فرائد الفوائد
وقد رأيت أن أضمن مقدمتي بفصل يشمل فرائد الفوائد والقواعد، يشمل بعض المسائل المهمة المتعلقة بألفاظ الجرح والتعديل وبعض دقائق علم الحديث؛ كي تكون بمثابة كشافٍ لمن يريد مطالعة كتاب "كشف الإيهام"، وقد اقتصرت فيه على بعض المسائل المهمة والنادرة؛ لأن الاستطراد في سوق أكثرها يؤدي إلى تضخم هذا الفصل مما يؤدي إلى تضخم الكتاب، وَهُوَ أمرٌ غير مقصود وقد سقت هذه الفوائد متسلسلة بأرقام:
١ - معرفة الخطأ في حديث الضعيف يحتاج إلى دقة وجهد كبير كما هو الحال في معرفة الخطأ في حديث الثقة.
٢ - التفرد بحد ذاته ليس علة، وإنما يكون أحيانًا سببًا من أسباب العلة ويلقي الضوء على العلة، ويبين ما يكمن في أعماق الرواية من خطأ ووهم.
٣ - المجروحون جرحًا شديدًا -كالفساق والمتهمين والمتروكين- لا تنفعهم المتابعات؛ إذ أن تفردهم يؤيد التهمة عند الباحث الناقد الفهم.
٤ - الحديث الضعيف إذا تلقاه العلماء بالقبول فهو مقبول يعمل به ولا يسمى صحيحًا.
٥ - قد تُعَلّ بعض الأحاديث بالمعارضة إذا لم يمكن الجمع ولا التوفيق.
٦ - من كثرت أحاديثه واتسعت روايته، وازداد عدد شيوخه فلا يضر تفرده إلا إذا كانت أفراده منكرة.
٧ - فرق بين قولهم: "يروي مناكير" وبين قولهم: "في حديثه نكارة". ففي الأولى أن هذا الراوي يروي المناكير، وربما العهدة ليست عليه إنما من شيوخه،
стр. 78
وهي تفيد أنه لا يتوقى في الرواية، أما قولهم: "في حديثه نكارة" فهي كثيرًا ما تقال لمن وقعت النكارة منه.
٨ - قول ابن معين في الراوي: "ليس بشيء" تكون أحيانًا بمعنى قلة الحديث.
٩ - أشد ما يجرح به الراوي كذبه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي، وكذلك الكذب في الجرح والتعديل لما يترتب عليه من الفساد الوخيم.
١٠ - بين قول النسائي: "ليس بقويٍّ"، وقوله: "ليس بالقوي" فرق فكلمة: ليس بقوي تنفي القوة مطلقًا، وإن لم تثبت الضعف مطلقًا، وكلمة: "ليس بالقوي" إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة.
١١ - أبو حاتم الرازي يطلق جملة: "يكتب حديثه ولا يحتج به" فيمن عنده صدوق ليس بحافظ يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلط ويضطرب، ومعنى كلامه: يكتب حديثه في المتابعات والشواهد، ولا يحتج به إذا انفرد.
١٢ - قول ابن معين في الراوي: "لم يكن من أهل الحديث" معناها: أنه لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق والضبط فغير مدفوعين عنه.
١٣ - كون أصحاب الكتب الستة لم يخرجوا للرجل ليس بدليل على وهنه عندهم، ولا سيما من كان سنه قريبًا من سنهم، وكان مقلًّا فإنهم كغيرهم من أهل الحديث يحبون أن يعلوا بالإسناد.
١٤ - وقول ابن حبان في الثقات: "ربما أخطأ" أو "يخطئ" أو "يخالف" أو "يغرب" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه.
١٥ - ليس من شرط الثقة أن يتابع بكل ما رواه.
стр. 79
١٦ - الجرح غير المفسر مقبول إلا أن يعارضه توثيق أثبت منه.
١٧ - جرح الرواة ليس من الغيبة؛ بل هو من النصيحة.
١٨ - يشترط في الجارح والمعدِّل: العلم والتقوى والورع والصدق والتجنب عن التعصب ومعرفة أسباب الجرح والتزكية، ومن لم يكن كذلك لا يقبل منه الجرح ولا التزكية.
١٩ - اعتماد الراوي العدل على كتابه دون حفظه لا يعاب عليه، بل ربما يكون أفضل لقلة خطئه.
٢٠ - الخطأ في حديث من اعتمد على حفظه أكثر منه في حديث من اعتمد على كتابه.
٢١ - الثقة هو من يجمع العدالة والضبط.
٢٢ - صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس، مرتبة واحدة، وهي تفيد أن الراوي حسن الحديث.
٢٣ - قولهم في الراوي: "صالح" بلا إضافة تختلف عن قولهم: "صالح الحديث"، فالأولى تفيد صلاحه في دينه، والثانية صلاحه في حديثه.
٢٤ - قولهم: "متروك"، و"متروك الحديث" بمعنى واحد.
٢٥ - فرق بين قولهم: "تركوه"، وقولهم: "تركه فلان" فإن لفظ: "تركوه" يدل على سقوط الراوي وأنه لا يكتب حديثه، بخلاف لفظ: "تركه فلان" فإنه قد يكون جرحًا وقد لا يكون.
٢٦ - إذا قال البخاري في الراوي: "سكتوا عنه" فهو يريد الجرح.
٢٧ - إذا قال البخاري: "فيه نظر" فهو يريد الجرح في الأعم الغالب.
٢٨ - قولهم: "تعرف وتنكر" المشهور فيها أنها بتاء الخطاب، وتقال أيضًا:
стр. 80
"يُعرف وينكر" بياء الغيبة مبنيًّا للمجهول، ومعناها: أن هذا الراوي يأتي مرة بالأحاديث المعروفة، ومرة بالأحاديث المنكرة؛ فأحاديث من هذا حاله تحتاج إلى سَبْر وعَرْض على أحاديث الثقات المعروفين.
٢٩ - قول أبي حاتم في الراوي: "شيخ" ليس بجرح ولا توثيق، وهو عنوان تليين لا تمتين.
٣٠ - قولهم في الراوي: "ليس بذاك" قد يراد بها فتور في الحفظ.
٣١ - قولهم: "إلى الصدق ما هو" بمعنى أنه ليس ببعيد عن الصدق.
٣٢ - قولهم في الراوي: "إلى الضعف ما هو" يعني أنه ليس ببعيد عن الضعف.
٣٣ - قولهم في الراوي: "ضابط" أو "حافظ" يدل على التوثيق إذا قيل فيمن هو عدل، فإن لم يكن عدلًا فلا يفيد التوثيق.
٣٤ - وقوع الأوهام اليسيرة من الراوي لا تخرجه عن كونه ثقة.
٣٥ - قولهم في الراوي: "لا يتابع على حديثه" لا يعد جرحًا إلا إذا كثرت منه المناكير ومخالفة الثقات.
٣٦ - قولهم في الراوي: "قريب الإسناد" معناه: قريب من الصواب والصحة، وقد يعنون به قرب الطبقة والعلو.
٣٧ - قول البخاري في الراوي: "منكر الحديث" معناه عنده لا تحل الرواية عنه. ويطلقها غيره أحيانًا في الثقة الذي ينفرد بأحاديث، ويطلقها بعضهم في الضعيف الذي يخالف الثقات.
٣٨ - إن نفي صحة الحديث لا يلزم منه ضعف رواته أو اتهامهم بالوضع.
٣٩ - أكثر المحدثين إذا قالوا في الراوي: "مجهول"، يريدون به غالبًا جهالة العين، وأبو حاتم يريد به جهالة الوصف والحال.
стр. 81
٤٠ - التوثيق الضمني -وهو تصحيح أو تحسين حديث الرجل- مقبول عند بعض أهل العلم.
٤١ - يعرف ضبط الراوي بموافقته لأحاديث الثقات الأثبات.
٤٢ - نتيجة الاعتبار: معرفة صحة حديث الرجل، لا الحكم عليه أنه ثقة.
٤٣ - الثبت: هو المتثبت في أموره.
٤٤ - المتقن: هو من زاد ضبطه على ضبط الثقة.
٤٥ - قولهم: "موثق" معناه أنه ملحق بـ "الثقة" إلحاقًا، أو مختلف في توثيقه.
٤٦ - "مقارب الحديث"، بفتح الراء معناه أن غيره يقاربه، وبالكسر هو يقارب حديث غيره، وهما على معنى التعديل سواء بفتح الراء أو كسرها، وهي عند الإمام البخاري والترمذي من ألفاظ تحسين حديث الرجل.
٤٧ - قول الذهبي: "لا يعرف" يريد جهالة العين أحيانًا، ويريد جهالة العدالة أحيانًا، والقرائن هي التي ترشح المراد.
٤٨ - اصطلاح الرازيين أبي حاتم وابنه، وأبي زرعة في "المجهول": يقصد بها مجهول الحال، وقد يريدون جهالة العين، وقد يطلق أبو حاتم: "مجهول" في بعض أعراب الصحابة.
٤٩ - يقدم قول الجارح والمعدل لرجل من بلده على من كان من غير بلده.
٥٠ - قولهم في راوٍ: "كان يخطئ" لا يقال إلا فيمن له أحاديث، لا حديث واحد.
٥١ - عادة ابن حبان في المختلف في صحبته أن يذكره في قسم الصحابة وقسم التابعين.
стр. 82
٥٢ - قد يقدح ابن حبان في متن حديث بناءً على الفهم والفقه، ويأتي غيره فيزيل إشكاله.
٥٣ - ابن حبان يتناقض فيذكر الراوي أحيانًا في الثقات، ثم يذكره في المجروحين.
٥٤ - ابن خراش رافضيٌّ لا يقبل قوله إذا خالف أو انفرد.
٥٥ - ابن معين يطلق أحيانًا: "لا أعرفه" على من كان قليل الحديث جدًّا.
٥٦ - قول البخاري في الراوي: "لا يحتجون بحديثه" بمثابة قوله: "سكتوا عنه".
٥٧ - إذا روى البخاري لرجل مقرونًا بغيره فلا يلزم أن يكون فيه ضعف.
٥٨ - إكثار البخاري عن رجل وهو شيخه المباشر: توثيق له ودليل على اعتماده.
٥٩ - إذا كتب الذهبي في الميزان علامة: "صح" بجانب ترجمة فمعناه المعتمد توثيقه.
٦٠ - الثقة لا يضره عدم المتابعة.
٦١ - ربما قالوا: ليس بثقة للضعيف أو المتروك.
٦٢ - الشهرة لا تنفع الراوي، فإن الضعيف قد يشتهر.
٦٣ - قبول التلقين قادح تسقط الثقة به.
٦٤ - الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط.
٦٥ - بلدي الرجل أعلم به.
٦٦ - ليس كل ضعيف يصلح للاعتبار.
стр. 83
٦٧ - لا يلزم من احتجاج إمام بحديث تصحيحه له.
٦٨ - توثيق الرجال وتضعيفهم أمرٌ اجتهادي.
٦٩ - ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل يتفاوت.
٧٠ - لا يلزم من قولهم: "ليس في الباب شيء أصح من هذا" صحة الحديث.
٧١ - الحديث الضعيف الإسناد يعبر عنه: بـ "ضعيف بهذا الإسناد" لا ضعيف فقط.
٧٢ - يوصف الحديث المقبول بلفظ: الجيد والقوي والصالح، والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت.
٧٣ - الإرسال والتدليس ليسا بجرح، وهو غير حرام، إلا في حالات خاصة.
٧٤ - كلام الأقران في بعضهم لا يعبأ به إذا كان بغير حجة.
٧٥ - جرح الراوي بكونه أخطأ لا يضعفه ما لم يفحش خطؤه.
٧٦ - كل طبقة من النقاد لا تخلو من متشدد ومتوسط.
٧٧ - قولهم في الراوي: "ليس بذاك القوي" تلين هين.
٧٨ - غشيان السلطان للحاجة ليس بجارح.
٧٩ - معرفة تصاريف كلام العرب شرط لعالم الجرح والتعديل.
٨٠ - يغتفر في المتابعات والشواهد ما لا يغتفر في الأصول.
٨١ - قولهم: "ليس هو كأقوى ما يكون" تضعيف نسبي.
٨٢ - لا يسمع قول مبتدع في مبتدع كناصبي في شيعي.
стр. 84
٨٣ - اضطراب الرواة عن الشيخ لا يؤثر في الشيخ.
٨٤ - إذا كان الجارح ضعيفًا فلا يقبل جرحه للثقة.
٨٥ - فرق بين قولهم: تركه فلان، وقولهم: لم يرو عنه.
٨٦ - لا يلزم من كون الراوي ضعيفًا ضعفه في جميع رواياته.
٨٧ - ابن حبان متعنت في الجرح.
٨٨ - رواية الإمام البخاري عن المختلط هي قبل اختلاطه، وبعد اختلاطه ينتقى من حديثه ما صح منه.
٨٩ - لا يقبل الجرح إلا بعد التثبت خشية الاشتباه في المجروحين.
٩٠ - حفظ الراوي للحديث ليس بشرط لصحة حديثه.
٩١ - ولاية الحسبة ليست بأمر جارح.
٩٢ - الجرح الناشئ عن عداوة دنيوية لا يعتد به.
٩٣ - قوة الحفظ وقلة الغلط أمر نسبي بين حافظ وحافظ.
٩٤ - يكون بعض الرواة متقنًا في شيخ، وضعيفًا في غيره.
٩٥ - جرح الراوي بأنه من أهل الرأي ليس بجرح.
٩٦ - لا يجرح الثقة بشهره السيف على الحاكم.
٩٧ - إذا قرنوا لفظة: "ثقة" بلفظة: "صدوق"، فهي تفيد إنزاله، فثقة لعدالته ودينه، وصدوق لخفة في ضبطه.
٩٨ - يشترط فيمن يطلب الحديث ما قاله الذهبي: "فحق على المحدث أن يتورع في ما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار، ويجرحهم جهبذًا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف،
стр. 85
والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان وإلَّا تفعل:
فَدَعْ عَنْكَ اْلكِتَابَة لَسْتَ مِنْهَا … وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالْمِدَادِ
قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فإن آنست يا هذا من نفسك فهمًا وصدقًا ودينًا وورعًا وإلا فلا تتعن، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فباللَّه لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود اللَّه فأرحنا منك فبعد قليل ينكشف البهرج، وينكب الزغل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقد نصحتك فعلم الحديث صلف فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب". (تذكرة الحفاظ ١/ ٤).
٩٩ - إقران المشيئة للفظ التعديل منزلٍ له عن مرتبته.
١٠٠ - قولهم: "ثقة صدوق" أعلى من "صدوق" فقط وأدنى من "ثقة" فقط.
١٠١ - قولهم: "ثقة لا بأس به" أعلى من. "لا بأس به" فقط وأدنى من "ثقة" فقط.
١٠٢ - قولهم: "ثقة يغرب" أشد من قولهم: "ثقة له أفراد"، لما يستفاد من معنى الاستغراب.
١٠٣ - إن الإمام البخاري لا يُقْدم على إقران راوٍ بآخر في صحيحه إلا لنكتةٍ مثل: الدلالة على اتحاد لفظ الراويين، أو بيان أن للشيخ أكثر من راوٍ أو الإشارة إلى متابعة، أو غير ذلك.
١٠٤ - الدلالة المعنوية للصدق تختلف ما بين المتقدمين والمتأخرين، فعلى حين كان ذا دلالة راجعة إلى العدالة فقط في مفهوم المتقدمين، ولا تشمل الحفظ بحال من الأحوال؛ لذا كان أبو حاتم الرازي كثيرًا ما يقول: ضعيف الحديث، أو: مضطرب الحديث ومحله عندي الصدق.
فقد أصبح ذا دلالة تكاد تختص بالضبط عند المتأخرين، ولذا جعلوا لفظة صدوق من بين ألفاظ التعديل.
стр. 86
١٠٥ - الاختلاف في اسم الراوي أو نسبته أو كنيته لا يدل بحال من الأحوال على جهالة ذلك الراوي، وقد نص الخطيب وغيره على ذلك (١).
* * *
стр. 87
الفصل الرابع طبعات التقريب
стр. 88
طبعات التقريب
نال كتاب الحافظ ابن حجر "تقريب التهذيب" الحظوة والقبول عند العامة والخاصة، وتسابق لاقتنائه الكثيرون، فمنذ أن أكمله الحافظ للمرة الأولى، أخذ تلامذته في نسخه وتسارع الأمراء والأعيان والوجهاء لتحصيله فتعددت نسخه.
ولما يسر اللَّه للبشرية اكتشاف الطباعة، كان طبع كتاب "التقريب" حلمًا راود الكثيرين، فتعددت طبعاته، لكن الذي تحصل عندي أربع طبعات فقط، وفي سبيل إيضاح الأمر لكثير ممن يظنون جودة تلك الطبعات من أصحاب الاختصاص قبل غيرهم، رأيت أن أتكلم عن كل طبعة بإيجاز ذاكرًا المميزات والمساوئ.
وارتأيت في ترتيبها أن تتخذ تاريخ ظهور تلك الطبعات أساسًا في ترتيبنا فأول تلك الطبعات (١):
أولا: طبعة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف المصري
ظهرت هذه الطبعة بمجلدين، ضم الأولى التراجم من بدئها إلى من اسمه "عبيدة"، وضم الثاني التراجم ابتداءً بمن اسمه "عتاب" إلى نهاية الكتاب.
اعتمد محققه في طبعه على نسخ مطبوعة ومخطوطة، أما المطبوعات فهي أربعة (٢):
١ - طبعة حجرية طبعت سنة (١٢٩٢ هـ).
стр. 89
٢ - طبعة حجرية طبعت سنة (١٣١٨ هـ).
٣ - طبعة حجرية طبعت سنة (١٩٢٠ م).
٤ - طبعة حجرية طبعت في لكنو الهند سنة (١٣٥٦ هـ).
وكان نصيبه من الاعتماد على النسخ الخطية سبع مخطوطات هي:
١ - نسخة كتبت سنة (٨١٧ هـ) (كذا، والصواب ٨٢٧ هـ)، عليها خط الزبيدي وأفاد أنها بخط المؤلف. وهي النسخة نفسها التي ادعى اعتمادها كل من: الشيخ محمد عوامة، ومصطفى عبد القادر، وعادل مرشد والمحررين.
٢ - نسخة كتبت سنة (٨٣٢ هـ)، مقابلة على نسخة المؤلف.
٣ - نسخة كتبت سنة (٨٤٠ هـ)، عن نسخة المؤلف وعليها خطه.
٤ - نسخة كتبت سنة (١٠٩٠ هـ)، وهي نسخة حديثة نسبيًّا، وكذلك ما بعدها.
٥ - نسخة كتبت سنة (١١٣٧ هـ).
٦ - نسخة كتبت سنة (١١٤٦ هـ).
٧ - نسخة أخرى ناقصة الآخر، لم يذكر تاريخا لنسخها.
ولست أشك أن الشيخ عبد الوهاب استفرغ وسعه وطاقته في تحقيق هذا الكتاب والوقوف على طبعه، وكتاب توفرت له هذه المجموعة القيمة من المخطوطات والمطبوعات، وهيأ اللَّه له رجلًا يمتاز بمتانة الدين والورع والغيرة على السنة النبوية، لا نخاله يخرج مع خلل فيه، أو سقط منه.
إلا أن الواقع يأبى ذلك، فلقد خرج الكتاب مشحونًا بالأخطاء المطبعية، فلا تكاد صفحة منه تخلو منها، حتى أصبح الأمر على النقيض تمامًا من قول محققه: "ولم يتسع لي الوقت لاستدراك الأخطاء المطبعية، وظني أنها قليلة ويسيرة لا
стр. 90
تخفى على قارئ" (١). بل خفيت على كثيرين ممن مارسوا هذا العلم فكيف بمن لم يكن من أحلاسه؟!
ولقد كان الوكد الأول للشيخ تصحيح رقوم الكتاب (٢)، والحق أن رقوم طبعته كانت مهوًى للتصحيف والتحريف والسقط والزيادات السقيمة، مما دفعني إلى التساؤل عن جدوى إحدى عشرة نسخة من الكتاب، أربع منها مطبوعة والأخر مخطوطة، إضافة إلى اعتماده على خلاصة الخزرجي وتهذيب ابن حجر؟؟
فكان تحقيقه وتصحيح أخطائه أمرًا ملحًّا، فكانت الطبعة الثانية.
ثانيًا: طبعة الشيخ محمد عوامة
ظهرت هذه الطبعة بمجلد واحد، قدم لها الشيخ بدراسات تتسم بالجدية والأصالة والتحليل، مع التدليل على نتائجه بالبراهين والحجج.
وقد اعتمد الشيخ في تحقيقه هذا على نسختين خطيتين (٣):
الأولى: بخط الحافظ ابن حجر.
الثانية: بخط العلامة الميرغني الحنفي.
كما إن أمر التصحيح لم يقف عند الشيخ على هذا الحد فحسب، بل إنه استعان بتهذيب الكمال وتهذيب التهذيب وغيرهما من كتب الرجال، مما قلل نسبة وقوع الخطأ عنده.
إلا إن الشيخ حرص حرصًا شديدًا على إخراج الكتاب طبقا لنسخة المصنف؛ لذا فأنه أهمل الإشارة إلى نسخة الميرغني إلا في مواطن قليلة اضطرته ضرورة ضبط النص إلى ذلك.
стр. 91
والحق في هذا الباب أن كلمة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف بخصوص نسخة المؤلف نمت عن ممارسة له وحنكة في هذا الباب، فقال ﵀: "ولم تكن نسخة المؤلف بخطه فيصلًا في ذلك؛ لأن خط المصنف لم يكن واضحًا؛ لأنه كان سريع الكتابة، وما كان يجري في كتاباته على نمط واحد، وكثيرًا ما كان يتراجع عما بيضه أولًا، فتصبح مبيضة الكتاب مسودة وتختلف نسخ مؤلفاته، وكذلك كثيرًا ما يغفل الإعجام في نسخته وهذا مما يوجب الاشتباه" (١).
ومع هذا كله فأقول: إن طبعة الشيخ محمد عوامة تعد من أدق وأحسن الطبعات، فقد كان حريصًا على لَمِّ كل فائدة، والتنبيه على كل وهم أو خطأ، مدعمًا ذلك بمصادره، مع محاولة الحفاظ على سلامة نص الحافظ ابن حجر، فجزى اللَّه الشيخ خير الجزاء وأثابه على ذلك. ومع كل هذا الجهد والحرص، وقعت في طبعته أخطاء ليست باليسيرة.
ثالثا: طبعة مصطفى عبد القادر عطا
ظهرت هذه الطبعة في عام (١٩٩٥ م) بمجلدين، ضم الأول بداية الكتاب إلى نهاية من اسمه "عيينة"، وضم الثاني من باب الغين المعجمة إلى نهاية الكتاب.
واعتمد المحقق في طبعه للكتاب على النسخة التي بخط المصنف مع مقابلتها بمطبوعة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف، فكان هذا من مبلغ تناقضه؛ إذ إنه القائل عن هذه النسخة المطبوعة: "ولما كان بهذه الطبعة الأخيرة ما لا يعد ولا يحصى من الأخطاء والسقطات، التي قلبت الحكم على الراوي من "ثقة رمي بالقدر" إلى "رمي بالقدر" مع سقوط كلمة "ثقة"، وسقوط العديد من التراجم بالكامل، وكذلك تحريف الرموز التي وضعها المؤلف مع كل ترجمة، وخلو بعض التراجم من الجرح أو التعديل، وتداخل بعض التراجم في بعضها البعض، وكأنها ترجمة واحدة. . . إلخ كلامه" (٢).
стр. 92
إلا أن الأمر المميز لهذه الطبعة أنه أثبت الفروق التي وقعت أثناء المقابلة بين المخطوط والمطبوع، وهو أمر خلت منه الطبعتان السابقتان.
والذي يظهر لي: أن المحقق قليل البضاعة في صنعة الحديث؛ إذ إنه لم يفهم المراد من الرقم الذي استعمله عبد الوهاب عبد اللطيف للدلالة على رواية أصحاب السنن مجتمعين وهو (عـ)، فظنه (ع) وهو رقم أصحاب الكتب الستة فأخذ بإثباته بادئ الأمر، ثم تبين له وجهه، فأثبته على الصواب، إلا أنه لم ينبه على ما مضى، فكان هذا قادحًا في أمانته العلمية؛ ومفقدًا للثقة بتحقيقه.
رابعًا: طبعة عادل مرشد
ظهرت هذه الطبعة في عام (١٩٩٦ م) عن مؤسسة الرسالة، وقدم للكتاب الأستاذ رضوان دعبول صاحب المؤسسة، ذكر فيها أن المحقق اعتمد على النسخة التي بخط الحافظ مع نسخة الميرغني (١)؟
والحق أن هذه الطبعة قد استلت من نص التحرير، بهمزاته وحروفه، وتابع نص التحرير في جميع الأخطاء، وهذه هي المرة الأولى التي نرى فيها محققًا لا يقدم لما يحققه.
ولما كان الأمر كذلك فقد أخذت على عاتقي إهمال هذه الطبعة وعدم الإشارة إليها، إلا في مواطن كان خطأ صاحبي التحرير واضحًا فيها، فكان من الجهالة تقليدهما في ذلك فجعلته شاهدًا في تلك المواضع نكاية بهما، إذ إن هذا السارق غير المؤتمن ولا المأمون اتضح له صواب تلك الأخطاء، فما بال المحررين قد عمي عليهما حالها؟!
* * *
стр. 93
الفصل الخامس نقد مقدمة التحرير
стр. 94
نقد مقدمة التحرير
لم يكن أمرًا ميسورًا أن أتناول مقدمة المحررين بالنقد والتمحيص، ولا سيما أنها كانت في أكثر المواضع تحتاج إلى كلمة فصل، أو بيان معيار، أو توضيح منهج، وكانت تمتاز بالغموض، ومحاولة وضع قواعد جديدة لعلم الجرح والتعديل، لا تخلو من مجازفات وعوز في استقراء الجزئيات التي بنيت عليها تلك القواعد الكلية.
والذي أسعفني في مهمتي هذه التناقض الواضح الذي لا يخفى على لبيب، وإصدار أحكام هي برمتها محض وهم وإيهام، وهما لم يضعا لأكثرها أدلة تعين الباحث على فهم مرادهما، إذ كان وكد المحررين فيها شد أفكار القراء والمختصين إلى قواعدهما المصطنعة حتى إذا ما صدرا حكمًا، أذعن لذلك الغمر وكأنه نص: "ولا اجتهاد في مورد النص".
ولكنني بعد التوكل على اللَّه إثر القراءة المتمعنة المتكررة، وجدت للمحررين جملة من الأغاليط التي يترفع عن الوقوع بها أدنى طالب علم.
وفي سبيل جعل أوهام المحررين ميسورة للقارئ الكريم جعلتها على فقرات مرتبة حسب ورودها في مقدمتهما، ذاكرًا رقم الصفحة في البدء، ثم أتكلم عليها بما يمن اللَّه تعالى به علي، وهو وحده المسئول أن يسددني في قول الحق والنطق به.
أولًا: (ص ٧): بداية الحمدلة في خطبة مقدمتهما انطوت على أخذ عجيب لمقدمة العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ لسفره الشهير "زاد المعاد" وبلغ هذا الأخذ (٢٦) كلمة (انظر: زاد المعاد ١/ ٥ بتحقيق المحرر الثاني الشيخ شعيب).
стр. 95
والنص المأخوذ: "ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل اللَّه تعالى رسله، وأنزل كتبه".
كذا أخذوه بحروفه، ولم يشيرا إليه، ولم يغيرا منه شيئًا سوى ما في أوله، فابن القيم قال: "أشهد" وهما قالا: "نشهد"؛ لأنهما اثنان.
ولربما ظن ظانٌّ أن هذا قد يكون من باب التوافق، وهو أمر وارد لولا أن أحد المحررين حقق كتاب زاد المعاد -وهو أخبر بما فيه من غيره- والآخر: قد أشار إلى اقتباسه من مقدمة ابن القيم؛ وذلك في تقديمه لكتاب الشمائل للإمام الترمذي (ص ٥).
ثانيًا: (ص ١٣) في الفقرة (٣): نصَّا على أن الحافظ ابن حجر في اختصاره لتهذيب الكمال، حذف الأخبار التي لا تدل على توثيق أو تجريح وفي هذا حرمان للباحثين من مادة تاريخية أصيلة. . . إلخ كلامهما.
أقول: يعلم المحرران أن نهج ابن حجر في "تهذيب التهذيب" قائم على الاختصار، وهذا قد يكون الدافع الغالب للحافظ ابن حجر ﵀ لتصنيف هذا الكتاب، وقد نص في مقدمة مختصره على هذا (١/ ٣) فقال: "بيد أنه أطال وأطاب، ووجد مكان القول ذا سعة فقال وأصاب؛ ولكن قصرت الهمم عن تحصيله لطوله".
ويتجلى من هذا أن الحافظ ابن حجر لم يحرم الباحثين من المادة التاريخية التي يزعمها المحرران، بل: كان وكده اختصار الكتاب، اتكالًا على أن ما يحذف من الأصل موجود فيه، وأنه أراده كتابًا خالصًا في علم الجرح والتعديل؛ بدلالة أنه يضيف كثيرًا من الأقوال التي لم يذكرها الحافظ المزي -مهما كان مصدره في ذكرها- وفي هذا زيادة للمادة التاريخية التي غفل أو تغافل المحرران عن الإشارة إليها، وأشار إليها الحافظ في مقدمته للتهذيب (١/ ٧) فقال: "وأحذف كثيرًا من أثناء الترجمة إذا كان الكلام المحذوف لا يدل على توثيق ولا تجريح، ومهما ظفرت به بعد ذلك من تجريح وتوثيق ألحقته".
стр. 96
ثالثًا: (ص ١٣) الفقرة (٤): أشارا فيها إلى أن رجوع الحافظ ابن حجر إلى مصادر مغلطاي، الأصلية فيه نظر، استنادًا إلى وقوع الحافظ أحيانًا في بعض أوهام مغلطاي، وأحالا الأمر إلى تعليقاتهما على تهذيب الكمال (كذا قالا وتهذيب الكمال، إنما حققه الدكتور بشار وحده!!).
أقول: لئن كان الحافظ ابن حجر وقع في بعض الأوهام التي وقع فيها العلامة مغلطاي، فإن هذا لا يستدعي بالضرورة الحكم على الحافظ ابن حجر بعدم الأصالة في نقله للزيادات على تهذيب الكمال؛ وذلك لأن ما ادعاه المحرران قليل بالنسبة إلى ما أصاب فيه: "والعبرة بالكثير الشائع لا بالقليل النادر" وما المانع من أن يكون الأصل الذي رجع إليه الحافظ ابن حجر سقيمًا مثل الأصل رجع إليه مغلطاي، وهو أمر وارد في ذلك الزمان، كما حصل للحافظ ابن حجر في نسخته من ثقات ابن حبان، إذ نص على سقمها. (انظر: لسان الميزان ٢/ ٤٤٢).
ثم لو سلمنا لهما جدلًا بمدعاهما، أليس من أصول البحث العلمي تدعيم النتيجة بالأدلة، وهما تركا الأمر معلقًا بإشارتهما إلى التعليقات على تهذيب الكمال إجمالًا وهو أمر فيه ما فيه، لا سيما إذا علمت أن تهذيب الكمال في طبعته الأولى بلغت مجلداته خمسة وثلاثين مجلدًا، فعلى الباحث أن يكشف فيها جميعها حتى يصل إلى مبتغاه إن كان موجودًا.
رابعًا: (ص ١٥) الفقرة (١): قالا فيها: "إن الحافظ ابن حجر لم يحرر الأحكام في هذا الكتاب تحريرًا كافيًا لا سيما في الرواة المختلف فيهم".
أقول: إن الحافظ ابن حجر قد استفرغ وسعه في تحرير هذه الأحكام، وهو مجتهد فيها والاجتهاد: "بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال" (١)، وهو مأجور -إن شاء اللَّه- في صوابه وخطئه، إذ ليس من شرط المجتهد أن يكون معصومًا.
стр. 97
وقد ظل من سنة ٨٢٧ هـ إلى قبيل وفاته بعامين يعني سنة ٨٥٠ هـ باعتراف المحررين ص ١٤ - يزيد وينقص، ويضيف ويعدل، وهذا يعني أنه كان على قناعة تامة بما أصدره من أحكام، وهو يمثل الذروة في جهوده النقدية في علم الرجال.
ثم إن منهج الحافظ ابن حجر في الرواة المختلف فيهم قائم على أساس الحكم على الراوي: "بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة". (التقريب ١/ ٢٤ طبعة مصطفى عبد القادر)، ولئن كانت العبارات لم تسعفه في الحكم على راوٍ أو اثنين فليس هذا بنقيصة تذكر عليه بل هي مزية أن تكون أخطاؤه قد حصرت، قال الشاعر:
ومَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا … كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ
خامسًا: (ص ١٥) الفقرة (٢): قالا فيها: "ولم نكن نعلم أن هذه الأحكام اجتهادية قابلة للأخذ والرد، وليست قطعية".
أقول: هذا كلام في غاية البرودة، وأوله يخالف آخره، وهو برمته غير جيد وماذا كان يعلم المحرران في أول الأمر؟ وهل قادهما ظنهما إلى أنها قطيعة؟ ومتى كان ذلك وكيف؟ ثم أود أن أسألهما: منذ متى كان كلام بشر غير الأنبياء قطعيًّا؟
فإن كانا يجهلان ذلك فهي كارثة لمن يزعم التحرير!؟
سادسًا: (ص ١٥) الفقرة (٣) قالا فيها: "ولم نتبين أن ابن حجر يتناقض في أحكامه تناقضًا عجيبًا، فهو يوثق الرجل هنا أو يضعفه، ويضعفه أو يوثقه في كتاب آخر من كتبه ".
أقول: إن ما عده المحرران تناقضًا، وليس من باب التناقض البتة، بل: هو من باب تغير الاجتهاد واستجداد قرائن أخر في نفس الحافظ أدت إلى ذلك الحكم والمعول عليه هنا: هو حكمه في التقريب، إذ هو من آخر ما أنهاه من تصانيفه باعتبار الالحاقات التي أضافها والاستدراكات التي استدركها. (انظر: دراسة الشيخ محمد عوامة ص ٣٦).
стр. 98
سابعًا: (ص ١٧): ألمح المحرران إلى تجريد ابن حجر من أي جهد علمي في هذا الكتاب؛ وذلك من خلال تقسيم رجال التقريب إلى أربعة أقسام: الصحابة وهم عدول، والثقات المجمع على توثيقهم، والضعفاء المجمع على تضعيفهم والرابع: الرواة المختلف فيهم، وهم الذين تتضح فيهم معالم النقد والسبر، فقالا عن صنيعه في هذا القسم: "استعمل لهم تعابير غير محددة فقال فيهم: "صدوق يهم" أو "صدوق يخطئ"، أو ما يشبه ذلك من غير دراسة عميقة لأحوالهم، فكأنه يطالب القارئ بدراسة كل حديث من حديث هؤلاء على حدة. . . إلخ كلامهما.
أقول: ليس الحافظ ابن حجر بحاجة إلى ذكر مآثره، وهو من هو في نقد المتون وعلم العلل والرجال، ومؤلفاته خير شاهد على ذلك.
أما كونه لم يأت بجهد في هذا الكتاب بالنظر إلى تقسيمهما العجيب الغريب فأحق منه بهذا الوصف صاحب أصل أصله وهو الحافظ المزي، إذ الرجال هناك عينهم هنا، بل زاد الحافظ هنا فصنع ما لم يصنعه المزي فحكم على كل راوٍ بحكم يليق بحاله.
ودلل المحرران على انتقادهما بأنه استعمل تعابير غير محددة، وهذا إجحاف للحافظ فقد سبق أنه يحكم على الراوي بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وهذا دال على دراسته العميقة لأحوالهم، وسبره التام لما قيل فيهم على نقيض ما ادعاه المحرران.
ومطالبته بدراسة حديث واحد كل راوٍ على حدة، يقوم على نهج المحدثين في سبر كل حديث، إذ ليس كل ما رواه الثقة صحيحًا، وإطلاقه لمثل هذه الألفاظ على الثقات الذين لهم أوهام معدودة إشارة إلى وجودها في بعض حديثهم، وهو حَريٌّ منه على منهجه في اختصار الكتاب، إذ المقام لا يتسع لعد تلك الأوهام، ولو أطلق القول بتوثيقه لاغتر بها بعض الناس، ولعدت قصورًا من بعض من لم يفهم صنيعه.
стр. 99
ثم إن المحررين قررا (ص ٢٣) هذا الأمر -دراسة أحاديث الراوي- ونصا عليه فكان من مبلغ تناقضهما، فقالا: "وهذه المرحلة هي المرحلة الأكثر أهمية في تاريخ الجرح والتعديل، وهي التي ينبغي أن تتبع اليوم ولا سيما في المختلف فيهم، إذ يتعين جمع حديثهم، ودراسته من عدة أوجه. . . إلخ فانظر كيف يبنيان أساسًا ثم يهدمانه، كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا (١).
وهذا الذي قرراه مجرد تنظير منهما، والكتاب بمجلداته الأربعة يخلو من هذا المنهج أصلًا، وأنا أتحداهما أن يأتيا بمثل واحد كان دليلهما في الحكم عليه سبر حديث الراوي، ودراسة مروياته!!
ثامنًا: (ص ١٧): قالا: "لكل هذا رأينا أن من أهم الواجب علينا (٢) إعادة دراسة أحكام هذا الكتاب دراسة علمية متأنية قائمة على دعامتين رئيستين:
الأولى: ما تجمع لدينا من أحكام أثناء قيامنا بتحقيق "تهذيب الكمال" وما استدركناه عليه من أقوال في الجرح والتعديل مما لم يقف عليه هو أو المعنيون بكتابه من المختصرين والمستدركين.
الثانية: ما يسر اللَّه سبحانه لنا من خبرة عملية بالرجال وأحاديثهم بعد قيامنا بتحقيق عدد من أمهات دواوين السنة النبوية، وتخريج أحاديثها والحكم على أسانيدها في مدة تزيد على ثلاثين عامًا".
أقول: أما عمَّا سمياه دعامة أولى، فعدم ذكر ابن حجر له لا يستدعي عدم وقوفه عليه، وهو الخبير العالم بالرجال، بدليل أنه ينقل في كتبه الأخرى أقوالًا في الجرح والتعديل، وليست هي في التهذيبين.
стр. 100
وأما الثانية: فإن كانا يتبجحان بثلاثين عامًا في صنعة الحديث، فالحافظ ابن حجر أمضى قرابة الثلاثين عامًا في تنقيح وتهذيب تقريبه، ليكون عَلَمًا تقر به عينه، وعيون محبيه ومحبي السنة المطهرة.
وبدهي أن من أمضى في كتاب واحد قرابة الثلاثين عامًا، له خبرة أكبر وأعمق وأدق ممن أمضى ثلاثين عامًا في عدة كتب ملؤها التغيير بلا تحرير، والنقل من غير إشارة، والحكم بلا استقصاء.
تاسعًا: (ص ١٨): قالا: "لقد شاع بين الناس أن النقد الحديثي يقوم على الإسناد والنظر فيما قرره النقاد الجهابذة من أحوال الرواة جرحًا أو تعديلًا وهو أمر يحتاج إلى دراسة وإيضاح، فالنقد الحديثي فيما نرى مر بمراحل. . . إلخ".
أقول: أي أناس قد شاع بينهم هذا الكلام، فإن كانوا عوامَّ فلا اعتداد بموافقتهم، فكيف بمخالفتهم؟
وإن كانوا أهل اختصاص فمن هم؟ والمقرر في كتب المصطلح: أن صحة الإسناد لا تقتضي صحة المتن (انظر: معرفة أنواع علم الحديث:).
أم هو مجرد إلقاء للكلام على عواهنه حتى وإن انطوى على أخطاء جوهرية توطئة للدخول في تقسيمهم السقيم -والذي سأنتقده أيضًا- إن شاء اللَّه تعالى؟
عاشرًا: (ص ١٨): قالا: "المرحلة الأولى: وتقوم على نقد المتون وعلى أساسها تم الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، وهي مرحلة تمتد من عصر الصحابة حتى نهاية النصف الأول من القرن الثاني الهجري. . . إلخ".
أقول: إن تقسيمهما هذا، قول مخترع غير مسبوق قائله بمثله، ومبناه الوهم وثمرته التخليط، فهذه المرحلة بنصهما ما عاش فيها إلا الصحابة وبعض كبار التابعين حتى نهاية القرن الأول الهجري، ولم يتكلم في المتون نقدًا في ذلك الوقت سوى الصحابة ﵃ أجمعين- ولم يمثل المحرران إلا
стр. 101
باعتراضات الصحابة بعضهم على بعض، ولم يؤثر عن أحد منهم تجريح للآخر، فلعل المحررين يريدان على أساسهما هذا أن يتكلما في صحابة رسول اللَّه- ﷺ !
ويوافقني على ما ذهبت إليه إمام المؤرخين الحافظ الذهبي في كتابه "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (ص ١٦٠ - ١٦١) إذ يقول: "وسبب قلة الضعفاء في ذلك الزمان: قلة متبوعيهم من الضعفاء، إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وأكثرهم من غير الصحابة بل عامتهم: ثقات صادقون، يعون ما يروون، وهم كبار التابعين، فيوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال كالحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، ونحوهما".
ثم قال: "ثم كان في المئة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء، من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تكلم فيهم من قبل حفظهم أو لبدعة فيهم".
حادي عشر: (ص ٢٢): قالا: "والثاني: أن يعرض حديثه على المتون الصحيحة التي هي بمنزلة قواعد كلية، وهي القرآن الكريم وما ثبت من الحديث". . . إلخ.
أقول: من أين للمحررين هذا العلم؟! ومنذ متى يسمى القرآن الكريم: "متنًا"! وهذه تسمية ما سمعنا بها من قبل قراءتنا لتحريرهما المزعوم، فإن كان لهما مساعد من جهة اللغة -ولا نظنهما استرشدا به- فكان الأولى بهما التأدب مع كلام رب العزة، ومراعاة العرف السائد في تسميته نصًّا، ثم نتنزل معهما في التسمية، فقولهما: "بمنزلة قواعد كلية" كلام لا يُرتضى، ولا ندري كيف قالا به، فنصوص القرآن بمنزلة قواعد أم هي القواعد بعينها؟ بل: إن القواعد الأخرى تحكمها نصوص القرآن؛ ولأن القرآن هو الذي يقعد القواعد ويؤصل الأصول، ولا يعارضه شيوع قياس أو فشو لغة فحسبنا اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا به.
ثاني عشر: (ص ٢٧): قالا: "ومالك بن أنس روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وهو ضعيف".
أقول: سبق منهما (ص ١٥) قولهما: "ولم نتبين أن ابن حجر يتناقض في
стр. 102
أحكامه تناقضًا عجيبًا، فهو يوثق الرجل هنا أو يضعفه، ويضعفه أو يوثقه في كتاب آخر من كتبه".
فهذا الأمر الذي وسما به الحافظ ابن حجر هو عين صنيعهما؛ إذ إنهما كثيرا التناقض فيما يوردانه من أحكام في كتابهما هذا وبين ما يوردانه في غيره، فالدكتور بشار في تعليقه على الموطأ (١/ ٢٢٥ برواية الليثي) (١) قال في الهامش رقم (٢) ما نصه: "قلت: قد أكثر الناس من الكلام في رواية مالك عن هذا الشيخ الضعيف، وذكروا أنه اغتر بحسن سمته، وأنه لم يكن من أهل بلده ليعرفه، واعتذروا عن مالك من أجل ذلك بمعاذير شتى، والحق أن الإمام مالكًا لم يرو عن هذا الشيخ الضعيف أي حديث مرفوع، فهذا الذي تقدم لا يفهم منه أن مالكًا قد روى عنه حديثًا مرفوعًا، وإنما هذا من قول ابن أبي المخارق كما تدل عليه الصناعة الحديثية، فهو ينقل ما هو شائع عند الناس من أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ وهو ليس من باب الرواية -واللَّه أعلم-".
فالدكتور بشار نص هنا على أن هذا لا يعد رواية من الإمام مالك عن ابن أبي المخارق، فأثبت في تحريره رواية الإمام مالك عنه، وجزم بنفيها في الموطأ فكان من مبلغ دقته وتثبته!! والموطأ طبع سنة ١٩٩٦ م (كذا)، والتحرير طبع بعده بعام فما له هدم ما أشاده وبناه.
ثالث عشر: (ص ٢٩): تكلما فيه عن تخريج الشيخين، هل يعد توثيقًا أم لا؟ وخرجا بأربع نتائج أستخلصها فيما يأتي:
١ - أن كل من روى عنه البخاري ومسلم في الحلال والحرام والأصول ثقة عندهما.
стр. 103
٢ - أنهما انتقيا من رواية المتكلم فيهم ما علما صوابه فيه، وهذا غالبًا لا يكون في الحلال والحرام.
٣ - لم يلزما نفسيهما بالتخريج عن الثقات في المتابعات والشواهد، وكذلك في، التعاليق ثم قالا: "ويتعين اعتبار هذه الأمور عند الحكم على كل راو ممن أخرج له الشيخان في صحيحهما أو أحدهما، وبه أخذنا في "تحرير أحكام التقريب"".
أقول: معاذ اللَّه أن يكون المحرران قد أخذا بشيء من هذا في تحريرهما، فقد جاء التحرير عن غير سبيل واضحة أو منهج ثابت، فقد التزما منهج تخطئة ابن حجر كلما وجدا إلى ذلك سبيلًا، فكم من ثقة أخرج له الشيخان في الأصول تكلما فيه؛ لأن ابن حجر وثقه (انظر: كتابنا "كشف الإيهام" التراجم: ١٨٥، ٤٧١، ٤٨٦).
وكم من راوٍ في حفظه شيء أخرج له الشيخان في المتابعات والشواهد والتعاليق وثقاه تعقبًا لابن حجر؛ لأنه غمز حفظه، مدللين على ذلك برواية الشيخين عنه (انظر: كتابنا "كشف الإيهام" التراجم: ٩، ١٩، ٥٠، ٦٤، ١٠٧، ١٦١، ٢٦٤، ٤٦٧، ٤٦٨).
فإلى اللَّه المشتكى وإليه المرجع والمآب.
رابع عشر: (ص ٣٢): قالا: "هذا الموقف المضطرب من توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وأضرابهم، والذي يمكن تقديم عشرات الأمثلة عليه لا يمكن إحالته على سبب من الأسباب، سوى الابتعاد عن المنهج وخلو الكتاب منه، ومثله مثل مئات التراجم التي لم يحررها تحريرًا جيدًا، بحيث ضعَّف ثقات، ووثق ضعفاء، وقبل مجاهيل، واستعمل عبارات غير دقيقة في المختلف فيهم مما سيجده القارئ الباحث في مئات الانتقادات والتعقبات التي أثبتناها في "تحرير أحكام التقريب"".
أما القاعدة الصحيحة في الموقف من توثيق ابن حبان، فهي كما يلي:
стр. 104
١ - ما ذكره في كتابه "الثقات" وتفرد بالرواية عنه واحد -سواء أكان ثقة أم غير ثقة- ولم يذكر لفظًا يفهم منه توثيقه، ولم يوثقه غيره، فهو يعد مجهول العين، وهي القاعدة التي سار عليها ابن القطان الفاسي وشمس الدين الذهبي، ولهما فيها سلف عند الجهابذة، فقد قال علي ابن المديني في جري بن كليب السدوسي البصري: "مجهول لا أعلم روى عنه غير قتادة"، وقال في جعفر بن يحيى بن ثوبان: "شيخ مجهول لم يرو عنه غير أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل"، وقال أبو حاتم الرازي في حاضر بن المهاجر الباهلي: "مجهول" مع أن شعبة بن الحجاج روى عنه.
٢ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" وروى عنه اثنان، فهو مجهول الحال.
٣ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" وروى عنه ثلاثة، فهو مقبول في المتابعات والشواهد.
٤ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" وروى عنه أربعة فأكثر، فهو صدوق حسن الحديث.
٥ - إذا صرح ابن حبان بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثه فوجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل.
٦ - أما تضعيفه، فينبغي أن يعد مع الجهابذة المجودين، لما بينه في كتابه من الجرح المفسر، وربما يعترض معترض علينا في عدم اعتبار ذكر ابن حبان لراوٍ تفرد عنه الواحد والاثنان في "الثقات"، فنقول: إن ابن حبان ذكر في "الثقات" كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا، فقد قال في "الثقات" مثلًا: "سلمة، يروي عن ابن عمر، روى عنه سعيد بن سلمة، لا أدري من هو ولا ابن من هو"! وقال في موضع آخر: "جميل، شيخ يروي عن أبي المليح بن أسامة روى عنه
стр. 105
عبد اللَّه بن عون، لا أدري من هو ولا ابن من هو" وقال في ترجمة الحسن بن مسلم الهذلي: "يروي عن مكحول روى عن شعبة، إن لم يكن ابن عمران فلا أدري من هو".
أقول مستعينًا باللَّه: انطوى كلامهما هذا بطوله على جملة من التوهمات والقواعد الباطلة والتناقضات الواضحة، اقتصر الرد فيها على الأمور الآتية:
أولًا: وصفهما لكتاب ابن حجر بالخلو من المنهج والابتعاد عنه، تهمة قذفا بها الحافظ وهي بهما أحق، ومن خلال تتبعي لتراجم تحريرهما وقفت على جملة أشياء، تثبت بما لا يقبل الشك، خلو تحريرهما من المنهج، وافتقارهما إلى سبيل واضحة يسيران عليها، الأمر الذي نجم عنه ظهور ما يأتي:
١ - من بديهيات علم التحقيق: أن المحقق يسير على طريق واضحة، يتخذها نهجًا له في الكتاب كله، والمحرران تجردا في تحقيقهما لنص التقريب من أي منهج، ومن الأمثلة على هذا أنهما اضطربا في مسألة إثبات الصواب في المتن أو الهامش، وسأجلي لك عظم هذا الاضطراب من الإحصائية الآتية:
(أ) أثبتا الصواب في الأصل، وأشارا إلى الخطأ في الهامش (١)، في مئة وثمان وعشرين (١٢٨) ترجمة، وإليك أرقامها:
عقيب: ٨٥، ٣٩٥، ٥٣٥، ٥٤٩، ٥٥٨، ٥٩٨، ٦٠١، ٦٠٩، ٧٧٣، ٨٨٢، عقيب: ٩٠١، ٩٠٧، ١٠٩٢، ١٤٥٩، ١٥٢١، ١٥٨٠، ١٥٩٩، ١٦١٨، ١٦٢٠، ١٦٦٤، ١٨٧٥، ١٩٩٧، ٢٠٢٤، ٢٢٠٧، ٢٤٤٢، ٢٦٠٠، ٢٦٦٩، ٢٧٦٣، ٢٨٢٣، ٢٩٠٠، ٢٩١٢، ٢٩٤٩، ٣٢٨٨، ٣٣٢٧، ٣٣٨٨، ٣٤٣٦، ٣٥٠٣،
٦٥٦٩، ٦٨٦٧، ٦٨٩٠، ٦٩٩٣، ٧١١٠، ٧١٥٠، ٧١٦٢، ٧٢٠٣، ٧٢٢٤، ٧٢٢٦، ٧٢٤٤، ٧٣٠٤، ٧٣٣٤، ٧٣٤٧، ٧٣٥٤، ٧٤١٤، ٧٤٥٦، ٧٥٣٢، ٧٥٥٣، ٧٥٦٥، ٧٦١٦، ٧٦٨٠، ٧٧٤٩، ٧٨٤٧، ٧٨٥٩، ٧٨٧٢، ٧٨٧٣، ٨٠١٣، ٨٢٧٥، إحالة ٤/ ٢٤٣ (أبو عمر الندبي)، ٨٢٨٣، إحالة ٤/ ٣٤٤ (العائذي)، إحالة ٤/ ٣٥٣ (الهجري)، إحالة ٤/ ٣٦٥ (زوج درة) إحالة ٤/ ٣٦٦ (سابق العرب)، ٨٥٢٢، ٨٥٧٣، ٨٧٤٥، ٨٧٩٩.
أفليس هذا من الابتعاد عن المنهج وعدم الالتزام به؟!.
٢ - ومن الأمثلة على فقدان المنهج عند المحررين، أنهما أضافا ترجمتين ادعيا أنهما من عندهما -ولست أريد هنا أن أدخل في نقاش معهما في ذلك فقد تناولت ذلك مفصلًا في موضعه من كتابي هذا- ولكن الذي تجدر الإشارة إليه أنهما لما أضافا ترجمة (زياد بن عمرو بن هند الجملي) كررا رقم الترجمة التي قبله وأعقباها بحرف (ب) ولما أضافا ترجمة (عبد اللَّه ابن عبد الرحمن الجمحي) كررا أيضًا رقم الترجمة التي قبله، وأعقباها بحرف (م).
فهل هذا من المنهج في شيء؟ ولو كان لديهما منهج لظهر هنا، إذ الأمر في منتهى اليسر فليست سوى ترجمتين، فأي الكتابين أبعد عن المنهج؟!
وقس أنت الأمور واحكم، فلئن أخلا بالمنهجية في هذه الجزئية الصغيرة، فما بقي كان أعظم؟!
ثانيا: وضعا جملة من المباحث أسموها "قاعدة صحيحة" في الموقف من توثيق ابن حبان، وهي أمور في المنتهى من الغرابة، أوجز الرد عليها بما يأتي:
١ - إن مَنْ يُنَظِّر شيئًا ينبغي عليه أن يكون أول العاملين به، وهذا مما أخل به المحرران، فقد نصَّا في الفقرة الأخيرة من كلامهما على:
стр. 108
"أن ابن حبان ذكر في "الثقات" كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا" والمحرران بهذا يرميان إلى التفريق بين ذكر ابن حبان للراوي فقط دون النص على توثيقه، وبين ذكره مع النص على توثيقه، وهذا أمر نتفق معهم على بعضه؛ لكن المحررين نسيا هذه القاعدة البتة أثناء عملهما في المجلد الأول من تحريرهما، ولم تخطر هذه القاعدة لهما على بالٍ إلا في ثلاثة تراجم (٤٢٠، ٩٦٤، ١٦٩٤) وستجد الكثير مما أشرت إليه في كتابنا هذا، وكذلك نسيا هذه القاعدة في كثير من المواضع للمجلدات الأخرى، عزبت عن التنبيه إليها هنا خشية الإطالة.
٢ - تكلم المحرران في الفقرة (٦) عن تضعيف ابن حبان فقالا: "أما تضعيفه فينبغي أن يعد مع الجهابذة المجودين، لما بينه في كتابه من الجرح المفسر".
أقول: إن كان ابن حبان في جرحه للرواة في مصاف الجهابذة المجودين، فهل يصح أن نهمل أو نغمر جرح من هو جهبذ مجود، كلما عنَّ ذلك لسبب أو لغير سبب؟! وإليك نماذج لتراجم تركا فيها قول ابن حبان، فقالا بغير قوله من غير ما التفات إلى ما ذكرا:
(أ) الترجمة (٢٧٢٣) لم يعتدا بجرح ابن حبان وغمزا قوله: "ربما خالف".
(ب) الترجمة (٣٢٨٢) وصفا جرحه بالتعنت، وقرعا بالحافظ لاعتداده بجرحه.
(ج) الترجمة (٣٣٣٦) غمزا فيها جرح ابن حبان.
(د) الترجمة (٣٧٤٥) ردا فيها جرح ابن حبان.
فكيف سيكون قولك إذا علمت أن ابن حبان لم ينفرد بجرحه؟ بل جرح المترجمَ له سيدُ النقاد الإمام البخاري بالصفة نفسها التي جرحه بها ابن حبان
стр. 109
والمحرران يلمحان إلى رد نقدهما فقالا: "أما قول ابن حبان في "الثقات": يخطئ ويهم، فنظنه أخذه من البخاري"، فكيف الأمر وقد ردا جهبذين مجودين؟!!!
(هـ) الترجمة (٤٢٧٥) أقذعا القول فيها لابن حبان، فقالا: "فهذا -يردان جرحه للراوي- من قعقعة ابن حبان".
(و) الترجمة (٥٨٤٦) غمزا ابن حبان، فقالا: "وذكره ابن حبان وحده في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف، وهذا من عجائبه! ".
فحتى وإن سلمنا جدلًا بأن ابن حبان أخطأ في بعض هذا فلسنا ندعي عصمته، فقد كان لازمًا عليهما أن يتحدثا عنه بكل أدب واحترام.
٣ - اضطرب موقف المحررين من توثيق ابن حبان -حسب ما يستجد لهما من قرائن، وليت استقراء القرائن عندهما كان دقيقًا، فهما يعميان الأمر على القارئ، فإذا أرادا توثيق الراوي قالا: وثقه ابن حبان، وحقيقة الأمر أنه إنما ذكره فقط، وإذا تكلما في الراوي ضربا عن توثيقه صفحًا، وإليك مثُل ذلك:
(أ) الترجمة (٢٩٠٦) قالا: "ولم يوثقه سوى ابن حبان، وتوثيقه شبه لا شيء".
(ب) الترجمة (٣٣٤٣) قالا: "ولم يوثقه سوى العجلي وابن حبان وتوثيقه شبه لا شيء عند انفرادهما".
(ج) الترجمة (٣٣٤٩) جهلا الراوي وقالا: "حينما ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" قال: يخطئ".
(د) الترجمة (٣٣٦٠) اعتدا فيها بذكر ابن حبان له في الثقات.
(هـ) (الترجمة (٣٦١٧) ضعفا الراوي ثم قالا: "وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ ويخالف" وهذا اعتداد منهما بالجرح دون التوثيق.
٤ - بخصوص نص ابن حبان على توثيق الرواة، قالا: "إذا صرح ابن حبان
стр. 110
بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثه ووجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يُوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل".
أقول: من أسس قاعدة ثم هدمها بمعول مخالفته لها، حريٌّ بمن بعده عدم الأخذ بها، وأكتفي هنا بمثالين، جاءت إدانتهما فيه من قلميهما، فقد قال الحافظ ابن حجر في الترجمة (٣٦٦٠): "عبد اللَّه بن نافع الكوفي، أبو جعفر الهاشمي مولاهم: صدوق، من الثالثة. د عس".
فتعقباه بقولهما: "بل مجهول، تفرد بالرواية عنه الحكم بن عتيبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: صدوق" فأين المنزلة الرفيعة؟ وأين أنزلا توثيق ابن حبان من توثيق الأئمة الكبار؟؟ وهل الأمر سوى محاولة تعقب الحافظ ابن حجر؟ نسأل اللَّه السلامة.
والمثال الثاني: قال الحافظ (١٢٢١) الحسن بن جعفر البخاري: "ثقة" وقد تعقباه بقولهما: "بل مقبول، روى عنه اثنان ولم يوثقه سوى ابن حبان".
أقول: وابن حبان قد صرح بتوثيقه (٨/ ١٧٣) فقال: "الحسن بن جعفر من أهل بخارا، ثقة" وتصريح ابن حبان في توثيقه للمترجم نقله الإمام المزي في "تهذيب الكمال" (٦/ ٧٣)، وابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٢٦٠).
ثالثًا: مسألة كثرة الرواة عن الشخص هل تعني توثيقًا؟ أو تحسن من حال الراوي؟ وهي مسألة أحب الدخول معهم بصددها في نقاش علمي، ولذا سيتمحور ردي في كل فقرة منه على محورين، الأول: إبطال ما قعداه، الثاني: إيراد أمثلة عملا فيها بخلاف ما قعداه؛ ولكنني وقبل الولوج في هذا أود أن أتناول قاعدة لهج بها المحرران كثيرًا في كتابهما، ألا وهي رواية الجمع، فقد كررا القول مرارًا: "روى عنه جمع" فهل رواية الجمع تنفع الراوي أم لا؟.