← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1017

* ونوقش: أن حديث: (وإذا قرأ فأنصتوا) لا يثبت من جهة الإسناد كما تبين من تخريج الحديث والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-١٤٠١) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنَفَا؟ فقال رجل: نعم. أنا يا رسول الله قال، فقال رسول الله ﷺ : إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (١). [صحيح إلا أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة ... ) إلخ مدرج من قول الزهري، قاله أحمد، والبخاري والذهلي، وأبو داود، وجماعة] (٢).

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1024

وجه الاستدلال: قول النبي ﷺ : (ما لي أنازع القرآن)؟ دليل على أن القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية جائزة؛ لأن المنازعة في القرآن إنما تكون مع الجهر خاصة. وقول الزهري: (فانتهى الناس عن القراءة ... ) فإذا قطع الزهري بأن الصحابة انتهوا عن القراءة خلف النبي ﷺ فيما يجهر به، فإن هذا من أَدَلِّ الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبي ﷺ ، فالزهري من أعلم أهل زمانه، بالسنة، فلا يجزم بمثل هذا النقل العام إلا عن علم أنهم تركوا القراءة خلفه، وهو ينقل خبرًا، والثقة إذا نقل خبرًا فسبيله القبول والتصديق بخلاف ما يقوله من باب الاستنباط والفقه فهذا قد يدخله الخطأ والصواب (١). * ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ لم يستنكر عليهم القراءة، وإنما أنكر عليهم منازعته القرآن، فالنهي متوجه لجهر المأموم بالقراءة خلف الإمام، لا مطلق القراءة.

стр. 1025

وأما قول الزهري (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة) فهذا الخبر لا ينقله الزهري عن مشاهدة، وإنما سبيله الإسناد، ولم يوقف على إسناده، وأما قبوله استنادًا إلى ديانة الزهري وعلمه فإن هذا لا يكفي، فالزهري لو قال: أخبرني الثقة لم يقبل حتى يُبَيِّن، فقد يكون ثقة عنده فقط، فكيف يقبل إذا أرسل كلامه، والصحابة مختلفون في المسألة، وقد أفتى أبو هريرة بعد وفاة النبي ﷺ لمن سأله: إنا نكون وراء الإمام، فقال له: اقرأ بها في نفسك، ولو كان هذا إجماعًا من الصحابة ما أفتى أبو هريرة بخلافه. ويمكن الجواب عن فتوى أبي هريرة: بأنه قد ثبت عن أبي هريرة أيضًا قوله: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به. وسبق تخريجه، فدل على أنه عنى بقوله: (اقرأ بها في نفسك) في الصلاة السرية جمعًا بين قوليه. الوجه الثاني: أن كلام الزهري ليس نصًّا في دلالته على ترك القراءة، فيحتمل أنه عنى بذلك ترك الجهر بالقراءة محل الاستنكار، فالنبي ﷺ لم يستنكر عليهم القراءة، وإنما أنكر عليهم منازعته القرآن. قال ابن حبان: «(فانتهى الناس عن القراءة): أراد به رفع الصوت خلف رسول الله ﷺ اتباعًا منهم لزجره عن رفع الصوت، والإمام يجهر بالقراءة في قوله: (ما لي أنازع القرآن؟) (١). * ورد هذا: بأن كلام الزهري لو أراد به ترك الجهر دون القراءة لم يقيد الترك بقوله: (فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة)، فالمأموم مأمور بترك الجهر مطلقًا، فيما جهر فيه الإمام وفيما لم يجهر، فلما خص الترك حال جهر الإمام علم أن المراد ترك القراءة، لا ترك الجهر. (ث-٣٣٩) ولأن عبد الرزاق قد روى عن معمر، عن الزهري، قال: إذا جهر

стр. 1026

الإمام فلا تقرأ شيئًا (١). الدليل السابع: قال أحمد: «ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة، لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي ﷺ ، وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري، في أهل العراق، وهذا الأوزاعي، في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر، ما قالوا لرجل صلى خلف الإمام، وقرأ إمامه، ولم يقرأ هو: صلاته باطلة» (٢). فهذا الإمام أحمد يحكي الإجماع على صحة صلاة من ترك قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، مع ما يعرف من تشدده في حكاية الإجماع، وهذا الإجماع لا ينافي الخلاف المحفوظ في وجوب قراءة الفاتحة في الجهرية، فهناك فرق بين مسألة وجوب قراءة الفاتحة في الجهرية، وبين إبطال الصلاة بترك قراءتها إلا عند من يقول: إن ترك الواجب عمدًا يبطل الصلاة كما هو مقرر في مذهب الحنابلة والشافعية، وهي مسألة خلافية. فإن لم يصح هذا الإجماع فلا أقَلَّ من أن يَدُلَّ على أنه قول أكثر أهل العلم، ذهب إليه الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب الشافعية (٣). وإن صح الإجماع كان دليلًا على أن عموم قول النبي ﷺ في حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) أريد به غير المأموم.

стр. 1027

وقد قال جابر ﵁ بسند صحيح: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام (١). قال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ تَأَوَّلَ قول النبي ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أن هذا إذا كان وحده (٢). وكذلك فسره ابن عيينة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الإمام إذا لم يقرأ، وقرأ من خلفه لم تنفعهم قراءتهم، فدل على أن قراءة الإمام هي التي تراعى (٣). (ح-١٤٠٢) وقد روى مالك في الموطأ، قال: عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي منكم أحد آنَفَا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله .... الحديث (٤). [صحيح] (٥). وجه الاستدلال: فلو كانت القراءة واجبة على المأموم في الجهرية لكان جميع الصحابة قد قرأ خلف النبي ﷺ ، فلما سأل النبي ﷺ في صلاة جهرية: هل قرأ معي منكم أحد؟ ولم تقع القراءة إلا من واحد ممن صلى خلف النبي ﷺ دَلَّ هذا على أن عامة من صلى مع النبي ﷺ لم يقرأ، وقد أقرهم النبي ﷺ على ترك القراءة. وسوف يأتي مناقشة هذا الدليل إن شاء الله تعالى عند أدلة من قال: تستحب القراءة في الصلاة السرية. وقد اعترض بعضهم على دعوى الإجماع من الإمام، بمذهب أبي هريرة، أن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الإمام قائمًا، وقد فهم البخاري من أثر أبي هريرة أنه يرى

стр. 1028

أن الركعة تفوت بفوات قراءة الفاتحة. (ث-٣٤٠) فقد روى البخاري في القراءة خلف الإمام من طريق محمد بن إسحاق، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا (١). وهذا القول الذي انفرد به أبو هريرة ﵁ دون سائر الصحابة هو في اشتراط إدراك القيام؛ لإدراك الركعة، لا في اشتراط إدراك قراءة الفاتحة لإدراكها، والقيام ركن بنفسه، فما فهمه البخاري تبعًا لشيخه علي بن المديني ليس ظاهرًا. قال الحافظ ابن رجب: «أبو هريرة لم يقل: إن من أدرك الركوع فاتته الركعة؛ لأنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب كما يقول هؤلاء، إنما قال: لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع، فعلل بفوات لحوق القيام مع الإمام، وهذا يقتضي أنه لو كبر قبل أن يركع الإمام، ولم يتمكن من القراءة، فركع معه كان مدركًا الركعة، وهذا لا يقوله هؤلاء، فتبين أن قول هؤلاء محدث، لا سلف لهم به» (٢). وقد انفرد به محمد بن إسحاق، وقد روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن المقبري، عن أبي هريرة قوله: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، وذكره مالك في الموطأ بلاغًا عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يكن أمثل من ابن إسحاق فهو مثله، وسوف تأتينا هذه المسألة عند الكلام على إدراك الركعة بإدراك الركوع (٣)، فلا أحب أن يتشعب بنا البحث.

стр. 1029

(ث-٣٤١) وروى البخاري معلقًا في القراءة خلف الإمام، قال أبو عبد الله: قال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة، وكذلك قال عبد الله بن الزبير (١). ولم يَسُقْ البخاري إسناده، والمعلق من قسم المنقطع حتى يوقف على إسناده. الدليل الثامن: العلماء مجمعون على أنه لا يجب على الإمام السكوت ليقرأ المأموم، والجمهور على أنه لا يستحب له السكوت من أجل قراءة المأموم خلافًا للشافعية، فلو كانت قراءة الفاتحة على المأموم واجبة لشرع السكوت من الإمام بقدر قراءة المأموم

стр. 1030

الفاتحة، فإذا شرع للإمام الجهر بالقراءة فإنما يجهر بذلك لا ليسمع نفسه، وإنما ليسمع المأمومين، فإذا كان المأموم منشغلًا عنه بالقراءة، فما الفائدة من جهر الإمام؟ قال ابن تيمية: «لو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين: إما أن يقرأ مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ، ولم نعلم نزاعًا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة، ولا غيرها، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة، فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر» (١). الدليل التاسع: (ح-١٤٠٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أَمَّنَ الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). وجه الاستدلال بالحديث من وجهين: الأول: لو أمر المأموم بقراءة الفاتحة في الجهرية لحفظ الأمر له بالتأمين إذا فرغ من قراءتها كما حفظ الأمر له بالتأمين على قراءة إمامه، فلما لم يحفظ الأمر له بالتأمين علم أنه لم يؤمر بالقراءة. الثاني: لو أمر المأموم بالقراءة لشغله ذلك عن استماع قراءة إمامه والتأمين على قراءته. يقول ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث دلالة على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر، لا بأم القرآن، ولا بغيرها؛ لأن القراءة بها لو كانت عليهم، لأمرهم إذا فرغوا من فاتحة الكتاب أن يؤمن كل واحد منهم بعد فراغه من قراءته؛ لأن السنة فيمن قرأ بأم القرآن، أن يؤمن عند فراغه منها. ومعلوم أن المأمومين إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام لم يكادوا يسمعون

стр. 1031

فراغه من قراءة فاتحة الكتاب، فكيف يؤمرون بالتأمين عند قول الإمام: ولا الضالين، ويؤمرون بالاشتغال عن استماع ذلك، هذا مما لا يصح، وقد أجمع العلماء على أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه بغير فاتحة الكتاب» (١). * ويناقش: قراءة الإمام منها ما هو واجب، كقراءته الفاتحة، ومنها ما هو مستحب، كقراءته لما زاد عليها، فإذا شرع الإمام في القراءة الواجبة استمع المأموم وأنصت لإمامه؛ وإذا شرع الإمام في القراءة المستحبة شَرَعَ المأموم في قراءة الفاتحة، ليكون انشغاله عن الاستماع والإنصات في القدْر المستحب من القراءة، وليس في القدر الواجب منها. * ورد هذا النقاش من وجهين: الوجه الأول: إذا كان استماعه لإمامه، وهو يقرأ الفاتحة لن يغنيه ذلك عن قراءة الفاتحة، كانت قراءة الإمام له، وليست للمأموم، فكيف يجب على المأموم الاستماع والإنصات، والوجوب خاص بالإمام وحده، فالمأموم يقرأ من جنس ما يقرأ الإمام حرفًا وحكمًا، فما الحرج في قراءة المأموم الفاتحة في وقت قراءة الإمام لها، ولو صح حديث عبادة: (ما لي أنازع القرآن لا تفعلوا إلا بأم القرآن) كان ذلك إذنًا مفتوحًا بالقراءة من غير تقييد، إلا أن الحديث ضعيف كما علمت، وهذا على القول بأن قراءة الفاتحة تجب على المأموم في الجهرية. الوجه الثاني: تحديد وقت للمأموم يقرأ فيه الفاتحة، وآخر يمنع منه من القراءة يحتاج إلى توقيف، فلو كان مثل هذا مشروعًا لحفظ في ذلك سنة نبوية، فإذا لم يصح في التوقيت دليل متى يقرأ المأموم الفاتحة في الجهرية دَلَّ ذلك على أحد أمرين: إما أن يقال: لا يوجد فرق في وقت قراءة المأموم للفاتحة، سواء أقرأ ذلك والإمام يقرأ الفاتحة أم كان يقرأ غيرها.

стр. 1032

أو يقال: إن هذا دليل على أنه لا يشرع للمأموم القراءة خلف الإمام في الجهرية، وهو الأقرب، والله أعلم. الدليل العاشر: أن الإمام إذا قرأ الفاتحة كانت قراءة له، وقراءة لكل من أمَّنَ على دعائه، لأن المُؤَمِّنَ على الدعاء هو أحد الدَّاعِيَيْنِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيم﴾ [يونس: ٨٨]، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩] فنسب الله تعالى الدعاء لموسى وهارون، مع أن الداعي كان موسى؛ لتأمين هارون على دعائه، فدل ذلك على أن قراءة الإمام في الجهرية التي يسمعها المأموم ويُؤَمِّنَ عليها قراءة للمأموم (١). * ويناقش من ثلاثة وجوه: الأول: بأن التأمين سنة، فلو تركه المصلي صحت صلاته بالاتفاق. الثاني: أن المُؤَمِّنَ داعٍ لا شك في ذلك، ولكنه ليس قارئًا، وإنما كان المؤمِّنُ داعيًا؛ لأن معنى قوله: (آمين) اللهم استجب، وهذا حقيقة الدعاء، فهو سائل كما أن الداعيَ سائل، فكل مُؤَمِّنٍ داعٍ، وليس كل داعٍ مُؤَمِّنًا. الثالث: لم يقل أحد: إن التأمين بدل عن وجوب قراءة الفاتحة؛ لأن ذلك يعني أنه إذا فات البدل وجب الرجوع إلى الأصل، فليس سقوط الفاتحة عن المأموم مشروطًا بإدراك التأمين. * دليل من قال: يستحب للمأموم القراءة في السرية: الدليل الأول: (ح-١٤٠٤) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي منكم أحد آنَفًا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله .... الحديث (٢).

стр. 1033

[صحيح، وسبق تخريجه] (١). وجه الاستدلال: لو كانت القراءة واجبة على المأموم مطلقًا، لكان جميع الصحابة قد قرأ خلف النبي ﷺ ، فلما سأل النبي ﷺ : هل قرأ معي منكم أحد؟ دَلَّ ذلك على أمرين: الأول: أن القراءة لو كانت واجبة على المأموم لكان قد أمرهم النبي ﷺ بذلك، ولو أمرهم لفعله عامة الصحابة. الثاني: صحة ترك القراءة خلف الإمام، حيث أقر النبي ﷺ تركهم للقراءة خلفه، ولم يخالف في ذلك إلا واحد منهم. * وأجيب: بأن ذلك منسوخ بحديث عبادة، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، أو أنه أراد قراءة غير الفاتحة. ورد: بأنه لا يصح دعوى النسخ إلا مع العلم بالمتأخر منهما، ولا يعلم. والقول بأنه أراد قراءة غير الفاتحة، فهذا تخصيص لما أطلق من قوله ﷺ : هل قرأ معي منكم أحد؟ فإن إطلاقه يشمل الفاتحة وغيرها. والقول بأن الإنكار توجه للمنازعة: بقوله: (ما لي أنازع القرآن)؟ فهذا صحيح، وليس هذا موضع الاستدلال، فمحل السؤال غير محل الإنكار، فالسؤال توجه: هل قرأ معي منكم أحد؟ والإنكار توجه للمنازعة، فلما سأل النبي ﷺ : هل قرأ معه أحد؟ دل على أن ترك القراءة لا يبطل الصلاة. الدليل الثاني: استدلوا بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة). جاء مرسلًا عن عبد الله بن شداد بإسناد صحيح وسبق تخريجه، وله شواهد كثيرة من حديث ابن عمر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وابن عباس، وسبق تخريجها، وهي وإن كانت آحادها ضعيفة إلا أن مجموعها صالح للاحتجاج، فإذا انضمت إلى المرسل الصحيح صارت حجة.

стр. 1034

* ويناقش: بأن التصحيح بالشواهد والمتابعات له شروطه، والتي من أهمها ألا تخالف نصًّا صحيحًا، فقد عارضت هذه الأحاديث: حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه. وعارضت حديث أبي هريرة: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، رواه مسلم. وعلى التنزل بقبول الاعتبار بمجموعها، فإنها تحمل على القراءة التي يشارك فيها المأموم الإمام في القراءة، فالإمام يجهر، والمأموم يستمع، فهذه وإن كانت قراءة من الإمام إلا أن المأموم قد شاركه فيها بالاستماع، ولم يجهر الإمام إلا من أجل إسماع المأموم، فيصح أن تكون قراءة الإمام لهما، ولذلك لو استمع الرجل لقراءة آخر، ولو خارج الصلاة، ومَرَّ القارئ على آية سجدة، وسجد، شرع للمستمع أن يسجد للمشاركة، وأما الصلاة السرية؛ حيث يقرأ الإمام لنفسه، والمأموم لنفسه، فلا تكون قراءة الإمام قراءة للمأموم، كما أن تسبيح الإمام وتشهده وسلامه من الصلاة مختص به ليس للمأموم منه شيء، فكذلك قراءته في السرية مختصة به، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١٤٠٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، حدثني أبو الزاهرية حدير بن كريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال: سمعت أبا الدرداء، يقول: سئل رسول الله ﷺ أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، فقال: رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي أبو الدرداء، وكنت أقرب القوم منه، فقال: يا ابن أخي ما أرى الإمام إذا أَمَّ القوم إلا قد كفاهم (١). [حسن، وروي قول أبي الدرداء مرفوعًا، ولا يصح] (٢).

стр. 1035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1036

وجه الاستدلال: فهذا أبو الدرداء ﵁، وهو يروي جواب الرسول ﷺ بلفظ العموم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم: أي في كل صلاة قراءة؛ لأن السؤال معاد في الجواب، ونصه هذا يشمل المأموم، كما يشمل الإمام والمنفرد، المستفاد من صيغة (كل صلاة)، وهي صريحة في العموم، وخشية أن يفهم التابعي هذا العموم، بادر أبو الدرداء من قوله موقوفًا عليه، فقال: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم، إشارة منه إلى إخراج المأموم من هذا العموم، وأن هذا العموم قد خُصَّ منه المأموم، ولا يظن بالصحابي أنه يقول ذلك من رأيه، فإن هذا استدراك من الصحابي على النبي ﷺ ، وحاشى الصحابة رضوان الله عليهم أن يستدركوا على النبي ﷺ ما لم يقله ولم يشرعه، فلو كانت القراءة واجبة على المأموم وجوبًا عامًّا لعامة المصلين لكان أولى الناس بمعرفته هم الصحابة؛ لأن ذلك متعلق بالبيان والتبليغ الواجب على النبي ﷺ أن يُعَلِّمَ صحابته ما تصح به صلاتهم، ولاشتهر ذلك بينهم كاشتهار أن المصلي لا يدخل الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، فلا يَخُصُّ الصحابي المأموم من هذا العموم برأيه إلا أن يكون ذلك متلقًّى من النبي ﷺ ، ومن عمل الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكن هذا رأيًا لأبي الدرداء وحده، بل كان رأيًا لجابر ﵁ وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعلي، وابن عباس، فكيف يظن أن قراءة الفاتحة تجب على المأموم ثم يجهل هؤلاء الصحابة فقه هذه المسألة، وهم على رأس الفقه والفتوى؟ وكل ذلك يؤيد ما قاله الزهري: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ . الدليل الرابع: (ث-٣٤٢) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان،

стр. 1037

أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام. [صحيح] (١). الدليل الخامس: (ث-٣٤٣) روى مالك في الموطأ عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله لا يقرأ خلف الإمام (٢). وسنده في غاية الصحة. فكون الصحابة ﵃ يطلقون هذه الأقوال، ولا يستثنون السرية من الجهرية دليل على أن القراءة ليست واجبة، ولو كانت قراءة المأموم واجبة في السرية لما أطلق الصحابة هذا الكلام دون قيد، وقد جمع الله لهؤلاء الصحابة أنهم من أهل اللسان، وأعلم بدلالات الألفاظ، ومن فقهاء الصحابة وأهل الفتوى، وكانوا مع النبي ﷺ طيلة حياته، فحين يقول جابر ﵁: (من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يُصَلِّ إلا أن يكون وراء الإمام)، فالاستثناء معيار العموم، فالمأموم لو ترك القراءة لم يضره، وكذلك الكلام ينطبق على قول ابن عمر ﵄، ولا يعارَضُ كلامهم هذا بأنه قد جاء عنهم القراءة في الصلاة السرية؛ فإنهم لم يحرموا القراءة في الصلاة السرية، وفعلهم في السرية لا يدل على الوجوب، بل يدل على استحباب القراءة؛ ولأن دلالة القول أبلغ من دلالة الفعل. قال ابن تيمية: «وابن عمر من أعلم الناس بالسنة، وأتبعهم لها، ولو كانت القراءة واجبة على المأموم، لكان هذا من العلم العام الذي بيَّنه النبي ﷺ بيانًا عامًّا. ولو بين ذلك لهم، لكانوا يعملون به عملًا عامًا، ولكان ذلك في الصحابة لم يَخْفَ مثل هذا الواجب على ابن عمر حتى يتركه مع كونه واجبًا عام الوجوب على عامة المصلين قد

стр. 1038

بُيِّن بيانًا عامًّا، بخلاف ما يكون مستحبًّا؛ فإن هذا قد يخفى» (١). * دليل من قال: تكره القراءة في الجهرية: أدلة هذا القول هي أدلة من منع القراءة خلف الإمام مطلقًا، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على الكراهة، وعلى الصلاة الجهرية دون السرية. * الراجح من الخلاف: لقد رأيت أخي الكريم -إن كنت قرأت البحث كاملًا- كيف يكون الدليل الواحد في هذه المسألة يستدل به أكثر من قول، والراجح في هذه المسألة الشائكة لن يكون بين قول قوي وضعيف، وإنما بين قول قوي وأقوى منه، وأضعف الأقوال عندي هو مذهب الحنفية القائلين بأن قراءة الفاتحة تحرم في السرية، فإذا كان لا يحرم على المصلي دعاء الاستفتاح، ولا أذكار الركوع والسجود، فكيف يحرم عليه قراءة القرآن، وهو لا يسمع قراءة إمامه؟ ما بال القرآن؟ وأقوى الأقوال عندي أن الفاتحة في الصلاة الجهرية ليست واجبة على المأموم؛ لأن حديث عبادة بن الصامت: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) بَيِّن الضعف، وذلك بسبب كثرة الاختلاف على مكحول، وإعلاله بالوقف، وقد ضعفه الإمام الترمذي مع ما يقال من تساهله، كما ضعفه الإمام أحمد، والإمام أحمد إذا ضعف حديثًا فالغالب أن الباحث لا يستطيع أن ينهض به، بخلاف التصحيح فقد يُغَلِّب الإمام أحمد أحيانًا النظر الفقهي على الصناعة الحديثية، ويكون الحكم على الحديث عنده مشمولًا بالنظر إلى عمل أكثر السلف وما ورد في المسألة من آثار، كما شرحت لك ذلك عند الكلام على تصحيح الإمام أحمد لحديث: (وإذا قرأ فأنصتوا)، والله أعلم. وأما قراءة الفاتحة في الصلاة السرية فإنها واجبة احتياطًا؛ لعموم حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وإن لم يكن وجوبها على المأموم كوجوبها على الإمام والمنفرد، والباعث على التفريق ما ورد من آثار عن ابن عمر وجابر، وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، وابن عباس، ﵃، فيصعب تصور وجوبها وجوبًا عامًّا، ثم يجهل هؤلاء الصحابة هذا الحكم، وهو يتعلق بأهم الأعمال في الإسلام، وكانوا ملازمين

стр. 1039

للرسول ﷺ طيلة حياته، فالخلاصة أن مذهب الجمهور القائلين بأن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية هو أقرب هذه الأقوال للصواب، ولا أحب له تركها في الصلاة السرية، وأخشى على تاركها ألا تصح صلاته، وإن كنت لا أتجاسر على الحكم ببطلان ما صلاه المأموم مما ترك فيه الفاتحة، والله أعلم. * * *

стр. 1040

الفرع السادس في شروط قراءة الفاتحة المسألة الأولى في وجوب قراءة الفاتحة بتشديداتها المدخل إلى المسألة: * الفاتحة ركن في الصلاة عند جمهور العلماء، وعند الحنفية: الركن القراءة، ولا تتعين في الفاتحة، فعلى الأول: إذا سَلِمَت الفاتحة من النقص صحت الصلاة، وعند الحنفية لا فرق في الحكم بين الفاتحة وغيرها. * إذا قلنا: الفاتحة ركن، فهل هو ركن واحد، أو كل حرف منها ركن، الصحيح الأول، ورجحه البهوتي في كشاف القناع وهو مذهب الحنفية والمالكية. * الطواف ركن في الحج، وقال الحنفية: إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا جزء الركن حكم الواجب، وليس حكم الركن. * إذا قلنا: الفاتحة ركن واحد، فمراعاة شداتها واجب لها، والإخلال به لا يُخِلُّ بالركن ما لم يغير المعنى، وسهوه مغتفر؛ لأن للأكثر حكم الكل. * ضابط الإخلال في قراءة الفاتحة بتخفيف المشدد إذا غير المعنى عند الحنفية، وهو الصواب، فإذا سَلِم المعنى لم يؤثر تخفيف المشدد. * بطلان العبادة مع سلامة المعنى قول شديد يحتاج إلى برهان، والأصل عدمه. * قال القاضي أبو يعلى: لا تبطل بترك شدة؛ لأنها غير ثابتة في خط المصحف، وهي صفة في الكلمة، يبقى معناها من دونه كالحركة، ويسمى تاركها قارئًا. [م-٥٣٨] الحرف المشدد قائم مقام حرفين، فإذا خفف القارئ الحرف

стр. 1041

المشدد فكأنه ترك حرفًا من الفاتحة، وكذلك إذا شدد حرفًا مخففًا كان بمنزلة من زاد حرفًا على الفاتحة، وفي الفاتحة إحدى عَشْرَةَ شَدَّةً إن اعتبرنا البسملة ليست آية منها كما هو مذهب جمهور العلماء، أو أربع عشر شَدَّة إن اعتبرنا البسملة منها كما هو مذهب الشافعية، وقد تقدم الخلاف في البسملة. [م-٥٣٩] وقد اختلف العلماء في حكم المنفرد والإمام إذا ترك حرفًا أو شدة من الفاتحة، وكذا المأموم عند من يوجب قراءة الفاتحة عليه إما مطلقًا كالشافعية، أو في السرية كما في اختيار بعض المالكية وبعض الحنابلة، وأقوالهم كالتالي: القول الأول: مذهب الحنفية: لا فرق عند الحنفية بين ترك الشَّدَّة من الفاتحة أو من غيرها؛ لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم قراءة ما تيسر من القرآن، وقد سبق بحث المسألة، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يقع الخطأ في القَدْرِ الذي يقوم به الفرض، أو يقع في القدر المستحب من القراءة. والحكم في ترك الشدة عندهم كالحكم في الخطأ إذا وقع في الإعراب من نصب مرفوع، أو عكسه. قال ابن الهمام في فتح القدير: «ترك المد والتشديد كالخطأ في الإعراب» (١). وقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: «الخطأ في الإعراب، ويدخل فيه تخفيف المشدد وعكسه (يعني: تشديد المخفف) ... إلخ» (٢). وحكم الخطأ في الإعراب: إن تغير به المعنى فلهم قولان: الأول: مذهب المتقدمين: فقد ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن ما يغير المعنى يفسد به الصلاة مطلقًا، سواء أكان اعتقاده كفرًا أم لا، كما لو قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ برفع لفظ الجلالة، ونصب العلماء، وكما لو قرأ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بتخفيف التشديد، وسواء أكان مثله في القرآن أم لا، حتى ولو كان ذلك في غير القرآن، كما

стр. 1042

لو مد همزة (أكبر) من قوله: الله أكبر. وقال أبو يوسف: «إن غير المعنى وكان مثله في القرآن لم تفسد به الصلاة. وإن كان لا يغير المعنى، فإن كان مثله في القرآن نحو: (إن المسلمون) لم تفسد به الصلاة باتفاق الأئمة الثلاثة. وإن كان لا يغير المعنى، وليس مثله في القرآن مثل: (قيامين بالقسط): فعند أبي حنيفة ومحمد: لا تفسد الصلاة به، وعند أبي يوسف تفسد. فالعبرة في الفساد وعدمه عند الإمام أبي حنيفة ومحمد تغير المعنى تغيرًا فاحشًا، سواء أكان اللفظ موجودًا في القرآن أم لا. وعند أبي يوسف إن كان اللفظ نظيرُهُ موجودٌ في القرآن لم تفسد الصلاة به مطلقًا، سواء أتغير به المعنى تغيرًا فاحشًا أم لا، وإن لم يكن موجودًا في القرآن فتفسد مطلقًا، ولا يعتبر الإعرابُ أصلًا. هذا خلاصة مذهب المتقدمين وأخذ به بعض المتأخرين؛ لكونه أحوط» (١). الثاني: مذهب أكثر المتأخرين من الحنفية كابن مقاتل ومحمد بن سلام وإسماعيل الزاهد وأبي بكر البلخي والهندواني وابن الفضل والحلواني إلى أن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقًا، ولو كان اعتقاده كفرًا، وعلى هذا مشى في الخلاصة، فقال: وفي النوازل: لا تفسد في الكل، وبه يفتى. وحجتهم: أن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب، ولأن اشتراط الصواب في الإعراب يوقع الناس في الحرج، وهو مرفوع شرعًا. ومحل الاختلاف في الخطأ والنسيان، أما في العمد فتفسد به الصلاة مطلقًا إذا كان مما يفسد الصلاة، أما إذا كان ثناء فلا يفسد، ولو تعمد ذلك (٢). القول الثاني: مذهب المالكية: قالوا: إذا ترك منها الإمام أو المنفرد آية أو أقل أو أكثر أو تركها كلها سهوًا،

стр. 1043

ولم يمكنه تلافي ذلك سجد للسهو، ولم تبطل صلاته، حتى على القول بوجوبها في كل ركعة، وظاهر المدونة أنه يعيد أبدًا احتياطًا، وهو ظاهر المذهب. وقيل: يعيد إذا تركها في ركعة من ثنائية أو في ركعتين من رباعية، وهذا مبني على أن الفاتحة تجب في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية (١). فإن لم يسجد للسهو، أو تركها عمدًا بطلت حتى على القول بأنها لا تجب في كل ركعة. وقيل: لا سجود عليه، لأن الأقل تبع للأكثر (٢). القول الثالث: مذهب الشافعية: المصلي إن شدد حرفًا مخففًا أساء، وأجزأه، قال بعضهم: إلا إذا تغير المعنى وتعمد. وإن خفف المصلي حرفًا مشددًا من الفاتحة متعمدًا، ولو كان مأمومًا لم تَصِحَّ قراءته ولا صلاته؛ فإن لم يتعمد بطلت قراءة تلك الكلمة (٣)، ولم تبطل صلاته.

стр. 1044

فإن ذكر، وهو في الركعة رجع إليها، وأعادها على الصواب، وأعاد ما بعدها؛ ليكون على الولاء. فإن تذكر بعد قيامه إلى الركعة الثانية، بطلت الأولى التي أخل فيها في قراءة الفاتحة، وحلت الثانية مكانها؛ لأن ترك الفاتحة أو بعضها ناسيًا كترك الركوع والسجود؛ ولأن كل حرف من الفاتحة ركن منها، وترك التشديدة كترك الحرف، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك، أعاد الصلاة (١). * دليل الشافعية على هذا التفصيل: أقمنا في مسألة سابقة وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والشافعية يوجبون القراءة على المصلي ولو كان مأمومًا خلافًا للجمهور. فإذا وجبت الفاتحة وجبت جميع حروفها؛ لأن حروفها جزء منها، والجملة تنتفي بانتفاء جزء منها، فإذا شدد مخففًا فقد جاء بجميع حروف الفاتحة، إلا أنه أساء بالزيادة عليها، ولم تبطل صلاته. أما إن خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة فإنه قد نقص منها، فلم يبطل ما مضى منها لكونه جاء به على الصواب، وبطلت هذه الكلمة لإخلاله بحرف من حروفها، وبطلت قراءة ما بعده؛ لأن ما بعده لا يحتسب له، لأن كل قراءته بعدها في حكم المُلْغَى، فإن أمكن تلافيه بأن عاد قريبًا، فأعاد الكلمة على الصواب وأعاد ما بعده صحت صلاته، كما لو ترك سجودًا وتذكر قبل أن يصل إليه في الركعة الثانية فإنه يعود إليه. وإن ذكر في الركعة الثانية بطلت الركعة الأولى، وحلت الثانية محلها. وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك أعاد الصلاة؛ لأن طول

стр. 1045

الفصل يمنع من البناء. وقال القاضي حسين: «ذكر الشافعي ﵀ أنه لو ترك حرفًا من أمر القرآن في ركعة من صلاة عاد إلى الموضع المتروك، وأتى به وبما بعده، وهذا إنما يكون إذا لم يفتتح سورة أخرى، أما إذا افتتح سورة أخرى فإنه يستأنف قراءة الفاتحة، والله أعلم بالصواب» (١). وجه قول القاضي حسين: «أنه لما أدخل في الفاتحة غيرها وجب استئنافها. والأول أصح؛ قال الشافعي في الأم: «فإن جاء بها متوالية، لم يقدم منها مؤخرًا، وإنما أدخل بينها آية من غيرها أجزأت؛ لأنه قد جاء بها متوالية، وإنما أدخل بينها ما له قراءته في الصلاة، فلا يكون قاطعًا لها به، وإن وضعه غير موضعه، ولو عمد أن يقرأ منها شيئًا، ثم يقرأ قبل أن يكملها من القرآن غيرها كان هذا عملًا قطاعًا لها، وكان عليه أن يستأنف لا يجزيه غيرها، ولو غفل فقرأ ناسيًا من غيرها لم يكن عليه إعادة ما مضى منها؛ لأنه مَعْفُوٌّ له عن النسيان في الصلاة إذا أتى على الكمال» (٢). وقال الشافعي في القديم: إذا نسي الفاتحة صحت صلاته، وجعل النسيان بمثابة إدراك المقتدي الإمام راكعًا، فإنه يصير مدركًا للركعة. واحتج بما يروى عن عمر ﵁ فإنه نسي القراءة في صلاة المغرب، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، فقال: فلا بأس. قال إمام الحرمين: وهذا قول متروك، لا تفريع عليه، ولا يعتد به (٣). القول الرابع: مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: إن ترك غير مأموم واحدة من تشديداتها، فإن كان قريبًا منها، أعاد الكلمة التي ترك وصحت صلاته، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، ثم أتى بها على وجهها، فإن فات محلها وبعد عنه بحيث يخل بالموالاة أو فارق القيام لزمه الرجوع إليه واستئناف الفاتحة، لتركه حرفًا منها؛ لأن الحرف المشدد أقيم

стр. 1046

مقام حرفين، ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها، فإن لينها، ولم يحققها على الكمال فلا إعادة قولًا واحدًا في المذهب (١). فمذهب الحنابلة قائم على مراعاة الموالاة في قراءة الفاتحة بحيث يصل الكلمات بعضها ببعض. فإذا ترك الشدة فإن كان قريبًا منها بحيث لا يخل ذلك بالموالاة أعاد الكلمة التي وقع فيها الخلل وما بعدها، وصح له قراءة ما مضى، وأمكن البناء عليه. وإن فات محل الفاتحة وبعد عنه، بحيث أخل بالموالاة، فإن كان ما زال في الركعة في أي جزء منها لزمه العودة إلى القيام واستئناف الفاتحة؛ لأن ما وقع بعد ترك الشدة في حكم المُلْغَى، ولا يمكن البناء على ما قرأه من الفاتحة للإخلال بالموالاة، وإن شرع في قراءة الركعة الثانية فقد بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها. هذا هو حكم الأئمة الأربعة في ترك الشدة من الفاتحة، وخلاصته كالتالي: إذا خفف حرفًا مشددًا، فالحنفية لا يبطل الصلاة إذا لم يغير المعنى، فإن تغير المعنى بطلت، لا فرق بين الفاتحة وغيرها؛ لأن الفرض في القراءة، ولم يتعين في الفاتحة. وقيل: إن كان له مثل في القرآن ولو تغير المعنى لم تبطل، وإلا بطلت، وهو قول أبي يوسف باعتبار كأنه تكلم بكلمة من القرآن. وقيل: لا يبطل أبدًا؛ لأن تخفيف المشدد في حكم الخطأ في الإعراب، والتزامه الإعراب حرج، وعليه أكثر المتأخرين من الحنفية. وقال المالكية: إذا نسي آية أو أقل سهوًا مضى في صلاته، وسجد للسهو، وأعاد احتياطًا. وقال الشافعية والحنابلة: إذا خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة لزمه إعادة الكلمة إذا لم يخل بالموالاة، فإن أخل لزمه استئناف الفاتحة ما لم يَصِلْ إلى الركعة الثانية،

стр. 1047

وقال الحنابلة: ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها على خلاف بينهم في مسألتين: الأولى: قراءة الآيات من سورة أخرى لا يقطع الموالاة عند الشافعية خلافًا للحنابلة فإن البعد عن الفاتحة عرفًا يقطع الموالاة. الثانية: لا فرق بين المأموم وغيره عند الشافعية في الحكم خلافًا للحنابلة، حيث لا يرون القراءة واجبة على المأموم. وقد علمت تعليلاتهم عند عرض أقوالهم. * الراجح: أميل إلى أن الركن هو قراءة الفاتحة، وليس كل حرف منها يعتبر ركنًا. قال البهوتي في كشاف القناع: «الفاتحة ركن واحد، محله القيام، لا أن كل حرف ركن» (١). وقد قال الحنفية في الطواف إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا الأقل حكم الواجب، وليس حكم الركن، مع أن مسألتنا لم يأت في الأكثر فقط، بل أتى بعموم الفاتحة ولم يترك منها إلا شدة، فإذا تركها سهوًا وكان المعنى لم يتغير لم تبطل الصلاة بتركه وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وقول القاضي أبي يعلى من الحنابلة، وقول قديم للشافعية، وهو أقوى من قول المالكية الذين يرون أن ترك الآية سهوًا لا يبطل الصلاة، وأما إن غير المعنى فالقول بالبطلان أحوط والجزم ببطلان الصلاة بترك شدة منها قول شديد يحتاج إلى برهان قوي يذهب فيه المفتي إلى إفساد العبادة، والأصل عدم البطلان، والله أعلم. * * *

стр. 1048

المسألة الثانية في اشتراط الموالاة في قراءة الفاتحة المدخل إلى المسألة: * الموالاة: أن يصل كلمات الفاتحة بعضها ببعض، ولا يفصل بينها بفاصل طويل عرفًا، وقيل: بما زاد على قدر التنفس، وقيل: أن يسكت سكوتًا يشعر مثله بأن القراءة قد انقطعت، وهو قريب من الأول. * كل ما لا حد له في الشرع فإنه يرجع في حده إلى العرف، ولا يجوز التقدير بالتحكم. * الوقف المشروع في آي القرآن لا يقطع الموالاة، وهو زائد على قدر التنفس. * الفاصل اليسير بين المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء، والإيجاب والقبول، والاستثناء في الكلام، لا يخل بالموالاة، والضابط في الموالاة يختلف من مسألة إلى أخرى، والاتصال المعتبر في كلام الشخصين أوسع منه في كلام الشخص الواحد، والعبادات التي يبنى آخرها على أولها أضيق من العبادة التي ليست كذلك. * العذر الشرعي لا يخل بالموالاة ولو فارق محل القراءة كما في سجود التلاوة، وقياسًا على قطع الطواف للصلاة المكتوبة والبناء عليه. * قطع القراءة إذا أشعر بالإعراض عنها فهو مبطل للموالاة إلا أن يكون معذورًا. * اليسير لا يبطل الموالاة في قراءة الفاتحة قياسًا على كلمات الأذان إذا تخلله كلام يسير في أصح القولين. * ما كان لمصلحة الصلاة فلا يقطع الموالاة كما في حديث ذي اليدين، فقد سَلَّم النبي ﷺ من الصلاة وانصرف عن القبلة، وتكلم مع المصلين، وبنى على صلاته. * كل مأمور به أسقطه الفقهاء بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب

стр. 1049

عندهم، وأن منزع القول بالوجوب هو الاحتياط، بخلاف ما كان من باب المنهيات فإنها تسقط بالنسيان على الصحيح. * الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة ولا يبطل الصلاة ما دام في الركعة، فإن وصل إلى الركعة التالية بطلت الركعة دون الصلاة، فإن فارق العبادة مع قرب الفصل أتى بركعة وبنى، فإن طال الفصل أعاد الصلاة. * المواظبة على الفعل لا تدل على الوجوب فضلًا عن الشرطية. [م-٥٤٠] اشتراط الموالاة بين كلمات الفاتحة لا يتنزل على مذهب الحنفية: لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم يتأدى بقراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة، وهو رواية عن أحمد، فلا يتصور وجوب الموالاة في مذهبهم (١). ولا يتنزل أيضًا على مذهب المالكية؛ لأن نسيان الفاتحة كلها لا يبطل الصلاة عندهم، فإذا نسي الفاتحة، ولم يكن بالإمكان تلافي ذلك بأن ركع قبل أن يتذكر ذلك، فإنه لا يعود، بل يمضي في ركعته، وصلاته صحيحة، ويسجد للسهو، ويعيدها احتياطًا على الأشهر (٢). ولم يتفرد المالكية بهذا القول فقد وافقهم الشافعي في القديم: فقال: لو ترك الفاتحة ناسيًا لم يضر؛ لأن النسيان عذر كالسبق خلافًا للجديد من قوليه (٣).

стр. 1050

وهذا من عجيب القول، أن تكون قراءة الفاتحة ركنًا، ثم تسقط بالنسيان، وصلاته صحيحة، ويمضي فيها، وكون العبادة تعاد مع الحكم بصحتها عند المالكية، فهذا من مفردات المذهب المالكي، وقد تمت مناقشته عند الكلام على شروط الصلاة، فانظره هناك يا رعاك الله. بقي بحث هذا الشرط معتبرًا عند الشافعية والحنابلة، وقد توجه المذهبان في الكلام على هذا الشرط بشيء من التفصيل، ودراسة هذه المسألة ستكون مقصورة على كلام المذهبين إن شاء الله تعالى. فقد نص الشافعية والحنابلة على أن المولاة بين كلمات الفاتحة شرط في صحة القراءة، وأن الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة (١). * دليلهم على الشرطية: أن النبي ﷺ كان يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية، ولم يُخِلَّ بذلك، فلوكان الإخلال بالمولاة جائزًا لفعل ذلك ولو مرة واحدة لبيان الجواز، وقد قال النبي ﷺ في حديث مالك بن الحويرث في البخاري: صلوا كما رأيتموني أصلي. * ونوقش الاستدلال: بأن هذا الدليل لا يكفي للقول بأن الموالاة شرط، فالاستدلال به على الوجوب قد ينازع فيه، فضلًا على القول بالشرطية؛ لأن الاستدلال بالفعل يدل على المشروعية، وأما الوجوب فيحتاج للقول به أكثر من الفعل، فضلًا عن القول بالشرطية، فالنبي ﷺ كان يواظب على المضمضة والاستنشاق في الوضوء، ولا يجبان على الصحيح. وأما الجمع بين الفعل وبين قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ليخرج الحكم مركبًا من دليلين فهذا المنزع ضعيف الدلالة، فصلاة النبي ﷺ مشتملة على سنن وأركان وواجبات، ولم تكن صلاته مقتصرة على الواجبات فقط، فلا يمكن الاستدلال بهذا الفعل العام المشتمل على هيئات وأقوال وأفعال أحكامها مختلفة

стр. 1051

على وجوب جميع أفعال الصلاة إلا بدليل يخرجها عن الوجوب، بل أفعال النبي ﷺ تدل على المشروعية، وأما الاستدلال على الوجوب والشرطية والركنية فيحتاج إلى دليل آخر يتضمن انتفاء العبادة بانتفاء الفعل، كما قال ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، والله أعلم. هذا فيما يتعلق بالاستدلال على اشتراط الموالاة: وقطع الموالاة يقع إما بالنية، وإما بالسكوت، وإما بذكر يتخلل قراءة الفاتحة، وهذه الأمور قد تقع سهوًا وقد تقع عمدًا، وتأثير هذه الأفعال على الموالاة على النحو التالي: * الإخلال بالموالاة سهوًا: إذا أَخَلَّ بالموالاة ناسيًا لم يضره مطلقًا؛ سواء أخل بالموالاة بسكوت، أم بقراءة غير الفاتحة في أثنائها، نص عليه في الأم، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، بخلاف ما لو ترك الفاتحة سهوًا فإنه يضره؛ لأن الموالاة صفة، والقراءة أصل (١). وللشافعي قولان في ترك الفاتحة ناسيًا، القديم: لا يضره، خلافًا للجديد. ومال إمام الحرمين، والغزالي، إلى أن الموالاة تنقطع بالنسيان إذا قلنا: لا يعذر به في ترك الفاتحة، وهذا أقيس (٢). وقال بعض الحنابلة: لا يعفى عن النسيان (٣). قال النووي: «وأما ترك الموالاة ناسيًا، فالصحيح الذي اتفق عليه الجمهور، ونقلوه عن نص الشافعي ﵀: أنه لا يضر، وله البناء، سواء قلنا: يعذر بترك الفاتحة ناسيًا، أم لا» (٤). * وجه هذا القول: أن النسيان عذر، وقياسًا على ترك الموالاة في أركان الصلاة كما لو طوَّل ركنًا

стр. 1052

قصيرًا ناسيًا لم يضره. * ويناقش: إذا كانت الموالاة شرطًا، وكانت من المأمورات الشرعية، فكيف تسقط بالنسيان، فالمأمورات كالوضوء والغسل لا تسقط بالنسيان بالاتفاق، بخلاف المنهيات كاجتناب النجاسة، فإنها تسقط بالنسيان، فالراجح أن كل مأمور قال فيه الفقهاء يسقط بالنسيان، إما أن يكون القول بسقوطه ضعيفًا، وإما أن يكون هذا دليلًا على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل، ويسقطونه بالنسيان لعدم الجزم بالوجوب، وذلك كقول الحنابلة عن التسمية في الوضوء: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان. وكقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان. وكاشتراط التسمية على الذبيحة، فالمالكية والحنابلة وبعض الفقهاء أسقطوا التسمية بالنسيان مع قولهم بوجوبها، وهي من المأمورات. وقد نقلت كلام الفقهاء في هذه المسألة عند الكلام على سقوط ترتيب الفوائت بالنسيان فارجع إليه. وقد يقال: إن النسيان يرفع الإثم، وهو حكم تكليفي، وأما الصحة والفساد فهي من الأحكام الوضعية، فإذا ثبت القول بأن الموالاة شرط، فإن قطع الموالاة بالنسيان يوجب استئناف الفاتحة، وإن ذهبنا إلى أن النسيان لا يخل بالموالاة فهو أمارة على ضعف القول باشتراط الموالاة، والله أعلم. * الإخلال بالموالاة بالسكوت: إذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت لم تبطل قراءته بلا خلاف عند الشافعية، نص عليه في الأم، واتفق الأصحاب عليه، وبه قال الحنابلة (١). * وجه هذا القول: قال في الأم: لأنه حديث نفس، وهو معفو عنه.

стр. 1053

ولأن القراءة باللسان فلم تنقطع بالنية، ولأن فعله مخالف لنيته. فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا نوى في أثناء الصلاة قطع الصلاة انقطعت، فما الفرق؟ قال الشافعية: الصلاة من شرطها النية، فإذا أفسد نيته أفسد صلاته، والقراءة لا تشترط لها النية، فإذا قطع النية لم تفسد القراءة. وأما تأثير السكوت الطويل غير المشروع على الإخلال بالموالاة: فالأصح في مذهب الشافعية وهو مذهب الحنابلة أن السكوت الطويل غير المشروع يقطع الموالاة مطلقًا سواء أكان معه نية القطع، أم لا (١). وجهه: أن السكوت الطويل يشعر بقطع القراءة، والإعراض عنها. واختار العراقيون من الشافعية أنه إذا لم يَنْوِ بِهِ قطع القراءة فلا يقطع الموالاة، ولو كان طويلًا، ورجحه المحب الطبري في التعليقة الكبرى، ووصفه النووي بالقول الشاذ في الروضة (٢). وقال عنه في المجموع: «ليس بشيء، والموجود في كتب العراقيين وجوب الاستئناف» (٣). لكن قال المحب الطبري في التعليقة الكبرى في الفروع: «إن سكت في أثناء الفاتحة سكوتًا طويلًا لا ينوي به قطع القراءة، أو ارتج عليه .... فإنه لا يضره، ويبني على قراءته» (٤). قال إمام الحرمين في نهاية المطلب: «وذكر العراقيون وجهًا أَنَّ تَرْكَ الموالاة

стр. 1054

بالسكوت الطويل قصدًا عمدًا لا يبطل القراءة، وهذا مزيف متروك، وإن كان لا يبعد توجيهه» (١). وأما السكوت اليسير دون نية القطع: فلا يقطع الموالاة قولًا واحدًا في مذهب الشافعية (٢). قال النووي: «وإن قصرت مدة السكوت لم يؤثر بلا خلاف» (٣). لأن اليسير مغتفر، ولا يسلم منه أحد، ولا يبدو منه الإعراض عن القراءة. واختار القاضي أبو يعلى من الحنابلة أنه يلزمه استئناف الفاتحة بالسكوت، ولوكان يسيرًا (٤). * وأما السكوت المصحوب بنية القطع: فإن كان السكوت طويلًا انقطعت الموالاة بلا خلاف، ووجب عليه استئناف القراءة، وإن كان يسيرًا بطلت في الأصح المشهور؛ لتأثير الفعل مع النية. وفيه وجه عند الشافعية: أنها لا تبطل، حكاه صاحب الحاوي وغيره؛ لأن النية بمفردها لا تؤثر، والسكوت اليسير وحده لا يؤثر، فكذا إذا اجتمعا (٥). واختار الحنابلة أن السكوت اليسير لا يقطع مطلقًا، سواء أَنَوَى قطعها أم لا (٦). * الإخلال بالموالاة بذكر يتخلل قراءة الفاتحة: إذا أتى المصلي بذكر في أثناء قراءة الفاتحة فإن كان مشروعًا يتعلق بمصلحة الصلاة كتأمينه لقراءة إمامه، وسجوده لتلاوته، واستماع قراءة الإمام، وفتحه عليه

стр. 1055

القراءة، فلا يقطع الموالاة وإن طال، وهذا هو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة (١). لأن مثل هذه الأذكار مأمور بها شرعًا، وتعود لمصلحة الصلاة فلا تبطل بها الموالاة، كما لا تبطل الموالاة بالطواف والسعي إذا أقيمت المكتوبة، وكما لم تبطل الصلاة بما وقع للنبي ﷺ في حديث ذي اليدين من الكلام، والقيام والمشي، ومثل ذلك يبطل الصلاة لولا أن ذلك كان لعذر، ولمصلحة الصلاة. وقيل: تبطل الصلاة إذا تخللها ذكر مطلقًا، حتى ولو كان مشروعًا، فلو أمن المأموم على قراءة إمامه في أثناء قراءته الفاتحة انقطعت الموالاة، وهو وجه مرجوح عند الشافعية (٢). قال ابن حجر: «مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمن، ولو كان مشتغلًا بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة على وجهين، أصحهما: لا تنقطع؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كالحمد للعاطس، والله أعلم» (٣). وإن كان الذكر أجنبيًّا عن الصلاة: فقال الشافعية يقطع الموالاة وإن قَلَّ، كما لو عطس، فحمد الله، أو أجاب المؤذن، أو سبح للداخل؛ وبه قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ولا تبطل الصلاة، بل تبطل قراءة الفاتحة، ويجب استئنافها؛ لوجوب الموالاة فيها (٤). وجهه: أن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة. وقال الحنابلة: إن كان الذكر يسيرًا فلا يقطع الموالاة مطلقًا؛ سواء أكان دعاء
следующие страницы →