على وجوب جميع أفعال الصلاة إلا بدليل يخرجها عن الوجوب، بل أفعال النبي ﷺ تدل على المشروعية، وأما الاستدلال على الوجوب والشرطية والركنية فيحتاج إلى دليل آخر يتضمن انتفاء العبادة بانتفاء الفعل، كما قال ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، والله أعلم.
هذا فيما يتعلق بالاستدلال على اشتراط الموالاة:
وقطع الموالاة يقع إما بالنية، وإما بالسكوت، وإما بذكر يتخلل قراءة الفاتحة، وهذه الأمور قد تقع سهوًا وقد تقع عمدًا، وتأثير هذه الأفعال على الموالاة على النحو التالي:
* الإخلال بالموالاة سهوًا:
إذا أَخَلَّ بالموالاة ناسيًا لم يضره مطلقًا؛ سواء أخل بالموالاة بسكوت، أم بقراءة غير الفاتحة في أثنائها، نص عليه في الأم، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، بخلاف ما لو ترك الفاتحة سهوًا فإنه يضره؛ لأن الموالاة صفة، والقراءة أصل (١).
وللشافعي قولان في ترك الفاتحة ناسيًا، القديم: لا يضره، خلافًا للجديد.
ومال إمام الحرمين، والغزالي، إلى أن الموالاة تنقطع بالنسيان إذا قلنا: لا يعذر به في ترك الفاتحة، وهذا أقيس (٢).
وقال بعض الحنابلة: لا يعفى عن النسيان (٣).
قال النووي: «وأما ترك الموالاة ناسيًا، فالصحيح الذي اتفق عليه الجمهور، ونقلوه عن نص الشافعي ﵀: أنه لا يضر، وله البناء، سواء قلنا: يعذر بترك الفاتحة ناسيًا، أم لا» (٤).
* وجه هذا القول:
أن النسيان عذر، وقياسًا على ترك الموالاة في أركان الصلاة كما لو طوَّل ركنًا
стр. 1052
قصيرًا ناسيًا لم يضره.
* ويناقش:
إذا كانت الموالاة شرطًا، وكانت من المأمورات الشرعية، فكيف تسقط بالنسيان، فالمأمورات كالوضوء والغسل لا تسقط بالنسيان بالاتفاق، بخلاف المنهيات كاجتناب النجاسة، فإنها تسقط بالنسيان، فالراجح أن كل مأمور قال فيه الفقهاء يسقط بالنسيان، إما أن يكون القول بسقوطه ضعيفًا، وإما أن يكون هذا دليلًا على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل، ويسقطونه بالنسيان لعدم الجزم بالوجوب، وذلك كقول الحنابلة عن التسمية في الوضوء: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان.
وكقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان.
وكاشتراط التسمية على الذبيحة، فالمالكية والحنابلة وبعض الفقهاء أسقطوا التسمية بالنسيان مع قولهم بوجوبها، وهي من المأمورات.
وقد نقلت كلام الفقهاء في هذه المسألة عند الكلام على سقوط ترتيب الفوائت بالنسيان فارجع إليه.
وقد يقال: إن النسيان يرفع الإثم، وهو حكم تكليفي، وأما الصحة والفساد فهي من الأحكام الوضعية، فإذا ثبت القول بأن الموالاة شرط، فإن قطع الموالاة بالنسيان يوجب استئناف الفاتحة، وإن ذهبنا إلى أن النسيان لا يخل بالموالاة فهو أمارة على ضعف القول باشتراط الموالاة، والله أعلم.
* الإخلال بالموالاة بالسكوت:
إذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت لم تبطل قراءته بلا خلاف عند الشافعية، نص عليه في الأم، واتفق الأصحاب عليه، وبه قال الحنابلة (١).
* وجه هذا القول:
قال في الأم: لأنه حديث نفس، وهو معفو عنه.
стр. 1053
ولأن القراءة باللسان فلم تنقطع بالنية، ولأن فعله مخالف لنيته.
فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا نوى في أثناء الصلاة قطع الصلاة انقطعت، فما الفرق؟
قال الشافعية: الصلاة من شرطها النية، فإذا أفسد نيته أفسد صلاته، والقراءة لا تشترط لها النية، فإذا قطع النية لم تفسد القراءة.
وأما تأثير السكوت الطويل غير المشروع على الإخلال بالموالاة:
فالأصح في مذهب الشافعية وهو مذهب الحنابلة أن السكوت الطويل غير المشروع يقطع الموالاة مطلقًا سواء أكان معه نية القطع، أم لا (١).
وجهه: أن السكوت الطويل يشعر بقطع القراءة، والإعراض عنها.
واختار العراقيون من الشافعية أنه إذا لم يَنْوِ بِهِ قطع القراءة فلا يقطع الموالاة، ولو كان طويلًا، ورجحه المحب الطبري في التعليقة الكبرى، ووصفه النووي بالقول الشاذ
في الروضة (٢).
وقال عنه في المجموع: «ليس بشيء، والموجود في كتب العراقيين وجوب الاستئناف» (٣).
لكن قال المحب الطبري في التعليقة الكبرى في الفروع: «إن سكت في أثناء الفاتحة سكوتًا طويلًا لا ينوي به قطع القراءة، أو ارتج عليه .... فإنه لا يضره، ويبني على قراءته» (٤).
قال إمام الحرمين في نهاية المطلب: «وذكر العراقيون وجهًا أَنَّ تَرْكَ الموالاة
стр. 1054
بالسكوت الطويل قصدًا عمدًا لا يبطل القراءة، وهذا مزيف متروك، وإن كان لا يبعد توجيهه» (١).
وأما السكوت اليسير دون نية القطع: فلا يقطع الموالاة قولًا واحدًا في مذهب الشافعية (٢).
قال النووي: «وإن قصرت مدة السكوت لم يؤثر بلا خلاف» (٣).
لأن اليسير مغتفر، ولا يسلم منه أحد، ولا يبدو منه الإعراض عن القراءة.
واختار القاضي أبو يعلى من الحنابلة أنه يلزمه استئناف الفاتحة بالسكوت، ولوكان يسيرًا (٤).
* وأما السكوت المصحوب بنية القطع:
فإن كان السكوت طويلًا انقطعت الموالاة بلا خلاف، ووجب عليه استئناف القراءة، وإن كان يسيرًا بطلت في الأصح المشهور؛ لتأثير الفعل مع النية.
وفيه وجه عند الشافعية: أنها لا تبطل، حكاه صاحب الحاوي وغيره؛ لأن النية بمفردها لا تؤثر، والسكوت اليسير وحده لا يؤثر، فكذا إذا اجتمعا (٥).
واختار الحنابلة أن السكوت اليسير لا يقطع مطلقًا، سواء أَنَوَى قطعها أم لا (٦).
* الإخلال بالموالاة بذكر يتخلل قراءة الفاتحة:
إذا أتى المصلي بذكر في أثناء قراءة الفاتحة فإن كان مشروعًا يتعلق بمصلحة الصلاة كتأمينه لقراءة إمامه، وسجوده لتلاوته، واستماع قراءة الإمام، وفتحه عليه
стр. 1055
القراءة، فلا يقطع الموالاة وإن طال، وهذا هو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة (١).
لأن مثل هذه الأذكار مأمور بها شرعًا، وتعود لمصلحة الصلاة فلا تبطل بها الموالاة، كما لا تبطل الموالاة بالطواف والسعي إذا أقيمت المكتوبة، وكما لم تبطل الصلاة بما وقع للنبي ﷺ في حديث ذي اليدين من الكلام، والقيام والمشي، ومثل ذلك يبطل الصلاة لولا أن ذلك كان لعذر، ولمصلحة الصلاة.
وقيل: تبطل الصلاة إذا تخللها ذكر مطلقًا، حتى ولو كان مشروعًا، فلو أمن المأموم على قراءة إمامه في أثناء قراءته الفاتحة انقطعت الموالاة، وهو وجه مرجوح عند الشافعية (٢).
قال ابن حجر: «مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمن، ولو كان مشتغلًا بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة على وجهين، أصحهما: لا تنقطع؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كالحمد للعاطس، والله أعلم» (٣).
وإن كان الذكر أجنبيًّا عن الصلاة:
فقال الشافعية يقطع الموالاة وإن قَلَّ، كما لو عطس، فحمد الله، أو أجاب المؤذن، أو سبح للداخل؛ وبه قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ولا تبطل الصلاة، بل تبطل قراءة الفاتحة، ويجب استئنافها؛ لوجوب الموالاة فيها (٤).
وجهه: أن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة.
وقال الحنابلة: إن كان الذكر يسيرًا فلا يقطع الموالاة مطلقًا؛ سواء أكان دعاء
стр. 1056
أم قرآنًا أم غيرهما؛ ولو كان غير مشروع؛ لعدم الإخلال بنظمها (١).
ومذهب الحنابلة أصح؛ لأن اليسير في الشريعة معفو عنه في الجملة ما لم يرد نص يقضي بعدم العفو.
ولأن الذكر والدعاء مشروع جنسهما في الصلاة بالجملة.
ولأن الفاصل اليسير لا يشعر بالإعراض عن القراءة وقطعها، وإذا كان الكثير منه -إذا وقع سهوًا- مَعْفُوًّا عنه عند الشافعية والحنابلة فتعمُّدُ قليلِهِ لا يضر؛ لأن بطلان القراءة حكم وضعي، والسهو يرفع الحكم التكليفي وهو الإثم، وأما الصحة والفساد فلا تلازم بينهما، فلما حكموا بأن الذكر الكثير سَهْوًا لا يخل بالموالاة، والصلاة صحيحة، فلا يتصور أن الذكر اليسير يفسد الموالاة، ولو وقع عمدًا، والله أعلم.
هذا تفصيل المسألة عند الشافعية والحنابلة، وواضح أن هناك توافقًا في أكثر التفريعات بين المذهبين، وقدر الاختلاف بينهما يسير جدَّا، فدعنا نذكر ما يتوافقان عليه، وما يختلفان فيه حتى يسهل تصوره:
يتفق الشافعية في المشهور والحنابلة:
أن المصلي إذا ترك الموالاة سهوًا لم يضره، سواء أكان ذلك بسكوت، أم قراءة قرآن، أم ذكر، أم دعاء، أم غير ذلك.
كما يتفقان على أن ترك الموالاة من أجل مصلحة الصلاة لا يقطع الموالاة، كالتأمين، وسجود التلاوة، ونحوها، وسؤال الرحمة عند آية الرحمة ونحو ذلك.
كما يتفقان أن نية القطع وحدها إذا استمر بالقراءة لا تقطع الموالاة.
وأن السكوت اليسير إذا لم يكن معه نية القطع لا يقطع الموالاة.
هذه الفروع التي يتفقان عليها فيما لا يقطع الموالاة.
كما يتفقان أن السكوت الطويل، والذكر الكثير غير المشروع يقطع الموالاة.
ويختلفان في مسألتين:
في السكوت اليسير إذا كان معه نية القطع، فهو يخل بالموالاة عند الشافعية
стр. 1057
خلافًا للحنابلة.
والذكر الأجنبي إذا كان يسيرًا فهو يخل بالموالاة عند الشافعية خلافًا للحنابلة.
* الراجح:
دليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الموالاة ليس بالقوة؛ لأنهم استدلوا على مواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل، وأنه قال ﷺ لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي وقد ناقشت هذا الدليل فيما سبق، وأن أفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب فضلًا عن الشرطية، ويمكن الاستدلال على وجوب الموالاة بطريقتين:
إحداهما: أن يقال: إن العبادة الواجبة إذا وردت على صفة معينة كانت هذه الصفة واجبة فيها؛ فكأن الأمر بقراءة الفاتحة من المجمل لكونه يصدق على قراءتها متوالية ومفرقة، فإذا جاء الفعل ووقع متواليًا، وواظب النبي ﷺ على ذلك كان هذا الفعل بيانًا لذلك المجمل، فتكون الصفة لها حكم المجمل، فإذا غير المصلي هذه الصفة فقد أخل بالصفة الواجبة لها، فلم تبرأ ذمته؛ ولم يُؤَدِّ المطلوب منه، وقد قال النبي ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
الطريقة الثانية في الاستدلال: أن يقال: إن العبادة كما أنها توقيفية، والأصل فيها المنع، فكذلك صفتها الأصل أنها توقيفية، ومن أراد أن يحدث صفة في العبادة فعليه الدليل، وإنما تلقينا صفة قراءة الفاتحة متوالية، فمن فرقها بلا سبب، ولا عذر شرعي فقد أحدث، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، فالاستدلال بهذه الطريقة أجود من الناحية الأصولية من الاستدلال بمجرد الفعل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن آيات الفاتحة يبنى بعضها على بعض، فتفريقها ليس ممكنًا؛ وهكذا كل آيات يرتبط بعضها ببعض يؤثر تفريقها، لأن اتصالها مطلوب، فالآيات الثلاث الأولى تتبع بعضها بالإعراب فقوله تعالى: (مالك يوم الدين) فلفظ مالك مجرور على التبعية للفظ الجلالة في الآية الأولى، وكذلك قوله: (الرحمن الرحيم) مجرور على التبعية كذلك، فلا يمكن تفريق التوابع عن بعضها، والآية الخامسة إلى آخر الآية هي جملة واحدة مشتملة على دعاء، وفيها استثناء المغضوب عليهم والضالين، فلا يتصور تفريقها؛ لأنه تفريق
стр. 1058
بين المستثنى والمستنثى منه، بقي آية واحدة مستقلة بمعناها: وهي إياك نعبد وإياك نستعين.
فإذا علمنا أن ثلاث الآياتِ الأولى هي ثناء على الله ومقدمة للدعاء، وأن من آداب الدعاء المطلوبة، ومن أسباب استجابته أن يتقدم الدعاءَ ثناءٌ وتمجيدٌ لله، كان ارتباط آخر الآية بأولها مطلوبًا من حيث المعنى، وكان تفريق ثناء الدعاء عن الدعاء إخلالًا بالمقصود شرعًا، حتى قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين توسل إلى الله بعبادته ليكون سببًا في استجابة ما يليه من الدعاء، ولهذا كانت قراءة ما زاد على الفاتحة لا يشترط له الموالاة إذا كان لا يخل بالمعنى على الصحيح، والله أعلم.
* * *
стр. 1059
المسألة الثالثة في تنكيس القراءة
المطلب الأول في تنكيس آيات الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
* ترتيب الآيات توقيفي بالإجماع، فلا مجال للاجتهاد فيه.
* ترتيب الآيات واجب للتلاوة، لا فرق فيه بين الصلاة وخارجها، ولا بين الفرض والنفل، ولا بين الفاتحة وغيرها.
* قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتنكيس الآيات لا فرق فيه بين وقوعه في ركعة واحدة أو وقوعه في ركعتين.
* وجوب تلاوة الفاتحة مرتبةً مختصٌ بالصلاة، وإن وجب الترتيب للتلاوة، والضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، كستر العورة.
* الإخلال بترتيب الآيات مبطل للقراءة، ويوجب استئناف ما كان واجبًا منها كالفاتحة، وهل ترك الترتيب عمدًا يبطل الصلاة؛ لتركه واجبًا مختصًّا بالصلاة؟
* الإخلال بترتيب الآيات إذا وقع عمدًا، وتغير به المعنى أبطل الصلاة.
[م-٥٤١] ترتيب الكلمات والآيات في السورة ثبت بالنص فهو توقيفي بالإجماع (١).
стр. 1060
وترتيب السور ثبت باجتهاد الصحابة في أصح قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور (١)، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة، وهل توافُقُ الصحابةِ على ترتيب المصحف زمن عثمان يرفع الخلاف؟ الصحيح: لا، ولكن اتفاقهم يجعل هذا الترتيب مقدمًا على غيره، لا ناسخًا لغيره، وبحث مثل هذا في علوم القرآن، إلا أن لهذا الخلاف أثرًا فقهيًّا في حكم تنكيس الكلمات والآيات والسور في قراءة الصلاة، وهو الذي يعنينا في صفة الصلاة.
[م-٥٤٢] وقد اتفق العلماء على تحريم تنكيس حروف القرآن، وكلماته وأنه يبطل الصلاة عمده وسهوه؛ لأنه يختل لفظًا ومعنى ويصبح كلامًا أجنبيًّا عن القرآن، ولو فعل هذا في كلام البشر لأصبح من التحريف والتبديل لمراد المتكلم فيكف مع كلام الله ، والذي توقيره من توقير الله، والفرق بين كلام الله وكلام البشر كالفرق بين الخالق والمخلوق (٢).
قال ابن رجب: «وتنكيس الكلمات محرم، مبطل للصلاة اتفاقًا» (٣).
وقال ابن مفلح: وتنكيس الكلمات محرم مبطل (و) (٤)، أي: وفاقًا للأئمة، ولم يرمز بحرف (ع) الدال على الإجماع، فتأمل، وكلام ابن مفلح يندرج في كلام
стр. 1061
ابن رجب، ومع ابن رجب زيادة علم، فتقبل، ولم أقف على ما يخرقه، والنظر دال عليه.
[م-٥٤٣] واختلفوا في تنكيس آيات القرآن:
القول الأول: مذهب الحنفية:
يكره تنكيس الآيات في صلاة الفرض دون النفل، سواء أوقع ذلك في ركعة واحدة أم وقع في ركعتين (١).
والأصل في الكراهة إذا أطلقها الحنفية أنهم يريدون بها كراهة التحريم، ولم أجد من نص على ذلك، ويحتمل أنهم أرادوا الكراهة التنزيهية؛ لتفريقهم بين الفرض والنفل، فلو كانت الكراهة تحريمية في الفرض لاحتاج القول في إباحته في النفل إلى نص ينقل المحرم إلى الإباحة، بخلاف ما كان مكروهًا في الفرض فقد يتوسع فيه في النفل، فتأمل.
وقولهم: (تنكيس الآيات) إطلاق الآيات ظاهره أنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها؛ لأن الركن عندهم القراءة، ولا تتعين في الفاتحة كما سبق تقريره.
وإطلاق التنكيس ظاهره أنه لا فرق عند الحنفية بين أن ينكس السورة كلها، بأن يبدأ من أسفلها صعودًا إلى أولها، أو ينكس بعض السورة بالنسبة إلى بعضها الآخر، وهوما يمكن تسميته تنكيس جملة آيات من السورة بالنسبة إلى جملة آيات أخرى، كما لو ابتدأ بالنصف الأخير من السورة، فقرأه مرتبًا، ثم قرأ النصف الأول من السورة مرتبًا، فهذا لا يدخل في تنكيس السورة آية آية، وإنما يدخل في تنكيس جملة آيات بالنسبة لجملة أخرى، وهو مكروه عندهم أيضًا، ولهذا الحنفية لا يفرقون في الكراهة بين تنكيس الآيات وتنكيس السور، وتنكيس السور هو تنكيس جملة آيات بالنسبة إلى جملة آيات أخرى. والله أعلم.
ولا فرق عند الحنفية بين أن يكون التنكيس وقع في ركعة واحدة، أو أن التنكيس كان بالنسبة لقراءة الركعة الثانية، فهو داخل ضمن التنكيس المكروه.
* وجه القول بالكراهة عند الحنفية:
يظهر والله أعلم أن الحنفية لم يذهبوا إلى تحريم التنكيس لسببين:
стр. 1062
أحدهما: أن فرض القراءة يتحقق عندهم بقراء آية واحدة، فإذا قرأ آية واحدة طويلة كانت أو قصيرة فقد تحقق الركن عندهم، فالتنكيس يقع في قدر زائد على القراءة المفروضة.
* ويناقش:
هذا يصح الاستدلال به للحنفية لو أن الحنفية يرون أن الفاتحة تتعين للقيام بفرض القراءة، فإذا وقع التنكيس خارج الفاتحة قيل وقع في القدر المستحب، وهو متميز عن القدر الواجب، أما إذا كان فرض القراءة عندهم لا يتعين في سورة بعينها، بل الفرض يتأدى في مقدار آية واحدة غير معينة، وكانت القراءة منها ما هو فرض، ومنها ما هو مستحب، واتصل الفرض بالمستحب على وجه لا يتعين هذا من هذا، فالجميعها يأخذ حكم الواجب، فلا يصح هذا الاستدلال.
الثاني: مما يجعل التنكيس مكروهًا، أن النهي عن التنكيس ليس لذات الصلاة، بل لأن ترتيب الآيات حق التلاوة (١)، وإذا عاد النهي لمعنى لا يختص بالصلاة لم يكن محرمًا، والله أعلم.
* أما وجه كراهة تنكيس قراءة آيات الركعة الثانية بالنسبة لقراءة الركعة الأولى:
فيرى الحنفية أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فالقراءة في الركعة الثانية جزء متمم للقراءة في الركعة الأولى، ولهذا لا يستحبون التعوذ في الركعة الثانية، وإذا كانت القراءة في الركعتين في حكم القراءة الواحدة كان التنكيس مكروهًا مطلقًا، سواء أوقع ذلك في ركعة واحدة، أم وقع ذلك في ركعتين.
* أما وجه اختصاص الكراهة بالفرض دون النفل:
فنقل ابن عابدين عن بعض الحنفية توجيه جوازه في النفل دون الفرض: بأن النفل لاتساع بابه نُزِّلت كل ركعة منه فعلًا مستقلًّا، فيكون كما لو قرأ إنسان سورة، ثم سكت، ثم قرأ ما فوقها فلا كراهة فيه (٢).
وهذا التوجيه ليس بوجيه، ذلك أن الحنفية نصوا على أن القراءة على الترتيب
стр. 1063
من واجبات القراءة، فيلزم من ذلك أن حكم القراءة خارج الصلاة حكمها داخل الصلاة، فلا يتوجه فرق بين الفرض والنفل (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
يحرم تنكيس آيات سورة واحدة بركعة واحدة، وظاهره مطلقًا في الفرض والنفل، أما إن قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأولى فهذا من التنكيس المكروه، سواء أكان ذلك في ركعة أم في ركعتين، وهذا مذهب المالكية (٢).
قال الزرقاني في شرح خليل: «ومن التنكيس المكروه: قراءة نصف سورة أخير، ثم نصفها الأول، كل ذلك في ركعة أو ركعتين، ولا تبطل الصلاة» (٣).
ويفارق مذهب المالكية مذهب الحنفية بالأمور التالية:
الأول: عدم التفريق بين الفرض والنفل خلافًا للحنفية.
الثاني: تقييد النهي عن التنكيس في الركعة الواحدة، لأن لكل ركعة قراءة مستقلة؛ خلافًا للحنفية حيث يرون أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة.
الثالث: تقسيمهم التنكيس إلى محرم مبطل للصلاة مطلقًا، ومكروه.
فالمحرم: هو تنكيس القراءة كلها، فيبدأ من آخر آية صعودًا إلى أولها.
قال القاضي عياض: «ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها ﷺ » (٤).
وعلل التحريم الدسوقي بقوله: «وحرم تنكيس الآيات المتلاصقة في ركعة واحدة، وأبطل الصلاة؛ لأنه ككلام أجنبي» (٥).
وقال بعضهم: لأن فيه خروجًا بالكلام عن هيئة القرآن (٦).
стр. 1064
فكل ما أَخَلَّ بنظم الآيات، وخالف التوقيف المتلقى من الوحي، فهو محرم، وقد تكون الآية الثانية جزءًا متممًا للآية التي قبلها، فيفسد المعنى، وهو كثير في القرآن.
وأما التنكيس المكروه: فهو كما لو قَسَّم قراءة السورة، فقرأ من السورة مرتبة نصفها الأخير، ثم قرأ من نفس السورة مرتبة نصفها الأول، فهذا التنكيس مكروه مطلقًا عندهم، سواء أكان في ركعة واحدة أم في ركعتين.
وإنما لم يحرم؛ لأن القراءة لم تخالف الترتيب التوقيفي المُنَزَّل على الرسول ﷺ ؛ ولأنه يشبه تنكيس السور، فكأن النصف الأخير سورة مستقلة، والنصف الأول سورة مستقلة، فلم يخل بنظم القرآن، ولم يخرج القرآن عن هيئته، فكان حكمه حكم تنكيس السور عندهم.
ولماذا كره مع سلامة المعنى، وسلامة الترتيب؟
فيجاب: بأن هذه الصفة لم تنقل.
فإن قيل: إذا لم تنقل، فلماذا لم تحرم؛ لأن صفة العبادة بمنزلة العبادة؟
فيقال في الجواب: إن الله قد قال: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فتدخل هذه الصفة في الامتثال في الجملة.
وقال ﷺ للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .. (١).
فلم تحرم هذه الصفة احتياطًا للعبادة، وكرهت لكونها لم تنقل، والله أعلم.
وقد يناقش هذا:
بأننا لو نزلنا قراءة الركعة الثانية بالنسبة للركعة الأولى بمنزلة تنكيس السور، فما الجواب عن ذلك إذا وقع مثل هذا التنكيس في ركعة واحدة، والحكم واحد عند المالكية، فإذا وقع في ركعة واحدة فقد اختل الترتيب التوقيفي في آخر آية من النصف الأخير مع أول آية من النصف الأول حين ينتقل إليها، ولا فرق في النهي أن يقع التنكيس مرة واحدة في آيتين، أو يقع مرارًا مع كل الآيات، فهذه صورة من صور التنكيس المحرم، فلماذا كان مكروهًا؟
стр. 1065
* ويجاب:
إذا كان يمكن لنا أن نجيب نيابة عن المالكية فربما يمكن القول بأحد جوابين:
الجواب الأول:
أن يقال: إن النظر في التنكيس إلى آخر آية من النصف الأخير بالنسبة إلى أول آية من النصف الأول يقع كذلك في تنكيس السور، فالرسول ﷺ عندما قرأ النساء قبل آل عمران، فإن آخر آية من النساء بالنسبة إلى أول آية من آل عمران فيها صورة من تنكيس الآيات، ومع ذلك اغتفر هذا.
الجواب الثاني:
أن يقال: إنه يشترط أن يقرأ النصف الأول بنية استئناف القراءة، وليس بنية البناء على القراءة السابقة، حتى لا يقع في صورة التنكيس المحرم.
فإن ارتضى هذا التوجيه إخواننا المالكية فالحمد لله، وإلا فليدعوه، فالحق لهم، والله أعلم.
القول الثالث: مذهب الشافعية:
قالوا: يحرم تنكيس الآيات في سورة واحدة، من غير فرق بين أن يكون التنكيس لجميع السورة أو لبعضها، كما لو قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأول، وفي هذا التفريع يفارق مذهب الشافعية مذهب المالكية.
فإذا ترك المصلي الترتيب عمدًا بطلت قراءته، ولم تبطل صلاته، ويلزمه استئناف الواجب منها وهي الفاتحة؛ لوجوبها نصَّا، وإن كان ساهيًا لم يُعْتَدَّ بالمؤخر، ويبني على المرتب من أول الفاتحة إلا أن يطول الفصل فيجب استئناف القراءة، وإن غير المعنى بطلت صلاته، هذا تفصيل مذهب الشافعية (١).
قال ابن حجر الهيتمي: «إن كان التنكيس في آيات سورة واحدة حرم ... » (٢).
* الدليل على تحريم التنكيس:
سبق لي أن ذكرت في القول السابق الدليل على تحريم التنكيس.
قال ابن حجر الهيتمي: «وإنما حرم تنكيس آيات السورة الواحدة وحكى
стр. 1066
بعضهم الإجماع عليه؛ لإجماعهم على أن ترتيب آيات كل سورة معجزة، وأن النبي ﷺ هو الفاعل له، بخلاف ترتيب السور ... » (١).
ولأن إثبات الآي لا يجوز إلا بالتواتر، فكذلك مواضعها (٢).
(ث-٣٤٤) وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن، قال: حدثنا وكيع وأبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، قال:
جاء رجل إلى عبد الله، فقال: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا، قال: ذاك منكوس القلب (٣).
[صحيح] (٤).
وقد اختلفوا في تفسير أثر ابن مسعود، أَقَصَدَ به تنكيس السور، أم عنى به تنكيس الآيات؟ على قولين، وسوف يأتي مناقشتهما إن شاء الله تعالى عند الكلام على تنكيس السور.
* وجه اختصاص التحريم بكون التنكيس في ركعة واحدة:
يرى الشافعية أن لكل ركعة قراءة مستقلة؛ فهم يتفقون في هذا مع المالكية، ويخالفون الحنفية الذين يرون أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة.
* وجه عدم التفريق بين التنكيس آية آية، وبين تنكيس بعض الآيات بالنسبة إلى بعضها الآخر:
يتفق الشافعية مع الحنفية بأنه لا فرق بين أن ينكس السورة كلها، بأن يبدأ من أسفلها صعودًا إلى أولها، أو ينكس بعض السورة بالنسبة إلى بعضها الآخر، وذلك
стр. 1067
أن جميع الصورتين توقع في تنكيس الآيات، فإذا قرأ النصف الأخير من السورة أولًا، فإن آخر آية منه فيها تنكيس بالنسبة لأول آية من النصف الأول من السورة، فكلتا الصورتين لم يسلم من تنكيس الآيات.
وإذا كان تنكيس الآيات مُخِلًّا بترتيب القرآن المتلقى بالتوقيف كان كله حرامًا.
القول الرابع:
يحرم تنكيس الآيات مطلقًا داخل الصلاة وخارجها، وهو رواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية.
قال حرب الكرماني: «سألت أحمد: يكره أن يقرأ الرجل من آخر السورة إلى أولها، أويأخذ القلم، فيكتب مثل ذلك، فكرهه كراهة شديدة» (١).
والكراهة الشديدة أقرب إلى التحريم منها إلى الكراهة التنزيهية، وظاهره لا فرق بين الفاتحة وغيرها، ولا بين الصلاة وخارجها.
وقال ابن تيمية: «ترتيب الآيات مأمور به نصًّا، وأما ترتيب السور فمفوَّض إلى اجتهادهم» (٢).
وظاهره لا فرق بين الفاتحة وغيرها، وبين الصلاة وخارجها.
قال الخلوتي: «فعلى كلام الشيخ تقي الدين من أنه أيضًا واجب، أنه يحرم أيضًا تنكيس الآيات، ولكن لا تبطل به الصلاة؛ لعدم إخلاله بالنظم» (٣).
لعله يقصد: لا تبطل به الصلاة وإن بطلت به القراءة، ووجب معه استئناف الفاتحة، والله أعلم.
* دليل هذا القول:
أن ترتيب الآيات حق التلاوة، فكان محرمًا مطلقًا، داخل الصلاة، وخارجها، وسهوه مبطل للقراءة، ويستأنف الواجب منها كالفاتحة.
وأما إذا ارتكب التنكيس متعمدًا، أتبطل صلاته باعتبار أنه ارتكب محرمًا متعمدًا
стр. 1068
داخل العبادة، كما ذهب إليه المالكية في التنكيس المحرم، وقال به الشافعية إذا أفسد المعنى، أم أنه يبطل القراءة وحدها، ويوجب استئناف الفاتحة؟ فيه تأمل، والمعتمد في المذهب لا تبطل به الصلاة، كما سيأتي بيانه في القول الخامس، والله أعلم.
قال ابن مفلح: «وعند شيخنا -يعني ابن تيمية- ترتيب الآيات واجب؛ لأن ترتيبها بالنص (ع)» (١). يعني إجماعًا.
القول الخامس: مذهب الحنابلة:
قالوا: يجب ترتيب الفاتحة مطلقًا، فإن تركه عمدًا أو سهوًا لزمه استئنافها، ويكره في غيرها، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة (٢).
قال في شرح منتهى الإرادات: «أو ترك ترتيبها أي الفاتحة عمدًا أو سهوًا لزمه استئنافها؛ لأن ترك الترتيب مخل بالإعجاز» (٣).
وقال أيضًا: «ولا يحرم تنكيس السور، ولا تنكيس الآيات، ولا تبطل به؛ لأنه لا يخل بنظم القرآن، لكن الفاتحة يعتبر ترتيبها، وتقدم، ويكره تنكيس السور والآيات في ركعة أو ركعتين، واحتج أحمد بأنه ﷺ تعلم على ذلك» (٤).
ولا فرق عندهم في تحريم تنكيس الفاتحة بين أن يقدم آية على أخرى، أو يقدم جملة من الآيات على جملة آيات أخرى.
وأما دليلهم على تحريم التنكيس في الفاتحة فقد سبق ذكره في أدلة الشافعية.
وأما كراهتهم التنكيس في قراءة ما زاد على الفاتحة؛ باعتبار أن هذا المقدار إذا بطل بالتنكيس لم يجب استئنافه لعدم وجوبه، لهذا الخلل إذا وقع فيه لم يكن محرمًا كالفاتحة.
* ويناقش:
أن ترتيب الآيات أهو من حقوق التلاوة، أم هو من حقوق الصلاة، فإن كان
стр. 1069
الترتيب من حقوق التلاوة؛ لكون التنكيس يخل بنظم الآيات التوقيفي، فإن ذلك يعني تحريم التنكيس مطلقًا، سواء أوقع ذلك في الصلاة أم وقع في خارجها، وسواء أوقع في الفاتحة أم وقع فيما زاد عليها، فلا معنى للتفريق بين الفاتحة وغيرها إلا من حيث وجوب الاستئناف، فإن التنكيس إذا أبطل القراءة وجب استئناف الواجب منها، ولا يجب للصلاة قراءة سوى الفاتحة.
كما أن في قول الحنابلة إشكالًا آخر على قواعد المذهب، فإن تنكيس الآيات إذا كان محرمًا في الفاتحة، وارتكبه عمدًا داخل الصلاة، فإن ارتكاب المحرم عمدًا داخل العبادة يفسدها، فلا أعلم لهم دليلًا أوتعليلًا على إخراج هذه المسألة من إفساد الصلاة حسب قواعد المذهب، فليتأمل.
فإن قيل: إن الترتيب من حقوق التلاوة، فهو غير مختص بالصلاة، لهذا لم يبطل الصلاة تعمد الإخلال به.
* فيجاب:
أن وجوب تلاوة الفاتحة مختص بالصلاة، فلا تجب التلاوة خارج الصلاة، كما أن الضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، كما قال الحنابلة بإفساد الصلاة في ترك ستر العورة في الصلاة، وإن كان الستر يجب خارج الصلاة أيضًا، بل هو أولى من ترك ستر العورة، لأن ستر العورة واجب لها، وهو من ارتكاب المحظور، بخلاف ترك الترتيب بالفاتحة فهو واجب فيها، وركن من أركان الصلاة، ومن باب فعل المأمور، فيكون آكد، والله أعلم.
* الراجح:
بعد استعراض الأقوال لم أجد قولًا يقول بإباحة تنكيس الآيات، وإنما هو دائر بين التحريم والكراهة، والقول بالتحريم أقوى إن كان عالمًا متعمدًا، وأن الترتيب حق التلاوة، فيحرم داخل الصلاة وخارجها، وفي الفرض والنفل، والتنكيس يبطل القراءة، ويوجب استئناف ما كان واجبًا منها كالفاتحة، وهل تبطل به الصلاة، أو تبطل إن تغير به المعنى الأقرب الثاني، والله أعلم.
* * *
стр. 1070
المطلب الثاني في تنكيس سور القرآن
المدخل إلى المسألة:
* تنكيس السور: أن يقرأ سورة ثم يقرأ سورة فوقها سواء أحصل ذلك في ركعة واحدة أم وقع ذلك في ركعتين.
* نزول القرآن على نبينا ﷺ لم يكن مرتبًا، لا في آياته، ولا في سوره.
* قال ابن تيمية: ... ترتيب السور بالاجتهاد، لا بالنص في قول جمهور العلماء (١).
* اختلاف ترتيب مصاحف الصحابة يلزم منه جواز التنكيس.
* لا يحفظ نهي من الشارع ينهى عن التنكيس، ولا يؤثر قول فقهي يقول بتحريم التنكيس، والخلاف دائر بين الكراهة والجواز.
* أمر الشرع بقراءة ما تيسر من القرآن والمطلق على إطلاقه، لا يقيده إلا نص، أو إجماع.
* الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.
* أكثر قراءة النبي ﷺ وأصحابه على الترتيب وهذا يقتضي الاستحباب إما دائمًا أو غالبًا، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
* القول بأن التنكيس المأثور كان قبل العرض الأخير للقرآن، قول لا دليل عليه.
[م-٥٤٤] اختلف الفقهاء في تنكيس السور في الصلاة:
فقيل: يكره في الفريضة دون النافلة، فإن قرأ في الأولى سهوًا سورة الناس كررها في الثانية؛ لأن التكرار أهون من القراءة منكوسًا، وإذا ختم القرآن بالركعة الأولى قرأ من البقرة في الثانية، وهذا مذهب الحنفية (٢).
стр. 1071
وقيل: يكره تنكيس السور مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والحنابلة (١).
واستثنى محمد الحطاب المالكي من الكراهة: لو بدأ بسورة الناس فإنه يقرأ السورة التي قبلها أولى من تكرار السورة (٢).
وقيل: لا يكره التنكيس، ويستحب الترتيب.
وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه (٣).
قال ابن تيمية: «يجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها» (٤).
فقوله: (يجب اتباعها) أي يشرع لقوله قبل: يجوز قراءة هذه قبل هذه.
стр. 1072
وقيل: يكره تنكيس السور إذا كانت السورة الأولى متعلقة بالسورة الثانية، كما يقال: إن سورة قريش متعلقة بسورة الفيل، وهو قول لبعض الحنابلة (١).
فصارت الأقوال الأربعة ترجع إلى قولين:
الكراهة، وهي على قولين: إما كراهته مطلقًا، أو كراهته في الفرض.
والجواز، وهو على قولين أيضًا: إما جوازه مطلقًا، أو جوازه في النفل خاصة، وأما التحريم فلا قائل به.
قال ابن بطال: «لا نعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك -يعني السور- واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف ... » (٢).
* دليل من قال: يكره التنكيس مطلقًا:
الدليل الأول:
(ث-٣٤٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال:
قيل لعبد الله: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا، فقال عبد الله: ذاك منكوس القلب (٣).
стр. 1073
[صحيح] (١).
وجه الاستدلال:
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: «يتأوله كثير من الناس أنه نكس: أن يبدأ الرجل من آخر السورة فيقرأها إلى أولها، وهذا شيء ما أحسب أن أحدًا يطيقه، ولا كان هذا في زمان عبد الله، ولا أعرفه؛ ولكن وجهه عندي أن يبدأ من آخر القرآن من المعوذتين، ثم يرتفع إلى البقرة، كنحو ما يتعلم الصبيان في الكتاب؛ لأن السنة خلاف هذا ..... فكان أول القرآن فاتحة الكتاب، ثم البقرة إلى آخر القرآن؛ فإذا بدأ من المعوذتين صارت فاتحة الكتاب آخر القرآن، فكيف تسمى فاتحته، وقد جُعِلَتْ خاتمته؟ ...... وإنما جاءت الرخصة في تَعَلُّم الصبي والعَجَمِي من المفصَّل لصعوبة السور الطوال عليهما؛ فهذا عذر؛ فأمَّا من قرأ القرآن، وحفظه، ثم تعمَّد أن يقرأه من آخره إلى أوَّلِه، فهذا النكسُ المنهيّ عنه؛ وإذا كرهنا هذا، فنحن للنكس من آخر السورة إلى أوَّلها أشدُّ كراهة، إنْ كان ذلك يكون» (٢).
* ويجاب:
بأن قوله: (منكوس القلب) دليل على تحريم الفعل، ولم يقل أحد من العلماء: إن تنكيس السور محرم من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، وإنما هو دائر بين الكراهة والجواز، وإنما الذي قيل فيه بالتحريم هو تنكيس الآيات؛ لأنه يخل بنظم القرآن ومعانيه وإعجازه، فيحمل كلام ابن مسعود عليه.
يقول الباقلاني: «إنما عنيا بذلك - يريد ابن مسعود وابن عمر- من يقرأ السورة منكوسة، ويبتدئ من آخرها إلى أولها؛ لأن ذلك حرام محظور ... وليس يريد بذلك من قرأ القرآن من أسفل إلى فوق، ومن بدأ بآل عمران وثنى بالبقرة، وكيف يريدون ذلك، وهم قد علموا اختلاف تأليف المصاحف، وأن في الأمة من يبدأ بحفظ ما خف من المفصل، ثم يرتفع إلى حفظ ما طال وصعب، ومنهم من يحفظ متفرقًا من المواضع المختلفة، ويتلوه كذلك، ومن يصلي به فرائضه، ونوافله على هذا الوجه، وهو غير مذموم بل عمل الأمة على تجويز ذلك، وأنه شائع مستقر إلى اليوم، وقول
стр. 1074
ابن مسعود (ذاك رجل منكوس القلب) إنما خرج على وجه الذم، فلا ذم على من قرأ البقرة، وثنى بالنحل لو صلى كذلك، ثبت أن التأويل ما قلناه.
ويدل على ذلك قول ابن عمر: ولو رآه السلطان لأدبه، أو عاقبه، وقد علم أنه لا أدب، ولا عقاب على من قرأ البقرة، وثنى بالحج، فصح أن تأويل منكس القراءة تنكيس آيات السور .... » (١).
الدليل الثاني:
أن قراءة النبي ﷺ في صلاته كانت مرتبة، فكان يقرأ سورة السجدة قبل سورة الإنسان في صلاة الصبح (٢)، ويقرأ سورة سَبِّحْ قبل سورة الغاشية في صلاة
الجمعة (٣)، وربما قرأ في الجمعة سورة الجمعة قبل سورة المنافقون (٤)،
ويقرأ في ركعتي الفجر سورة الكافرون قبل سورة الإخلاص، كما في حديث أبي هريرة في مسلم (٥)، ويقرأ في صلاة العيد الأولى بسورة (ق والقرآن المجيد)، وفي الثانية اقتربت الساعة وانشق القمر (٦)، ويقرأ في صلاة الوتر إذا أوتر بثلاث بِسَبِّحْ، والكافرون والصمد (٧).
стр. 1075
* ويناقش:
بأن هذا كان هو الغالب على فعل النبي ﷺ ، ولم يلتزمه في كل صلواته ﵊ كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني إن شاء الله، وإذا كان كذلك كان فعله دليلًا على استحبابه، لا على كراهة التنكيس.
الدليل الثالث:
أن ترتيب المصحف توقيفي؛ لأنه إما أن ذلك كان بتوجيه من النبي ﷺ مباشرة.
وإما أنهم أخذوه على ما كانوا يسمعونه من قراءة النبي ﷺ .
قال ابن وهب: «سمعت مالكًا يقول: إنما أولف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ » (١).
ولهذا قدمت البقرة وآل عمران في الترتيب وإن كان قد نزل قبلهما بضعٌ وثمانون سورة.
(ث-٣٤٦) وروى البخاري من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد، قال:
стр. 1076
سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: أنهن من العتاق الْأُوَلِ، وهن من تلادي (١).
قال ابن كثير: والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية، وقوله: (من العتاق الأول) أي من قديم ما نزل، وقوله: (وهن من تلادي) أي من قديم ما قنيت وحفظت.
* ويناقش:
أن ترتيب مصحف ابن مسعود، وإن وافق في بعض السور، فهو مخالف في بعضها الآخر كالمفصل مثلًا وسيأتي التدليل على ذلك في أدلة القول الثاني، ولا أحد يدعي أن ترتيب مصحف ابن مسعود أو مصحف أُبَيٍّ، أومصحف عليٍّ ﵃ أنها كانت موافقة في الترتيب لمصحف عثمان ﵁، إلا أن ترتيب عثمان ﵁ مقدم على ترتيب غيره لكون الصحابة رضوان الله عليهم رضوه، وتلقوه بالقبول، واستقر عليه الأمر.
الدليل الرابع:
(ح-١٤٠٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي،
عن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي ﷺ أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزَلَنَا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته، وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، ولا نبرح حتى يحدثنا .... فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: طرأ عليَّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألَنْاَ أصحابَ رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم (٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على أن هذا الترتيب، ومنه ترتيب المفصل كان متلقًّى من
стр. 1083
النبي ﷺ ، حيث بدأ بتقديم الطوال، فالمئين، فالمثاني، وختم بالمفصل، وإذا كان الترتيب بالنص كرهت مخالفته.
* ونوقش:
بأن الحديث ضعيف، ولو صح فإنه دليل على ترتيب المفصل وحده.
قال ابن حجر: «ويحتمل أن الذي كان مرتبًا حينئذٍ حزب المفصل خاصة، بخلاف ما عداه، فيحتمل أنه كان فيه تقديم وتأخير، كما ثبت من حديث حذيفة، أنه صلى ﷺ فقرأ النساء بعد البقرة وقبل آل عمران» (١).
وهذا التوجيه يشكل عليه أن ترتيب المفصل في مصحف ابن مسعود ﵁ مخالف لهذا الترتيب، فلوكان ترتيب المفصل مأثورًا عن النبي ﷺ ما خالفه مصحف ابن مسعود ﵁، انظر ترتيب مصحفه في أدلة القول الثاني، والله أعلم.
الدليل الخامس:
إجماع الأمة من زمن عثمان ﵁ إلى يومنا هذا على هذا الترتيب، وحرمة مخالفته في كتابة المصاحف ورسمها، فقد رتبه عثمان ﵁، وقَبِلَه الصحابة في عهده، واتفقوا عليه، ولم يعترض أحد منهم عليه، فكان إجماعًا، وتلقته الأمة بالقبول من بعدهم إلى عصرنا هذا، فيكره مخالفته لما فيه من خروج عن إجماعهم، لا سيما وأن عثمان بن عفان من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أُمِرْنَا باتباع سنتهم، والاقتداء بهديهم.
* ويناقش:
بأن وجوب تأليف المصحف مرتبًا في الرسم والخط على القول بوجوبه، لا يعني لزوم مثل ذلك في تلاوة القرآن في الصلاة، أو قراءته في الدرس، فمن قرأ خارج الصلاة الكهف قبل البقرة، أو قرأ الحج قبل الأنبياء لم يكن عليه حرج في ذلك، وإن استحب الترتيب داخل الصلاة، وسيأتي مزيد بيان لذلك في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
وسبق لنا قول ابن تيمية: «يجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا
стр. 1084
تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها» (١).
فدل كلام ابن تيمية على أن القول بجواز ترتيب السور حتى في الرسم والكتابة محفوظ، والله أعلم.
الدليل السادس:
لو كان ترتيب السور بالاجتهاد لرتبه الصحابة على تاريخ نزوله، ولبدؤوا بالمكي منه قبل المدني، بدْءًا بما أنزل منه أولًا، ثم بما أنزل بعده على ترتيب نزوله، فيكون بذلك أقرب إلى معرفة تاريخ تشريع الأحكام، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وما يحتاج إليه من معرفة الأحكام، ولقد كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وقد قُرِن بينهما، وقد توسطت الأنفال بين سورتين طويلتين: هما الأعراف والتوبة، مع أنها ليست طويلة، كما أن الصحابة لم يرتبوا السور المفتتحة بالتسبيح، بل فصلوا بينها بسورة قد سمع، والممتحنة، والمنافقون، بينما هي متماثلة في افتتاح كُلٍّ منها بتسبيح الله، كل ذلك يدل على أن الترتيب توقيفي، وإذا كان كذلك فيكره مخالفته.
* ورد هذا من أكثر من وجه:
الوجه الأول: لو صح سماع ترتيب بعض السور من الرسول ﷺ كالسبع الطوال، وترتيب سورة بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء كما دل عليه أثر ابن مسعود المتقدم، فلا يمكن القول بأن هذا يصدق على ترتيب جميع السور، ولهذا وقع الخلاف في الترتيب بين مصاحف الصحابة قبل أن يتفقوا على هذا الترتيب الذي اجتهد فيه الصحابة زمن عثمان ﵁.
الوجه الثاني: أن ترتيب السور بحسب النزول لا يصح إلا بنقض آيات سور القرآن، وإفساد نظمها، وتغييرها عما حُدَّ لهم، وقد تبين من المسألة السابقة أن ترتيب آيات القرآن توقيفي بالإجماع، متلقى من الرسول ﷺ ، وقد تجد السورة مدنية، وفيها آيات مكية، وتجد السورة مكية، وفيها آيات مدنية، وتجد في السورة الواحدة تقدم الناسخ على المنسوخ، لهذا لا يمكن ترتيب المصحف بحسب النزول.
стр. 1085
الوجه الثالث: لو سلمنا أن ترتيب السور توقيفي، فهو بالنسبة للرسم والكتابة، وأما في حق التلاوة فقد قام الدليل الإيجابي على جواز تنكيس السور، وقد وقع مثل هذا من الرسول ﷺ ، كما وقع من الصحابة، فلا يكون ترتيب السور كتابة في المصحف دليلًا على كراهة التنكيس، والله أعلم.
* دليل من قال: يجوز التنكيس ويستحب الترتيب:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وقال ﷺ للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... (١).
وجه الاستدلال:
أن الأمر بقراءة القرآن في الصلاة جاء مطلقًا في الكتاب والسنة، والمطلق على إطلاقه، فيدخل في الامتثال كل من قرأ من القرآن سواء أكانت السور مرتبة أم لا؛ لأن النصوص المطلقة لا يقيدها إلا نصوص شرعية، أو إجماع، والله أعلم.
الدليل الثاني:
كراهة التنكيس حكم شرعي من أحكام التكليف، يفتقر في إثباته إلى دليل شرعي، ولم يثبت نهي من الشارع ينهى فيه عن تنكيس سور القرآن في الصلاة، والأصل عدم الكراهة.
فإن قيل: كيف تستحبون الترتيب، ولم يَأْتِ بالترتيب أمر من الشارع يأمر فيه بمراعاة ترتيب السور؟
فالجواب أن ترتب الاستحباب مأخوذ من كون الترتيب هو غالب فعل النبي ﷺ .
الدليل الثالث:
(ح-١٤٠٧) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع
стр. 1086
بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قَدَّمَ النبي ﷺ في قراءة الصلاة النساء على آل عمران، فدل على جواز التنكيس، أو أن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة ﵃ حين قدموا آل عمران على النساء، وإذا كان الترتيب اجتهاديًّا لم تكن مخالفته مكروهة شرعًا، والله أعلم.
* وأجيب على هذا:
بأن ما وقع من النبي ﷺ من مخالفة للترتيب فمحمول على أحد أمور، منها:
إما لبيان أن هذا الترتيب ليس بواجب، وهذا لا ينافي كراهة التنكيس.
وإما أن هذا كان قبل العرض الأخير، وذلك أن جبريل ﵇ كان يعرض على النبي ﷺ القرآن في كل عام مرة، فعرض عليه القرآن مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه (٢)، فالعرضة الأخيرة هي التي اعتمدها الصحابة، واستقر عليها الأمر، وربما تكون العرضة الأخيرة لم تبلغ أُبَيًّا وابن مسعود ﵄.
وإما أن هذا كان في النفل، والنفل أوسع من الفرض.
* ورد هذا الجواب:
بأن هذه احتمالات عقلية، فإما هذا، وإما هذا، وإما ذاك، فليس على هذه الاحتمالات إلا مجرد التجويز العقلي، وإلا لتعين أحدها، ويحتمل مع هذه الثلاثة احتمال رابع، وهو الأصل، وهو أنه فعل هذا لبيان الجواز، وأن التنكيس ليس بمكروه، وكون الترتيب هو الغالب من قراءة النبي ﷺ يؤخذ منه استحباب الترتيب، لا كراهة التنكيس، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فالقول: إن التنكيس المنقول من فعل النبي ﷺ لبيان الجواز مع بقاء الكراهة مردود من أكثر من وجه.
الوجه الأول: أن المكروه شرعًا: هو ما نهى عنه الشارع، لا على سبيل الإلزام، ولم يرد في هذا الباب نهي عن التنكيس حتى يقال بالكراهة.
стр. 1087
الوجه الثاني: لو داوم النبي ﷺ على ترتيب السور في الصلاة، ولم ينقل عنه مخالفته للترتيب، لقيل: إن مخالفة الترتيب خلاف الأولى، وهو أدنى صور الكراهة، فلما أُثِر التنكيس من فعله ﷺ ، ولم يحفظ نهي عن التنكيس، لم نكره ما فعله النبي ﷺ ، وقلنا باستحباب الترتيب؛ لكونه الأكثر من فعل النبي ﷺ ، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن بيان الجواز يمكن أن يكون بفعله مرة واحدة، أما إذا فعل أكثر من مرة فلا يمكن القول بالجواز مع بقاء الكراهة.
الوجه الرابع: أن بيان الجواز يمكن أن يكون بالقول دون الحاجة إلى مواقعة المكروه شرعًا، والقول له عموم أكثر من الفعل؛ لأن الفعل يتطرق له احتمالات كثيرة، من دعوى النسيان والخصوصية، والاستحباب، وبيان الجواز، بخلاف القول.
الدليل الرابع:
(ح-١٤٠٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ ،
عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه (١).
(ح-١٤٠٩) وروى البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت،
عن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا
стр. 1088
بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يَؤُمَّهُمْ غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (١).
[اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (٢).