بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قَدَّمَ النبي ﷺ في قراءة الصلاة النساء على آل عمران، فدل على جواز التنكيس، أو أن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة ﵃ حين قدموا آل عمران على النساء، وإذا كان الترتيب اجتهاديًّا لم تكن مخالفته مكروهة شرعًا، والله أعلم.
* وأجيب على هذا:
بأن ما وقع من النبي ﷺ من مخالفة للترتيب فمحمول على أحد أمور، منها:
إما لبيان أن هذا الترتيب ليس بواجب، وهذا لا ينافي كراهة التنكيس.
وإما أن هذا كان قبل العرض الأخير، وذلك أن جبريل ﵇ كان يعرض على النبي ﷺ القرآن في كل عام مرة، فعرض عليه القرآن مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه (٢)، فالعرضة الأخيرة هي التي اعتمدها الصحابة، واستقر عليها الأمر، وربما تكون العرضة الأخيرة لم تبلغ أُبَيًّا وابن مسعود ﵄.
وإما أن هذا كان في النفل، والنفل أوسع من الفرض.
* ورد هذا الجواب:
بأن هذه احتمالات عقلية، فإما هذا، وإما هذا، وإما ذاك، فليس على هذه الاحتمالات إلا مجرد التجويز العقلي، وإلا لتعين أحدها، ويحتمل مع هذه الثلاثة احتمال رابع، وهو الأصل، وهو أنه فعل هذا لبيان الجواز، وأن التنكيس ليس بمكروه، وكون الترتيب هو الغالب من قراءة النبي ﷺ يؤخذ منه استحباب الترتيب، لا كراهة التنكيس، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فالقول: إن التنكيس المنقول من فعل النبي ﷺ لبيان الجواز مع بقاء الكراهة مردود من أكثر من وجه.
الوجه الأول: أن المكروه شرعًا: هو ما نهى عنه الشارع، لا على سبيل الإلزام، ولم يرد في هذا الباب نهي عن التنكيس حتى يقال بالكراهة.
стр. 1087
الوجه الثاني: لو داوم النبي ﷺ على ترتيب السور في الصلاة، ولم ينقل عنه مخالفته للترتيب، لقيل: إن مخالفة الترتيب خلاف الأولى، وهو أدنى صور الكراهة، فلما أُثِر التنكيس من فعله ﷺ ، ولم يحفظ نهي عن التنكيس، لم نكره ما فعله النبي ﷺ ، وقلنا باستحباب الترتيب؛ لكونه الأكثر من فعل النبي ﷺ ، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن بيان الجواز يمكن أن يكون بفعله مرة واحدة، أما إذا فعل أكثر من مرة فلا يمكن القول بالجواز مع بقاء الكراهة.
الوجه الرابع: أن بيان الجواز يمكن أن يكون بالقول دون الحاجة إلى مواقعة المكروه شرعًا، والقول له عموم أكثر من الفعل؛ لأن الفعل يتطرق له احتمالات كثيرة، من دعوى النسيان والخصوصية، والاستحباب، وبيان الجواز، بخلاف القول.
الدليل الرابع:
(ح-١٤٠٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ ،
عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه (١).
(ح-١٤٠٩) وروى البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت،
عن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا
стр. 1088
بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يَؤُمَّهُمْ غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (١).
[اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (٢).
وجه الاستدلال:
قال البخاري: باب الجمع بين السورتين في الركعة ... وبسورة قبل سورة.
فاستدل به البخاري على جواز تنكيس السور في الصلاة، فإنه إذا قرأ سورة
стр. 1092
الإخلاص في الركعة الأولى فسيقع في التنكيس في قراءة الركعة الثانية إلا أن يقرأ إحدى المعوذتين، والظاهر أنه لا يداوم على قراءة إحدى المعوذتين في جميع صلواته تحاشيًا للتنكيس.
* ونوقش هذا الاستدلال:
بأن حديث عائشة المتفق عليه يحتمل أنه كان يختم قراءة كل ركعة بسورة الإخلاص كما يدل عليه نصًّا في حديث أنس، وهو الظاهر.
ويحتمل أنه كان يختم بها القراءة في آخر ركعة يقرأ فيها، وعلى التأويل الأول يكون الحديث دليلًا على جواز التنكيس مع غيرها بخلاف التأويل الثاني.
وأما حديث أنس فرجح الدارقطني أنه مرسل، والحديث المرسل مختلف في الاحتجاج به، فاحتج به الحنفية والمالكية، وأحمد في رواية، وقال الشافعي: ليس بحجة إلا أن يعتضد بمثله، وهو رواية عن أحمد.
* ويجاب:
على ترجيح أنه مرسل، فهو صالح للاحتجاج، فهذا المرسل قد اعتضد بحديث عائشة المتفق عليه، كما ذكرت ذلك في التخريج، والاحتمال في حديث عائشة أكان يختم بها في كل ركعة أم كان يختم بها القراءة في آخر ركعة؟ هذا الإجمال في حديث عائشة يجب أن يحمل على المُبَيَّن من حديث أنس، فهو صريح بأنه كان يختم بها قراءة كل ركعة، والله أعلم.
الدليل الخامس:
(ث-٣٤٧) ما رواه الطحاوي من طريق سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عبد الله بن عامر، أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ في الصبح بسورة الكهف، وسورة يوسف (١).
[صحيح].
فإن قيل إن الواو لا تقتضي ترتيبًا، فالجواب:
(ث-٣٤٨) أن الطحاوي أخرج من طريق مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن زيد، عن بديل بن ميسرة،
стр. 1093
عن عبد الله بن شقيق، قال: صلى بنا الأحنف بن قيس صلاة الصبح بعاقول الكوفة، فقرأ في الركعة الأولى الكهف، والثانية بسورة يوسف، وقال: صلى بنا عمر ﵁ صلاة الصبح فقرأ بهما فيها (١).
[صحيح] (٢).
قال ابن رجب: «وهذا يدل على أنه لا يكره قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف، فيقرأ في الركعة الأولى سورة، وفي الثانية بسورة قبلها في ترتيب المصحف» (٣). اهـ
وعمر ﵁ من الخلفاء الراشدين المأمورون باتباع سنتهم.
الدليل السادس:
(ث-٣٤٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاء،
عن أبي رافع، قال: كان عمر، يقرأ في صلاة الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل (٤).
[صحيح] (٥).
فهذا الأثر والذي قبله قد فعله عمر ﵁، وهو يصلي بالصحابة رضوان الله عليهم، وما أنكر أحد منهم فعله، فكان إجماعًا سكوتيًّا على جواز تنكيس السور بلا كراهة، والله أعلم.
الدليل السابع:
(ح-١٤١٠) ما رواه أبو داود، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل،
стр. 1094
عن أبي إسحاق، عن علقمة، والأسود، قالا:
أتى ابن مسعود رجل، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أَهَذًّا كهذ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل؟ لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت، ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة»، قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود ﵀ (١).
ورواه الفريابي من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل به بنحوه، وفيه: ... ولكن رسول الله ﷺ كان يقرأ النظائر في كل ركعة: الرحمن والنجم في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، ويا أيها المزمل ويا أيها المدثر في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى على الإنسان ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة (٢).
[الحديث في الصحيحين دون تسمية النظائر] (٣).
وجه الاستدلال:
دل حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يكن يراعي الترتيب بين بعض النظائر التي كان يقرن بينها في الركعة، فكان يقرأ الرحمن قبل النجم، ويقرأ الطور قبل الذاريات، ويقرأ المطففين قبل عبس، ويقرأ الإنسان قبل القيامة، وهكذا.
стр. 1105
فكان الحديث دليلًا على أحد أمرين إما على جواز تنكيس السور.
وإما على أن ترتيب مصحف عثمان كان اجتهادًا من الصحابة لأن ترتيب مصحف ابن مسعود يختلف عنه، وإذا كان ترتيب السور ليس توقيفًا من الشارع لم تكره مخالفته، وإن استحب مراعاته لاتفاق الصحابة عليه فيما بعد، ولكونه الغالب من فعله ﷺ ، والله أعلم.
والمقصود بالنظائر: قيل: هي السور التي يشبه بعضها بعضًا في الطول والقصر. ورجحه ابن رجب (١).
وقيل: هي السور المتماثلة في المعاني من مواعظ وحكم وقصص. ورجحه ابن حجر (٢).
الدليل الثامن:
(ث-٣٥٠) ما رواه البخاري من طريق ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يوسف بن ماهك، قال:
إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂، إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك؟ قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أَيَّهُ قرأت قبل؟ .... فقال في آخره: فأخرجتْ له المصحف، فأملتْ عليه آي السور (٣).
وجه الدلالة:
قوله: (وما يضرك أَيَّهُ قرأت قبل) دليل على عدم كراهة التقديم والتأخير في السور، والله أعلم.
* دليل من قال: يكره التنكيس في الفرض دون النفل:
الدليل الأول:
(ح-١٤١١) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن
стр. 1106
المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها ... الحديث (١).
فهذا الحديث إنما وقع في صلاة الليل، فلا يصح دليلًا على إباحة التنكيس في صلاة الفرض؛ لأن النفل أوسع من الفرض.
الدليل الثاني:
أن قراءة النبي ﷺ في صلاة الفريضة كانت مرتبة، فكان يقرأ سورة السجدة قبل سورة الإنسان في صلاة الصبح (٢)، ويقرأ سورة سبح قبل سورة الغاشية في صلاة
الجمعة (٣)، وربما قرأ في الجمعة سورة الجمعة قبل سورة المنافقون (٤).
فإذا انْضَمَّ هذا الدليل إلى الدليل الذي قبله دل بمجموع الدليلين على إباحة التنكيس في صلاة النفل، وكراهته في صلاة الفرض.
الدليل الثالث:
ولأن النفل أوسع بابًا من الفرض، ولهذا صحت صلاة النفل على الدابة غير متوجه إلى القبلة، ولم تصح الفريضة، وصح النفل جالسًا مع القدرة على القيام، لهذا قدر الحنفية قراءة النفل كل ركعة فعلًا مستقلًّا، بخلاف الفرض فإن القراءة فيها عندهم بمنزلة القراءة الواحدة، والله أعلم.
стр. 1107
* الراجح:
أرى أن مذهب الشافعية هو القول الوسط، وبه تجتمع الأدلة، وأن التنكيس جائز، والترتيب مستحب، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.
* * *
стр. 1108
الفرع السابع في العجز عن قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن
المسألة الأولى إذا لم يحسن القراءة من القرآن مطلقًا
المدخل إلى المسألة:
* الأصل في العبادات سقوطها بالعجز إلا ما شرع له بدل، فينتقل إليه.
* الانتقال إلى البدل يحتاج إلى توقيف، لا مجال للرأي فيه.
* لا يشرع السكوت في الصلاة إلا لاستماع القرآن، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، أو للفصل بين القراءة والركوع على الصحيح.
* قال ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. رواه مسلم، فإذا عجز عن القرآن بقي الذكر.
[م-٥٤٥] إذا لم يكن مع المصلي شيء من القرآن، لا الفاتحة، ولا غيرها، فما الواجب عليه؟
فقيل: إذا عجز عن القرآن انتقل إلى بدله، وكان فرضه الذكر من تسبيح وتحميد، وتهليل وتكبير، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١).
قال الماوردي «في الحاوي: إذا لم يحسن الفاتحة ولا شيئًا من القرآن، فعليه
стр. 1109
أن يسبح الله سبحانه، ويحمده بدلًا من القراءة، وقال أبو حنيفة: قد سقط عنه فرض الذكر» (١).
وقيل: فرضه الذكر إذا لم يجد قارئًا يصلي خلفه، اختاره محمد بن الإمام سحنون وأشهب وابن القاسم من المالكية (٢).
جاء في التاج والإكليل نقلًا عن ابن عرفة: «يلزم جاهلها تعلمها، فإن ضاق الوقت ائْتَمَّ، فإن لم يجد فلابن سحنون، وابن القاسم وأشهب: فرضه ذكر الله» (٣).
وقيل: تلزمه الصلاة خلف قارئ، وهو مذهب المالكية، ووجه عند الحنابلة، قال المالكية: فإن لم يجد سقطت عنه القراءة، وهو المعتمد في المذهب المالكي (٤).
قال ابن مفلح: وتلزمه الصلاة خلف قارئ في وجه وفاقًا لمالك (٥).
وقال الحنفية: تسقط القراءة عن الأمي لعجزه عنها، إلى غير بدل، وهل يلزمه أن يصلي خلف قارئ؟ قولان في مذهب الحنفية.
أحدهما: يلزمه إن كان معه في المسجد، وصلاتهما متوافقة، فلو صلى الأمي وحده في هذه الحال لم تصح صلاته، قال القاضي أبو حازم: وهو قياس قول أبي حنيفة.
وقيل: تصح صلاته وإن كان معه في المسجد؛ لأنه لم يظهر من القارئ رغبة
стр. 1110
في أداء الصلاة جماعة، فلا بد من رغبة القارئ بالجماعة لوجوب الاقتداء (١).
قال في بدائع الصنائع: «القراءة ركن فتسقط بالعجز كالقيام، ألا ترى أنها سقطت في حق الأمي؟».
* دليل الشافعية والحنابلة:
الدليل الأول:
(ح-١٤١٢) روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،
عن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي ﷺ : أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (٢).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٣).
الدليل الثاني:
(ح-١٤١٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،
عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف
стр. 1111
صلاته ... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره (١).
[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ) يحيى بن علي ابن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-١٤١٤) ما رواه مسلم من طريق زهير، حدثنا منصور، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن عُمَيْلَةَ،
عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيهن بدأت.
ولا تسمِّيَنَّ غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون فيقول: لا إنما هن أربع فلا تزيدن علي (٣).
ورواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف،
عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: .... أربع من أطيب الكلام، وهن من القرآن، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (٤).
[هلال لم يسمعه من سمرة، وحرف (وهن من القرآن) ليست محفوظة] (٥).
الدليل الرابع:
ولأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فجاز أن ينتقل فيه عند العجز إلى بدل كالقيام.
دليل من قال: يلزمه الصلاة خلف قارئ فإن لم يجد سقطت القراءة:
أما وجوب الائتمام بمن يحسنها إذا عجز عن القراءة:
فلأن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه بأن يتعلم الفاتحة، أو تحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها، لأن قراءة الإمام له قراءة، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأما كون الذكر لا يجب عليه: فلأن بدل القرآن يفتقر إلى نص، والذي روي من ذلك في حديث الأعرابي المسيء صلاته زيادة لم تصح (١).
وقال المازري: «وهذه الزيادة لم تأت من طريق ثابتة» (٢).
وقياسًا على سقوط تكبيرة الإحرام إذا عجز عنها، ولا يجب عليه تعويضها.
* ويناقش:
أما الجواب عن قولكم: إن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه أو بالائتمام.
فيقال: الفاتحة واجبة عليه مع القدرة كسائر الواجبات، فإذا عجز سقطت، فهذا الرجل الذي أخبر النبي ﷺ أنه لا يستطيع أن يأخذ شيئًا من القرآن، وطلب تعليمه ما يجزئه قد أرشده النبي ﷺ إلى الذكر، ولو كان الائتمام واجبًا لأمره به.
وأما القول بأن البدل لم يصح ذلك في حديث المسيء، فالجواب أنه قد صح ذلك من حديث ابن أبي أوفى كما تقدم بيان ذلك في أدلة الشافعية والحنابلة.
* دليل من قال: يلزمه الاقتداء بالقارئ بشرط وجوده في المسجد ورغبتهما في الجماعة:
أما إذا كان القارئ خارج المسجد: فلا يلزمه الاقتداء؛ لأن تتبع القراء خارج مسجده يلحقه بذلك مشقة وحرج، وهو مدفوع عن هذه الملة.
стр. 1115
وأما إذا كان القارئ في المسجد، فيُشْتَرَطُ شرطان:
أن تكون صلاتهما متوافقة؛ لأن اختلاف صلاتهما تمنع الاقتداء عند الحنفية.
الثاني: أن تظهر رغبتهما في الجماعة؛ فلو كان بجواره قارئ، ولم يظهر رغبته في الجماعة لم يلزمه الاقتداء به، لأنه لا ولاية له عليه ليلزمه، وإنما تثبت القدرة إذا صادفه حاضرًا مطاوعًا.
* الراجح:
مذهب الشافعية والحنابلة، وأن من لم يكن معه قرآن، ولم يمكنه التعلم أو القراءة من المصحف أن ينتقل إلى الذكر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
стр. 1116
مطلب في تعين بدل القرآن بجمل معينة
المدخل إلى المسألة:
* كل ذكر مقيد لا يتجاوز به الصفة الواردة، قياسًا على تكبيرة الإحرام والتشهد، وأدعية الاستفتاح، بخلاف الذكر المطلق؛ لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.
* الفاتحة مع القدرة عليها لا يغني عنها غيرها؛ لتعيينها بالنص، فكذلك الذكر الوارد بدلًا من الفاتحة لا يغني عنه غيره؛ لتعيينه بالنص.
[م-٥٤٦] جاء في حديث ابن أبي أوفى أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ... الحديث.
رواه أحمد من طريق سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي، عن ابن أبي أوفى (١).
[حسن إن شاء الله] (٢).
فذكر الرسول ﷺ في حديث ابن أبي أوفى من الأذكار خمس جمل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول، ولا قوة إلا بالله.
стр. 1117
وفي حديث رفاعة ذكر ثلاث جمل: (وإن لم يكن معك قرآن، فاحمد الله وهلله وكبِّره) (١).
فحديث ابن أبي أوفى اشتمل على حديث رفاعة، وزاد عليه بذكر التسبيح والحوقلة.
فاختار الشافعية في الصفة حديث ابن أبي أوفى لكماله، وهو قول عند الحنابلة.
واختار الحنابلة في المعتمد إسقاط الحوقلة، وإثبات التسبيح، فأخذوا من حديث ابن أبي أوفى التسبيح وحده.
واختلف القائلون بمشروعية البدل عن القراءة، في هذه الجمل، أكان ذكرها ذلك على سبيل المثال، فيقوم غيرها مقامها، أم أن ذكرها كان على سبيل التعيين الذي لا يصح غيره؟
فيه ثلاثة أقوال، كلها وجوه في مذهب السادة الشافعية.
فقيل: تَتَعَيِّن هذه الجمل، وتكفيه هذه الكلمات الخمس، وهو وجه في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢).
واستدلوا: بأن الرسول ﷺ نص على هذه الجمل بلفظ الأمر: (قُلْ) فتعينت.
ولأن هذه الجمل هي أحب الكلام إلى الله، فلا يقاس عليها غيرها.
(ح-١٤١٥) فقد روى مسلم من طريق زهير، حدثنا منصور، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن عُمَيْلَةَ،
عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيهن بدأت (٣).
ولأن العبادة إذا كانت من الذكر المقيد لم يتجاوز به الصفة الواردة، قياسًا على تكبيرة الإحرام والتشهد في الصلاة، بخلاف الذكر المطلق.
ولأن البدل إذا كان من غير الجنس لم يشترط المساواة كالتيمم، والمسح على
стр. 1118
الخفين، ونحوهما.
وقيل: لا يتعين شيء من الأذكار، بل يجزيه كل ذكر لله يقوله المصلي، وهو الأصح في مذهب الشافعية (١).
قال الرافعي: «أصحهما أنه لا يتعين شيء من الأذكار، وبه قال أبو إسحاق المروزي، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه أطلق، فقال: فيأتي بتسبيح، وتهليل، وعلى هذا فتعرض الخبر للكلمات الخمس جرى على سبيل التمثيل» (٢).
* ويستدل لهذا القول بما يلي:
الدليل الأول:
أن المقصود من إقامة الصلاة ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
فالذكر مطلق، فيشمل هذه الخمس وغيرها.
الدليل الثاني:
(ح-١٤١٦) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،
عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته ... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبِّره (٣).
[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ) يحيى بن علي
стр. 1119
ابن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (١).
وجه الاستدلال:
ذكر الرسول ﷺ في حديث ابن أبي أوفى خمس جمل، وذكر في حديث ابن رفاعة ثلاث جمل مسقطًا التسبيح والحوقلة، فدل على أن ذكرها على سبيل المثال؛ إذا لو كان التعيين واجبًا لكان المقدار في الحديثين واحدًا.
* ويناقش:
بأن حديث رفاعة لم يثبت، وبالتالي يكون الاعتماد في العدد على حديث ابن أبي أوفى، فهو أكمل لفظًا، وأصح إسنادًا.
وحديث ابن أبي أوفى جاء فيه الذكر بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، وحديث رفاعة جاء بصيغة الفعل الدال على التجدد والحدوث، والأول أرجح.
الدليل الثالث:
القرآن بدل عن الفاتحة إذا عجز عن تحصيل الفاتحة، والذكر بدل عن القرآن، وغير الفاتحة من القرآن لا يتعين، فكذلك الذكر (٢).
* ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
ما ذكر من القياس هو من قياس الشبه، وهو من أضعف أنواع القياس، والراجح أنه لا يصح التعويل على مثل هذا النوع من القياس.
الوجه الثاني:
أن هذا القياس معارض بمثله أو أقوى منه، فالقرآن والذكر في الصلاة قسمان:
قسم متعين بالنص لا يغني غيره عنه مع القدرة عليه، كالفاتحة.
وقسم جاء النص بعدم تعيينه، بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فإذا عجز عن المعين انتقل إلى غير المعين.
فكذلك أذكار الصلاة منها ما هو معين بالنص، وليس بالاجتهاد، كتكبيرة الإحرام، والجمل الخمس بدلًا عن الفاتحة، فهذا لا يغني عنه غيره، فكان يشبه
стр. 1120
الفاتحة بتعيينه مع القدرة عليه، فكما أن الفاتحة مع القدرة عليها لا يغني عنها غيرها؛ لتعيينها بالنص، فكذلك الذكر الوارد بدلًا من الفاتحة لا يغني عنه غيره لتعيينه بالنص، وقد جاء التعيين بصيغة الأمر (قُلْ) فلا يتحقق الامتثال في غيره، وغيره ليس في فضله، كما دل عليه حديث سمرة.
ومن الذكر ما ورد مطلقًا، فجعل الاختيار للمصلي، كقوله ﷺ : أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء.
وقيل: إن الجمل الخمس تتعين، ويجب معها جملتان من الذكر، ليصير سبعة أنواع مقام سبع آيات، وهذا وجه ثالث في مذهب الشافعية، واختاره ابن عقيل والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (١).
وقيل: يكرره، أو يضيف إليه ذكرًا آخر حتى يكون بقدر الفاتحة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
* ورد:
بأن البدل إذا كان من غير الجنس لم يشترط المساواة في المقدار، كالتيمم والمسح على الخفين، بل حتى ولو كانا من جنس واحد، كما لو صام يومًا قصيرًا عن يوم طويل، فلا يجب تساويهما، والله أعلم.
* الراجح:
أنه لا يجوز استبدال الجمل بغيرها من الذكر، وأن ما نص عليه النبي ﷺ يتعين فرضًا بدلًا من الفاتحة، والله أعلم.
* * *
стр. 1121
المسألة الثانية في المصلي إذا لم يعرف إلا بعض الفاتحة فقط
المدخل إلى المسألة:
* قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
* قال ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فَائْتُوا منه ما استطعتم، متفق عليه.
* الميسور لا يسقط بالمعسور.
* من قدر على بعض العبادة لزمه الإتيان بما قدر عليه إن كان البعض عبادة في نفسه.
* تكرار الآيات لا يجب إلا بالنص، ولا يحفظ دليل من كتاب أو سنة صحيحة أو قول صاحب يأمر بالتكرار، والأصل عدم وجوب التكرار.
* شرع الذكر بدلًا عن القرآن في حال العجز عن القراءة، ولم يرد الجمع بين القراءة والذكر، والأصح: أنه لا يجمع بين الأصل والبدل.
[م-٥٤٧] إذا قدر على بعض الفاتحة، فإن كان المقدور لا يبلغ آية كاملة:
فقال ابن الرفعة من الشافعية: لا عبرة ببعض الآية بلا خلاف، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (١).
واستدلوا لقولهم:
بأن الذكر الوارد بدلًا من الفاتحة: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) مشتمل على بعض آية من الفاتحة، كالحمد، ومشتمل على بعض آية من القرآن، كالتسبيح والتهليل، فلما عدل إلى
стр. 1122
الذكر عُلِم أنه لا بد من أن يكون معه آية كاملة.
يقول ابن قدامة: «إن عرف بعض آية، لم يلزمه تكرارها، وعدل إلى غيرها؛ لأن النبي ﷺ أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: (الحمد لله) وغيرها، وهي بعض آية، ولم يأمره بتكرارها» (١).
ولأن بعض الآية لا إعجاز فيها.
وقيل: إذا عرف بعض آية لزمه الإتيان بها، نص عليه ابن نجيم من الحنفية، واختاره الأذرعي والرملي والدميري، وغيرهم من الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
قال ابن نجيم: «وإذا لم يعرف إلا قوله: (الحمد لله) يأتي به في كل ركعة، ولا يكررها» (٣).
ولهذا حرم الشافعية على الجنب أن يقرأ بعض الآية خلافًا للجمهور (٤).
* وأجابوا على دليل ابن الرفعة:
بأن كون بعض الآية لا إعجاز فيه لا يدل على أنه لا يسقط بها فرض القراءة؛ فأين الدليل على أنه يشترط في فرض القراءة أن يكون معجزًا، فالآية والآيتان، بل والثلاث المتفرقة، لا إعجاز فيها مع أنه يلزمه الإتيان بها، وهذا بناء على أن التحدي والإعجاز للعرب بأن يأتوا بسورة من مثله، وأقل السور ثلاث آيات متواليات، كسورة الكوثر.
ولأنه يلزم منه: أن من أحسن معظم آية الدَّيْنِ لا يلزمه قراءته، وهو بعيد، بل هو أولى من كثير من الآيات القصار (٥).
* والراجح
أنه لا عبرة ببعض الآية، ويمكن تلفيق قول ثالث من القولين، فيقال بالتفريق بين بعض الآية الطويلة كآية الدين فتصح قراءة بعضها ويسقط به الفرض، وبين بعض الآية القصيرة، فلا تجزئ، وينتقل إلى البدل، والله أعلم.
стр. 1123
[م-٥٤٨] وإن كان المقدور عليه آية كاملة فأكثر، فمن يرى أن فرض القراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة قال: يكفيه ذلك في سقوط الفرض عنه، وهذا قول أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد (١).
ومن يرى أن فرض القراءة يتعين في سورة الفاتحة كاملة، وهم الجمهور فقد اتفقوا بأنه إذا قدر على آية كاملة فإنه يأتي بما قدر عليه منها بلا خلاف، ولم يحكوا قولًا أنه لا يقرؤونها كما قالوا في المكلف: إذا قدر على صيام بعض اليوم، وعجز عن إتمامه فلا يلزمه صيام البعض بغير خلاف.
* وجه الفرق:
أن كل آية من الفاتحة تجب قراءتها بنفسها، فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها، بخلاف صيام بعض اليوم فإنه وإن كان جزءًا من العبادة، فليس بعبادة في نفسه بانفراده (٢).
واختلفوا في وجوب التعويض عن غير المقدور عليه من الفاتحة على النحو التالي:
القول الأول: مذهب المالكية.
أن ما عجز عنه من الفاتحة يسقط إلى غير بدل، ولا يشرع له تعويض ما عجز عنه، ويجب عليه أن يصلي خلف من يحسن قراءة الفاتحة، فإن لم يجد قارئًا صلى وحده، وسقط عنه ما عجز عنه، وإن وجد قارئًا وصلى وحده، ففي صحة صلاته قولان:
أحدهما: أن صلاته لا تصح، وعليه الإعادة، وهو المعتمد في المذهب (٣).
стр. 1124
* واستدل المالكية لمذهبهم:
أما سقوط الواجب بالعجز، فلقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
(ح-١٤١٧) ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (١).
ولأن الواجبات الشرعية كلها تسقط بالعجز، ووجوب البدل يفتقر إلى نص.
ولأن التعويض إن كان بتكرار ما يعرفه من الفاتحة، فالتكرار لا يجب إلا بنص، ولا يحفظ دليل من كتاب أو سنة صحيحة أو قول صاحب يأمر بالتكرار، والأصل عدم الوجوب.
وإن كان التعويض بالأذكار فإن الذي روي من ذلك في حديث الأعرابي المسيء لصلاته زيادة لم تصح (٢).
وقال المازري: «وهذه الزيادة لم تَأْتِ من طريق ثابتة (٣).
ولأن الجمع بين القرآن والذكر جمع بين الأصل وبدله، وهذا لا أصل له على الصحيح، فإما الاكتفاء بالأصل، وأما الاكتفاء بالبدل، ولم يَأْتِ بالشرع أمر بالجمع بينهما.
* أما وجوب الائتمام عليه خلف من يحسن الفاتحة:
فلأن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه بأن يتعلم الفاتحة، أو تحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها، باعتبار أن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة في الصلاة.
стр. 1125
ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا تكون الجماعة في حق هذا الرجل شرطًا لصحة صلاته، وليست من الواجبات.
وقد تكلمت عن أدلة سقوط القراءة عن المأموم خلف الإمام في مبحث مستقل، فانظر أدلته هناك بوركت.
الثاني: أن صلاته صحيحة لعجزه، ولا يجب أن يطلب قارئًا يصلي وراءه، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم (١).
جاء في الإنصاف: «وعنه -أي عن أحمد- يجزئ قراءتها -أي الآية- من غير تكرار اختارها ابن أبي موسى» (٢).
ظاهر قوله: (يجزئ قراءتها) أنه لا يطلب قارئًا يصلي خلفه؛ إذ لو صلى خلف إمام لم يجب عليه قراءة شيء منها، وسقط ما عجز عنه بلا تكرار.
(ح-١٤١٨) لما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،
عن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي ﷺ : أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (٣).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٤).