٦٥٦٩، ٦٨٦٧، ٦٨٩٠، ٦٩٩٣، ٧١١٠، ٧١٥٠، ٧١٦٢، ٧٢٠٣، ٧٢٢٤، ٧٢٢٦، ٧٢٤٤، ٧٣٠٤، ٧٣٣٤، ٧٣٤٧، ٧٣٥٤، ٧٤١٤، ٧٤٥٦، ٧٥٣٢، ٧٥٥٣، ٧٥٦٥، ٧٦١٦، ٧٦٨٠، ٧٧٤٩، ٧٨٤٧، ٧٨٥٩، ٧٨٧٢، ٧٨٧٣، ٨٠١٣، ٨٢٧٥، إحالة ٤/ ٢٤٣ (أبو عمر الندبي)، ٨٢٨٣، إحالة ٤/ ٣٤٤ (العائذي)، إحالة ٤/ ٣٥٣ (الهجري)، إحالة ٤/ ٣٦٥ (زوج درة) إحالة ٤/ ٣٦٦ (سابق العرب)، ٨٥٢٢، ٨٥٧٣، ٨٧٤٥، ٨٧٩٩.
أفليس هذا من الابتعاد عن المنهج وعدم الالتزام به؟!.
٢ - ومن الأمثلة على فقدان المنهج عند المحررين، أنهما أضافا ترجمتين ادعيا أنهما من عندهما -ولست أريد هنا أن أدخل في نقاش معهما في ذلك فقد تناولت ذلك مفصلًا في موضعه من كتابي هذا- ولكن الذي تجدر الإشارة إليه أنهما لما أضافا ترجمة (زياد بن عمرو بن هند الجملي) كررا رقم الترجمة التي قبله وأعقباها بحرف (ب) ولما أضافا ترجمة (عبد اللَّه ابن عبد الرحمن الجمحي) كررا أيضًا رقم الترجمة التي قبله، وأعقباها بحرف (م).
فهل هذا من المنهج في شيء؟ ولو كان لديهما منهج لظهر هنا، إذ الأمر في منتهى اليسر فليست سوى ترجمتين، فأي الكتابين أبعد عن المنهج؟!
وقس أنت الأمور واحكم، فلئن أخلا بالمنهجية في هذه الجزئية الصغيرة، فما بقي كان أعظم؟!
ثانيا: وضعا جملة من المباحث أسموها "قاعدة صحيحة" في الموقف من توثيق ابن حبان، وهي أمور في المنتهى من الغرابة، أوجز الرد عليها بما يأتي:
١ - إن مَنْ يُنَظِّر شيئًا ينبغي عليه أن يكون أول العاملين به، وهذا مما أخل به المحرران، فقد نصَّا في الفقرة الأخيرة من كلامهما على:
стр. 108
"أن ابن حبان ذكر في "الثقات" كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا" والمحرران بهذا يرميان إلى التفريق بين ذكر ابن حبان للراوي فقط دون النص على توثيقه، وبين ذكره مع النص على توثيقه، وهذا أمر نتفق معهم على بعضه؛ لكن المحررين نسيا هذه القاعدة البتة أثناء عملهما في المجلد الأول من تحريرهما، ولم تخطر هذه القاعدة لهما على بالٍ إلا في ثلاثة تراجم (٤٢٠، ٩٦٤، ١٦٩٤) وستجد الكثير مما أشرت إليه في كتابنا هذا، وكذلك نسيا هذه القاعدة في كثير من المواضع للمجلدات الأخرى، عزبت عن التنبيه إليها هنا خشية الإطالة.
٢ - تكلم المحرران في الفقرة (٦) عن تضعيف ابن حبان فقالا: "أما تضعيفه فينبغي أن يعد مع الجهابذة المجودين، لما بينه في كتابه من الجرح المفسر".
أقول: إن كان ابن حبان في جرحه للرواة في مصاف الجهابذة المجودين، فهل يصح أن نهمل أو نغمر جرح من هو جهبذ مجود، كلما عنَّ ذلك لسبب أو لغير سبب؟! وإليك نماذج لتراجم تركا فيها قول ابن حبان، فقالا بغير قوله من غير ما التفات إلى ما ذكرا:
(أ) الترجمة (٢٧٢٣) لم يعتدا بجرح ابن حبان وغمزا قوله: "ربما خالف".
(ب) الترجمة (٣٢٨٢) وصفا جرحه بالتعنت، وقرعا بالحافظ لاعتداده بجرحه.
(ج) الترجمة (٣٣٣٦) غمزا فيها جرح ابن حبان.
(د) الترجمة (٣٧٤٥) ردا فيها جرح ابن حبان.
فكيف سيكون قولك إذا علمت أن ابن حبان لم ينفرد بجرحه؟ بل جرح المترجمَ له سيدُ النقاد الإمام البخاري بالصفة نفسها التي جرحه بها ابن حبان
стр. 109
والمحرران يلمحان إلى رد نقدهما فقالا: "أما قول ابن حبان في "الثقات": يخطئ ويهم، فنظنه أخذه من البخاري"، فكيف الأمر وقد ردا جهبذين مجودين؟!!!
(هـ) الترجمة (٤٢٧٥) أقذعا القول فيها لابن حبان، فقالا: "فهذا -يردان جرحه للراوي- من قعقعة ابن حبان".
(و) الترجمة (٥٨٤٦) غمزا ابن حبان، فقالا: "وذكره ابن حبان وحده في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف، وهذا من عجائبه! ".
فحتى وإن سلمنا جدلًا بأن ابن حبان أخطأ في بعض هذا فلسنا ندعي عصمته، فقد كان لازمًا عليهما أن يتحدثا عنه بكل أدب واحترام.
٣ - اضطرب موقف المحررين من توثيق ابن حبان -حسب ما يستجد لهما من قرائن، وليت استقراء القرائن عندهما كان دقيقًا، فهما يعميان الأمر على القارئ، فإذا أرادا توثيق الراوي قالا: وثقه ابن حبان، وحقيقة الأمر أنه إنما ذكره فقط، وإذا تكلما في الراوي ضربا عن توثيقه صفحًا، وإليك مثُل ذلك:
(أ) الترجمة (٢٩٠٦) قالا: "ولم يوثقه سوى ابن حبان، وتوثيقه شبه لا شيء".
(ب) الترجمة (٣٣٤٣) قالا: "ولم يوثقه سوى العجلي وابن حبان وتوثيقه شبه لا شيء عند انفرادهما".
(ج) الترجمة (٣٣٤٩) جهلا الراوي وقالا: "حينما ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" قال: يخطئ".
(د) الترجمة (٣٣٦٠) اعتدا فيها بذكر ابن حبان له في الثقات.
(هـ) (الترجمة (٣٦١٧) ضعفا الراوي ثم قالا: "وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ ويخالف" وهذا اعتداد منهما بالجرح دون التوثيق.
٤ - بخصوص نص ابن حبان على توثيق الرواة، قالا: "إذا صرح ابن حبان
стр. 110
بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثه ووجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يُوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل".
أقول: من أسس قاعدة ثم هدمها بمعول مخالفته لها، حريٌّ بمن بعده عدم الأخذ بها، وأكتفي هنا بمثالين، جاءت إدانتهما فيه من قلميهما، فقد قال الحافظ ابن حجر في الترجمة (٣٦٦٠): "عبد اللَّه بن نافع الكوفي، أبو جعفر الهاشمي مولاهم: صدوق، من الثالثة. د عس".
فتعقباه بقولهما: "بل مجهول، تفرد بالرواية عنه الحكم بن عتيبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: صدوق" فأين المنزلة الرفيعة؟ وأين أنزلا توثيق ابن حبان من توثيق الأئمة الكبار؟؟ وهل الأمر سوى محاولة تعقب الحافظ ابن حجر؟ نسأل اللَّه السلامة.
والمثال الثاني: قال الحافظ (١٢٢١) الحسن بن جعفر البخاري: "ثقة" وقد تعقباه بقولهما: "بل مقبول، روى عنه اثنان ولم يوثقه سوى ابن حبان".
أقول: وابن حبان قد صرح بتوثيقه (٨/ ١٧٣) فقال: "الحسن بن جعفر من أهل بخارا، ثقة" وتصريح ابن حبان في توثيقه للمترجم نقله الإمام المزي في "تهذيب الكمال" (٦/ ٧٣)، وابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٢٦٠).
ثالثًا: مسألة كثرة الرواة عن الشخص هل تعني توثيقًا؟ أو تحسن من حال الراوي؟ وهي مسألة أحب الدخول معهم بصددها في نقاش علمي، ولذا سيتمحور ردي في كل فقرة منه على محورين، الأول: إبطال ما قعداه، الثاني: إيراد أمثلة عملا فيها بخلاف ما قعداه؛ ولكنني وقبل الولوج في هذا أود أن أتناول قاعدة لهج بها المحرران كثيرًا في كتابهما، ألا وهي رواية الجمع، فقد كررا القول مرارًا: "روى عنه جمع" فهل رواية الجمع تنفع الراوي أم لا؟.
стр. 111
أقول: لا بد في كل راوٍ -لكي تقبل روايته- من معرفة حاله، وخبرة سيرته حتى يتسنى للناقد الحكم بقبول رواية ذلك الراوي أو ردها، إلا أن بعض الرواة لم يستطع العلماء أن يتعرفوا حالهم، وهم الذين يدعون (بالمجاهيل) وليسوا في طبقة واحدة، بل المشهور أنهم ثلاثة: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، ومجهول العدالة باطنًا وهو الذي يسمى (مجهول الحال)، ومجهول العين.
وقد نصت كتب المصطلح أن من روى عنه شخص واحد، ولم يعلم حاله فهو مجهول العين فإن روى عنه آخر صار مجهول الحال (١)، فزيادة العدد هنا قد حسنت من حال الراوي، لكن ينبغي التنبه لثلاثة أمور:
الأول: إن هذه الزيادة لم تخرجه عن حيز الجهالة، بل غاية نفعها أن أزالت عنه شيئًا من جهالته، فنقلته من مرتبة جهالة إلى مرتبة جهالة أخرى أخف منها.
الثاني: إن هذه الزيادة حتى وإن عظمت فبلغت أكثر من اثنين غير مقتضيه لإثبات العدالة، وقد نص الخطيب البغدادي وغيره على ذلك، فقال: أقل ما ترتفع به الجهالة -يعني: جهالة العين- أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك؟. . . إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" (٢).
الثالث: إن العبرة أصلًا ليست بكثرة الرواة وقلتهم، بل بالمعرفة والسبر وللحافظ ابن القطان الفاسي كلام نفيس في كتابه "بيان الوهم والإيهام" (٤/ ١٣ عقيب ١٤٣٢) حول قبول رواية المستور فقال ﵀: "والحق في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته، ومن يذكر في كتب الرجال برواية أكثر من واحد عنه
стр. 112
مهملًا من الجرح والتعديل، فهو غير معروف الحال عند ذاكره بذلك، وربما وقع التصريح بذلك في بعضهم".
وقال الإمام السيوطي في شرحه لألفية العراقي (ص ٢٤٤): "الرواية تعريف له -[يعني: للراوي] والعدالة بالخبرة، وبأنه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه".
وقال أحد الباحثين: "ذكرت في المبحث السابق عن عدد من أئمة النقد أنهم قد يعدون الراوي مجهولًا إذا لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، وقد يعدّونه ثقة، وقد يجهلون من روى عنه جماعة، وقد يوثقونه، أو يذكرون أنه معروف، وهذا يعني أن العبرة عندهم ليست في عدد الرواة عن الشيخ، وإنما العبرة بمعرفته واستقامة روايته" (١).
والآن حان الوقت للدخول في مناقشة كلام المحررين:
١ - إن من ذكره ابن حبان في ثقاته، وكان له راوٍ واحد، فهو مجهول العين وهذه قاعدة تكاد تكون محل اتفاق المحدثين، إلا أن المحررين لم يلتزما ذلك رغم كونها عميقة الأصالة لدى المحدثين، وسأسوق أمثلة على ذلك:
(أ) الترجمة (١٨٨)، تفرد بالرواية عنه الأوزاعي، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢١)، وقال ابن حجر: مجهول، تعقباه بأنه ثقة!!
(ب) الترجمة (١٣٨٥)، تفرد بالرواية عنه الزهري، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٥٩) وقال ابن حجر: صدوق الحديث، ولم يتعقباه!!
(ج) الترجمة (١٧٢٢) تفرد بالرواية عنه محمد إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٧١) وقال ابن حجر: مقبول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(د) الترجمة (٣٥٦٩) تفرد بالرواية عنه أبو سعيد جعثل بنص الذهبي في الميزان (٢/ ٤٨٣ و ٤٩٩) وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥١) قال عنه ابن حجر: صدوق، فتعقباه بأنه: ثقة!!
стр. 113
(هـ) الترجمة (٣٦٦٩)، تفرد بالرواية عنه عبد اللَّه بن أبي مليكة بنصهما وذكره ابن حبان في ثقاته (٥/ ٤٧)، وقال عنه ابن حجر: وثقه النسائي، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(و) الترجمة (٥٠٩١) تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي بنصهما وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٨٠)، قال الحافظ عنه: مقبول فتعقباه بأنه: ثقة!!
(ز) الترجمة (٥٢١٤)، تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٨١) قال الحافظ: ليس بمشهور، تعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
(ح) الترجمة (٥٨٧٨) تفرد بالرواية عنه سليمان بن حرب، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٢٢)، قال الحافظ: مقبول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(ط) الترجمة (٧٢٠٠) تفرد بالرواية عنه الأوزاعي، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٤٥) قال الحافظ: ثقة، فتعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
(ي) الترجمة (٧٣٣٨) تفرد بالرواية عنه عبد اللَّه بن عون، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٧٣) قال الحافظ: مجهول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(ك) الترجمة (٨٣٤٩) تفرد بالرواية عنه أبو مجاهد سعد الطائي، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٧٢)، قال الحافظ: مقبول، فتعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
وبهذا القدر أكتفي خشية الإطالة وإملال القارئ؛ لكن المحررين ربما اعتذرا عن بعض ذلك بوجود من وثقه، وهذا العذر لا يسعفهم في شيء، فقد أكثرا من الذهاب إلى تجهيل من انفرد عنه بالرواية واحد، وإن وثقه الجمع أما الحافظ ابن حجر فربما عدّل من حاله هكذا لقرينة خاصة كصحة أحاديث الراوي أو غيرها.
стр. 114
٢ - من ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه اثنان، فهو مجهول الحال، أود الإشارة هنا إلى أن المحررين لم يعتدا هنا بذكر ابن حبان للراوي في الثقات وذلك، لأن رواية الاثنين عن الشيخ رافعة لجهالة العين مبقية على جهالة الحال، وهو أمر شاع بين المحدثين، فما قيمة ذكر ابن حبان عندهما هنا؟!
وقول المحررين قول شاذ غريب، لأننا لم نعهد عن أحد من العلماء المتقدمين إهمال ذكر ابن حبان للراوي في ثقاته بالكلية، وإنما كانوا يفصلون في ذلك فيفرقون بين شيوخه وبين من عرفهم وبين غيرهم كما سيأتي إيضاحه، فلا يحكمون لأول وهلة بل يوازنون ويقارنون.
٣ - من ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه ثلاثة، فهو مقبول في المتابعات والشواهد، أقول: هذا تنظير غير صحيح، فكيف يختلف لديهما الحكم من اثنين إلى ثالث، وقد سبق الكلام على أن رواية الجمع لا تؤثر في التوثيق وكيف يفرقان بين هذه الفقرة وبين التي قبلها في الحكم، والمحصلة النهائية لحكمهما واحد، إذ إن كلًّا منهما مقبول في المتابعات والشواهد.
وهذا التنظير يعدم بالكلية الفائدة من ذكر ابن حبان للرواة في الثقات بالمرة؛ إذ إن المخشي من توثيق ابن حبان توثيق المجاهيل، فإذا كان المترجم له من شيوخه أو شيوخ شيوخه، أو ممن عرفهم وجالسهم فما المانع من قبول توثيقه؟!
٤ - من ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه أربعة فأكثر، فهو صدوق حسن الحديث.
أقول: ما بال زيادة راوٍ واحد نقلت الشيخ من فلك إلى فلك آخر، ومن رتبة إلى أخرى، وقد سبق قولي: إن العدد لا يؤثر في توثيق الراوي، وما يَرِدُ على الفقرة السابقة يَرِدُ هنا، فقد يكون الراوي من شيوخه أو شيوخ شيوخه أو من أهل بلده أو ممن عرفهم!!
стр. 115
ويحسن بنا ونحن في هذا المقام أن نعرض لما قرره العلامة المعلمي اليماني ﵀ وشاع بين كثير من الناس، إذ قال في التنكيل (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١) (مجلة الحكمة العدد السابع عشر ص ٣٩٣): "والتحقيق أن توثيقه على درجات:
الأولى: أن يصرح به، كأن يقول: "كان متقنًا" أو "مستقيم الحديث" أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون الرجل من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم والثانية قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل - واللَّه أعلم".
وقال العلامة الألباني معقبًا على كلام المعلمي: "هذا تفصيل دقيق يدل على معرفة المؤلف المعلمي ﵀ وتمكنه من علم الجرح والتعديل وهو مما لم أره لغيره فجزاه اللَّه خيرًا.
غير أنه قد ثبت لدي بالممارسة أن من كان منهم من الدرجة الخامسة فهو على الغالب مجهول لا يعرف، ويشهد بذلك صنيع الحفاظ كالذهبي والعسقلاني وغيرهما من المحققين، فإنهم نادرًا ما يعتمدون على توثيق ابن حبان وحده ممن كان في هذه الدرجة، بل والتي قبلها أحيانا".
والحق في ذلك أن ما قرره العلامتان المعلمي والألباني إطلاق يفتقر إلى تقييد، لتصحح هذه القاعدة، وقد أجاد بعض الباحثين في تفصيل ذلك، إذ قسم الرجال الذين ترجم لهم ابن حبان في ثقاته إلى قسمين:
стр. 116
القسم الأول: الذين انفرد بالترجمة لهم.
القسم الثاني: الذين اشترك مع غيره بالترجمة لهم، وهم على قسمين أيضًا:
الأول: الرواة الذين أطلق عليهم ألفاظ الجرح والتعديل، وهؤلاء الرواة لم يكونوا على درجة واحدة، بل كان فيهم الحافظ والصدوق والمجروح والضعيف والمجهول.
الثاني: الرواة الذين سكت عنهم، وفيهم الحافظ والصدوق والمستور والمجهول والضعيف ومنكر الحديث.
وختامًا نص الباحث نفسه فقال: "والفصل في الرواة الذين سكت عليهم ابن حبان هو عرضهم على كتب النقد الأخرى، فإن وجدنا فيها كلامًا أخذنا بما نراه صوابًا مما قاله أصحاب كتب النقد، وإن لم نجد فيها كلامًا شافيًا طبقنا قواعد النقاد عليهم، وقواعد ابن حبان نفسه.
وأغلب الرواة الذين يسكت عليهم ابن حبان، ويكون الواحد منهم قد روى عنه ثقة، وروى عن ثقة، يكونون مستورين، يقبلون في المتابعات والشواهد ولذلك فإنني قلت في رسالتي عن ابن حبان في الرواة الذين ترجمهم ساكتًا عليهم: بأنهم على ثلاث درجات:
١ - فمنهم الثقات وأهل الصدق.
٢ - ومنهم رواة مرتبة الاعتبار.
٣ - ومنهم الرواة الذين لا تنطبق عليهم شروط ابن حبان النقدية في المقبول، وهؤلاء ذكرهم للمعرفة - واللَّه أعلم" (١).
стр. 117
والذي أميل إليه: أن ما ذهب إليه المحرران من تقييد ذلك بعدد الرواة خطأ محض، نشأ عن تسرع في الأحكام، وعجلة كان ينبغي بمن مثلهما أن لا يقع فيها وأن ما ذهب إليه اليماني، وتابعه عليه الألباني، وما نظره الباحث جيد؛ غير أن الأولى أن يقال: إن ذلك لا يناط تحت قاعدة كلية مطردة، بل الأمر يختلف من راوٍ إلى راوٍ حسب المرجحات والقرائن المحيطة التي تحف الراوي، فعندها يحكم على ذلك، وعليه يحمل صنيع الإمامين الجهبذين الذهبي وابن حجر، إذ إنهما لم يعملا ذلك تحت قاعدة كلية، بل مرجع ذلك إلى القرائن المحيطة وحال الراوي وقرب عهده من بُعْدِه، وكونه من المعروفين أو غير المعروفين، وكونه من أهل بلد ابن حبان من غيرهم، ولو أدرك المحرران لما وصفا صنيع الحافظ باضطراب المنهج وخلو كتابه من المنهجية، نسأل اللَّه الستر والعافية.
خامس عشر: (ص ٣٤ - ٣٨):
تكلم المحرران في هذه الصفحات عن البدعة، وهل هي أمر مؤثر في جرح الراوي أم لا؟ وقد خرج المحرران بنتيجة، وهي: أن البدعة غير مؤثرة في عدالة الراوي، إذا كان محترزًا من الكذب سليمًا من خوارم المروءة، فقالا (ص ٣٤): "لقد تبين لنا من دراستنا لكتب الرجال، وتتبعنا لأحوال الرواة أن جملة من الرواة الثقات جُرحوا لأسباب لم يعتد بها النقاد الجهابذة الأول منها: الجرح بسبب المخالفة في العقائد".
فهما يقرران عدم اعتداد النقاد المتقدمين بالبدع كأساس لجرح الرواة، وجاء التصريح بهذا من قلميهما، فقالا (ص ٣٦): "أما المتقدمون، فوجدنا أكثرهم لا يعتد ببدعة الراوي إن كان صادقًا أمينًا، فقد أخرج الشيخان في "صحيحهما" عن كثير ممن رُمي بالبدعة، كالخوارج والشيعة، والقدرية ونحوهم، ومنهم من كان داعية لمذهبه".
ودللا على ذلك بأمثلة عدة، ولكنني أختار مثالهما الأخير، وأنقل كلامهما بنصه، حتى يكون أبلغ في إثبات التناقض، وعدم المسئولية في إصدار
стр. 118
الأحكام فقالا (ص ٣٨): "وكان حريز بن عثمان الرحبي ناصبيًّا محترقًا، وقال: عمرو بن علي كان ينتقص عليًّا وينال منه، وكان حافظًا لحديثه، وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على عليّ، ووثقه جمهور الأئمة، وأخرج له الشيخان في "صحيحهما"، وقال الذهبي في "الميزان": "وكان متقنًا ثبتًا، لكنه مبتدع"، وقال في "الكاشف": "ثقة وهو ناصبي"، وقال في "الديوان": "ثقة لكنه ناصبي مبغض".
لكن الدكتور بشار في تعليقه على تهذيب الكمال (٥/ ٥٧٤) نقض ذلك فقال معلقًا على قول الفلاس الثاني: "قال العبد المسكين أبو محمد بشار عواد: واللَّه لا أدري كيف يكون ثبتًا من كان شديد التحامل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، نعوذ بك اللهم من المجازفة".
فأنت ترى أن الدكتور يعد قول الفلاس (مجازفة) راميًا من وراء ذلك إلى نسف قواعد المحدثين الأوائل في البدعة والموقف منها، ومتخذًا ذلك مدخلًا إلى تسليط لسانه وقلمه على رجال الصحيحين ممن رمي بنوع بدعة، والذين كان (حريز بن عثمان) واحدًا منهم، نسأل اللَّه الستر والعافية، ثم لا أدري كيف تساهل المحرران هذا التساهل الكبير في حكم المبتدع، مع أن الخلاف فيه متسع، وأنا أكتفي بنقل قول الحافظ ابن حجر من نخبة الفِكَر (ص ٥٢ - ٥٣) إذ قال: "ثم البدعة إما بمكفر، أو بمفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني: يقبل من لم يكن داعية على الأصح؛ إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي".
ومن جانبي فإني أعتقد أحقية ما ذهب إليه العلامة الجوزجاني في التفريق بين المبتدع الداعي إلى بدعته، أو الذي يروي ما يشيد بدعته، وبين مبتدع ليس حاله كذلك، يدفعنا إلى ذلك أنه في العصور الأولى كانت الخصومة السياسية تلعب دورًا بارزًا في تدعيم كل واحد لمذهبه السياسي، بما يرويه من أحاديث تعزز فكره السياسي ومنهجه.
стр. 119
سادس عشر: (ص ٣٩):
بصدد وقوع الخطأ والوهم في حديث (الثقة) وتعريضًا بالحافظ ابن حجر ﵀ قال المحرران: "ولذلك فإن إلصاق الوهم أو الخطأ أو الإغراب في الثقات أو الصادقين الذين يندر الخطأ عندهم فيه مجانية للنهج الأعدل".
أقول: الحق أنه ليس في هذا المنهج الذي دأب عليه الحافظ ابن حجر ﵀ أي مجانبة، فإطلاق الحكم منه قائم على استقراء تام لأحاديث أكثر الرواة فإن وجد خطأ أو وهمًا لواحد منهم -وإن كان خطأ واحدًا- أطلق عليه ذلك في الحكم، تنبيهًا واشارة إلى وجود خطأ في حديث ذلك الشيخ، ولما كان نهجه في هذا الكتاب مرتكزًا على سمة الاختصار، لم يسعه المقام لذكر أوهام الراوي، فنبه على ذلك، كي لا يكون حكم الحافظ ذريعة لغيره في تصحيح أحاديث ذلك الراوي، وان دل هذا النهج على شيء فإنما يدل على أن الحافظ ابن حجر -بلَّ اللَّه ثراه بوابل رحمته- كان يضع المسئولية نصب عينيه، وأن الخشية من اللَّه تعالى ملازمة له، وبه قد تمثلت القمة في الأمانة العلمية التي تجرد منها بعض ممن تكلموا في هذا الشأن ممن جاؤوا بعده، فإلى اللَّه المشتكى ولا حول ولا قوة إلا به.
سابع عشر: (ص ٤١):
عرَّج المحرران على توضيح بعض الاصطلاحات الخاصة بعدد من أئمة الجرح والتعديل، وبخصوص شرح بعض ألفاظ التعديل التي استخدمها الإمام يحيى بن معين، والتي كانت لها دلالة خاصة عنده، قالا: "وقوله في الراوي: لا بأس به، أو ليس به بأس، فهو ثقة عنده".
أقول: في هذا الذي ظنه المحرران توضيحًا، هو في حقيقة أمره إيهام للناس، إذ ليس الأمر على هذا الإطلاق الذي يقرره المحرران توطئة لما تعقبا به الحافظ ابن حجر، وقد أبدع الحافظ النحرير الإمام العراقي في إيضاح مراد ابن معين، فقال في شرح التبصرة والتذكرة: "قلت ولم يقل ابن معين إن قولي: ليس به بأس كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه
стр. 120
هذا فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم: ثقة، أرفع من التعبير عنه بأنه: لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة -واللَّه أعلم-" وانظر مقدمة الشيخ محمد عوامة للكاشف (١/ ٣٧ - ٣٨) ففيه بحوث مستفيضة.
ومن جانبي فإنني أعتقد أن الحافظين العراقي وابن حجر قد انسجما انسجامًا كبيرًا ورائعًا مع المنطق والحقائق الموضوعية في تحليلهما ذلك: لأن قولهم: ثقة هو إثبات صفة وجودية لازمة للشخصية على خلاف قولهم: لا بأس به أو ليس به بأس؛ لأن هذه الصفة نفي وليست إثبات، والقاعدة العلمية تقول: إن الإثبات أقوى من النفي؛ لأن النفي سلب والإثبات إيجاب.
ثامن عشر: (ص ٤٣):
وأيضًا وفي نفس الموضع، أوضحا أمرًا ادعيا كونه اصطلاحًا لأبي حاتم الرازي فقالا: "على أن هذه الاصطلاحات عند أبي حاتم لا تسير على نمط واحد، فقد عرفنا بالاستقراء أنه يطلق لفظة (صدوق) على شيوخه الثقات الذين ارتضاهم وروى عنهم، ويريد بها (الثقة)، وإنما استعمل هذه اللفظة، كما يبدو تواضعًا، ولم ينتبه الحافظ ابن حجر إلى هذه المسألة، ولا أحد ممن جاء بعده".
أقول: في هذا التعليق دسٌّ خفي، وقديمًا قيل: "رمتني بدائها وانسلت" والمحرران من هذه الشاكلة، فنحن نعلم يقينًا أن الأمة بإجماعها معصومة عن الخطأ، والأمة قد أجمعت على أن أئمة الجرح والتعديل مؤتمنون في جرحهم وتعديلهم للرواة، سواء أكانوا شيوخهم أم لا؟ وكلام المحررين هذا ينطوي على طعن في أمانة أبي حاتم -وحاشاه من ذلك- إذ ما المسوغ له أن ينزل رجلًا عدلًا ضابطًا من مرتبة (ثقة) إلى (صدوق)؟ وأي تواضع في ذلك والحق ليس حقه، بل هو استحقاق الراوي، وهل يوافق الدكتور بشار وهو الأستاذ عضو المجمع العلمي العراقي، وعضو المجمع العلمي الملكي الأردني و. . . و. . .، والشيخ شعيب وهو محدث الديار الشامية، على أن نصفهما بأنهما طلاب علم فقط، تواضعًا منا معهم؟!
стр. 121
تاسع عشر (ص ٤٤):
قال المحرران: "قابلنا الكتاب على النسخة التي كتبها المصنف بخطه، وعلى النسخة التي كتبها العلامة محمد أمين بن حسن الميرغني الحسيني الحنفي المكي من علماء القرن الثاني عشر الهجري، أحد تلامذة المحدث الكبير عبد اللَّه بن سالم البصري الشافعي، المتوفى سنة ١١٣٤ هـ، وهي التي تفضل بإهدائها إلينا العلامة الشيخ محمود ميرة - حفظه اللَّه تعالى".
أقول: قد أثبت في ثنايا كتاب "كشف الإيهام" بما لا يقبل الشك أن المحررين لم يريا نسخة "التقريب" التي بخط الحافظ ابن حجر بأعينهما، فضلًا عن المقابلة عليها،
"كلُّ يَدَّعي وَصلًا بليلى … وَليْلَى لا تُقرُّ لهم بِذاكا".
والأدهى من ذلك: ادعاؤهما وجود نسخة أخرى هي نسخة العلامة الميرغني وما ادعيا ذلك إلا لكون الشيخ محمد عوامة اعتمدها أيضًا في تحقيقه "للتقريب" وذلك كي لا يكلفا نفسيهما مشقة المقابلة، وإنما هو أخذ هوامش عوامة وتزويقها وإضافتها لهما، وإليك نص كلام الشيخ محمد عوامة، وهو يتكلم عن النسخة التي اعتمدها في التحقيق، فقال (ص ٦٧): "وقد يسَّر اللَّه تعالى لي -وأنا في أول عملي- نسخة من التقريب مصورة من برلين، وفيلمها محفوظ في قسم مخطوطات مكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة قدمها إليَّ الأخ الكريم العالم الفاضل الشيخ محمود ميرة - حفظه اللَّه تعالى وجزاه خيرًا.
ولا بد من تعريف موجز بهذه النسخة لما لها من أهمية، فكاتب النسخة هو العلامة الدقيق محمد أمين بن حسن ميرغني الحسيني الحنفي المكي، من علماء منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وأحد تلامذة المحدث الكبير (أمير المؤمنين في الحديث) عبد اللَّه بن سالم البصري المكي الشافعي المتوفى سنة ١١٣٤ هـ".
فانظر إلى ذلك واحكم، وقارن بين نصهما ونص عوامة، فينجلي لك عظم الأمر.
стр. 122
عشرون: (٤٥):
"ثم قابلنا الكتاب على "تهذيب الكمال" بعد أن انتهى تحقيقه وتدقيقه والتعليق عليه، وتصحيح ما وقع في طبعته الأولى من أخطاء طبعية وغيرها بإعادة مقابلته على مجموعة النسخ الخطية الي تحصلت عندنا، ومنها سبعة وسبعون جزءًا بخط المولف المزي، ونسخة ابن المهندس و. . . ".
أقول: لا شك لدي في عدم انتباه المحررين لأي قول يتقولانه، فمن أين لهما مقابلة نص تحريرهما على نص تهذيب الكمال بعد تصحيحه؟ وقد أشارا في (ص ١٠ هامش ١) إلى أن مؤسسة الرسالة طبعته بمجلداته الخمسة والثلاثين فقالا: "وهي الآن بسبيل إعادة طبعه لتقليص عدد مجلداته، وذلك بتصغير حجم حرفه وغير ذلك من الأمور الفنية"، وفي (ص ٤٥ هامش ١) قالا "صدرت طبعة جديدة متقنة عن مؤسسة الرسالة، كما أعددنا ضميمة بالأخطاء لمن اقتنى الطبعة الأولى".
فانظر إلى كلام المحررين في نفس هذه المقدمة (ص ١٠ و ٤٥)، وقارن بينهما ولا أدري أي ذهولٍ قاد هذين المحررين إلى هذا التناقض العجيب الغريب، ففي ص (٤٥) قالا: "صدرت"، وفي ص (١٠) أشارا إلى أن المؤسسة في سبيل إعادة طبعه؟!.
ثم إذا علمت أن التحرير طبع سنة (١٩٩٧ م) قبل طبع الطبعة الثانية من تهذيب الكمال سنة (١٩٩٨ م) بسنة واحدة، تأكدت لك مخاوفك من أنه مجرد كلام لا دقة له، وأنها مقابلة على لا شيء!.
واحد وعشرون: (ص ٤٥):
قال المحرران: "وألحقناه في المتن مسبوقًا بدائرة مطموسة بالسواد (•) ".
أقول: كذا قالا، وكأنها لا يتنبهان لما يكتبان، فإذا راجعت التحرير بمجلداته الأربعة لم تجد تعقبًا واحدًا سبق بدائرة مطموسة بالسواد، وإنما هي مطموسة بالحمرة!
стр. 123
اثنان وعشرون: (ص ٤٦):
قال المحرران: "لقد اجتهدنا في المختلف فيهم، فدرسنا ما أثر عن الأئمة في حقهم من جرح أو تعديل ووازنا بين تلك الأقوال، واطلعنا في بعض الأحيان على مروياتهم، إن كانت قليلة. . . ".
أقول: لقد استقر في نفوسنا أن المحررين لم يدرسا ترجمة راوٍ واحد، وإن لم يكن له من الحديث غير حديث واحد، بل كان عملهما منصبًّا على جميع أقوال النقاد في الراوي، ومن خلالها الحكم عليه، فماذا يظن المحرران نفسيهما؟ أهما أصوب اجتهادًا من الحافظ ابن حجر، أم أنهما عَلِما من أقوال النقاد ما لم يعلمه الحافظ؟
ولقد وجدت الحافظ قد درس مرويات أغلب الرواة -كما نبهت إليه في النقطة السادسة عشر- وعلى ضوء دراسته يثبت حكمه، بخلاف المحررين؛ إذ كانت نظرتهما قاصرة على الاعتماد على الأقوال فقط، وتبعًا لذلك خطئا الحافظ في عدد من التراجم كان الصواب فيها للحافظ، كما تجده في ثنايا هذا الكتاب.
ثالث وعشرون: (ص ٤٧) قالا:
"وقد صرفنا عناية خاصة لمن أخرج لهم الشيخان، وتكلم فيهم بعض من تكلم، فبينا إن كانا قد أخرجا لهم احتجاجًا أم متابعة أم استشهادًا، وهي مسألة غاية في الأهمية".
أقول: لم يسر المحرران في تطبيق هذه القاعدة على هدًى، وإنما تخبطا فيها خبط عشواء، ولقد منَّ اللَّه تعالى عليَّ بالكلام عن هذه المسألة في الفقرة الثالث عشرة، فراجعها فلعل اللَّه يكتب لك بها نفعًا.
رابع وعشرون: (ص ٤٧) قال المحرران:
"واتخذنا قاعدة في أن من وصفه أحد الأئمة بالإغراب ثبتنا ذلك، وإن لم يقل بها سوى ناقد واحد، فإن المؤلف قد اضطرب في ذلك ولا سيما في أقوال ابن حبان. . . ".
стр. 124
أقول: لم يحفل المحرران كثيرًا بهذا، بل العكس صوابه، حيث دأب الحافظ ابن حجر على تثبيت حالة الإغراب من الراوي، تبعًا لقول أحد النقاد، أو تحصيلًا لدراسته الاستقرائية لمرويات ذلك الراوي، في حين اندفع المحرران إلى تخطئته في ذلك، والصواب فيها مع الحافظ كما في ترجمة (موسى بن طارق اليماني) وغيرها.
ولم يكن صنيع الحافظ مقتصرًا على حالة الإغراب، وإنما شمل حالة الوهم والخطأ والتفرد وغيرها، وقد سبق لي الكلام عنها في الفقرة السادس عشرة فراجعها، فلعلك تجد فيها ما ينفعك.
* * *
стр. 125
القسم الثاني
كشف الإيهام
стр. 126
١ - (١ تحرير) أحمد بن إبراهيم بن خالد المَوْصليُّ أبو علي، نزيل بغدادَ: صدوقٌ، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين. د فق.
تعقباه بقولهما: "بل: ثقة، وثقه بحيى بن معين، وابن حبان وروى عنه جمع من الثقات منهم ابن معين، وأحمد، وأبو زرعة الرازي وأبو داود، ولا نعلم فيه جرحًا".
* أقول: فيما قالاه نظر، والحق مع ابن حجر، فابن معين قال فيه: "ليس به بأس". (تهذيب الكمال ١/ ٢٤٦ الترجمة ١) وقال أيضًا فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في التهذيب (١/ ٩): "ثقة صدوق" وإقرانه للثقة بالصدوق يدل على إنزاله إلى رتبة الصدوق الحسن الحديث، فتوثيقه لدينه وصدوقٌ لخفة في ضبطه كما بينته في فرائد الفوائد.
وذهب الشيخ محمد عوامة إلى أن من قيل فيه: "ثقة صدوق" أدنى ممن قيل فيه: "ثقة" وأعلى من: "صدوق" فقال: "ذلك أن إحدى الكلمتين تشرح للأخرى شيئًا من معناها، فثقة صدوق -مثلًا- أعلى من: "صدوق" فقط لما تستفيد كلمة "صدوق" من كلمة "ثقة" كما أن كلمة "صدوق" تؤثر على كلمة "ثقة" وحدها". (مقدمة الكاشف ١/ ٣٩).
وأما ابن حبان فلم يوثقه ولكنه ذكره في الثقات (٨/ ٢٥) حسب، وكذا نقل ابن حجر في التهذيب (١/ ٩)، ولذلك قال عنه الذهبي في الكاشف (١/ ١٨٩ الترجمة ١): "وُثِّق"، وهو رسمه فيمن ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقه بلفظه، والفرق بينهما معلوم كما ذكره المحرران في مقدمة التحرير (١/ ٣٣).
أما رواية الجمع، فقد أشبعت الكلام عنها في القسم الأول من هذا الكتاب وأنها لا ترفع الرواة من رتبة إلى رتبة.
* * *
стр. 127
٢ - (٢ تحرير) أحمدُ بنُ إبراهيم بن فِيل باسم الحيوان المعروف، أبو الحَسن البالسيُّ، نزيلُ أنطاكيَّة: صدوقٌ، من الثانية عشرة، مات سنة أربع وثمانين. كن.
تعقباه بقولهما: "بل: ثقةٌ، فقد وثقه الحافظ ابن عساكر، وقال النسائي بعد أن روى عنه: لا بأس به، وذكر من عفَّتِه وورعه وثقته".
* أقول: الحق مع ابن حجر؛ فالرجل: صدوق حسن الحديث، فهو الأقرب إلى تنزيل النسائي رتبته إلى: "لا بأس به".
وقال فيه: محمد بن الحسن الهمداني: "صالح". (تهذيب التهذيب ١/ ١٠)، فإنزال النسائي، ومحمد بن الحسن أولى من توثيق ابن عساكر المتأخر.
والعجبُ منهما: أنهما اعتمدا قول ابن عساكر هنا فرفعاه إلى: "ثقة"، ولم يعتمداه في الراوي الذي بعده وهو أحمد بن إبراهيم البسري فقد وصفه الحافظ بأنه "صدوقٌ" كذلك. مع أنَّ النسائي قال فيه: "لا بأس به"، ووثقه ابن عساكر كما في تهذيب الكمال (١/ ٢٥٤ الترجمة ٤).
مع أن ابن فيل وُصِفَ بأنه: "صالح" وهذا من اختلاف المنهجية.
* * *
٣ - (٥ تحرير) أحمدُ بنُ الأزهرِ بن مَنيع، أبو الأزهر العَبْديُّ النَّيْسابوريُّ: صدوقٌ كان يحفظ ثم كَبِرَ، فصار كتابه أثبت من حفظه من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين. س ق.
تعقباه بقولهما: "بل: صدوقٌ، وكان لا يحفظ، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يُخطئ. كلما أشار ابن عدي إلى وجود بعض المناكير في حديثه، وكان ابن خُزيمة إذا حدَّث عنه قال: "حدثنا أبو الأزهر من أصل كتابه". وهو أمر دالٌّ على عدم الثقة بحفظه، ويَعْضُدُه أن الحاكم أبا عبد اللَّه قال في مَعْرِضِ الدفاع عنه: ولعل متوهمًا يتوهَّمُ، أن أبا الأزهر فيه لِينٌ لقول أبي بكر بن إسحاق:
стр. 128
"وحدثنا أبو الأزهر وكتبته من كتابه" وليس كما يتوهم، لأن أبا الأزهر كُفَّ بصرُه رحمه اللَّه تعالى، وكان لا يحَفَظُ حديثه".
* أقول: هذا اعتراض بارد لا قيمة له. ثم إن هذا المترجم له من شيوخ أبي حاتم الرازي كما في تهذيب الكمال (١/ ٢٥٧ الترجمة ٦) وقد قال عنه أبو حاتم نفسه: "صدوق" كما في الجرح والتعديل (٢/ ٤١ الترجمة ١١) والمحرران يوثقان من حاله كذلك (انظر: من كتابنا هذا) فهذه مخالفة ظاهرة.
وقد صحح الدكتور بشار للمترجم له في سنن ابن ماجه (٣/ ٤٥١ حديث ٢٠٥٥) و (٥/ ٣٢٥ حديث ٣٧٨٣) فكيف يكون هذا مع نصه أن الصدوق: "حسن الحديث" كما في مقدمته لابن ماجه (١/ ٢٤) وكذا في مقدمة التحرير (١/ ٤٨).
* * *
٤ - (٦ تحرير) أحمد بن إسحاق بن الحُصين بن جابر السُّلَمِيُّ، أبو إسحاق السُّرْماري بضم المهملة وبفتحها، وحُكي كسرها وإسكان الراء: صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين. خ.
* أقول: كتب المؤلفان هامشًا على قوله: "وبفتحها"، وقالا: "لو قال: "وقيل بفتحها" لكان أحسنَ، فإن الضمَّ هو اختيارُ المؤلف المزي، ولأنه مذهب السمعاني في "الأنساب"، وابن الأثير في "اللباب"".
أقول: هذا صحيح، فإن الذي في الأنساب (٧/ ٧٣ طبعة دمشق و ٧/ ١٢٥ طبعة الهند و ٣/ ٢٧١ الطبعة العلمية): "بضم السين المهملة" وكذا نقله ابن حجر في التهذيب (١/ ١٤) عن السمعاني، ومثله في "اللباب" لابن الأثير (٢/ ١١٤)، وكذلك ضبطه السبط في حاشيته على الكاشف (١/ ١٩٠ الترجمة ٥).
وأما نسبة القول للمزي فهو من التقول عليه بغير علم، فالمزي لم يضبطه بالحروف بل هذا استنتاج بُني على أمر غير صحيح، يدل على ذلك تعليق الدكتور بشار في تهذيب الكمال (١/ ٢٦٢ آخر هامش ١) إذ قال:
стр. 129
"والظاهر لنا أن المزي اعتمد ضم السين ثم كتب في حاشية النسخة أَنه بالفتح، وإلا فكيف نفسر وجود السين مقيدةً بالضم في نسخة ابن المهندس ونسخة التبريزي، وبينهما قرابة الخمسة والثلاثين عامًا وقد قُرِئتا على المؤلف؟ فتدبر الأمر جيدًا".
أقول: تدبرته فوجدته لا يُسعف من جَزَمَ بأنه اختيار المزي، وكيف يختار المزي الضم، ثم يكتب في الحاشية: "بفتحها"، ولا أدري من أين أتى الدكتور بشار بهذا عن المزي، والدكتور قد صرحَ في الجزء الأول (ص ٩١) حينما وصفَ النسخ الخطية بأن النسخة التي اعتمدها بخط المؤلف تبدأ من ترجمة (أحمد بن صالح المصري)، وكذلك لا يُسلم له اتفاق نسخة ابن المهندس ونسخة التبريزي على أنه اختيار المزي، واللَّه أعلم.
* * *
٥ - (٩ تحرير) أحمد بن إسماعيل بن محمد السَّهْميُّ، أبو حذافة: سماعُهُ للموطأ صحيحٌ وخَلَّط في غيره، من العاشرة، مات سنة تسع وخمسين. ق.
تعقباه بقولهما: "بل: ضعيف، ضعفه ابنُ قانع، والدارقطنيُّ في رواية، وتركه أبو أحمد الحاكم، وكذَّبه الفضل بن سهل، وقال ابنُ حبان في "المجروحين": يروي عن الثقات ما ليس يُشبِه حديثَ الأثبات. وذكر ابن عدي: أنه حَدّث عن مالك "بالموطأ"، وحدث عن غيره بالبواطيل".
* أقول: كلام الحافظ ابن حجر لا اعتراض عليه ولا إشكال فيه، فروايته للموطأ صحيحة لا اعتراض عليها. أما تخليطه في غيره فهذا سبب تضعيفه من البعض الذين ذُكِروا، غير أنه لم يتعمد ذلك بل كانت تدخل عليه.
وقد دافع عنه الخطيب البغدادي دفاعًا مجيدًا فقال: "لم يكن ممن يتعمد الباطل ولا يدفع عن صحة السماع من مالك". ثم ساق بسنده إلى القاضي الحسين بن إسماعيل، عن أبيه، قال: سألت أبا مصعب عن أبي حذافة، فقال:
стр. 130
كان يحضر معنا العَرْض على مالك. ثم ساق قول الدارقطني: "أبو حذافة قوي السماع عن مالك". وساق كذلك قول الدارقطني: "روى الموطأ عن مالك مستقيمًا". ثم قال الخطيب: "سألت البَرْقاني عن أبي حذافة، فقال: كان الدارقطني حسن الرأي فيه، وأمرني أن أخرج حديثه في الصحيح". (تاريخ بغداد ٤/ ٢٤).
أقول: وليس له في الكتب الستة سوى حديث واحد عند ابن ماجه برقم (٢١٧٣) روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ نهى عن النجش.
وهو حديث صحيح متفق عليه، علمًا بأن الدكتور بشار حكم عليه في تعليقه على سنن ابن ماجه (٣/ ٥٣٣ حديث ٢١٧٣) بصحة إسناده، مع قوله في التحرير عن المترجم له: "ضعيف"، ومعلوم أن منهجه مع من أطلق عليه: "ضعيف" لا يتقوى بالمتابعات كما نص عليه في مقدمة التحرير (١/ ٤٨) فأي مناقضة هذه؟!
والعجب منهما كيف جَرُؤا على تضعيفه، وهما يزعمان أنهما يخبران مرويات الراوي كما في مقدمتهما، والإمام الذهبي كان دقيقًا حينما حكم عليه في الكاشف (١/ ١٩٠ الترجمة ٨) بقوله: "ضُعِّف" ولم يحكم عليه بالضعف وبين العبارتين فرق.
أسَفٌ عَلَى عِلْمٍ تُضاعُ أصولُهُ … من جَهْلِ مُبْتَدئٍ وَوَهْمِ مُحَقِّقِ
مَنَ جَاءَ بَحْرًا أَوْ أَرَادَ رُكوبَهُ … هلَّا أَتَى بِسَفِينَةٍ لَمْ تُخْرَقِ
* * *
стр. 131
٦ - (١١ تحرير) أحمد بن أيوب بن راشد الضَّبِّيُّ الشَّعِيري، بفتح المعجمة أبو الحسن: مقبولٌ، من العاشرة. بخ.
تعقباه بقولهما: "بل: حسن الحديث إلا عند المخالفة، فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات".
* أقول: الحق مع ابن حجر، فالرجل مقبول في المتابعات والشواهد، ضعيف عند التفرد، وابن حبان لم يوثقه بل ذكره في الثقات (٨/ ١٩) وفرق بين الأمرين، ثم إنَّ ابن حبان قال فيه: "ربما أغرب"، والإغراب فيمن لم يوثقه أحد يُؤَثِّر على الراوي كما هو مبين في (أثر علل الحديث: ١٣١ - ١٤١) ثم إن رواية الجمع عن الراوي لا تعطيه تقوية. فالأصل في هذا الراوي ما ذكره الحافظ ابن حجر.
ولهما في نحو هذا مئات التراجم لم أتعقبهما خشية تضخم الكتاب، ولكني أشرت بهذا المثال إلى نظائره.
* * *
٧ - (١٢ تحرير) أحمد بن بُدَيْل بن قُريش، أبو جعفر اليامِيُّ، بالتحتانية قاضي الكوفة: صدوقٌ له أوهام، من العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين. ت ق.
تعقباه بقولهما: "بل: هو كما قال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه".
* أقول: عبارة الحافظ لا اعتراض عليها، فالرجل: "صدوق"، ولم يُنَزَّل إلى رتبة الصدوق إلا لأوهامه اليسيرة، فالحكم فيه "صدوق" باستثناء الأحاديث التي وهم فيها وهي قليلة جدًّا، لذا قال فيه النسائي: "لا بأس به" وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "محله الصدق". (الجرح والتعديل ٢/ ٤٣ الترجمة ١٧، وتهذيب الكمال ١/ ٢٧١ الترجمة ١٣، والكاشف ١/ ١٩٠ الترجمة ١٠)، وقد أسند الخطيب في تأريخه (٤/ ٤٩) إلى عبد الكريم بن أبي عبد الرحمن، عن، أبيه قال: "أحمد بن بديل كوفي: لا بأس به".
ونقلهما عن ابن عدي جاء مبتورًا فلم تفهم عبارته، ولم يدل على معنى استدراكهم فعبارته: "حدث عن حفص بن غياث وغيره أحاديث أنكرت عليه، وهو
стр. 132
ممن يُكتب حديثه على ضعفه". هكذا نقلها المزي عنه (١/ ٢٧١ الترجمة ١٣)، (وانظر: الكامل ١/ ١٩٠ طبعة دار الفكر و ١/ ٣٠٥ طبعة أبي سنة).
وليس له في ابن ماجه إلا حديث واحد برقم (٨٣٣) أخطأ فيه، قال فيه الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٤٨ عقيب ٧٦٥): "ظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول".
وله في الترمذي ثلاثة أحاديث:
الأول: برقم (٢٠٥٢) حسنه الترمذي.
والثاني: برقم (٢٣٧٣) قال فيه الترمذي: "حسن صحيح".
والثالث: برقم (٢٦٤٩) حسنه الترمذي.
* * *
٨ - (١٣ تحرير) أحمد بن بَشِير المَخْزومِي، مولى عمرو بن حُريث، أبو بكر الكوفي: صدوق له أوهام، من التاسعة، مات سنة ١٩٧. خ ت ق.
تعقباه بقولهما: "بل: صدوق له مناكير، فقد قال ابن معين: ليس بحديثه بأس، وقال أبو حاتم وأبو زُرْعة الرازيان: صدوق. وقال ابن نمير: كان صدوقًا حسن المعرفة بأيام الناس حسن الفهم. وقال النسائي: ليس بذاك القوي، وفي رواية: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ضعيف يعتبر بحديثه، وفي رواية: لا بأس به، وقال عثمان بن سعيد الدارمي وحده: متروك، وتعقَّبه الخطيب البغدادي، فقال: ليس حاله الترك وإنما له أحاديث تفرد بروايتها، وقد كان موصوفًا بالصدق، وساق له ابن عدي في "الكامل": بعض أحاديثه المنكرة، روى له البخاري حديثًا واحدًا في كتاب الطب متابعةً (٥٧٧٩) ".
* أقول: هذا اعتراض معترض عليه، بني على أصل خاطئ، وهو أنهما وصفا أخطاءه بالمناكير، وإنما المناكير أحاديث الضعيف التي خالف فيها الثقات وأحمد بن بشير لم يكن ضعيفًا بل هو: "صدوق"، وقد أُنزل من رتبة الثقة إلى الصدوق؛ بسبب هذه الأوهام اليسيرة التي وقعت في روايته.
стр. 133
وإنما قال مؤلفا التحرير هذا اعتمادًا على نقل عثمان الدارمي عن ابن معين قوله: "متروك". وهو في تأريخه (٦٤٤)، لكن عثمان هذا قد وهم في نقله عن ابن معين، فابن معين قال فيه: "ليس بحديثه بأس"، كما هو ثابت برواية الدوري (٢/ ١٩ الترجمة ٢٣٩٦). والدوري هو المقدم في رواة ابن معين، وهما قد نقلا هذا عن ابن معين أولًا، ولم يحررا قول ابن معين في المسألة.
والعجب منهما أنهما لم ينتبها إلى المترجم له بعده في "التقريب"، وهو: أحمد بن بشير البغدادي الذي ساقه الحافظ تمييزًا، فقال فيه: "متروك خلطه عثمان الدارمي بالذي قبله، وفرَّق بينهما الخطيب فأصاب".
وقد ذكر العلماء وهم الدارمي في نقله عن ابن معين، فقد ذكر الخطيب في تأريخ بغداد (٤/ ٤٦) أن الدارمي وهم في ذلك، فالمتروك هو أبو جعفر أحمد بن بشير البغدادي، أما هذا فموصوف بالصدق وقد تفرد بأحاديث.
واستدراك الخطيب على عثمان ذكره المزي في (تهذيب الكمال ١/ ٢٧٥ الترجمة ١٤) وأقره. والعجب منهما أنهما نقلا عن الخطيب، ولم ينقلا توهيمه لعثمان، فأين الدقة؟!.
مَنْ تاهَ لَيْلًا فإِنَّ الشَّمْسَ مُشْرِقَةٌ … امَّا نَهَارًا فَمَنْ بِاللَّيْل يَهْدِيهِ؟!
وَمَنْ رَأَى في غُيُومِ الصَّيْفِ مَاطِرةً … مَاذَا السَّرَابُ سِوَى الْأَوْهَامِ يُعْطِيهِ؟!
وهذا المترجم ليس له في البخاري سوى حديث واحد برقم (٥٧٧٩) قال الحافظ في مقدمة الفتح ص ٣٨٥ - ٣٨٦: "أخرج له البخاري حديثًا واحدًا تابعه مروان بن معاوية وأبو أسامة".
وليس له في ابن ماجه سوى حديث واحد (٢٩٥٠)، وقد تناقض الدكتور بشار فقال: "إسناده صحيح"، مع أنه ذكر في منهجه أن الصدوق: "حسن الحديث" كما في مقدمة التحرير (١/ ٤٨).
стр. 134
وله في الترمذي ستة أحاديث:
الأول: برقم (٢٦٧٠): "الدال على الخير كفاعله"، استغربه الترمذي؛ لأن في سنده شبيب بن بشر.
والثاني: برقم (٣٠٠٤) حسنه الترمذي.
والثالث: برقم (٣٥٩١) حسنه الترمذي.
والرابع: برقم (٣٦٧٣) استغربه الترمذي؛ لأن في سنده عيسى بن ميمون الأنصاري، وهو: متروك. وقد تحرف أحمد بن بشير عند الدكتور بشار إلى أحمد بن منصور.
والخامس: برقم (٣٩١٢) استغربه الترمذي؛ لأن في سنده مجالد بن سعيد.
والسادس: برقم (٣٩١٣) استغربه الترمذي أيضًا؛ لأن في سنده مجالد بن سعيد.
ثم لي تعقب آخر على المحررين، فقد كتبا وفاة المترجم له بالأرقام متابعة للشيخ محمد عوامة في طبعته الأولى للتقريب (ص ٧٨ الترجمة ١٣)، وبقي مُصِرًّا عليها في طبعته الرابعة (ص ٧٨ الترجمة ١٣)، ويعرفُ من مارس التقريب أن ليس من منهج الحافظ ابن حجر إثبات الوفيات بالأرقام، وإنما كان يثبتها كتابةً، وهكذا وردت في طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف (١/ ١٢ الترجمة ١٤) وفي طبعة مصطفى عبد القادر عطا (١/ ٣١ الترجمة ١٣)، وفي مخطوطة الأوقاف (ورقة: ٣ أ).
فلا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم
* * *
стр. 135
٩ - (١٧ تحرير) أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زُرَارَة بن مُصعب بن عبد الرحمن بن عوف، أبو مُصعب الزُّهْريُّ المَدَنيُّ، الفقيه: صدوق عابَهُ أبو خَيْثَمةَ لِلفتوى بالرأي، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين وقد نَيّفَ على التسعين. ع.
تعقباه بقولهما: "بل: ثقة، فقد احتج به البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحيهما" ووثقه مَسْلَمَة بن قاسم الأندلسي، وابن حبان، وقال الذهبي: ثقة حجة، وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: صدوق، على أن أبا حاتم قد روى عنه، فهذا التعبير يريد به التوثيق. ولا نعلمُ فيه جرحًا سوى قول أبي خيثمة لابنه: "لا تكتب عن أبي مصعب وأكتب عمن شئت"، وهي عبارة استغربها الذهبي، وذكر ابن حجر أنه يحتمل أن يكون مراد أبي خيثمة خوله في القضاء، أو إكثاره من الفتوى بالرأي وليس هذا بجرح معتبر".
* أقول: لا ضير على الحافظ ابن حجر في إنزاله إلى مرتبة: "صدوق" فهذه هي اللفظة التي أطلقها عليه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان.
فضلًا عن قول أبي خيثمة: "لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمن شئت" واعتلالهما بأن البخاري ومسلمًا قد احتجا به.
أقول: هذا صحيح ولكنهما إنما أخرجا عنه من روايته للموطأ. وقد أخرج له البخاري تسعة أحاديث، ومسلم ثلاثة أحاديث (تهذيب الكمال ١/ ٢٨٠ الهامش)، ورواية الموطأ عند الشيخين عن جماعة من الرواة، فهو متابع في ذلك عند الشيخين، وفرقٌ بين ما اعتمداه في الأصول وبين ما توبع عليه الراوي كما ذكر المحرران نفسهما (التحرير ١/ ٢٩)
أما اعتلالهما بأن أبا حاتم روى عنه، وأطلق عليه لفظة: "صدوق" وهو يريد الثقة بهذا التعبير فقد بينت بطلان هذه النظرية فيما سبق.
أما توثيق مسلمة بن قاسم الأندلسي، وذكر ابن حبان إياه في الثقات (٨/
стр. 136
٢١)، وتوثيق الذهبي فهي لا تقاوم إنزال أبي حاتم وأبي زرعة وأبي خيثمة، والقول الأصح قول الحافظ، والمتأخرون لا يقاومون المتقدمين، فالتعويل في مثل هذا على المتقدم.
* * *
١٠ - (٢٠ تحرير) أحمد بن جَنَاب، بفتح الجيم وتخفيف النون، ابن المغيرة المِصِّيصيُّ، أبو الوليد: صدوقٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاثين. م د س.
تعقباه بقولهما: "بل: ثقة، فهو شيخُ مسلم في "الصحيح" وروى عنه جمعٌ غفيرٌ من الثقات منهم أبو داود، ووثقه ابن حبان، وأبو عبد اللَّه الحاكم. وقال أبو حاتم وصالح جَزَرة: صدوق، ولا نعلم فيه جرحًا".
* أقول: القول قول الحافظ، فهو: "صدوق".
أما أنه شيخ مسلم فهذا لا يلزم منه أن يكون ثقةً في أعلى المراتب، إذ إن شيوخ مسلم في الغالب يروي عن جماعتهم فلا يلزم فيه أن يكون أعلى مراتب الثقات.
أما رواية الجمع الغفير فلا ترفع حال الصدوق إلى الثقة.
وأما ذكر ابن حبان المترجمَ له في الثقات (٨/ ١٧)، وتوثيق الحاكم فلا يقاوم إنزال صالح جزرة وأبي حاتم إياه إلى الصدوق؛ لذلك جاءت لفظة الحكم عليه عند الذهبي في الكاشف (١/ ١٩١ الترجمة ١٦): "صدوق"، والمحرران لم ينقلا قول الذهبي، وهما حريصان على ذلك إذا كان يؤيد قولهما، فماذا حدا مما بدا حتى يُرى ترك كلام الذهبي؟!.
* * *
стр. 137
١١ - (٢١ تحرير) أحمد بن جَوَّاس، بفتح الجيم وتشديد الواو وآخره مهملة، الحَنَفيُّ، أبو عاصم الكُوفيُّ: ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثمان وثلاثين. م د.
* أقول: هكذا النص عندهما، بزيادة الواو قبل: "آخره"، متابعة للشيخ محمد عوامة في طبعته للتقريب (ص ٧٨ الترجمة ٢١)، والواو لم ترد في طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف (١/ ١٣ الترجمة ٢٢)، ولا في طبعة مصطفى عبد القادر (١/ ٣٢ الترجمة ٢١)، ولا في مخطوطة ص (الورقة: ٣ أ).
* * *
١٢ - (٣٨ تحرير) أحمد بن سعيد بن بَشير الهَمْدانيُّ، أبو جعفر المِصْريُّ: صدوقٌ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وخمسين. د.
* أقول: هكذا أثبتا النص، وقالا في الحاشية: "هكذا في الأصل والصواب: "بِشْر" كما عند المزي وغيره".
أقول: لئن كان ابن حجر قد أخطأ في كتابته "بشير" فإن هذه الترجمة جاءت على الصواب "بِشْر" في مخطوطة الأوقاف (ورقة: ٣ أ)، ومخطوطة ص (ورقة: ٣ ب)، وفي طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف (١/ ١٥ الترجمة ٤٥) وطبعة مصطفى عبد القادر (١/ ٣٤ الترجمة ٣٨).
ثمَّ ما بالهما يصححان شيئًا من "التقريب" اعتمادًا على "التهذيب"، وأين ذهبت نسخة الميرغني، التي لا ترى لها ذكرًا إلا في المقدمة ومواضع يسيرة سأنبه عليها؟ فلا فخر لهما في هذا الاستدراك، لا سيما إذا علمت أخرى وهي أنهما أخذاه من استدراكات الشيخ محمد عوامة على طبعته الثالثة (ص ٧٦٧)، والتي كتبها سنة (١٤٠٩ هـ)، كما في مقدمته لطبعته الثالثة. أي: قبل تسع سنين من صدور تحريرهما، فتنبه.
* * *
стр. 138
١٢ م - (١) (٤٤ تحرير) أحمد بن سِنَان بن أسد بن حِبّان، بكسر المهملة بعدها موحدة، أبو جعفر القَطَّان الواسطيُّ: ثقةٌ حافظٌ، من الحادية عشرة مات سنة تسع وخمسين، وقيل: قبلها. خ م د س ق.
* أقول: هكذا أثبتا رقومه وقالا في الحاشية: "هكذا في الأصل، ولم يرو له النسائي في "السنن الكبرى" لكن روى له في "حديث مالك" ورقمه: كن".
ولي عليهما في هذا ملاحظات:
الأولى: أن الرقم جاء على الصواب في طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف (١/ ١٦ الترجمة ٥٥)، وفي طبعة مصطفى عبد القادر (١/ ٣٥ الترجمة ٤٤)، ومخطوطة ص (الورقة: ٣ ب)، ومخطوطة الأوقاف (الورقة: ٤ أ).
فلم يعد لهما جديد في التنبيه إليه والفضل للسابق.
الثانية: إن هذا التعليق والاستدراك مأخوذ من استدراكات الشيخ محمد عوامة على طبعته الثالثة للتقريب (ص ٧٦٧).
الثالثة: نص ابن حجر في تهذيب التهذيب (١/ ٣٥) على رواية النسائي فقال: "وقد روى النسائي عنه في السنن الكبرى عدة أحاديث في الحدود والطلاق وغير ذلك".
ومن عجب!! أن الدكتور بشار نقل هذا النص بحروفه في تعليقه على تهذيب الكمال (١/ ٣٢٢ الهامش ٢)، ثم ها هو ينفي هذا بشكل قاطع هنا، فتدبر مبلغ التناقض!!!.
أقول: فإذا ثبت أن النسائي روى عنه في الكبرى، لم يعد هناك سبيل إلى الاعتراض على الحافظ ابن حجر، حيث أنه نص في مقدمته (١/ ٢٧ طبعة مصطفى عبد القادر) على جواب هذا فقال: "فإذا كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة، أكتفي برقمه، ولو أخرج له في غيرها".
стр. 139
فأين تحريرهما وتدقيقهما ومراجعتهما للمصادر الأصول؟! فإذا انتفت هذه الأمور علمت أنه ليس إلا الهوى، وتعجل الوصول، والسير وراء الاشتهار على حساب الحق والإنصاف، نسأل اللَّه العافية والسلامة.
* * *
١٣ - (٤٦ تحرير) أحمد بن شَبيب بن سعيد الحَبَطيُّ، بفتح المهملة والموحدة، أبو عبد اللَّه البَصْريُّ: صدوقٌ، من العاشرة، مات سنة تسع وعشرين. خ خد س.
تعقباه بقولهما: "بل: ثقة، فهو شيخ البخاري في "الصحيح" ووثقه أبو حاتم الرازي، وابن حبان، وقال ابنُ عدي: قَبِلَه أهل العراق ووثقوه. أما تضعيف الأزدي له فلم يَلتفِت إليه أحدٌ، والأزدي مُتكلَّمٌ فيه".
* أقول: القول قول الحافظ ابن حجر ولا اعتراض عليه في ذلك.
وتعليل المحررين بارد لا قيمة له وهو مجانب للصواب، فكونه شيخ البخاري لا يلزم منه أن لا يكون صدوقًا. وإطلاقهما توثيق ابن حبان هكذا لا يجوز، فإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ١١) ولم يعمل فيه التوثيق. وفرق بين الأمرين كما هو معروف، وكذا نص عليه المحرران في المقدمة (١/ ٣٠ - ٣٤)
وكذلك لا يجوز إطلاق التوثيق عن أبي حاتم فعبارته: "ثقة صدوق" كما نقله المزي في تهذيب الكمال (١/ ٣٢٧ الترجمة ٤٧) وفي الجرح والتعديل (٢/ ٥٥ الترجمة ٧٠): "ثقة". وعند الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (١/ ٣٦): "صدوق" فقط. فكان على المحررين أن ينبها إلى ذلك.
ثم إن هناك قولًا آخرَ في المترجم له هو قول ابن خلفون: "لا بأس به" (تهذيب الكمال ١/ ٣٢٧ هامش ٢) ولم يذكره المحرران، وكذلك توجد أقوال أخرى، انظرها في تهذيب التهذيب (١/ ٣٦) وكل ذلك يؤيد أن الحق مع ابن حجر.
فَقُلْ لِمَنْ حَرَّرَ التَّقْرِيبَ مَعْذِرةً … ذَكَرْتَ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ
стр. 140
١٤ - (٥٦ تحرير) أحمد بن عبد اللَّه بن الحكم بن أبي فَرْوة الهاشميُّ يعرف بابن الكُرْدي، أبو الحُسين البَصْريُّ: ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين. م ت س.
* أقول: هكذا أثبتاه، وقالا في الهامش: "هكذا بخط المصنف، وهو وهم وصوابه عند المزي: ابن فروة، من غير أبي".
أقول: أنى لهما هذا، لولا أنهما أخذاه من تعليقات الشيخ محمد عوامة على طبعته للتقريب (ص ٨١) إذ قال: "ابن أبي فروة هكذا بخط المصنف وعند المزي: بن فروة".
فهكذا يكون التعقب وإلا فلا!!!.
* * *
١٥ - (٦٠ تحرير) أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي السَّفَر بفتح الفاء، سعيد بن يُحْمِد، بضم التحتانية وكسر الميم، يكنى أبا عُبيدة، الكوفيُّ: صدوق يَهِمُ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين. ت س ق.
تعقباه بقولهما: "بل: ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: شيخ. ولم يَبْقَ سوى توثيق ابن حبان".
* أقول: بعيدٌ هذا فقد قال الذهبي في "الكاشف" (١/ ١٩٧ الترجمة ٥٠): "صدوق"، وتوثيق ابن حبان (٨/ ٣٤) هنا معتبر؛ لأنه بعد أن وثقه أخرج له في "صحيحه" كما في "تهذيب الكمال" (١/ ٣٦٧ هامش ٢).
ثم إن المترجم من شيوخ أبي داود، والمحرران يوثقان شيوخ أبي داود قال ابن حجر في التهذيب (١/ ٤٩): "قلت: روى عنه أبو داود في كتاب بدء الوحي".
وليس للمترجم له في سنن ابن ماجه سوى حديثين (١٦١٥) و (٤١٠٢) وهما ضعيفان، وليس هو علتهما بل غيره.
стр. 141
وله في الترمذي خمسة أحاديث:
الأول: برقم (٨٧) وهو حديث صحيح.
والثاني: برقم (١٥٦٧) حسنه الترمذي.
والثالث: برقم (٢٠٦٦) قال فيه الترمذي: "حسن صحيح غريب".
والرابع: برقم (٢٦٢٦) حسنه الترمذي، وفي بعض النسخ صححه وكذلك صححه الدارقطني في العلل (٣/ ١٢٩ س ٣١٦).
والخامس: برقم (٣٤٣٣) قال فيه الترمذي: "حسن صحيح غريب".
فبعد هذا يكون الحق مع ابن حجر في أنه صدوق حسن الحديث، إلا في الأحاديث التي وهم فيها.
* * *
١٦ - (٦٢ تحرير) أحمد بن عبد اللَّه بن يوسف العَرْعَريُّ، بمهملات: مستورٌ، من الحادية عشرة. ق.
تعقباه بقولهما: "بل: مجهول، تفرد ابن ماجه بالرواية عنه، وقال الذهبي: لا يعرف".
* أقول: هذا الراوي ليس له في ابن ماجه سوى حديث واحد (٢٣٨٦) وهو حديث: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" من حديث ابن عمر. وهو حديث صحيح متفق عليه من حديث ابن عباس (البخاري ٣/ ٢٠٧ ومسلم ٥/ ٦٤).
وقد قال سبط بن العجمي في حاشيته على الكاشف (١/ ١٩٨ الترجمة ٥٢): "ذكره السروجي في الثقات"، فلا داعي لهذا الاستدراك؛ إذ إن الحافظ ابن حجر ينظر في المرجحات والقرائن المحيطة التي تحف الراوي، فيوازن ويقارن بين الأقوال والأدلة، ثم يحكم.
* * *
стр. 142
١٧ - (٦٤ تحرير) أحمد بن عبد الجبار بن محمد العُطاردي.
قال الحافظ: "لم يثبت أن أبا داود أخرج له".
* أقول: لكنْ مؤلفا التحرير استدركا رقم أبي داود (د) بين هلالين، ولم يعللا ذلك. على أن المزي لم يرقم له برقم أبي داود في تهذيب الكمال (١/ ٣٧٨ الترجمة ٦٥)، وكذلك لم يرقم له الذهبي في الكاشف (١/ ١٩٨ قبيل ٥٤) بل قال: "أخطأ من قال: روى عنه أبو داود".
ثم إن الحافظ قال فيه: "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح". وهما قالا: "صدوق حسن الحديث ربما خالف".
وعللا التضعيف ولم يستوعباه، فقالا: "وسبر ابن عدي حديثه فلم يجد له حديثًا منكرًا"، وتمامه: "وإنما ضعفوه؛ لأنه لم يلق من يحدث عنهم". (تهذيب التهذيب ١/ ٥١ - ٥٢، وانظر: الكامل ١/ ٣١٤ طبعة أبي سنة).
وأهملا كثيرًا ممن جرحه فقد ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب: "قال ابن أبي حاتم كتبت عنه، وأمسكت عن الرواية عنه لكثرة كلام الناس فيه"، ونقل عن مطين قوله: "كان يكذب"، ونقل عن أبي أحمد الحاكم: "ليس بالقوي عندهم، تركه ابن عقدة"، ونقل عن ابن عدي: "رأيت أهل العراق مجمعين على ضعفه". (الكامل ١/ ٣١٤ طبعة أبي سنة، وتهذيب التهذيب ١/ ٥١ - ٥٢).
* * *
١٨ - (٦٦ تحرير) أحمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن سعد بن عثمان الدَّشْتَكيُّ، بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح المثناة الفوقانية مقرئٌ، لقبه حَمْدون، صدوق، من العاشرة. د.
تعقباه بقولهما: "بل: ثقة، فقد وثقه مسلمة بن قاسم الأندلسي وروى عنه أبو داود في السنن، وهو لا يروي فيها إلا عن ثقة، وأبو حاتم الرازي، وقال: كان صدوقًا، وهو من رسمه في ثقات شيوخه، ولا نعلم فيه جرحًا".
стр. 143
* أقول: القول قول ابن حجر، وقد سبقه إلى هذا الذهبي في الكاشف (١/ ١٩٨ الترجمة ٥٥) فقال: "صدوق" وسلفهما أبو حاتم فاجتماع هؤلاء الأئمة الثلاثة الكبار أقوى من حكم مسلمة بن قاسم.
أما قضية توثيق شيوخ أبي داود فقد سبق بطلانها، ثم إن المحررين كثيرًا ما وصفا غير واحد من شيوخ أبي داود بـ "الصدوق" الأمر الذي يدل على عدم المنافاة. وكذلك قضية توثيق شيوخ أبي حاتم الذين قال فيهم: "صدوق" وقد تقدم بطلانها.
* * *
١٩ - (٧٦ تحرير) أحمد بن عبيد اللَّه بن سُهيل بن صَخْر الغُدانيُّ، بضم المعجمة والتخفيف بَصْريٌّ يكنى أبا عبد اللَّه: صدوق، من العاشرة مات سنة أربع وعشرين وقيل بعد ذلك. خ د.
تعقباه بقولهما: "بل: ثقة، إذ روى عنه البخاري في "صحيحه" (٣٩٤٢)، وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، فهو شيخهم وقال أبو حاتم: صدوق، ولم نَجدْ فيه جرحًا، ولو لم يكن ثقة عند أبي حاتم لما روى عنه. وقد لاحظنا أن أبا حاتم يطلق كلمة: صدوق على كثير من شيوخه الثقات تحريًا".
* أقول: هذه مقولةٌ يعوزها الدليل ويكفي لردها القليل، فالرجل أعلى ما قيل فيه: "صدوق"، وهو قول أبي حاتم، وبه قال ابن حجر.
أما احتجاجهم برواية البخاري، فهو متابع تابعه ستة من الرواة منهم أحمد بن حنبل في مسنده (٤/ ٤٠٩) وعلي بن عبد اللَّه عند البخاري (٣/ ٥٧) وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وأحمد بن المنذر عند مسلم (٣/ ١٥٠) وحسين بن حُريث عند النسائي في "السنن الكبرى" كما في تحفة الأشراف (٩٠٠٩) على اختلاف يسير في الرواية، والمخالف لهم هو ابن عبيد اللَّه الغداني: وهو أكبر دليل على تنزيله إلى مرتبة: "صدوق" فسقط احتجاجهم برواية البخاري، على أن المحررين في مقدمتهما للتحرير (١/ ٢٩) ذكرا: أن البخاري ينتقي من أحاديث الشيوخ، ومن روى عنه في المتابعات ليس كمن روى عنه في الأصول والحلال والحرام فتنبه؟!.
стр. 144
أما رواية أبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم فهي لا ترفع الراوي من "صدوق" إلى "ثقة".
وقد تناولت في القسم الأول من الكتاب هذه القواعد الشاذة التي انتهجها المحرران، وبينت بطلانها بما يشفي الصدور.
* * *
٢٠ - (٧٨ تحرير) أحمد بن عُبيد بن ناصح، أبو جعفر النَّحويُّ، يُعرف بأبي عَصِيدة، قيل: إن أبا داود حكَى عنه، وهو ليِّنُ الحديث، وهو من الحادية عشرة، مات بعد السبعين.
قالا في الهامش: "أضاف الشيخ الفاضل محمد عوامة رقم أبي داود بين حاصرتين، ولو تركه من كير رقم لكان أحسن -كما فعل المزي- لأنه لم يثبت أن أبا داود روى له".
* أقول: هذا الذي قالاه، دليل على أنهما تتبعا طبعة الشيخ عوامة، وأخذا ما يمكنهما اتخاذه طريقًا للتناوش مع ابن حجر من غير عزو الكلام إلى قائله إمعانًا في تأكيدهما على الأمانة العلمية ومقتضياتها، وبركة العلم: نسبته إلى أهله.
أقول: إذا كان هذا، فما بالكما وافقتماه على عين هذه المسألة في الترجمة رقم (٦٤)، فهل هذا إلا من اضطراب المنهج وفقدانه، ومن كان بيته من زجاج فلا يقربَنَّ للحجر.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية
* * *
٢١ - (٨٣ تحرير) أحمد بن عُمر بن حفص بن جَهْم بن واقد الكِنْديُّ الوَكِيعيُّ، أبو جعفر الجَلّاب، بالجيم: ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين. م.
* أقول: هكذا أثبتا رقمه (م) فقط، وهو قصور تابعا فيه الشيخ محمد عوامة
стр. 145
(ص ٨٣ الترجمة ٨٣)، وفي تهذيب الكمال (١/ ٤١٢ الترجمة ٨٤) رقم له: "م ل" ونص على ذلك فقال: "روى عنه مسلم، وأبو داود في كتاب المسائل". وكذا في تهذيب التهذيب (١/ ٦٣)، وفي طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف (١/ ٢٢ الترجمة ٩٥)، وفي طبعة مصطفى عبد القادر (١/ ٤٢ الترجمة ٨٣)، بل وفي طبعة عادل مرشد (ص ٢٣ الترجمة ٨٣) وفي الخلاصة (ص ١٠).
أهكذا تكون المقابلة على تهذيب الكمال!!، أم هو مجرد الادعاء والتهويل ومحاولة استمالة الغمر من الناس، بالتمويه والكلام الخالي من المصداقية.
ومن هذا: نتيقن أن لا نسخ ولا مقابلة ولا أصل ولا أصول أصلية أو فرعية.
فَلَوْلَا رُؤْيَةُ الْعَيْنيـ … ـن قُلْنَا خَانَنَا السَّمْعُ
فَكَيْفَ مُقابَلٌ نصٌّ … وَأَيْنَ النَّسْخُ والْجَمْعُ
غَدًا يَا زَارِعًا شَوْكًا … سَيَجْرَحُ كَفَّكَ الزَّرْعُ
نسأل اللَّه العافية وحسن الخاتمة
* * *
٢٢ - (٨٩ تحرير) أحمد بن فَضَالة، بفتح الفاء، أبو المنُذر النسائيُّ: صدوق ربما أخطأ، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وخمسين. س.
تعقباه بقولهما: "قوله: "ربما أخطأ" استفادها ابن حجر من قول مسلمة بن قاسم الأندلسي، وأما النسائي فقال: "لا بأس به"، والأخذ بقول مسلمة وترك قول النسائي فيه نظر؛ إذ لا مجال للمقارنة بينهما فهو: صدوق حسن الحديث".
* أقول: هذا اعتراض بارد لا قيمة له وَزَعْمُ المحررين: أن لا مقارنة بينهما غير مُسَلَّم لهما، فقول مسلمة بن قاسم: "لا بأس به كان يخطئ" ولا فرق بين قوله