحو: حرب في البلد.
٤ - الذّم والإهانة:
نحو: جاء صخر. وذهب تأبط شرّا.
٥ - التبرّك:
نحو: الله أكرمني. في جواب: هل أكرمك الله؟
٦ - التلذّذ والاستمتاع بذكره:
كقول الشاعر (البسيط):
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكنّ أم ليلي من البشر.
فالشاعر ذكر ليلى ثانية بقصد التلّذذ بذكر اسمها، وهو يتجاهل تجاهل العارف لأنه يعلم ان ليلى من البشر، ولكنّه تجاهل ذلك مبالغة في التعلّق بها والوله في حبّها. وكان مقتضى السيّاق ان يقول: أم هي من البشر، لأن المقام للضمير لتقدّم المرجع، ولكنه أورده علما ليتلذّذ بذكر محبوبته.
٣ - في تعريف المسند إليه بالاشارة:
يؤتى بالمسند اليه اسم إشارة إذا تعيّن طريقا لإحضار المشار اليه في ذهن السامع، بأن يكون حاضرا محسوسا، ولا يعرف المتكلم والسامع اسمه الخاص، ولا معيّنا آخر كقولك: أتبيع لي هذا. مشيرا الى شيء لا تعرف له اسما ولا وصفا.
أما إذا لم يتعيّن طريقا لذلك، فيكون لأغراض أخرى منها:
стр. 322
١. بيان حال المسند اليه في القرب:
نحو: هذه أموالنا، هذه بضاعتنا.
٢. بيان حال المسند اليه في المتوسّط:
نحو: ذاك ولدي، ذاك كتابي.
٣. بيان حال المسند اليه في البعد:
نحو: ذلك يوم الوعيد.
٤ - تعظيم درجته بالقرب:
نحو قوله تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ الإسراء: ٩ فأتي باسم الاشارة الموضوع للقريب مؤذنا بقربه قربا لا يحول دون الانتفاع به. فالمقام حديث عن هاد يقود الى أقوم الطرق، وإذا كان هذا الهادي قريبا كان انجح لرسالته، وأقطع لعذر من ينصرف عن الاسترشاد بهديه.
٥ - تعظيم المسند إليه بالبعد:
نحو قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ البقرة: ٢.
٦ - التحقير بالقرب:
كقوله تعالى حكاية عن أبي جهل مشيرا الى النبي (ص) قاصدا إهانته أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ الأنبياء: ٣٦.
ففي الإتيان باسم الاشارة الموضوع للقريب، ما يشير الى أن هذا الشخص القريب منا، والذي نعلم أمره، لا تقبل منه دعوى الرسالة ولا يليق به أن يذكر آلهتنا بسوء.
٧ - التحقير بالبعد:
كقوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ الماعون: ١ - ٣.
стр. 323
٨ - اظهار الاستغراب:
كقول الشاعر (البسيط):
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا.
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصيّر العالم النّحرير زنديقا.
٩ - كمال العناية وتمييزه اكمل تمييز:
كقول الفرزدق (البسيط):
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم.
١٠ - التعريض بغباء السامع، حتّى كانه لا يفهم غير المحسوس:
نحو قول الفرزدق (الطويل):
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع.
١١ - التنبيه على ان المشار إليه المعقب بأوصاف جدير من أجل تلك الأوصاف بما يذكر بعد اسم
الإشارة:
ومثاله قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ البقرة: ٢ - ٤. فالمشار اليه في الآيات ب (أولئك) هم (المتقون) وقد ذكرت بعدهم أوصاف هي الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق، والإيمان بما انزل، والإيمان بالآخرة، ثم أشير إليهم ب أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ البقرة: ٥. مع أن المقام للضمير للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون من أجل تلك الأوصاف بما يذكر بعد اسم الإشارة من الهدى والفلاح.
стр. 324
٤ - تعريف المسند إليه بالموصولية:
يؤتى بالاسم الموصول مسندا اليه إذا تعيّن طريقا لإحضار معناه، نحو: الذي كان معنا أمس ركب الطائرة الى القاهرة. إذا لم نكن نعرف اسمه.
وهذا هو معنى اسم الموصول اللغوي الأصلي، أمّا المعنى البلاغي فلا يلمح في اسم الموصول إلّا إذا لم يتعيّن طريقا لإحضار معناه، بل كانت صلة مرجّحة لمعنى على آخر. والمرجّحات البلاغية كثيرة منها:
١ - التّشويق:
ويتضّح ذلك إذا كان مضمون الصّلة حكما غريبا كقول الشاعر (الخفيف):
والذي حارت البريّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد.
٢ - إخفاء الأمر عن غير المخاطب:
كقول الشاعر (الكامل):
وأخذت ما جاد الأمير به ... وقضيت حاجاتي كما أهوى
٣ - تنبيه المخاطب على خطأ:
كقول عبدة بن الطبيب (الكامل):
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
٤ - التنبيه على خطأ غير المخاطب:
كقول الشاعر (الكامل):
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها.
٥ - تعظيم شأن الخبر:
كقول الفرزدق (الكامل):
إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول.
стр. 325
٦ - التهويل، تعظيما أو تحقيرا:
كقوله تعالى فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ طه: ٧٨. تعظيم وكقول المثل: من لم يدر حقيقة الحال قال ما قال. تحقير.
٧ - استهجان التصريح بالاسم:
نحو: الذي ربّاني أبي. وذلك اذا كان الاسم قبيحا أو غير مألوف يثير سخرية الناس واشمئزازهم.
٨ - التوبيخ:
نحو: الذي أحسن إليك قد أسأت إليه.
٩ - الاستغراق:
نحو: الذين يأتونك أكرمهم.
١٠ - الإبهام:
نحو: لكلّ نفس ما قدّمت.
٥ - تعريف المسند إليه ب (أل التعريف):
أل: التعريف قسمان:
١ - العهدية، ٢ - الجنسية.
١ - أل العهدية:
تدخل (أل) العهدية على المسند إليه للاشارة الى مفرد معهود خارجا بين المتخاطبين. ويكون عهده:
١. صريحيا:
إذا تقدّم فيه مدخول اللام تصريحا، كقوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ النور: ٣٥. فقد ذكر المصباح والزجاجة منكرين، ثم اعادهما معرّفين ب (أل) العهد الصريحة. وهذا هو العهد الخارجي الصريحي.
стр. 326
٢. كنائيا:
إذا تقدّم فيه مدخول اللام تلويحا، وعيّنته القرينة، كقوله تعالى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى آل عمران: ٣٦. فالذّكر وإن لم يكن مسبوقا صريحا إلّا انّه إشارة الى (ما) في الآية قبله رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً آل عمران: ٣٥.
٣. علميا:
وهو ما علم المخاطب مدخول اللام فيه، حاضرا كان ام غائبا، كقوله تعالى إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الفتح: ١٨.
٤. حضوريا:
ويكون بحضوره بنفسه، نحو الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ المائدة: ٣ أو بمعرفة السامع له، نحو: هل انعقد ال مجلس؟ وهذا هو العهد الحضوري.
٢ - أل الجنسيّة:
وتسمّى (لام الحقيقة) ويشار بها الى الجنس والحقيقة، نحو:
أهلك الناس ال دينار وال درهم. فهي تشير الى الحقيقة من حيث هي بغضّ النّظر عن عمومها وخصوصها. وتسمّى (لام الجنس) لأنّ الإشارة فيه الى نفس الجنس، بقطع النظر عن الأفراد، نحو: ال ذهب أثمن من ال فضة.
أمّا (لام العهد) فهي لام الحقيقة في ضمن فرد مبهم مع قرينة دالّة كقول عميرة بن جابر الحنفي (الكامل):
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني.
стр. 327
وهذا يقرب من النكرة، ولذلك نقدّر جملة (يسبّني) نعتا للّئيم لا حالا.
أما لام الاستغراق فهي على قسمين:
١. استغراق حقيقي:
بقرينة حالية كقوله تعالى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ التوبة: ٩٤ أي كل غيب وشهادة.
أو بقرينة مقاليّة لفظيّة كقوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ العصر: ٢ والقرينة اللفظية الاستثناء في الآية التالية لها إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا .. العصر: ٣. ف (أل) في الإنسان تعني كل إنسان بدليل الاستثناء بعده.
٢. استغراق عرفي:
أي الإشارة الى كل الأفراد إشارة مقيّدة، نحو: جمع الأمير ال تجار، فالمقصود جمع تجّار مملكته، لا تجّار العالم اجمع.
* استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، فإذا قلنا: لا رجل في الدار، فإننا ننفي كل أحد من جنس الرجال. أما إذا
قلنا: لا رجال في الدار، فإننا ننفي وجود رجل واحد فرد، أو وجود رجلين ولسنا ننفي أصلا وجود جنس الرجال.
٦ - تعريف المسند إليه بالإضافة:
يؤتى بالمسند إليه معرّفا بالإضافة الى شيء من المعارف لأغراض كثيرة منها:
стр. 328
١ - أنها أخصر طريق الى إحضاره في ذهن السامع:
والمقام مقام اختصار، نحو: جاء غلامي فإنه اخصر من: جاء الغلام الذي لي.
٢ - تعذّر التعدّد أو تعسّره:
نحو: أجمع أهل الحق على كذا. أهل الجزيرة كرام.
٣ - الخروج من تبعة تقديم البعض على البعض:
نحو: حضر أمراء الجند.
٤ - تعظيم المضاف:
نحو: كتاب السلطان حضر.
٥ - تعظيم المضاف اليه:
نحو: الأمير تلميذي. وكقوله تعالى فَبَشِّرْ عِبادِ (ي) الزّمر: ١٧.
٦ - تحقير المضاف:
نحو: ولد اللص قادم.
٧ - تحقير المضاف اليه:
نحو: رفيق زيد لص.
٨ - تضمّنها تحريضا على إكرام أو إذلال:
نحو: صديقك أو عدوّك في الباب.
стр. 329
* إن هيئة التركيب الإضافي موضوعة للاختصاص المصحّح لأن يقال (المضاف للمضاف اليه) فإذا استعملت في غير ذلك كانت مجازا كما في الاضافة لأدنى ملابسة كقول الشاعر (الطويل):
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... «سهيل» اذاعت غزلها في القرائب
فقد أضاف الكوكب الى الخرقاء (المرأة الحمقاء) مع أنّه ليس لها، لأنّها لا تتذكر كسوتها إلّا وقت طلوع سهيل سحرا في الشتاء.
* عدّ البلاغيّون التعريف بالنداء بابا من أبواب النحو واللغة لا البلاغة لهذا سنهمل ذكره هنا.
٤ - تنكير المسند إليه:
يؤتى بالمسند إليه نكرة لأغراض منها:
١ - التكثير:
ومثاله قوله تعالى وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ الأعراف: ١١٣.
فلقد نكر أجرا للتكثير لأنهم يطلبون مكافأة على عمل ضخم يقومون به، وهو إبطال دعوة موسى، والإبقاء على دين فرعون.
٢ - التعليل:
كقوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التوبة: ٧٢.
نكر رضوان للتقليل، لأن شيئا ما من رضوان الله أكبر من الجنات والمساكن الطيبة.
стр. 330
* الفرق بين التعظيم والتكثير أن التعظيم ينظر فيه الى ارتفاع الشأن وعلّوا القدر، والتكثير يلاحظ فيه الكمية والمقدار، وهذا نفسه الفرق بين التحقير والتقليل.
وقد جاء للتعظيم أو التكثير جميعا قوله تعالى وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فاطر: ٤. نكّر (رسل) لقصد التعظيم او التكثير، فعلى أنّهم ذوو شأن عظيم يكون التنكير للتعظيم، وعلى أنهم ذوو عدد كبير يكون للتكثير.
٣ - التنظيم:
كقوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ البقرة: ١٧٩.
أي حياة عظيمة. ومنه قول مروان بن أبي حفصة (الطويل):
له حاجب عن كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
فالحاجب الأول معنوي، والتنكير فيه للتعظيم، والحاجب الثاني حسّي والتنكير فيه للتحقير.
٤ - التحقير:
كقوله تعالى وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ البقرة:
٩٦. فنكّر حياة لأن المراد منها التحقير. فهؤلاء المشركون كانوا يتمنّون مجرّد الحياة في الدنيا، سواء كان له هدف وغاية، أو كانت مجرّدة منهما.
٥ - النوعيّة:
كقوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ البقرة: ٧. أي وعلى أبصارهم نوع خاص من الأغطية، ذلك
стр. 331
هو غطاء الإعراض عن آيات الله، ولا يراد الإفراد هنا، لأنّ غشاوة واحدة لا تغطي الأبصار المتعدّدة.
٦ - الإفراد:
ومثاله: ويل أهون من ويلين. أي ويل واحد اهون من ويلين.
وقوله تعالى وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى القصص:
٢٠. فنكّر (رجل) لأن الغرض إثبات الحكم لفرد واحد من أفراد الرجال، فليس المراد تعيين الرجل.
٧ - إخفاء الأمر:
نحو: زعم الصديق أنّك غدرت به. فالتنكير في (صديق) يهدف الى اخفاء اسمه حتّى لا يلحقه أذى.
٥ - تقديم المسند إليه:
لكل كلمة موقع معيّن في الجملة العربية، فالفعل سابق الفاعل والمبتدأ سابق الخبر. هذا هو الأصل. غير أنه قد يدعو داع لنقل بعض الكلمات من اماكنها فيدعى هذا النقل بالتقديم والتأخير.
والتقديم والتأخير لغرض بلاغي يكسب الكلام جمالا، لأنّه سبيل الى نقل المعاني في ألفاظها الى المخاطبين كما هي مرتّبة في ذهن المتكلم حسب أهميتها عنده، فيكون الأسلوب صورة صادقة لاحساسه ومشاعره.
والمسند إليه يقدّم لأغراض بلاغيّة منها:
١ - التشويق الى المتأخّر:
لتمكين الخبر في نفس السامع، كقول أبي العلاء (الخفيف):
стр. 332
والذي حارت البريّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد.
٢ - تعجيل المسرّة:
لما يوحي به من تفاؤل، نحو: سعد في دارك.
٣ - تعجيل المساءة:
لما يوحي به من تشاؤم، نحو: القصاص حكم به القاضي.
٤ - الإنذار بخطر داهم:
نحو: العدوّ لا تغفل عن أمره.
٥ - التلذّذ بذكره:
كقول جميل (الطويل):
بثينة ما فيها إذا ما تبصّرت ... مصاب.
٦ - التبرّك:
نحو: اسم الله اهتديت به.
٧ - عموم السلب أو سلب العموم:
يقدّم المسند إليه إذا كان من أدوات العموم مثل: كل، جميع، وتكون متقدّمة على النص، لإفادة أنّ النفي شامل لجميع أفراد المسند إليه. ومثاله قول ابي النجم (الرجز):
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع.
برفع (كل) على الابتداء، والجملة بعده خبر، فأداة العموم واقعة قبل النفي والتركيب بهذه الصورة يفيد عموم السلب ويعني أنّه لم يصنع شيئا مما تدّعيه هذه المرأة.
إذا وقعت أداة العموم بعد النفي أفاد الكلام ثبوت الحكم لبعض الافراد دون بعض كقول المتنبي (البسيط):
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ... تأتي الرّياح بما لا تشتهي السّفن.
стр. 333
وقول آخر (البسيط):
ما كلّ رأي الفتى يدعو الى رشد ... إذا بدا لك رأي مشكل فقف.
ففي كل من البيتين وقعت أداة العموم بعد النفي، فالنفي غير شامل، وأفاد الكلام ثبوت الحكم لبعض الأفراد دون بعض. ويسمى ذلك سلب العموم.
* يتم تأخير المسند اليه لأغراض بلاغية يترتّب عليها تقديم المسند.
وسنذكر هذه الأسباب في حينه.
стр. 334
الباب الرابع في المسند وأحواله
١ - في ذكر المسند:
يذكر المسند لأغراض منها:
١ - كون ذكره هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه:
نحو: العلم خير من المال.
٢ - ضعف التعويل على دلالة القرينة:
نحو: حالي مستقيم، ورزقي ميسور. إذ لو حذف ميسور لا يدلّ عليه المذكور.
٣ - الاحتراس من ضعف تنبّه السامع:
نحو أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ابراهيم: ٢٤. إذ لو حذف (ثابت) ربّما لا يتنبّه السامع لضعف فهمه.
٤ - تسجيل الردّ على المخاطب:
نحو قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ يس: ٧٩. جوابا لقوله قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يس: ٧٨.
٢ - في حذف المسند:
يحذف المسند لأغراض بلاغية أهمها:
стр. 335
١ - ضيق المقام عن إطالة الكلام:
كقول الشاعر (المنسرح):
نحن بما عندنا وانت بما ... عندك راض والرأي مختلف.
أي نحن راضون فحذف لضيق المقام.
٢ - اختبار تنبّه السامع عند قيام قرينة تعين على الفهم السليم:
وتكون القرينة مذكورة ملفوظة نحو قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ العنكبوت: ٦١ أي خلقهن الله.
وتكون ملحوظة كما في قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد (الطويل):
ليبك يزيد: ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح.
كأنه بعد أن قال بالبناء للمجهول (ليبك يزيد) سئل: ومن يبكيه؟
فأجاب: يبكيه ضارع ومختبط.
٣ - الاحتراز من العبث:
نحو قوله تعالى .. أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ التوبة: ٣. أي ورسوله بريء منهم أيضا. فلو ذكر هذا المحذوف لكان ذكره عبثا لعدم الحاجة اليه.
٤ - مجاراة الاسلوب العربي الفصيح:
نحو قوله تعالى لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ سبأ: ٣١. أي لولا أنتم موجودون. والخبر بعد لولا محذوف وجوبا كما يقول النحاة.
стр. 336
٣ - تعريف المسند:
يعرّف المسند لأغراض منها:
١ - إفادة السامع حكما على أمر معلوم عنده بأمر آخر مثله بإحدى طرق التعريف:
نحو: هذا الخطيب، ذاك نقيب الأشراف.
٢ - إفادة قصره على المسند إليه حقيقة:
نحو: زيد الأمير.
او ادّعاء: عمرو الشجاع.
٤ - تنكير المسند:
ينكّر المسند إذا لم يوجد ما يقتضي تعريفه وذلك لأسباب منها:
١ - إرادة عدم الحصر: نحو: زيد كاتب وعمرو شاعر.
٢ - افادة التفخيم: نحو قوله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ البقرة: ٢.
٣ - ارادة التحقير: نحو: ما زيد رجلا يذكر.
٤ - اتباع المسند إليه في التفكير: نحو: طالب داخل القاعة.
٥ - تقديم المسند:
يقدّم المسند لأغراض بلاغية منها:
١ - التخصيص بالمسند إليه:
نحو قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ آل عمران:
١٨٩
стр. 337
٢ - التشويق للمتأخر:
إذا كان في المتقدّم ما يشوق لذكره، كتقديم المسند في قوله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ آل عمران: ١٩٠.
٣ - التفاؤل: نحو قولك لمريض تعوده: في عافية انت.
٤ - تعجيل المسرّة: للمخاطب، نحو: لله درّك.
٦ - تأخير المسند:
تأخير المسند هو الأصل لذلك لا نرى حاجة لإطالة الكلام فيه.
стр. 338
الباب الخامس القصر
١ - تعريفه:
عرّفه الجرجاني بقوله (١): «القصر في اللغة: الحبس. يقال:
قصرت اللقحة على فرسي، إذا جعلت لبنها له لا لغيره.
وفي الاصطلاح: تخصيص شيء بشيء وحصره فيه».
وعرّفه معجم المصطلحات العربية بقوله (٢): «هو، في علم المعاني العربي، تخصيص صفة بموصوف أو موصوف بصفة بطريقة معينة» ويسمّى الشيء الأول مقصورا والشيء الثاني مقصورا عليه.
وهما: طرفا القصر
٢ - نوعاه:
ينقسم القصر باعتبار الحقيقة والواقع الى نوعين هما:
١ - القصر الحقيقي:
وهو كما عرّفه الجرجاني (٣): «تخصيص الشيء بالشيء بحسب الحقيقة، وفي نفس الأمر بأن لا يتجاوزه الى غيره أصلا». ويكون القصر الحقيقي إمّا:
أ. تحقيقيا: ومثاله: إنّما الأرض كرة.
ب. ادعائيا: ومثاله: لا إمام سوى العقل.
стр. 339
٢ - القصر الإضافي:
وهو كما عرّفه الجرجاني (١): «الإضافة الى شيء آخر بأن لا يتجاوزه الى ذلك الشيء، وإن أمكن ان يتجاوزه الى شيء آخر في الجملة».
يرى البلاغيون أن الاختصاص فيه نسبي نحو: ما كاتب إلّا عبد الحميد، فإنك تقصد قصر الكتابة عليه بالنسبة الى شخص آخر غيره كابن المقفّع مثلا، وليس قصدك أنه لا يعرف كاتب سواه، لأنّ الواقع يكذب هذا ويشهد ببطلانه. والقصر الإضافي قسمان هما:
أ. قصر إفراد:
وهو تخصيص شيء بشيء، وفيه اعتقاد المخاطب الشركة، فنقطع بالقصر معنى الاشتراك، نحو: ما شوقي إلّا شاعر، ردا على من اعتقد انه شاعر وكاتب معا.
ب. قصر قلب:
وهو تخصيص شيء مكان شيء إذا اعتقد المخاطب العكس وقلب عليه حكمه، نحو: ما سافر إلّا عمر. ردا على من اعتقد أن المسافر أحمد لا عمر، فيعكس عليه حكمه ويقلب له.
وقد أضيف إليهما قسم ثالث هو:
ج. قصر تعيين:
إذا كان المخاطب متردّدا في الحكم، نحو: الأرض متحركة لا ثابتة. ردّا على من شكّ وتردّد في الحكم.
стр. 340
٣ - تقسيم القصر باعتبار طرفيه:
يقسم كل من القصر الحقيقي والإضافي، باعتبار طرفيهما، الى قسمين:
أ. قصر صفة على موصوف:
وهو ان تحبس الصفة على موصوفها، وتختص به، فلا يتّصف بها غيره، وإن كان يحتمل أن يكون لهذا الموصوف صفات أخرى غيرها، ومثاله:
- لا رازق إلّا الله (حقيقي).
- لا خطيب إلّا أنت (إضافي).
ب. قصر موصوف على صفة:
وهو ان يحبس الموصوف على الصفة، ويختص بها دون غيرها، وإن كان من المحتمل ان يشاركه غيره فيها. ومثاله:
- ما الله إلّا خالق كل شيء (حقيقي).
- ما محمد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل (إضافي).
* يعرف نوع القصر، أهو قصر صفة على موصوف ام موصوف على صفة، بما في العبارة من تقديم وتأخير، فإن كان المقدّم صفة فهو قصر صفة على موصوف، وإن كان موصوفا فهو قصر موصوف على صفة. فكل مقدّم مقصور، وكل مؤخر مقصور عليه.
٤ - طرق القصر:
عرفت العرب طرقا كثيرة للقصر أشهرها الطرق الاصطلاحية الآتية:
стр. 341
أ. النفي مع الاستثناء:
ويكون المقصور عليه ما بعد أداة الاستثناء نحو:
- لا يفوز إلّا المجد.
- إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ.
- لم يبق سواك نلوذ به.
ويشترط في القصر ب (لا) أن يكون بعد الإثبات، والمقصور عليه فيها هو المذكور قبلها، المقابل لما بعدها.
ب. القصر ب (إنّما):
ويكون المقصور عليه مؤخرا وجوبا، نحو: إنّما الأمم الأخلاق ...
والمقصور ب (إنّما) هو المذكور بعدها، وفي تقديم ما حقّه التأخير هو اللفظ المتقدّم.
ج. العطف ب (لا) أو (بل) أو (لكن):
إذا كان العطف ب (لا) كان المقصور عليه مقابلا لما بعدها، نحو: الأرض متحركة لا ثابتة.
وإذا كان العطف ب (بل) أو (لكن) كان المقصور عليه ما بعدها نحو: ما الأرض ثابتة بل متحركة.
ما الأرض ثابتة لكن متحركة.
د. تقديم ما حقّه التأخير:
ويكون المقصور عليه هنا هو المقدّم، نحو: على الرجال العاملين نثني.
ومثل هذا القصر لا يعرف إلّا بالذوق السليم.
стр. 342
تمارين:
١ - بيّن في ما يأتي نوع القصر، وعيّن كلّا من المقصور والمقصور عليه:
قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ البقرة: ٢٥٥.
وقال إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ محمد: ٣٦. وقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة: ٥. وقال تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فاطر: ٢٨. وقال تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ آل عمران: ١٤٤.
وقال لبيد (الطويل):
وما المرء إلّا كالهلال وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب.
وقال ابن الرومي:
- أمواله في رقاب الناس من منن ... لا في الخزائن من عين ومن نشب
- الى الله أشكو لا الى الناس انّني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
- إنما يدافع عن أحسابكم عليّ.
٢ - بيّن نوع القصر، وطريقه، وعيّن كلا من المقصور والمقصور عليه في ما يأتي:
- ما الدهر عندك إلّا روضة أنف ... يا من شمائله في دهره زهر
- ليس عار بأن يقال فقير ... إنما العار أن يقال بخيل
- يتغابى لهم وليس لموق ... بل للبّ يفوق لبّ اللبيب
- يهتز عطفاه عند الحمد يسمعه ... من هزّة المجد لا من هزّة الطّرب
стр. 343
- وما قلت إلّا الحقّ فيك ولم تزل ... على منهج من سنّة المجد لا حب
- وما العيش إلّا مدّة سوف تنقضي ... وما المال إلّا هالك وابن هالك
- وما يريغون بالنّعمى مكافأة ... لكن يقضوّن ما للمجد من أرب
- إنّما الدنيا متاع زائل ... فاقتصد فيه وخذ منه ودع
- عمر الفتى ذكره لا طول مدّته ... وموته خزيه لا يومه الدّاني
- وإنّما اولادننا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
- وما الدّهر إلّا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
стр. 344
الباب السادس الوصل والفصل
١ - تعريفهما:
الوصل: عطف جملة على اخرى بالواو.
الفصل: ترك هذا العطف.
٢ - بلاغة الوصل:
لا تتحقّق إلّا بالواو العاطفة فقط، لأنّ (الواو) هي الأداة التي تخفى الحاجة اليها، ويحتاج العطف بها الى لطف في الفهم، ودقّة في الإدراك، إذ لا تفيد إلّا مجرّد الرّبط، وتشريك ما بعدها لما قبلها في الحكم، نحو: مضى وقت الكسل، وجاء زمن العمل، وقم واسع في الخير.
أما العطف ب (الفاء) فيفيد مع التشريك الترتيب والتعاقب،
وب (ثم) يفيد الترتيب مع التّراخي. فلا يقع اشتباه في استعماله.
٣ - مواضع الوصل:
يجب الوصل بين الجملتين في ثلاثة مواضع:
١ - إذا اتّحدت الجملتان في الخبرية او الإنشائية لفظا ومعنى أو معنى فقط:
١ - اتحادهما في الخبرية ومثاله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ الانفطار: ١٣ - ١٤. اتفاق الجملتين في الخبرية لفظا ومعنى.
стр. 345
٢ - اتحادهما في الانشائية ومثاله وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا الاعراف: ٣١. اتحادهما في الانشائية لفظا ومعنى.
٣ - إنشائية معنى، خبرية في اللفظ، ومثاله وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً البقرة: ٨٣. فجملة (لا تَعْبُدُونَ) إنشائية معنى لأنها بمعنى لا تعبدوا، وأخذ الميثاق يقتضي الأمر والنهي، فإذا وقع بعده خبر أوّل بالأمر أو النهي، وقد عطفت عليها جملة (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) وهي إنشائية لفظا ومعنى لأنها على تقدير (واحسنوا بالوالدين إحسانا) فالجملتان اتفقتا في الإنشائية معنى وإن اختلفتا في اللفظ، لذا عطفت الثانية على الأولى، لوجود الجامع ولا مانع من العطف.
٤ - خبرية معنى، إنشائية لفظا أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الشرح: ١ - ٢.
فالجملة الثانية خبرية في اللفظ والمعنى، وقد عطفت على جملة (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) وهي وإن كانت مصّدرة باستفهام فهي في معنى الخبر لأن المعنى (شرحنا لك صدرك). فتكون الاولى إنشائية لفظا خبرية معنى وبذلك اتفقت مع الثانية فصحّ العطف بينهما لوجود الجامع، ولا مانع من العطف.
٢ - إذا اختلفتا خبرا وإنشاء، وأوهم الفصل خلاف المقصود:
ومثاله:- لا، وبارك الله فيك. جوابا لمن سألك: هل لك حاجة أساعدك في قضائها.
- لا، ويرحمك الله. جوابا لمن سألك: هل شفيت من مرضك.
стр. 346
ف (لا) في الجملة الأولى قائمة مقام جملة خبرية تقديرها (لا حاجة لي) وكذلك القول في الجملة الثانية. والجملتان: بارك الله فيك، ويرحمك الله، جملتان خبريتان لفظا إنشائيتان معنى والعبرة بالمعنى.
ويجب التأكيد على وجود الواو في صدر الجملة الثانية لأن تركها يوهم السامع بالدعاء عليه، وهو خلاف المقصود، لأن الغرض الدعاء له. ولهذا وجب الوصل. وعطف الجملة الثانية الدعائية الإنشائية على الأولى الخبرية المقدّرة بلفظ (لا) لدفع الإيهام، وكلا الجملتين لا محل لها من الأعراب.
٣ - إذا قصد إشراكهما في الحكم الاعرابي:
إذا كان للجملة الأولى محلّ من الإعراب، وقصد تشريك الجملة الثانية لها في الإعراب حيث لا مانع. ومثاله:
قول أبي العلاء (الوافر):
وحبّ العيش أعبد كلّ حر ... وعلّم ساغبا أكل المرار.
فالجملة الولى (أعبد كلّ حر) في محل رفع خبر للمبتدأ (حبّ)، وأراد الشاعر إشراك الثانية لها في الحكم الاعرابي، فعطفها عليها بالواو. والجملتان خبريتان فعلّيتان فعلهما ماض.
وقول المتنبي (الطويل):
وللسرّ منيّ موضع لا يناله ... نديم، ولا يفضى إليه شراب
فالجملة الأولى (لا يناله نديم) في محل رفع صفة ل (موضع)، وأراد اشراك الجملة الثانية لها في هذا الحكم فعطفها
стр. 347
عليها بالواو. والجملتان متّحدتان خبرا، متناسبتان معنى فلا داعي للفصل بينهما.
وقال بشّار (الطويل):
وأدن الى القربى المقرّب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم
فالجملتان هنا متّحدتان إنشاء، ومتناسبتان في المعنى لذلك عطفت الثانية على الاولى.
* الأحسن ان تنفق الجملتان في الاسمية والفعلية، والفعليتان في الماضوية والمضارعية، أي ان تعطف الاسمية على مثلها، وكل من الماضوية والمضارعية على مثلها.
تمارين:
١ - بيّن مواضع الوصل في ما يأتي، واذكر السبب:
قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً الاسراء: ٢٩. وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً الفرقان: ٣٥ وقال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ الحج: ٤٩ - ٥١.
وقال الرسول (ص): «اتق الله حيثما كنت، واتبع السينة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
وقال أبو بكر (ر): «أيها الناس، إنّي ولّيت عليكم ولست بخيركم».
стр. 348
وقال الامام علي (ر): «دع الإسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدّم الفضل ليوم حاجتك».
٢ - بيّن مواضع الوصل، واذكر السبب:
١ - يشمّر للّجّ عن ساقه ... ويغمره الموج في السّاحل
٢ - تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وأرى السرور يجيء في الفلتات
٣ - وكلّ امرئ يولي الجميل محبّب ... وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب
٤ - اضرب وليدك وادلله على رشد ... ولا تقل هو طفل غير محتلم
٥ - يجود بالنفس إن ضنّ الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
٦ - نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه ... وجارك من صافيت لا من تصاقب
٧ - إنّما هذه الحياة متاع ... والسّفيه الغبيّ من يصطفيها
٨ - ما مضى فات، والمؤمّل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
٩ - قد يدرك الراقد الهادي برقدته ... وقد يخيب أخو الرّوحات والدّلج
١٠ - يصدّون في البأساء من غير علة ... ويمتثلون الأمر والنهي في الخفض
١١ - أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
١٢ - وغدر الفتى في عهده ووفائه ... وغدر المواضي في نبوّ المضارب
١٣ - العين عبرى والنفوس صوادي ... مات الحجا وقضى جلال النادي
١٤ - لا الدّمع غاض ولا فؤادك سالي ... نزل الحمام عرينة الرئبال
١٥ - فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني
стр. 349
٤ - مواضع الفصل:
إذا ترادفت الجمل، ووقع بعضها إثر بعض ربطت بالواو العاطفة لتكون على نسق واحد. ولكن قد يعرض لها ما يوجب ترك الواو فيها إمّا لأن الجملتين متحدّتان صورة ومعنى، وإمّا لأنّهما بمنزلة المتحدتين، وإمّا لأنه لا صلة بينهما في الصورة أو في المعنى.
ويقع الفصل في خمسة مواضع هي:
١ - " كمال الاتصال ".
وهو اتحاد الجملتين اتحادا تاما، بحيث تكون الجملة الثانية:
توكيدا للأولى، أو لا بد منها، أو بيانا لها. ومثاله:
- قال تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً الطارق: ١٧.
فالجملة الثانية (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) توافق الجملة الأولى التي سبقتها لفظا ومعنى، وهي توكيد لفظي للأولى، وبذلك صارت الصلة قوية بينهما بحيث لا تحتاجان الى رابط، لأنّ التوكيد من المؤكد كالشيء الواحد، لذا ترك العطف لعدم صحّة عطف الشيء على نفسه.
- وقال تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ الشعراء: ١٣٢ - ١٣٣.
فالآية الثانية بمنزلة بدل البعض، لأنّ ما يعلّمونه يشمل ما في الجملة الثانية من النعم الأربع وغيرها من سائر النعم، ولم يعطف بين الجملتين بالواو لقوّة الربط بينهما.
- وقال تعالى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ* قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ المؤمنون: ٨١ - ٨٢.
стр. 350
فالآية الثانية شارحة وموضّحة، وأوفى بتأدية المعنى من الأولى. فهي واقعة موقع بدل الكل من الأولى، ولذا ترك العطف لقوّة الربط بين الجملتين.
- وقال تعالى وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ* اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ يس: ٢٠ - ٢١. فالآية الثانية بدل اشتمال من الأولى، لأنّ المراد من الأولى حمل المخاطبين على اتباع الرسل، والثانية أوفى لأن معناها: لا تخسرو شيئا من دنياكم وتربحو صحّة دينكم، فيكون لكم جزاء الدنيا والآخرة، فترك العطف بين الجملتين لقوّة الربط بينهما.
- وقال تعالى وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ البقرة: ٤٩. فصلت جملة (يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) عن (يَسُومُونَكُمْ) لأن الثانية موضّحة للأولى فكانت بمنزلة عطف البيان، لذلك ترك العطف لقوّة الربط بينهما، لأن عطف البيان لا يعطف على متبوعه.
٢ - كمال الانقطاع .
وهو ان يكون بين الجملتين تباين تام. وأوضح ما يكون ذلك إذا تقاطعتا:
١ - خبرا وإنشاء:
نحو وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الحجرات: ٩. فصلت الجملة الثانية عن الأولى لأن الأولى (وَأَقْسِطُوا) إنشائية لفظا ومعنى،
стр. 351
والثانية (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) خبرية لفظا ومعنى، فبينهما تباين تام وانقطاع كامل ممّا يستوجب الفصل بينهما.
٢ - واختلافهما معنى:
نحو: نجح خالد وفّقه الله. فالثانية إنشائية لفظا خبرية معنى.
٣ - ألّا يكون بين الجملتين مناسبة في المعنى ولا ارتباط:
ومثاله:
إنّما المرء بأصغريه ... كل امرئ رهن بما لديه
فلا مناسبة بين الجملة الثانية والأولى لأنّ كلّا منهما مستقلة بنفسها.
٣ - شبه كمال الاتصال:
وهو أن تكون الجملة الثانية شديدة الارتباط بالأولى، حتّى لكأنّها جواب عن سؤال نشأ من الأولى.
ويكون السؤال عن سبب عام كما في قوله (الخفيف):
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
ويكون السؤال عن سبب خاص كقوله تعالى وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يوسف: ٥٣. فقد فصلت الجملة الثانية عن الأولى لأنّها واقعة في جواب سؤال مقدّر، وكأنه قيل: هل النفس أمّارة بالسّوء؟ فقيل: إن النفس لأمّارة بالسوء.
وقد يفهم السؤال من السياق كقوله (الكامل):
زعم العواذل أنّني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي.
كأنه سئل: أصدقوا في زعمهم أم كذبوا؟ فأجاب: صدقوا.
стр. 352
٤ - شبه كمال الانقطاع:
وهو ان تسبق جملة بجملتين يصحّ عطفها على الأولى لوجود المناسبة، ولكن في عطفها على الثانية فساد في المعنى فيترك العطف بالمرّة، دفعا لتوهّم أنه معطوف على الثانية. نحو:
وتظنّ سلمى أنّني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم
فجملة (أراها) يصح عطفها على جملة (تظن) لكن يمنع من ذلك توهم العطف على جملة (أبغي بها) فتكون الثالثة من مظنونات سلمى، مع أنّه غير المقصود ولهذا امتنع العطف.
٥ - التوسّط بين الكمالين:
وهو أن تكون الجملتان متناسبتين وبينهما رابطة قوية لكن يمنع من العطف مانع هو عدم قصد التشريك في الحكم كقوله تعالى وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ .. البقرة: ١٤. لقد فصلت جملة (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) عن جملة (إِنَّا مَعَكُمْ) مع التناسب ووجود الجامع بينهما المصحح للعطف لوجود المانع، وهو أنّه لم يقصد تشريك جملة (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) لجملة (إِنَّا مَعَكُمْ) في الحكم الاعرابي، وهو انها مفعول القول، فيقتضي ذلك أن جملة: الله يستهزئ بهم تكون من مقول المنافقين، وهي ليست كذلك بل هي من كلام الله سبحانه ولذلك فصل بينهما.
стр. 353
تمارين:
١ - بيّن مواضع الفصل في ما يأتي واذكر السبب:
١ - وما الدهر إلّا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرا أصبح الدّهر منشدا
٢ - الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
٣ - يا صاحب الدنيا المحبّ لها ... أنت الذي لا ينقضي تعبه
٤ - ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السّماء ترجّى حين تحتجب
٥ - إن نيوب الزّمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي
٦ - لا يعجبّنك إقبال يريك سنا ... إنّ الخمود لعمري غاية الضّرم
٧ - يقولون إنّي أحمل الضّيم عندهم ... أعوذ بربّي أن يضام نظيري
٨ - نفسي له نفسي الفداء لنفسه ... لكنّ بعض المالكين عفيف
٩ - يهوى الثّناء مبرّزّ ومقصّرّ ... حبّ الثناء طبيعة الإنسان
١٠ - حكم المنيّة في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار.
٢ - بيّن مواضع الوصل والفصل في ما يأتي واذكر السبب:
١ - ألا من يشتري سهرا بنوم؟ ... سعيد من يبيت قرير عين
٢ - اخط مع الدهر إذا ما خطا ... واجر مع الدهر كما يجري
٣ - لا تدعه إن كنت تنصف نائبا ... هو في الحقيقة نائم لا نائب
٤ - وقد كان يروي المشرفيّ بكفّه ... ويبلغ أقصى حجرة الحيّ نائله
٥ - وتظن سلمى أنني ابغي بها ... بدلا، أراها في الظّلام تهيم
٦ - الفقر فيما جاوز الكفافا ... من اتقى الله رجا وخافا
стр. 354
الباب السابع الإيجاز والإطناب والمساواة
لا يعدو التعبير عن المعاني التي تجول في الذهن، وعن العواطف التي يجيش بها الصدر، طريقا من هذه الطرق الثلاث:
الإيجاز، والإطناب، والمساواة. وسنبحث كلّ طريق بحثا منفصلا.
أوّلا: الإيجاز:
١ - ١. تعريفه:
عرّفه الجرجاني بقوله (١): «أداء المقصود بأقلّ من العبارة المتعارفة».
وعرّفه معجم المصطلحات العربية بقوله (٢): «هو التعبير عن المعاني الكثيرة باللفظ القليل».
وعلينا ان ندرك ان الإيجاز لغة يفيد التقّصير، وأنّه في الاصطلاح يعني: اندراج المعاني الكثيرة تحت اللفظ القليل.
وقد رأى البلاغيون ان الألفاظ القليلة فيه يجب أن تفي بالمراد مع الإبانة والإفصاح وتناسقها مع حال المخاطب.
مثاله، قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الأعراف: ١٩٩. فلقد جمعت الآية على قصرها مكارم الأخلاق جميعا دون إخلال أو حذف ملبس.
ومثاله أيضا قوله (ص): (إنّما الأعمال بالنيّات) فالحديث يتضمّن معاني كثيرة تشعّ بها الألفاظ وتومئ إليها من غير إخلال
стр. 355
بالمعنى. لهذا قال الرمّاني (١): «الإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى».
١ - ٢. نوعاه:
ينقسم الإيجاز الى قسمين، هما:
أ- إيجاز قصر:
وهو ما تزيد فيه المعاني على الألفاظ ولا يقدّر فيه محذوف، ويسمى أيضا إيجاز البلاغة لأن الأقدار تتفاوت فيه.
مثاله قوله تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ الأعراف: ٥٤. لقد جمعت الآية فأوعت حتى إنه روي أنّ ابن عمر (ر) قرأها فقال: من بقي له شيء فليطلبه.
ومثاله أيضا قوله (ص): (الضعيف أمير الرّكب). فالحديث جمع من آداب السفر والعطف على الضعيف ما لا يسهل التعبير عنه إلّا بالقول المسهب.
ومنه قول السموءل (الطويل):
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس الى حسن الثناء سبيل
فقد جمع البيت الصفات الحميدة من سماحة وشجاعة وتواضع وحلم وصبر واحتمال مكاره في سبيل طلب الحمد إذ كل هذه مما تضيم النفس.
وبهذا النوع من الإيجاز تغنّى البلاغيّون فقالوا: «القليل الكافي خير من كثير غير شاف».