المسألة الثانية في المصلي إذا لم يعرف إلا بعض الفاتحة فقط
المدخل إلى المسألة:
* قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
* قال ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فَائْتُوا منه ما استطعتم، متفق عليه.
* الميسور لا يسقط بالمعسور.
* من قدر على بعض العبادة لزمه الإتيان بما قدر عليه إن كان البعض عبادة في نفسه.
* تكرار الآيات لا يجب إلا بالنص، ولا يحفظ دليل من كتاب أو سنة صحيحة أو قول صاحب يأمر بالتكرار، والأصل عدم وجوب التكرار.
* شرع الذكر بدلًا عن القرآن في حال العجز عن القراءة، ولم يرد الجمع بين القراءة والذكر، والأصح: أنه لا يجمع بين الأصل والبدل.
[م-٥٤٧] إذا قدر على بعض الفاتحة، فإن كان المقدور لا يبلغ آية كاملة:
فقال ابن الرفعة من الشافعية: لا عبرة ببعض الآية بلا خلاف، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (١).
واستدلوا لقولهم:
بأن الذكر الوارد بدلًا من الفاتحة: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) مشتمل على بعض آية من الفاتحة، كالحمد، ومشتمل على بعض آية من القرآن، كالتسبيح والتهليل، فلما عدل إلى
стр. 1122
الذكر عُلِم أنه لا بد من أن يكون معه آية كاملة.
يقول ابن قدامة: «إن عرف بعض آية، لم يلزمه تكرارها، وعدل إلى غيرها؛ لأن النبي ﷺ أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: (الحمد لله) وغيرها، وهي بعض آية، ولم يأمره بتكرارها» (١).
ولأن بعض الآية لا إعجاز فيها.
وقيل: إذا عرف بعض آية لزمه الإتيان بها، نص عليه ابن نجيم من الحنفية، واختاره الأذرعي والرملي والدميري، وغيرهم من الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
قال ابن نجيم: «وإذا لم يعرف إلا قوله: (الحمد لله) يأتي به في كل ركعة، ولا يكررها» (٣).
ولهذا حرم الشافعية على الجنب أن يقرأ بعض الآية خلافًا للجمهور (٤).
* وأجابوا على دليل ابن الرفعة:
بأن كون بعض الآية لا إعجاز فيه لا يدل على أنه لا يسقط بها فرض القراءة؛ فأين الدليل على أنه يشترط في فرض القراءة أن يكون معجزًا، فالآية والآيتان، بل والثلاث المتفرقة، لا إعجاز فيها مع أنه يلزمه الإتيان بها، وهذا بناء على أن التحدي والإعجاز للعرب بأن يأتوا بسورة من مثله، وأقل السور ثلاث آيات متواليات، كسورة الكوثر.
ولأنه يلزم منه: أن من أحسن معظم آية الدَّيْنِ لا يلزمه قراءته، وهو بعيد، بل هو أولى من كثير من الآيات القصار (٥).
* والراجح
أنه لا عبرة ببعض الآية، ويمكن تلفيق قول ثالث من القولين، فيقال بالتفريق بين بعض الآية الطويلة كآية الدين فتصح قراءة بعضها ويسقط به الفرض، وبين بعض الآية القصيرة، فلا تجزئ، وينتقل إلى البدل، والله أعلم.
стр. 1123
[م-٥٤٨] وإن كان المقدور عليه آية كاملة فأكثر، فمن يرى أن فرض القراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة قال: يكفيه ذلك في سقوط الفرض عنه، وهذا قول أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد (١).
ومن يرى أن فرض القراءة يتعين في سورة الفاتحة كاملة، وهم الجمهور فقد اتفقوا بأنه إذا قدر على آية كاملة فإنه يأتي بما قدر عليه منها بلا خلاف، ولم يحكوا قولًا أنه لا يقرؤونها كما قالوا في المكلف: إذا قدر على صيام بعض اليوم، وعجز عن إتمامه فلا يلزمه صيام البعض بغير خلاف.
* وجه الفرق:
أن كل آية من الفاتحة تجب قراءتها بنفسها، فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها، بخلاف صيام بعض اليوم فإنه وإن كان جزءًا من العبادة، فليس بعبادة في نفسه بانفراده (٢).
واختلفوا في وجوب التعويض عن غير المقدور عليه من الفاتحة على النحو التالي:
القول الأول: مذهب المالكية.
أن ما عجز عنه من الفاتحة يسقط إلى غير بدل، ولا يشرع له تعويض ما عجز عنه، ويجب عليه أن يصلي خلف من يحسن قراءة الفاتحة، فإن لم يجد قارئًا صلى وحده، وسقط عنه ما عجز عنه، وإن وجد قارئًا وصلى وحده، ففي صحة صلاته قولان:
أحدهما: أن صلاته لا تصح، وعليه الإعادة، وهو المعتمد في المذهب (٣).
стр. 1124
* واستدل المالكية لمذهبهم:
أما سقوط الواجب بالعجز، فلقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
(ح-١٤١٧) ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (١).
ولأن الواجبات الشرعية كلها تسقط بالعجز، ووجوب البدل يفتقر إلى نص.
ولأن التعويض إن كان بتكرار ما يعرفه من الفاتحة، فالتكرار لا يجب إلا بنص، ولا يحفظ دليل من كتاب أو سنة صحيحة أو قول صاحب يأمر بالتكرار، والأصل عدم الوجوب.
وإن كان التعويض بالأذكار فإن الذي روي من ذلك في حديث الأعرابي المسيء لصلاته زيادة لم تصح (٢).
وقال المازري: «وهذه الزيادة لم تَأْتِ من طريق ثابتة (٣).
ولأن الجمع بين القرآن والذكر جمع بين الأصل وبدله، وهذا لا أصل له على الصحيح، فإما الاكتفاء بالأصل، وأما الاكتفاء بالبدل، ولم يَأْتِ بالشرع أمر بالجمع بينهما.
* أما وجوب الائتمام عليه خلف من يحسن الفاتحة:
فلأن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه بأن يتعلم الفاتحة، أو تحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها، باعتبار أن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة في الصلاة.
стр. 1125
ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا تكون الجماعة في حق هذا الرجل شرطًا لصحة صلاته، وليست من الواجبات.
وقد تكلمت عن أدلة سقوط القراءة عن المأموم خلف الإمام في مبحث مستقل، فانظر أدلته هناك بوركت.
الثاني: أن صلاته صحيحة لعجزه، ولا يجب أن يطلب قارئًا يصلي وراءه، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم (١).
جاء في الإنصاف: «وعنه -أي عن أحمد- يجزئ قراءتها -أي الآية- من غير تكرار اختارها ابن أبي موسى» (٢).
ظاهر قوله: (يجزئ قراءتها) أنه لا يطلب قارئًا يصلي خلفه؛ إذ لو صلى خلف إمام لم يجب عليه قراءة شيء منها، وسقط ما عجز عنه بلا تكرار.
(ح-١٤١٨) لما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،
عن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي ﷺ : أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (٣).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٤).
стр. 1126
وجه الاستدلال:
أن هذا الرجل أخبر النبي ﷺ أنه لا يستطيع أن يأخذ شيئًا من القرآن، وطلب تعليمه ما يجزئه، فأرشده إلى الذكر، ولو كان الائتمام واجبًا لأمره به، وإذا كان لا يجب عليه الائتمام في حال عجزه عن جميع الفاتحة لم يجب عليه الائتمام في حال عجزه عن بعض الفاتحة.
القول الثاني:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب التعويض عن باقي الفاتحة غير المقدور عليه، على خلاف بينهم في صفة التعويض.
فقيل: يجب تكرار ما يحسنه من الفاتحة حتى يبلغ قدرها، وهو أحد الوجهين وقيل القولين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
* وجه هذا القول:
أن الآية من الفاتحة أقرب شبهًا إلى بقية الفاتحة من غيرها.
وقيل: يجب تكرار ما يحسنه من الفاتحة إن لم يقدر على الجمع بينه وبين البدل (سبحان الله والحمد لله ... إلخ).
فإن كان يحسن أن يأتي بالبدل عن الباقي أتى بما يقدر عليه من الفاتحة، وأتى ببدلها في موضعه مع مراعاة الترتيب، فلو أحسن أول الفاتحة قدمه على البدل، أو أحسن آخر الفاتحة قدم البدل عليه، فلو عكس لم يجز على الصحيح، أو أحسن آية من وسط الفاتحة قدم من البدل بقدر ما لم يحسنه منها، ثم أتى بما يحسنه منها، ثم ببدل الباقي، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 1127
وفي قول للحنابلة الجمع بين الآية وبدلها من غير مراعاة للترتيب (١).
وجه هذا القول:
أن الشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا، ولأن النبي ﷺ أمر ذلك السائل بالجمل الخمس، ومنها الحمد لله، وهذه الكلمة من جملة الفاتحة، ولم يأمره بتكريرها.
ولأنه إذا قرأها مرة فقد أسقط فرضها، فيجب أن لا يعيدها، كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله فإنه يستعمله، ثم ينتقل إلى البدل في الباقي.
* الراجح:
أضعف الأقوال في المسألة هو مذهب أبي حنيفة ﵀، القائل بأن فرض القراءة لا يتعين في الفاتحة، وأن مقدار الفرض آية واحدة ولو كانت قصيرة، وسبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل، وناقشت فيها مذهب الحنفية، فارجع إليه.
وبقي النظر بين مذهب المالكية القائلين بأن ما يعجز عنه يسقط بلا تكرار ولا بدل (أي بلا تعويض).
وبين قول الحنابلة القائلين بوجوب التكرار لا غير.
وبين قول الشافعية القائلين بوجوب الجمع بين المقدور عليه وبدله.
وأجد أن أدلة المالكية قوية جدًا، وأن البدل شرع في حال العجز عن الفاتحة، لا في حال القدرة على بعضها، إلا أن قولهم بوجوب الصلاة خلف من يحسنها قول ضعيف، لا دليل عليه، وهذا غير القول بوجوب الجماعة مطلقًا على من يحسن الفاتحة وغيره، لأن البحث إنما هو في وجوب الجماعة كشرط لصحة صلاة من لا يحسن الفاتحة، فإن ظاهر حديث ابن أبي أوفى، وهو حديث حسن أن النبي ﷺ أرشده عند العجز عن كامل الفاتحة إلى الانتقال إلى الأذكار، وهو قول في مذهب المالكية، فيبقى النظر في تكرار ما يعرف من الفاتحة، فإنه وإن لم يكن هناك أدلة تقضي بوجوبه، إلا أن تكرار القرآن في الصلاة لا يفسدها، وإذا كان فيه احتياط للعبادة لا سيما الصلاة، فإن فعله يتأكد، وفعله مراعاة لخلاف الحنابلة
стр. 1128
لا يخرج عن أصول مذهب الإمام مالك ﵀، وإن لم يذهب الناظر إلى فساد الصلاة في ترك التكرار، لكنه يستحسنه احتياطًا للعبادة، والله أعلم.
* * *
стр. 1129
المسألة الثالثة في المصلي إذا كان معه بعض الفاتحة وغيرها من القرآن
المدخل إلى المسألة:
* بدل الواجب لا يجب إلا بنص، فلا مجال للرأي فيه.
* لا يوجد دليل في صحة الجمع بين الأصل والبدل، فالجمع بينهما يفتقر إلى نص.
* لو وجبت عليه كفارة يمين، ولم يجد الكسوة والرقبة، ووجد ما يطعم به تسعة مساكين انتقل إلى الصيام، ولم يؤمر بالجمع بين الإطعام والصيام.
* يعطى الأكثر حكم الكل، فإذا عرف أكثر الفاتحة وعجز عن الباقي سقط عنه.
* لا ينتقل إلى الذكر إلا إذا عجز عن فرض القراءة بالكلية.
[م-٥٤٩] اختلف الفقهاء إذا كان مع الرجل بعض الفاتحة ومعه غيرها من القرآن،
فقيل: يسقط عنه ما عجز عنه، ولا يجب عليه بدل، وهو المختار عند المالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم على خلاف بينهم في وجوب الائتمام خلف من يحسنها:
فقيل: يجب إن أمكنه، فإن لم يمكنه صلى وحده، وهو المعتمد عند المالكية.
وقيل: لا، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن أحمد وبه قال ابن حزم (١).
стр. 1130
قال ابن شاس في الجواهر: «وهي -يعني الفاتحة- متعينة، لا يجزئ عنها غيرها» (١). فظاهره يشمل القرآن وغيره.
وقال في الدر الثمين والمورد المعين: «ولا يذكر غيرها عوضها» (٢).
وقال القرافي في الذخيرة: «وعند الأبهري، وصاحب الطراز: لا يجب التعويض قياسًا على تكبيرة الإحرام إذا تعذرت؛ ولأن البدل يفتقر إلى نص» (٣).
وقال الدسوقي في حاشيته: «عدم وجوب الإتيان ببدلها من الذكر على من لا يمكنه الإتيان بها، ولا الائتمام» (٤).
فإذا كان لا يجب عليه بدلها إذا عجز عنها كلها، فكذلك إذا عجز عن بعضها.
وقد ذكرت أدلة المالكية في المسألة السابقة، فارجع إليه غير مأمور.
وقيل: يجب عليه قراءة ما يحسنه منها، ثم يأتي ببدل الباقي وهو الأصح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، قال الشافعية: مع مراعاة الترتيب (٥).
جاء في تحفة المحتاج: «ولو أحسن آية أو أكثر من الفاتحة أتى به في محله وببدل الباقي من القرآن، فإن كان الأول قدمه على البدل، أو الآخر قدم البدل عليه أو بينهما قدم من البدل بقدر ما لم يحسنه قبله ثم يأتي بما يحسنه ثم ببدل الباقي» (٦).
وقال الخطيب: «ويجب الترتيب بين الأصل والبدل» (٧).
стр. 1131
وقال النووي: «فلو عكس لم يجزئه على المذهب وبه قطع الأكثرون» (١).
* دليل وجوب البدل عن باقي الفاتحة:
أما الدليل على وجوب البدل:
فقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
ولأن العبادات على قسمين: منها ما يسقط بالعجز إلى غير بدل، كما لو عجز عن زكاة الفطر سقطت عنه.
ومنها ما شرع له بدل، كوجوب التيمم إذا فقد الماء، وبدل الواجب لا يجب إلا بنص.
فإذا كان العاجز عن تحصيل فرض القراءة في الصلاة ينتقل وجوبًا إلى الذكر، ويكون بدلًا عن القراءة؛ لحديث ابن أبي أوفى، وقد سبق ذكره في المسألة التي قبلها، فالتعويض من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأنه أعظم الذكر، وهو أشبه بالفاتحة من غيرها.
قال في الحاوي: «ولأن القرآن بدل من الفاتحة إذا لم يحسنها فوجب إذا كان يحسن بعضها أن يكون بدلًا مما يحسنه منها» (٢).
قال النووي: «لا يجوز الانتقال إلى الذكر إلا بعد العجز عن القرآن» (٣).
وإذا وجب البدل عن كامل الفاتحة، وجب البدل عن بعضها.
* وأما وجه وجوب الترتيب:
فيقول إمام الحرمين: «ليس علَّةُ الترتيب في هذا علةَ الترتيب في تلاوة الفاتحة في حق من يحسنها؛ فإن الترتيب يراعى في قراءة الفاتحة محافظةً على نظمها، وليس بين الأذكار التي قُدِّرت بدلًا عن النصف الأول، وبين النصف الثاني انتظام. ولكن هذا الترتيب يُتلقى من اشتراط الترتيب في أركان الصلاة؛ فعليه فرض قبل النصف الثاني، فليُقِمه. ثم ليأتِ بالنصف الثاني.
ويجوز أن يقال: يأخذ البدلُ حكمَ المبدل، والترتيب شرط في فاتحة الكتاب
стр. 1132
لعينها، فنزل بدل النصف الأول منزلته في رعاية ترتيب النصف الآخر عليه» (١).
* ويناقش:
بأن الذكر شرع بدلًا عن فرض القراءة إذا عجز عنها بالكلية، فإذا وجب عليه قراءة ما يحسنه من الفاتحة، ووجب عليه الانتقال إلى البدل كان في ذلك جمع بين الأصل والبدل، ولا يوجد دليل في صحة الجمع بين الأصل والبدل، فإما أن تكتفي بالأصل، وإما أن تكتفي بالبدل، وأما الجمع بينهما فيفتقر إلى نص.
فلو وجبت عليه رقبة، وكان عنده ثمن بعض الرقبة، انتقل إلى الإطعام كما لو عدم الرقبة أصلًا.
فإن قيل: إن بعض الرقبة ليس عبادة في نفسه بخلاف الآية من الفاتحة فإنها عبادة في نفسها.
انتقض هذا فيما فلو وجبت عليه كفارة يمين، ولم يجد الكسوة والرقبة، ووجد ما يطعم به تسعة مساكين انتقل إلى الصيام، ولم يؤمر بإطعام التسعة، والصيام عن العاشر، مع أن إطعام التسعة عبادة في نفسه، وهكذا.
فإما أن نقول: يَكْتَفِيْ بما قدر عليه ويسقط عنه الباقي؛ لعجزه، وإما أن نقول: لا عبرة بالقدرة على البعض إذا لم يقدر على الكل، وإما أن نقول بأن الحكم للأغلب، فإن قدر على أكثر الفاتحة لم ينتقل، وإن كان المقدور عليه من الفاتحة آية أو آيتين انتقل؛ لأن القواعد الفقهية: أن الأغلب يعطى حكم الكل، وما قارب الشيء أعطي حكمه.
وعلى التسليم بأنه يجمع بين الأصل والبدل فأين الدليل على اشتراط الترتيب بين الأصل والبدل، فلو قيل بالجمع بين الوضوء والتيمم لمن وجد ماء يكفي بعض طهره، وهي مسألة خلافية، بحثتها في كتابي موسوعة الطهارة، فإنه لا فرق بين أن يتيمم بعد الوضوء، أو قبله؛ لأن وجوب الترتيب يفتقر إلى نص، والأصل عدم الوجوب.
وقال الحنابلة: لو أحسن آية من الفاتحة، وأحسن آية أو أكثر من غيرها كرر ما يحسنه من الفاتحة دون غيرها، وهو وجه عند الشافعية (٢).
стр. 1133
* وجه قول الحنابلة:
أن الآية من الفاتحة أقرب إلى الفاتحة من غيرها، ولأن حرمة الفاتحة أوكد، فوجب تكرارها حتى يبلغ قدر الفاتحة.
* ويناقش:
بأن التكرار لا يجب إلا بنص، والشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا في وقت واحد، وحين أوجب الشارع الفاتحة دون غيرها من القرآن كان هذا لأمر عائد إلى فضل الفاتحة على غيرها من سور القرآن، ولمعانٍ اختصت بالفاتحة والله سبحانه يفضل بعض كلامه على بعض، وبعض آياته على بعض، وله الحكمة البالغة، وبالنظر إلى آيات الفاتحة فهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام،
القسم الأول: ثناء على الله في ثلاث الآيات الأولى وقد تضمنت كمال صفاته والإيمان بمعاده، وجاءت بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، وهوما يليق بالله ، من حمده، وتمجيده والثناء عليه.
القسم الثاني: قسمه الله بينه وبين عبده (إياك نعبد وإياك نستعين).
والقسم الثالث: دعاء خاص للعبد، بالهداية على صراطه المستقيم المخالف لطريق المغضوب عليه وطريق الضالين.
فالقول بأن آيات الفاتحة أقرب شبهًا بها من غيرها ليس دقيقًا، فآيات الدعاء لا تشبه آيات الثناء.
* الراجح:
أرى أن المصلي إذا عرف أكثر الفاتحة قرأه في الصلاة، وسقط عنه ما عجز عنه، ولا يجب عليه بدل عنه؛ لأن للأكثر حكم الكل، وما قارب الشيء يعطى حكمه.
فإن عرف آية أوآيتين وكان ما عجز عنه من الفاتحة أكثر مما يعرفه فإنه يقرؤه، ويسقط عنه الباقي إلى غير بدل، ولو قيل: إذا لم يعرف إلا آية أو آيتين فإنه ينتقل إلى البدل، وتسقط عنه القراءة، لو قيل به فهو قول قوي جدًّا، وأما الانتقال إلى الذكر فإنه لا ينتقل إلا إذا عجز عن فرض القراءة بالكلية. والله أعلم.
* * *
стр. 1134
المسألة الرابعة في المصلي يعجز عن الفاتحة ويعرف غيرها من القرآن
المدخل إلى المسألة:
* الانتقال إلى بدل الواجب يحتاج إلى توقيف، لا مجال للرأي فيه.
* تعويض الفاتحة من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأن القرآن أعظم الذكر.
* القرآن أشبه بالفاتحة من الأذكار، من حيثُ نظمه، وإعجازه.
* لا يشرع في الصلاة سكوت، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، إلا ما كان بعد القراءة وقبل الركوع؛ لأخذ النفس.
[م-٥٥٠] اختلف العلماء في الرجل يعجز عن تعلم الفاتحة، ويكون معه غيرها من القرآن:
فقيل: يقرأ ما معه من القرآن بدلًا عن الفاتحة على اختلاف بينهم في مقدار البدل، وهذا مذهب الجمهور، وبه قال بعض المالكية القائلين بوجوب الذكر بدلًا عن الفاتحة؛ فإن القرآن أعظم الذكر، واختاره ابن حزم (١).
стр. 1135
قال ابن حزم: «من عجز عن أم القرآن وقدر على غيرها من القرآن سقطت عنه، ولزمه ما تيسر له من القرآن» (١).
وقال المالكية في المختار: إن لم يمكنه الائتمام بأن لم يجد من يأتم به سقطت عنه الفاتحة والقيام لها، وصلى فذًّا وقام للركوع كالإحرام، وندب له الفصل بين الإحرام والركوع بسكوت أو ذكر، أو قرآن، والفصل به أولى من غيره من الأذكار.
فالتعبير بالأولى يدل على عدم الوجوب، وسبب الفصل بالقرآن ليس بدلًا عن الفاتحة، لأن أم القرآن لا بَدَلَ لها في الصلاة عندهم، ولكن من أجل الفصل بين تكبيره للإحرام وتكبيره للركوع (٢).
جاء في مناهج التحصيل: «قراءة أم القرآن في الصلاة لا بدل لها، والقرآن لو قرأه كله في الصلاة ما وقع موقع الإجزاء» (٣).
وقال في منح الجليل: «(وَنُدِبَ) بضم فكسر على المختار (فَصْلٌ) بسكوت أو ذكر أو سورة أخرى وهما أولى من السكوت والثالث أولى من الثاني (بين تكبيره) للإحرام أو القيام (و) تكبير (ركوعه) لئلا يشتبه أحدهما بالآخر» (٤).
* دليل الجمهور على وجوب قدرها من القرآن:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
стр. 1136
فإذا عجز عن الفاتحة كان مأمورًا بقراءة ما تيسر.
الدليل الثاني:
(ح-١٤١٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،
عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته ... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبِّره (١).
[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ) يحيى بن علي ابن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (فإن كان معك قرآن فاقرأه ... ) إلخ. فأطلق القرآن، فدخل فيه الفاتحة وغيرها، فلا ينتقل إلى الذكر إلا إذا كان عاجزًا عن القرآن.
الدليل الثالث:
ولأن المصلي إذا كان يشرع له قراءة ما تيسر من القرآن مع قدرته على الفاتحة فَلَأَنْ يشرع له قراءة ما تيسر مع عجزه عنها من باب أولى.
الدليل الرابع:
ولأن المقصود من إقامة الصلاة ذكر الله،
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فلا يشرع في الصلاة سكوت، هذا من حيث وجوب البدل.
الدليل الخامس:
أن المصلي إذا عجز عن فرض القراءة بالكلية انتقل إلى الذكر بموجب حديث
стр. 1137
ابن أبي أوفى -وقد سبق تخريجه - فإذا عجز عن الفاتحة وَقَدَرَ على غيرها من القرآن انتقل إليه؛ لأن التعويض من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأن القرآن أعظم الذكر، قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر﴾ [سورة ص: ١].
ولأن الفرق بين كلام الناس وكلام الله كالفرق بين الخالق والمخلوق، ولأن القرآن أشبه بالفاتحة من غيره، من حيث نظمه، وإعجازه.
* دليل المالكية على سقوط القراءة بالعجز عن الفاتحة:
الواجبات تسقط بالعجز، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال ﷺ كما في حديث أبي هريرة: ... إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، رواه البخاري ومسلم (١).
ولأن الشارع لم يوجب على المصلي قراءة ما عدا الفاتحة على الصحيح، فإذا عجز عنها سقطت كسائر الواجبات، وإيجاب البدل يفتقر إلى نص صحيح، ولا يوجد نص صحيح يوجب قراءة غير الفاتحة، لا أصلًا ولا بدلًا، وما ورد من أحاديث في السنة في إيجاب الذكر بدلًا عن القرآن لا يصح منها شيء عند المالكية.
* الراجح:
أن المصلي إذا عجز عن الفاتحة كان فرضه الذكر لحديث ابن أبي أوفى، وهو حديث حسن إن شاء الله، وأعظم الذكر كتاب الله .
* * *
стр. 1138
المسألة الخامسة في مقدار ما يجزئ عن الفاتحة من القرءان
المدخل إلى المسألة:
* لا يشترط في البدل أن يكون مساويًا للمبدل منه.
* قال النبي ﷺ للمسيء صلاته: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، متفق عليه، والمطلق جارٍ على إطلاقه، لا يقيده إلا نص مثله.
* شروط العبادة صفة فيها، والقول في صفة العبادة كالقول في العبادة يحتاج إلى التوقيف، وإيجاب عدد أو مقدار في البدل لا دليل عليه.
[م-٥٥١] اختلف العلماء في المقدار المجزئ من القرآن عن الفاتحة
فقيل: المعتبر قدرها في الآيات والحروف، فلو قرأ آية طويلة بلغ عدد حروفها عدد حروف الفاتحة لم يجزئ، وهو الأصح في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة (١).
وقيل: المعتبر عدد الآيات دون الحروف، فإذا قرأ سبع آيات من غيرها أجزأته، وهو وجه في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 1139
وقيل: يقرأ بقدرها في عدد الحروف فقط، وهو وجه في مذهب الحنابلة (١).
قال في الإنصاف: «وأنكر بعضهم هذا الوجه، وعلى تقدير صحته ضَعَّفَه» (٢).
وقيل: يشترط كون البدل مشتملًا على ثناء ودعاء كالفاتحة، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: يجزئ من القرآن ما تيسير، دون تحديد، وبه قال ابن حزم.
* دليل من قال: يشترط عدد الآيات والحروف:
أما اشتراط العدد: فلقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ [الحجر: ٨٧]، والسبع المثاني: هي الفاتحة.
(ح-١٤٢٠) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري،
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم (٤).
فحين ذكر النبي ﷺ الفاتحة أخبر عنها بأنها هي السبع، فتبين أن ما كان دون السبع لا يجزئه، وإن طال لرعاية العدد فيها.
وقد يقال: إن للعدد سبعة اعتبارًا في أقدار الله، فالسموات سبع، والطواف والسعي والرمي سبع، والسجود على الأعضاء السبعة، وأيام الأسبوع سبعة، والفاتحة آياتها سبع، فالبدل عن الفاتحة يجب أن يراعى فيه العدد سبعة، والله أعلم.
стр. 1140
وأما اشتراط الحروف: فلأن تقدير الحسنات بعدد الحروف، فإن له بكل حرف عشر حسنات، فكان عدد الحروف مقصودًا للثواب.
* وجه من قال: المعتبر عدد الآيات دون مقدار الحروف:
القياس على قضاء الصيام، فلو صام يومًا قصيرًا عن يوم طويل صح الصوم، ولا يشترط المساواة في الساعات.
ولأن اعتبار المساواة في الحروف فيه مشقة على المصلي، والحرج مدفوع.
* وجه من قال: يشترط الحروف فقط:
أن المعتبر في البدل هو الثواب، وهو مقدر بعدد الحروف دون عدد الآيات.
* وجه من قال: يشترط اشتماله على ثناء ودعاء:
هذا القول بناه بالنظر إلى موضوع آيات الفاتحة، فالفاتحة فرضت في الصلاة دون غيرها لما اشتملت عليه من ثناء ودعاء، فكان أولها متضمنا لتعظيم الله بحمده وكمال رحمته وكمال تصرفه في ملكه، والثاني متضمنًا افتقار العبد إلى هداية الله له إلى صراط الله المستقيم ومخالفة طريق المغضوب عليهم وهم اليهود ومن شابههم، وطريق الضالين وهم النصارى ومن شابههم.
* ويناقش:
بأن الله قال: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وإذا كان هذا العبد عاجزًا عن تحصيل الفاتحة فكيف يكلف أن يكون البدل عنها مشتملًا على موضوعها من ثناء ودعاء.
* دليل من قال: يجزئ ما تيسر من القرآن:
من القرآن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
(ح-١٤٢١) ومن السنة: ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة، في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه .... إذا قمت
стр. 1141
إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... الحديث (١).
* الراجح:
القول بعدم التحديد، لا في عدد الآي، ولا في قدر الحروف.
* * *
стр. 1142
المسألة السادسة في اشتراط أن تكون الآيات متوالية منتظمة المعنى
المدخل إلى المسألة:
* شروط العبادات صفات لازمة فيها.
* شروط العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بتوقيف.
* اشتراط أن يكون البدل بمقدار آيات الفاتحة أو بمقدار كلماتها فيه حرج ومشقة، والأصل عدم الاشتراط.
* القراءة في الصلاة يغلب عليها التعبد، وهو حاصل بمجرد تلاوة الآية كاملة.
* لا يشترط في البدل أن يكون بمقدار المبدل منه، ولا بمعناه.
* إذا لم يشترط في البدل أن يكون متضمنًا لمعنى الفاتحة من ثناء ودعاء لم يشترط فيه أن يكون بمقدار الفاتحة من باب أولى؛ لأن قصد المعنى أولى من قصد العدد.
* كل آيات القرآن يصلح أن يكون بدلًا عن الفاتحة، فلم يتعين البدل بآيات بعينها، وإذا لم يتعين البدل لم يشترط توالي الآيات، بخلاف الفاتحة فإن الفرض متعين في آياتها فاشترط الترتيب والتوالي.
* الأبدال مبناها على التخفيف، فالتيمم أخف من الوضوء والغسل، ومسح الخفين أخف من غسل القدمين.
[م-٥٥٢] إذا كان المصلي لا يحفظ الفاتحة، وقرأ آيات من القرآن بدلًا منها، أيشترط في الآيات أن تكون متوالية مع القدرة على التوالي أم يجوز أن تكون الآيات متفرقة غير منتظمة المعنى؟
стр. 1143
هذه المسألة لا تتنزل على مذهب أبي حنيفة لأن الفرض عندهم يتأدى بآية واحدة، ولو كانت قصيرة.
كما لا تتنزل على المعتمد من مذهب المالكية؛ لأنهم لا يقولون بمشروعية التعويض عن الفاتحة، فإذا عجز عنها سقط عنه فرض القراءة.
وعلى هذا سيكون البحث في مذهب الشافعية والحنابلة القائلين بالتعويض، وقد توجه لها بالبحث أصحاب الإمام الشافعي، فكان في مذهبهم قولان:
القول الأول:
قالوا: إنْ أَحْسَنَ سبعَ آيات متوالية على ترتيب المصحف لم يجز العدول إلى المتفرقة، اختاره إمام الحرمين، والغزالي والرافعي (١).
جاء في المجموع: «وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي في البسيط والرافعي» (٢).
وقال الغزالي في الوسيط: «فإن عجز عن آيات متوالية، فتجزئه آيات متفرقة» (٣).
* وجه اشتراط الآيات متوالية:
أن المتوالي أشبه بالفاتحة، ولأن المفرق قد لا يفيد معنى منتظمًا، وهو شرط في أحد القولين كما سيأتي.
القول الثاني:
قال النووي: «الأصح المنصوص في الأم: جواز المتفرقة مع حفظه متوالية.
والمنصوص عن الشافعي في الأم، قوله: «وسواء كان الآي طوالًا أو قصارًا لا يجزيه إلا بعدد آي أم القرآن، وسواء كن في سورة واحدة أو سور متفرقة لا يجزيه حتى يأتي بسبع آيات» (٤).
قال أبو زرعة العراقي: ويوافقه قول التنبيه: «(قرأ بقدرها من غيرها) فإنه لم
стр. 1144
يفصل بين أن يحفظ متوالية أم لا» (١).
واستدرك النووي على الرافعي في الروضة، فقال: «قد قطع جماعة بأن تجزئه الآيات المتفرقة وإن كان يحسن المتوالية، سواء فرقها من سورة أو سور؛ منهم القاضي أبو الطيب، وأبو علي البندنيجي، وصاحب البيان، وهو المنصوص في (الأم) وهو الأصح. والله أعلم» (٢).
وتعقب الإسنوي النووي في المهمات، فقال: «وما ذكره من أن هؤلاء قد نصوا على جواز المتفرقة مع إمكان المتوالية ليس كذلك، فقد راجعت كلام الشافعي والبندنيجي والعمراني فلم أجد لهم تصريحًا بالإجزاء في هذه الحالة، بل قالوا: إنه يجزئ الذي يحسنه، سواء كان من سور أم سورة، وهذا إطلاق يصح تنزيله على ما صرح به أولئك.
وإجمال تعينه تفسيرهم، وقد صرح بالمنع الشيخ أبو محمد والإمام، والغزالي في (البسيط) والقاضي مجلي في (الذخائر) والرافعي، لاسيما أن المعاني الحاصلة من اتصال الآيات تفوت، فقد لا تفهم أن المتفرقة من القرآن بالكلية» (٣).
يقصد الإسنوي أن الذين استند إليهم النووي لم يُصرِّحوا بالجواز عند حفظ المتوالية، بل أطلقوا، فيمكن حملُ إطلاقهم على ما قَيَّده غيرُهم (٤).
* وجه جواز أن تكون الآيات متفرقة:
القياس على قضاء رمضان، فإن القضاء أوسع من الأداء.
وقد يستدل لهم بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فأطلق القراءة، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل المتوالي كما يشمل المتفرق.
ولأن كل آيات القرآن يصلح أن يكون بدلًا عن الفاتحة، فلم يتعين البدل في سورة بعينها، وإذا لم يتعين لم يشترط توالي الآيات، بخلاف الفاتحة فإن الفرض
стр. 1145
متعين في آياتها فاشترط الترتيب والتوالي.
[م-٥٥٣] وإذا قرأ المصلي آيات متفرقة بدلًا عن الفاتحة، سواء أكان ذلك لعجزه عن المتوالي، أم لكونه لا يرى ذلك شرطًا، فهل يشترط في الآيات المتفرقة أن تفيد معنى منتظمًا؟
في ذلك خلاف بين أصحاب الشافعي ﵏:
فقال إمام الحرمين: «إن لم تفد المتفرقة معنى منتظمًا انتقل إلى الذكر» (١).
جاء في نهاية المطلب: «الإتيان بسبع آيات متفرقات قد لا تفيد معنى منظومًا، ولو قرئت وحدها، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَر﴾ [المدثر: ٢١]، فيظهر ألَّا يَكْتَفِي بإفراد هذه الآيات، فيردُّ إلى الذكر» (٢).
وقال النووي: «الأصح المنصوص في الأم: جواز المتفرقة سواء أفادت معنى منظومًا أم لا، قال في المجموع والتنقيح: وهو المختار كما أطلقه الجمهور، قال الرملي: وهو المعتمد» (٣).
وتوسط الأذرعي: فقال: «ما اختاره النووي إنما ينقدح إذا لم يحسن غير ذلك، أما مع حفظه متوالية، أو متفرقة منتظمة المعنى فلا وجه له، وإن شمله إطلاقهم.
قال الخطيب: «وهذا يشبه أن يكون جمعًا بين الكلامين، وهو جمع حسن» (٤).
قلت: القراءة في الصلاة يغلب عليها التعبد، وهو حاصل بمجرد تلاوة الآية كاملة، وكثير من العوام لا يعرف المعنى أهو منتظم أم لا؟ فوضعه شرطًا في حق رجل عاجز عن تحصيل الفاتحة فيه حرج، لهذا أجد من الصعب إفساد الصلاة إذا لم تفد الآيات معنى منتظمًا، المهم ألا تفيد معنى فاسدًا، فإن أفادت معنى فاسدًا
стр. 1146
كان ذلك ملحقًا باللحن، وإن كان الأولى مع الإمكان أن تكون الآيات متوالية منتظمة المعنى، والله أعلم.
* * *
стр. 1147
المسألة السابعة إذا عجز عن القرآن والذكر
المدخل إلى المسألة:
* من أمر بأمرين فقدر على أحدهما وعجز عن الآخر وجب عليه ما قدر عليه؛ لأن القدرة على أحدهما لا تسقط بالعجز عن الآخر، والمقدر لا يسقط بالمعسور.
* القيام في الصلاة ركن مقصود بنفسه، لا يسقط بالعجز عن القراءة.
* الوسائل نوعان: وسائل لا تقصد بنفسها، وإنما شرعت لتحصيل غيرها، فإذا سقط المقصد سقطت وسيلته، كإمرار الموس على رأس الأقرع في النسك.
ومن الوسائل: ما هو وسيلة لغيره ومقصود بنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه، والقيام في الصلاة من النوع الثاني.
[م-٥٥٤] إذا عجز عن القرآن والذكر سقطت عنه القراءة، وهل يسقط عنه القيام؟
في ذلك خلاف راجع إلى مسألة الاختلاف في منزلة القيام بالصلاة:
أهو ركن مقصود بنفسه وهو مذهب الشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية، فلا يسقط بالعجز عن القراءة أو بدلها (١).
أم هو ركن مقصود للقراءة، كما هو مذهب المالكية، فإذا عجز عن القراءة سقط القيام لها؛ فيقف للإحرام وللهُوِيِّ للركوع، ويستحب الفصل بين التكبيرتين بوقوف ما (٢).
стр. 1148
أم هو ركن مقصود للسجود، كما هو مذهب الحنفية، فلا يسقط إلا بالعجز عن السجود (١).
وقد سبق بحث منزلة القيام في الصلاة في مبحث سابق، فارجع إليه.
وعلى هذا إذا عجز عن القراءة عند الحنفية والمالكية، أوعجز عن بدلها عند الشافعية والحنابلة، فما هو الواجب على المصلي؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن المصلي إذا عجز عن القراءة فإنه يقف فرضًا في الركعات التي تكون القراءة فيها فرضًا، والقراءة عندهم فرض في جميع ركعات النفل والوتر، وفي الفرض ذوات الركعتين، وأما ذوات الأربع: ففرض القراءة في ركعتين منهما، وفي الأخريين إن شاء سكت، وإن شاء قرأ، وإن شاء سبح.
وأما مقدار الوقوف: فحيث تجب القراءة إذا عجز عنها المصلي وقف مقدار القراءة المفروضة، وهي آية مطلقًا عند الإمام أبي حنيفة، ومقدار آية طويلة أو ثلاث آيات قصار عند أبي يوسف ومحمد.
وحيث لا تجب القراءة في الأخريين فالركن فيه أصل القيام، لا امتداده، هذا ملخص مذهب الحنفية (٢).
القول الثاني: مذهب المالكية.
ذهب المالكية إلى أن القيام يجب في الفرض للإحرام استقلالًا إلا لمسبوق، وحال قراءة الفاتحة للإمام والفذ، ومن أجل الهُوِيِّ للركوع ولو للمأموم.
فإذا عجز عن تعلم الفاتحة ولم يمكنه الائتمام بمن يحسنها سقطت الفاتحة،
стр. 1149
وسقط القيام لها، ولا يجب عليه إبدالها بذكر أو سورة أخرى على المعتمد، ولا الوقوف بقدرها، وبه قال جمهورهم.
لأن القيام شرع من أجل القراءة، فيقف فقط للإحرام وللهوي للركوع، ويندب له الوقوف يسيرًا ولو قَلَّ بسكوت، أو ذكر، أو قرآن؛ للفصل بين تكبيره وركوعه، لئلا تلتبس تكبيرة القيام بتكبيرة الركوع فإن لم يفصل وركع أجزأه (١).
قال الخرشي: «يجب القيام للفرض كالفاتحة، وقيام الهوي للركوع، ولو للمأموم، وتكبيرة الإحرام لغير المسبوق في صلاة الفرض» (٢).
وقال الدردير في الشرح الكبير: «(يجب بفرض) أي في صلاة فرض (قيام) استقلالًا للإحرام، والقراءة، وهوي الركوع، إلا حال السورة فيجوز الاستناد، لا الجلوس لأنه يخل بهيئتها» (٣).
وقال خليل في مختصره: «وإن عجز عن فاتحة قائمًا جلس» (٤).
وقال الدسوقي: «سواء كان يقدر على القيام من غير قراءة، أم لا؛ لأن القيام كان لها» (٥).
وقال القرافي في الذخيرة: «وإذا لم يجب البدل -يعني عن الفاتحة بسبب عجزه- فعند القاضي عبد الوهاب يقف وقوفًا، فإن لم يفعل أجزأه؛ لأن القيام وسيلة القراءة، وإذا بطل المقصد بطلت الوسيلة» (٦).
* دليل المالكية على سقوط القيام بعجزه عن القراءة:
أما كون الفاتحة تسقط بلا بدل:
فقد تقدم الاستدلال عليه في أكثر من مسألة من المسائل السابقة، راجع إذا صلى ولم يكن معه شيء من القرآن.
стр. 1150
وأما الدليل على أنه لا يجب عليه القيام بقدر القراءة إذا سقطت:
فيرى المالكية أن المقصود من القيام هو القراءة؛ لأن القيام في حقه مقدر بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، فدل على أن ذلك هو المقصود من القيام.
جاء في التاج والإكليل عن ابن يونس: «القيام للإمام والفذ قدر قراءة أم القرآن من الفروض المتفق عليها» (١).
فإذا عجز عن القراءة سقط عنه القيام لها، ولذلك المسبوق يسقط عنه القيام؛ لسقوط القراءة عنه، ووجب عليه القيام فقط حال الإحرام وهذا واجب بالإجماع، وكذا للهوي من الركوع (٢).
قال في الثمر الداني: «يشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقًا، فإن تركه في الفرض، بأن أتى به جالسًا أو منحنيًا، أو مستندًا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته» (٣).
* وجه القول بالبطلان:
أن تكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة القولية التي لا تقبل إلا إذا فعلت في محلها، وهو القيام، فإن أتى بها أو ببعضها حال الركوع لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، فهو كما لو أتى بالتشهد حال القيام أو الركوع، أو قرأ الفاتحة مكان التشهد، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.
* ويناقش:
بأن القول: إن القيام وجوبه وجوب وسائل، وليس مقصودًا بنفسه غير صحيح، فلا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه.
يقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان
стр. 1151
مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة» (١).
بل إن القيام لله من أعظم العبادات كما سيأتي التدليل عليه في أدلة القول التالي.
القول الثالث:
ذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول في مذهب المالكية أن المصلي إذا عجز عن القراءة والذكر وجب عليه القيام بقدر قراءة الفاتحة.
قال الخرشي: «فإن عجز عنها -أي عن الفاتحة- سقط القيام ... وقيل: القيام واجب مستقل، فلا يسقط القيام عمن عجز عن قراءتها» (٢).
قال إمام الحرمين: «القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا» (٣).
وقال البهوتي في كشاف القناع: «القيام ركن مقصود في نفسه؛ لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر لقوله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (٤).
* واستدلوا لذلك بما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
(ح-١٤٢٢) ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (٥).
فإذا عجز عن القراءة لم يسقط عنه القيام؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
الدليل الثاني:
أن القيام ركن، والقراءة ركن، وإذا كان القيام ركنًا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه.
стр. 1152
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٤١) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١).
فعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة.
الدليل الرابع:
القيام تعظيم لله كالركوع والسجود قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾،
فأمر بالقيام في الصلاة، وأثنى الله على المؤمنين بقوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
ولقد كان النبي ﷺ يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه (٢).
ونهاهم أن يصلوا خلفه قيامًا حين صلى قاعدًا في مرضه، وقال: إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. رواه مسلم.
وقال ﷺ : من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار (٣)؛ لما في القيام من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله، فدل على أنه من أعظم العبادات، فلا يسقط مع القدرة عليه.
стр. 1153
* الراجح:
ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وأن القيام لله عبادة مستقلة بنفسها، لا يسقط بسقوط القراءة، وأنه مقدر بقدر قراءة الفاتحة، والله أعلم.
* * *
стр. 1154
الفرع الثامن في التأمين على دعاء الفاتحة
المسألة الأولى في معنى التأمين
التأمين: هو قول الرجل: آمين، وهي اسم فعل مبني على الفتح وكان حقه الوقف على السكون؛ كما كان في صه ومه وفي جميع أسماء الأفعال إلا أن النون فتحت لالتقاء الساكنين، وكأن الفتح مع الياء أخف من سائر الحركات، كما فتحوا (أينَ) و (كيفَ) و (ليتَ) و (لعلَّ).
وقد ذكر الرضي في شرحه على كافية ابن الحاجب أن (آمين) قيل: إنها سرياني كقابيل وهابيل لأنه ليس من أوزان كلام العرب (١).
وحكي فيها ثلاث لغات: إحداها: آمين بالمد، وقال النووي: وهو أفصح، وقال العراقي: أشهرها المد، ونسبه الحافظ ابن حجر لجميع القراء (٢).
والثانية: أَمِين، بقصر الألف، وقيل: إنه الأصل، وإنما مُدَّ لترفيع الصوت بالدعاء، كما قالوا: آوَّه، والأصل: أوَّه (٣).
وجاء في المصباح المنير: «وأمين بالقصر في لغة الحجاز، وبالمد في لغة بني عامر» (٤).
стр. 1155
قال ابن العربي: «والقصر أفصح، وأخصر، وعليها من الخلق الأكثر» (١).
وأنشدوا بيتًا من الشعر لجبير بن الأضبط
تَبَاعَدَ مِنِّيْ فُطْحُلٌ أنْ سَألْتُهُ. . . أَمِينَ فَزادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدًا
فقدم التأمين على الدعاء للضرورة، وقد روي بالمد: (فآمين زاد الله ما بيننا بعدًا)
وعلى هذه الرواية لا شاهد فيه على القصر (٢).
وأنكر ثعلب القصر في غير ضرورة الشعر، وصححه يعقوب.
والعجب كيف يكون القصر أفصح، ولم يَرْوِ أحد عن النبي ﷺ حديث: إذا قال الإمام ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا آمين إلا بالمد، والرسول ﷺ أفصح العرب، وعليه جميع القراء.
وقال ابن المرزبان في تصحيح الفصيح وشرحه: «وليس (أمين) بقصر الهمزة معروفًا في الاستعمال. وإنما قصره الشاعر ضرورة» (٣).
والثالثة: المد مع تشديد الميم، (آمِّين) حكاها بعض أهل اللغة والقاضي عياض، وعدوها لغة، وأنكرها الأكثر؛ وعَدُّوها لحنًا؛ لأنه يخل بالمعنى، فيجعله بمعنى: قاصدين، كما قال تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (٤).
ويتفق العلماء بأن التأمين ليس من الفاتحة، ولا من القرآن فهو كالاستعاذة.
وقد قيل في معنى آمين: بأنه اسم فعل بمعنى استجب، فهو دعاء باستجابة ما تقدم من الدعاء، وهو الأصح.
وقيل: معناه: كذلك فليكن، أوكذلك يكون، ومناسبتهما بعد الفراغ من الدعاء ظاهر.
وقيل: اسم من أسماء الله تعالى، ولا أعرف -على هذا التفسير- مناسبة في
стр. 1156
ذكره بعد قوله: ولا الضالين إلا أن يقدر حرف نداء محذوف (١).
قال ابن العربي: «ولا يصح نقله، ولا ثبت قوله» (٢).
ونقله ابن كثير في تفسيره وأقره (٣). هذا فيما يتعلق بمعنى التأمين.
* * *
стр. 1157
المسألة الثانية في فضل التأمين
المدخل إلى المسألة:
* ثبوت الفضل للعبادة ومقداره توقيفي.
* قوله ﷺ : (فإن الملائكة تؤمن) جملة تعليلية للأمر بالتأمين.
* إذا افق تأمين المأموم تأمين الإمام كان ذلك مظنة أن يوافق تأمين الملائكة، فيمكن للمكلف تحري ذلك، والطمع في حصوله.
* لا يلزم من إطلاق الملائكة أن ذلك يقع من جميعهم، فهو عام أريد به الخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. والقائل رجل واحد.
[م-٥٥٥] ورد في فضل التأمين أحاديث، من ذلك:
(ح-١٤٢٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١).
قال ابن العربي: «فترتيب المغفرة للذنب على أربع مقدمات ذكر منها ثلاثًا، وأمسك عن واحدة؛ لأن ما بعدها يدل عليها:
المقدمة الأولى: تأمين الإمام.
الثانية: تأمين من خلفه.
стр. 1158
الثالثة: تأمين الملائكة.
الرابعة: موافقة التأمين.
فعلى هذه المقدمات الأربع تترتب المغفرة، وإنما أمسك عن الثالثة اختصارًا؛ لاقتضاء الرابعة لها فصاحة» (١).
وقوله ﷺ : ( ... فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ... ) فأمر بالمبادرة بالتأمين، وعلل ذلك بقوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) فيه إشارة إلى أنه إذا بادر وأَمَّن مع تأمين الإمام فإنه يوافق تأمين الملائكة، ذلك لأن الملائكة توافق تأمين الإمام دائمًا، وإلا لما صح أن تكون الجملة الثانية تعليلًا للجملة الأولى (٢).
(ح-١٤٢٥) وروى النسائي من طريق بقية بن الوليد، عن محمد بن الوليد الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٣).
وهذا إسناد جيد، وهو يبين أن قوله: (فإن الملائكة تؤمن) جملة تعليلية للأمر بالتأمين.
قال ابن المنير نقلًا من فتح الباري: «الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظًا» (٤).
[م-٥٥٦] واختلف العلماء بالمراد بموافقة الملائكة في التأمين:
فقيل: المراد موافقتهم بالوقت، وهو مذهب الجمهور (٥).
وقيل: المراد بموافقة الملائكة بالصفة، بأن يكون تأمينه من غير علة من رياء، أو سمعة، أو إعجاب وبهذا يكون تأمينه موافقًا في الإخلاص لتأمين الملائكة، اختار
стр. 1159
ذلك ابن حبان، كما في قوله ﷺ : ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة (١).
ولا يمتنع أن تكون الموافقة فيهما في الوقت وفي الإخلاص، والله أعلم.
وظاهر الحديث: تأمين جميع الملائكة:
فقال عكرمة: ملائكة السماء يصفون في السماء كصفوف أهل الأرض، فإذا توافقا في التأمين غفر لمن في الأرض.
(ث-٣٥١) روى عبد الرزاق، عن معمر قال:
حدثني من سمع عكرمة يقول: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر له (٢).
قال ابن حجر: «مثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى» (٣).
وهذا صحيح بشرط أن يثبت عن عكرمة، ولم يثبت؛ لإبهام شيخ معمر.
وظاهر أثر عكرمة أن لكلٍّ صلاته على وجه الاستقلال؛ لأن القول بأن أهل السماء يصلون صفوفًا تبعًا لأهل الأرض مع اختلاف المكان يحتاج إلى توقيف، فظاهر أثر عكرمة أنه لا اتحاد بينهما في الصلاة، فإذا وقع توافق في التأمين بينهما ترتب عليه هذا الفضل.
ومثل هذا لا يمكن أن يُرَغَّب فيه أحد؛ لأنه لا أحد يمكنه تحري ذلك؛ لكونه من الغيبيات، وهو خلاف حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ... ) إلخ فإن فيه اتحادًا في الدعاء، فالإمام يدعو، والملائكة والمصلون يؤمنون على دعائه، فإذا وافق تأمين المأموم تأمين الإمام كان ذلك مظنة أن يوافق تأمين الملائكة، فيمكن للمكلف تحري ذلك، والطمع في حصوله بخلاف التأويل الأول.
وتقدم لنا رواية النسائي (إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (٤).
стр. 1160
فهو صريح أن الملائكة تؤمن على دعاء الإمام.
وقيل: المراد بالملائكة ممن يشهد تلك الصلاة وقت التأمين (١).
قال ابن حجر: «ظاهره: أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره بن بزيزة.
وقيل: الحفظة منهم.
وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض، أو في السماء» (٢).
وقال في تحفة المحتاج: «والمراد بالملائكة المؤمنون على أدعية المصلين والحاضرون لصلاتهم» (٣).
وقال بعضهم: إذا قال الحفظة: آمين قالها من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء (٤).
والراجح والله أعلم أن تأمين الملائكة على دعاء الإمام لا يلزم منه اتحاد المكان، فالحديث لم يرد فيه إلا أن الملائكة تؤمن، فالوقوف عند حدود النص هو الجزم بتأمين الملائكة فقط على دعاء الإمام، ولا يلزم من تأمين الملائكة أن يكونوا صفوفًا يصلون لأنفسهم أو يصلون مع الإمام، فيشمل الملائكة ممن يشهدون الصلاة في الأرض، ويشمل غيرهم من ملائكة السماء ممن يسمع دعاء الإمام، ويؤمن على دعاء المصلين، ولا يلزم من إطلاق الملائكة أن ذلك يقع من جميعهم، فهو عام أريد به الخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. والقائل رجل واحد.
* والدليل على تأمين ملائكة السماء.
(ح-١٤٢٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال أحدكم: آمين، وقالت