← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ليث يعني ابن أبي سليم، عن عبد الله بن حسن، عن أمه، فاطمة ابنة حسين، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد، صلى على محمد وسلم، وقال: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج، صلى على محمد وسلم، ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك. قال إسماعيل: فلقيت عبد الله بن حسن فسألته عن هذا الحديث، فقال: كان إذا دخل قال: رب افتح لي باب رحمتك، وإذا خرج قال: رب افتح لي باب فضلك (١). ورواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا ليث به مرفوعًا: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك (٢). ورواه إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا جرير عن ليث بن أبي سليم به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: الحمد لله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج من المسجد قال: الحمد لله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 107

الدليل الثاني:

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 109

(ح-١٠٨٢) ما رواه النسائي في الكبرى من طريق الضحاك قال: حدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم باعدني من الشيطان (١). [معلول أعله النسائي ورجح أنه من رواية كعب الأحبار من قوله] (٢).

стр. 110

الدليل الثالث: (ح-١٠٨٣) ما رواه ابن السني من طريق إبراهيم بن محمد البختري -شيخ صالح بغدادي- حدثنا عيسى بن يونس، عن معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله، اللهم صَلِّ على محمد. وإذا خرج قال: باسم الله، اللهم صَلِّ على محمد (١). [منكر، تفرد به البختري، عن عيسى بن يونس، ولا يعرف].

стр. 111

فتبين أن الأحاديث التي فيها التسمية، أو الحمد، أو الدعاء بالمغفرة لدخول المسجد لا يثبت منها شيء. والتعبد بالتسمية يحتاج إلى دليل صحيح، فإن الأفعال على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما كانت التسمية فيه مشروعة، سواءً أكانت واجبة، أم كانت سنة، وسواءً أكان من العبادات كالذبيحة، وقراءة القرآن، أم كانت من المباحات، كالأكل والشرب والجماع، فالتسمية لهذه مجمع على مشروعيتها. والقسم الثاني: ما كانت التسمية غير مشروعة كالتسمية للدخول في الصلاة، وللأذان، وللإحرام بالحج والعمرة ولإرادة الدعاء، ونحوها، فهذه لا تشرع فيها التسمية، ويلحق به الدخول في المسجد على الصحيح؛ لأن التسمية لم تثبت بحديث تقوم فيه الحجة. والقسم الثالث: كَرِه بعض الفقهاء التسمية في ابتداء الفعل المحرم، وعللوا الكراهة بأن الغرض من البسملة التبرك في الفعل المشتمل عليه، والحرام لا يراد كثرته، ولا بركته (١)، والله أعلم. * * *

стр. 112

المبحث الثالث في صلاة ركعتين قبل الجلوس المدخل إلى المسألة: • لا يصح في إطلاق تحية المسجد على الركعتين حديث مرفوع، وهي تسمية اصطلاحية، وليست شرعية. • إضافة التحية للمسجد من باب إضافة الشيء إلى سببه. • من السنن ما يشرع للمكان كتحية المسجد، ومنها ما يشرع للزمان كصلاة الضحى. • تحية المسجد وتركها توقيفي، فالخطيب يوم الجمعة يجلس وقت الأذان بلا تحية بخلاف المصلي يدخل، والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي على الصحيح. • لما كانت المساجد لله اختصت بالتعظيم لتتميز بيوت الله عن بيوتنا وأسواقنا. • تعظيم المساجد بالتحية طاعة لله وامتثالًا لأمره، لا يعني أن الصلاة لها، فلا معنى لقول بعض الفقهاء: المراد تحية رب المسجد، فلو قصد سنة البقعة لم تصح، فالطواف بالبيت، وتقبيل الحجر، عبادة لله، واتباع لأمره، وليس عبادة للبيت، ولا للحجر، ولا ينافي ذلك تعظيم هذه المشاعر. • لكل شيء عظيم تحية، فتحية المسجد ركعتان، وتحية الحرم الإحرام، وتحية البيت الطواف، وتحية منى الرمي، وكل هذا متلقى من الشرع، ولا سبيل للاستحسان. [م-٤٤٩] يشرع للرجل إذا دخل المسجد ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، وهي مشروعة بإجماع المسلمين (١). قال النووي في المجموع: «أجمع العلماء على استحباب تحية المسجد» (٢).

стр. 113

ومستند الإجماع حديث أبي قتادة: (ح-١٠٨٤) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس. هكذا رواه مالك بلفظ: الأمر، وهو في الموطأ (١). ورواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، بلفظ النهي: قال النبي ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٢). ويجزئ عن ذلك كل صلاة صلاها عند دخوله المسجد فرضًا كانت أم سنة، فإنها تقوم مقام التحية، ولو بلا نية (٣). وجاء تسميتها تحية المسجد في حديث ضعيف جدًّا: (ح-١٠٨٥) فقد روى ابن حبان من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، قال: حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، قال: دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ ، جالس وحده، قال: يا أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما، قال: فقمت فركعتهما ... وذكر حديثًا طويلًا (٤). [ضعيف جدًّا] (٥).

стр. 114

وإضافة التحية إلى المسجد من باب إضافة الشيء إلى سببه، قد قال الزركشي وابن العماد: هذه الإضافة غير حقيقية؛ إذ المراد تحية لرب المسجد تعظيمًا له، لا للبقعة، فلو قصد سنة البقعة لم تصح .... قال في الإيعاب: «لأن البقعة من حيث هي بقعة لا تقصد بالعبادة شرعًا، وإنما تقصد لإيقاع العبادة فيها لله تعالى» (١). اهـ قلت: وهذا ليس خاصًّا بتحية المسجد؛ فإن سجود التلاوة سجود لله، وليس للتلاوة، والطواف بالبيت وتقبيل الحجر، والسجود عليه على القول بمشروعيته عبادة لله، واتباع لأمره، وليس عبادة للبيت، ولا للحجر، وقد قال عمر ﵁ كلمته الخالدة: والله إني لأعلم أنك حجر، لا تنفع، ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. ويحف عبادة تحية المسجد أحكام كثيرة سآتي على أهمها إن شاء الله تعالى. في المباحث التالية، أسأل الله وحده العون والتوفيق. * * *

стр. 115

المبحث الرابع لا تشرع التحية لمن أدخل يده أو رأسه فقط المدخل إلى المسألة: • الجزء لا يأخذ حكم الكل إذا كان الكل مقصودًا للشارع. • إذا علق الحكم بالكل لم يتعلق الحكم بالبعض. • دخول بعض البدن للمسجد لا يعتبر دخولًا للمسجد، وخروج بعضه من المسجد لا يعتبر خروجًا منه. • من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا لم يحنث بدخول بعض جسده؛ لأن الحكم معلق بالكل، ولو اعتكف في مسجد، فأخرج يده لم يبطل اعتكافه. • قال ﷺ : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فعلق حكم المسح على إدخالهما طاهرتين، فلو غسل اليمنى لم يلبس الخف حتى يغسل اليسرى. [م-٤٥٠] يشترط لمشروعية تحية المسجد دخول الرجل المسجد، فإن أدخل يده أو رأسه أو رجله فقط فلا شيء عليه. نص المالكية على هذا الشرط (١). ولا أظن أن هذا الشرط محل خلاف؛ لظاهر حديث أبي قتادة السلمي: (إذا دخل أحدكم المسجد ... ) فإن هذا لا يصدق على من أدخل يده، أو رأسه، فلا يسمى داخلًا لا في اللغة، ولا في الشرع (٢). (ح-١٠٨٦) وقد روى مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن ثابت

стр. 116

ابن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١). وجه الاستدلال من الحديث: فسر القاضي عياض معنى الحديث: أن النبي ﷺ قال لها ذلك وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها، وهي حائض، لقول النبي ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك، فإنما خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى، وهذا أحد تفسيرات الحديث (٢). وقال الخطابي في معالم السنن: «وفي الحديث من الفقه أن للحائض أن تتناول الشيء بيدها من المسجد، وأن من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا فإنه لا يحنث بإدخال يده، أو بعض جسده فيه، ما لم يدخله بجميع بدنه» (٣). * * *

стр. 117

المبحث الخامس في تكرار تحية المسجد بتكرار الدخول المدخل إلى المسألة: • الأمر المعلق على شرط كقوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس .. ) (إذا سمعتم المؤذن فقولوا ... ) أكلما دخل يقتضي التكرار؛ لكون هذا الشرط علة للفعل، فإذا تكررت العلة تكرر الحكم المعلق عليها أم لا؟ • أتعتبر الشروط اللغوية أسبابًا، فيتكرر الحكم بتكرر أسبابه ما لم تتداخل أم لا؟ • المشقة تجلب التيسير. • إذا سقط قضاء الصلاة دون قضاء الصوم عن الحائض، فلا معنى للتفريق إلا مراعاة المشقة في تكرر الصلاة دون الصوم، فَلأن تسقط تحية المسجد للتكرار من باب أولى، ورد بأن هذا من باب تخصيص العموم بالقياس، وفيه نزاع عند الأصوليين. • سها رسول الله ﷺ في صلاته، ثم خرج إلى بيته، فكُلِّم في ذلك، فعاد، وبنى على صلاته، وكأنه لم يخرج، فإذا كان الخروج اليسير لم يمنع من بناء آخر الصلاة على أولها فكذلك إذا خرج وعاد عن قرب لم يطلب منه تحية المسجد. [م-٤٥١] اختلف الفقهاء في الرجل يتكرر دخوله للمسجد، أيصلي تحية المسجد في كل مرة، أم يكفيه صلاته للمرة الأولى؟ فقيل: إذا تكرر دخوله يكفيه لكل يوم مرة واحدة، وهذا مذهب الحنفية (١).

стр. 118

وقيل: تسقط عنه تحية المسجد، اختاره بعض المالكية، والمحاملي من الشافعية، وابن عقيل من الحنابلة (١). قال المازري: «قال بعض أصحابنا: إن من تكرر دخوله إلى المسجد، فإنه تسقط عنه تحية المسجد» (٢). وهذا القول ليس بعيدًا عن قول الحنفية. وقيل: تكفيه الأولى إن قرب رجوعه عرفًا، وإلا كررها، وهذا مذهب المالكية (٣). وقيل: إن خرج ليعود فإنه لا يركع، وإلا ركع، حكاه ابن ناجي في شرح الرسالة (٤). وقيل: تستحب التحية لكل مرة، وهو قول في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وقواه النووي، وهو أصح الوجهين في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية، واستثنى الحنابلة قَيِّم المسجد، فلا يكررها (٥). قال النووي في المجموع: «لو تكرر دخوله المسجد في الساعة الواحدة مرارًا، قال صاحب التتمة: تستحب التحية لكل مرة، وقال المحاملي في اللباب: أرجو أن تجزيه التحية مرة واحدة، والأول أقوى وأقرب إلى ظاهر الحديث» (٦). • دليل من قال: تسقط عنه تحية المسجد: من ذهب إلى ذلك قاسه على القول بسقوط الإحرام على من تكرر دخوله

стр. 119

إلى مكة من حطَّابٍ وصيَّادٍ وفكَّاهٍ، وكذلك أسقط بعض الفقهاء سجود التلاوة عن القراء والمقرئين، وأسقطوا الوضوء لمس المصحف عن المتعلمين (١). والقول بوجوب الإحرام على من مر بالميقات مسألة خلافية، والأصح فيها أنه لا يجب، وعلى افتراض صحته فإن هذا الدليل يرجع إلى مسألة أصولية متنازع فيها، وهو جواز تخصيص العموم بالقياس. • دليل من قال: تتكرر التحية بتكرر الدخول: الأمر إذا جاء مقيدًا بصفة، أو شرط فإنه يفيد التكرار: فالقيد بالصفة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فكلما حصلت سرقة وجب القطع ما لم يكن تكرارها قبل القطع. والمقيد بالشرط كقوله ﷺ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. فأمر بالإجابة عند سماع النداء، فالحكم يتكرر بتكرر السماع، لتكرار علته، والله أعلم، ومثله الأمر بتحية المسجد جاء مقيدًا بالشرط: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (٢). فيتكرر الأمر بالتحية بتكرر الدخول. • دليل من قال: تسقط عنه تحية المسجد إن قرب رجوعه عرفًا: (ح-١٠٨٧) يمكن أن يستدل له بما رواه مسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أنَّ رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخِرْبَاق، وكان في يديه طول فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة، ثم سلَّمَ، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّمَ (٣).

стр. 120

وجه الاستدلال: أن خروج النبي ﷺ من المسجد، ثم رجوعه إلى صلاته لم يمنع من البناء على صلاته، وكأنه لم يخرج من المسجد؛ لقرب رجوعه، فكذلك إذا خرج، وعاد عن قرب لم يطلب منه إعادة تحية المسجد. الدليل الثاني: خرج النبي ﷺ مع زوجه صفية ليقلبها إلى بيتها، وهو معتكف، وإذا كان الخروج القريب لا يقطع الاعتكاف، فكذلك من خرج من المسجد وعاد إليه من قريب فكأنه لم يخرج. (ح-١٠٨٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن علي بن حسين، عن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ... (١). وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 121

المبحث السادس في مشروعية تحية المسجد للمرور بلا مكث المدخل في المسألة: • استخدام المسجد للعبور حال نادرة، والمساجد لم تُبْنَ لهذا، فلا تقصد بالعموم. • قاصد المسجد إما أن يدخل في الصلاة وهذا لا تحية عليه، أو يمكث فيه فيكون مخاطَبًا بالصلاة، سواء أجلس، أم مكث قائمًا، أم نام ولم يجلس، أم دخل مجتازًا. • شرعت تحية المسجد تعظيمًا له، فكان اعتبارها حق الدخول أظهر في تعظيم المسجد من اعتبارها حق الجلوس فيه. • قوله: ﷺ (فلا يجلس) خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. • الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له إجماعًا. • ذكر الجلوس إن كان مقصودًا فهو للمبادرة بها، وعدم تأخيرها، والانشغال عنها، لا شرطًا للأمر بها. • لا يفهم من قوله: (فلا يجلس) وجوب التحريمة لها قائمًا؛ لصحة النافلة جالسًا، فيتأكد أن الجلوس خرج مخرج الغالب. [م-٤٥٢] اختلفوا في المار في المسجد، هل يصلي تحية المسجد؟ فقيل: لا يصلي، وهو مذهب المالكية، ونص عليه أحمد، وبه قال إسحاق (١). جاء في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج: قلت له: تكره أن يمر الرجل

стр. 122

في المسجد، ولا يصلي فيه؟ قال: أما مارًّا فلا أكرهه، ولكن لا يجلس حتى يصلي، ولا يتخذه طريقًا، قال إسحاق: كما قال» (١). وحجتهم: حديث أبي قتادة: فلا يجلس حتى يصلي ركعتين. وقيل: يصلي، ولو كان مارًّا، لأن ذكر الجلوس في الحديث خرج مخرج الغالب، وبه قال ابن العماد من الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢). قال البهوتي: «وتسن تحية المسجد ركعتان فأكثر لكل من دخله: أي المسجد، قصد الجلوس به أو لا؛ لعموم الأخبار» (٣). والقائلون في سقوط تحية المسجد، اختلفوا في سبب ذلك، أهو من أجل المشقة، أم أنه غير مخاطب بها؛ لأنها يخاطب بها من يريد الجلوس؟ قولان للفقهاء، أصحهما عند المالكية الثاني. وعلى القول الثاني لو صلى المار في المسجد ركعتين، كانت نفلًا مطلقًا، وهذا التفريق بين النفل المطلق وتحية المسجد يصح عند من يعتبر تحية المسجد من النفل المؤكد، وهي مسألة خلافية يحسن أن أقصدها بالبحث على وجه مستقل، أسأل الله وحده العون والتوفيق. • وسبب الخلاف: أن تحية المسجد من صلاة ذوات الأسباب، واختلفوا في السبب، أهو الدخول في المسجد، أم الجلوس فيه؟ فمن قال: إن السبب الجلوس في المسجد رأى أن النهي عن الجلوس حتى يصلي ركعتين في حديث أبي قتادة وصف مقصود، وأن حديث أبي قتادة: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) له منطوق، ومفهوم.

стр. 123

فالمنطوق: النهي عن الجلوس حتى يصلي ركعتين. ومفهومه: أن من لا يريد الجلوس فلا يؤمر بالصلاة، فكانت تحية المسجد حق الجلوس فيه، لا مجرد الدخول. ومن قال: إن تحية المسجد سببها الدخول في المسجد (١)، وأن قيد الجلوس خرج مخرج الغالب؛ باعتبار أن من يدخل المسجد مجتازًا حال نادرة، والمساجد لم تُبْنَ لهذا، فالغالب على من يدخل المسجد: إما أن يصلي مباشرة، وهذا تسقط عنه تحية المسجد، وإما أن يجلس، فجاء ذكر الجلوس وصفًا طرديًّا في حديث أبي قتادة، لا مفهوم له؛ لأن المفهوم إذا خرج مخرج الغالب فليس بحجة إجماعًا، فكانت الركعتان حق الدخول للمسجد تعظيمًا له، سواء أجلس في المسجد أم اجتاز، فإذا دخل كان مأمورًا بصلاة ركعتين. وقد تفرع على اختلافهم هذا الاختلاف في فوات تحية المسجد بالجلوس، وسوف أفرد لها بحثًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 124

المبحث السابع في فوات تحية المسجد بالجلوس المدخل إلى المسألة: • السقوط بالفوات يحتاج إلى دليل، والأصل عدم السقوط ما زال في المسجد. • حديث جابر في تحية المسجد جاء بصيغة الأمر بفعلها كما في رواية الصحيحين، وفي صيغة النهي عن الجلوس قبل ذلك، كما في رواية البخاري. • المأمورات الشرعية لا تسقط بالترك حتى تفعل، والمنهيات إذا فعلت فكأنها لم تفعل؛ لأنها ملغاة شرعًا، وإذا كان الجلوس في حكم الملغى شرعًا فلا يزال يخاطَبُ بها حتى يصلِّيَهَا. • تحية المسجد شرعت لتعظيم المسجد وحرمته، ففي أي وقت صلاها حصل المقصود. [م-٤٥٣] اختلف الفقهاء في فوات تحية المسجد بالجلوس على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا تفوت تحية المسجد بالجلوس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وظاهر إطلاق بعض الشافعية (١). قال الخرشي: «يكره جلوسه قبل التحية، ولا تسقط به» (٢).

стр. 125

• وجه هذا القول: أن تحية المسجد شرعت لتعظيم المسجد وحرمته، ففي أي وقت صلاها حصل المقصود. ولو دخل المسجد يريد أن يعمل عملًا أو يتحدث مع أحد، فظل واقفًا فإنه مخاطب بتحية المسجد؛ لأنه لا مفهوم لقوله: (فلا يجلس). ولو جلس، وأراد أن يصلي تحية المسجد جالسًا، صحت منه تحية المسجد، فلا مفهوم لقوله في الحديث: (فلا يجلس) (١). ولأن الاحتجاج بقيد الجلوس في الحديث (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) من الاحتجاج بالمفهوم، وليس بحجة عند الحنفية مطلقًا، كما أنه ليس بحجة إجماعًا إذا خرج مخرج الغالب. ويستدل لهذا القول بحديث جابر في قصة سليك الغطفاني فإنه جلس قبل أن يصلي، فأمره النبي ﷺ بالقيام، والصلاة ركعتين، والحديث في مسلم، وإن كان الحنفية لا يرون صلاة تحية المسجد، والإمام يخطب، ويجيبون عن حديث جابر بأجوبة سوف نتعرض لها بالبحث إن شاء الله تعالى في فصل مستقل. وأجاب من قال: إن تحية المسجد سببها الجلوس عن حديث جابر حيث أمر الرسول ﷺ سليكًا الغطفاني بتحية المسجد بعدما جلس بأن الجالس كان جاهلًا والفاصل قصيرًا، فلو جلس، وطال الفصل لم يؤمر بها، وقد فاتت. • ويرد عليهم: بأن حديث جابر ليس فيه ما يدل على هذا، ولا فيه ما ينفيه، والأصل أن الإنسان إذا كان مخاطبًا بالعبادة فإنه يؤمر بها حتى يفعلها، وحديث تحية المسجد فيه أمر ونهي، أمر بصلاة ركعتين، ونهي عن الجلوس قبل ذلك، فرواه البخاري ومسلم بلفظ: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (٢).

стр. 126

وهذا أمر بالصلاة. وفي رواية للبخاري: فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (١). وهذا نهي عن الجلوس، والمأمورات لا تسقط بالترك حتى تفعل، والجلوس قبل الصلاة منهي عنه، والمنهيات إذا فعلت فكأنها لم تفعل؛ لأنها ملغاة شرعًا فلا يزال يخاطب بها حتى يصليها، وأما إذا تعمد الترك فالخلاف في فعله مبني على حكم تحية المسجد، فالجمهور على الكراهة، وقيل: يحرم، وسوف أبحثها إن شاء الله في فصل مستقل إن شاء الله تعالى. وطول الفصل مؤثر في التفريق بين أجزاء العبادة الواحدة مما ينبني بعضها على بعض كالصلاة والوضوء، فإذا طال الفصل لم يمكن البناء، وأما العبادة إذا لم يفعلها أصلًا فيبقى مخاطبًا بها حتى يفعلها. القول الثاني: قال النووي والعراقي: «أطلق أصحابنا فواتها بالجلوس» (٢). وقال الزركشي في القواعد: «وكذلك تحية المسجد تفوت بالجلوس ناسيًا مع أنها من المأمورات» (٣). • وجه هذا القول: يرى أصحاب هذا القول أن تحية المسجد من النوافل المؤقتة، ووقتها فعلها قبل أن يجلس؛ لظاهر حديث أبي قتادة، (فلا يجلس حتى يصلي)، فإذا جلس كانت تحية المسجد من جنس النوافل التي تفوت بفوات وقتها، فلا تقضى؛ لعدم الدليل على القضاء، وقاسه بعض الشافعية على فرع عندهم في فروع الحج في مسألة الإحرام لدخول الحرم، فإنهم قالوا: إن من دخله بغير إحرام لا يقضيه، بل فاته بمجرد الدخول كما تفوت التحية بالجلوس.

стр. 127

• وأجيب: لا نسلم أن تحية المسجد مؤقتة، بل هي مرتبطة بسبب، وسببها دخول المسجد، فما زال موجودًا في المسجد فالسبب قائم، فإذا خرج، ولم يُصَلِّ فات وقتها، خاصة إذا رجحنا أن ذكر الجلوس لا مفهوم له، وعلى التسليم بأن تحية المسجد مؤقتة قبل الجلوس فما المانع أن يكون وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، وقد يقال: فعلها قبل الجلوس أداء، وبعده قضاء (١). (ح-١٠٨٩) وقد روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق ابن وهب، قال: حدثني أسامة، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا عند رسول الله ﷺ يومًا، فقال: أدخلت المسجد؟ قلت: نعم، فقال: أصليت فيه؟ قلت: لا، قال: فاذهب فاركع ركعتين (٢). [تفرد به أسامة بن زيد الليثي، وهو صدوق يهم، والراوي عنه ابن وهب، قال ابن عدي: يروي عنه ابن وهب نسخة صالحة] (٣). القول الثالث: قال النووي: «إن جلس في المسجد قبل التحية جهلًا بها، أو سهوًا شرع له فعلها، ما لم يُطِلْ الفصل، فإن طال الفصل فقد فاتت، ولا يشرع له قضاؤها، وهذا هو المختار» (٤). واستدلال هذا القول كاستدلال من قال تفوت بالجلوس، لأن كلا القولين بناه

стр. 128

على أن تحية المسجد مؤقتة بوقت، ووقت فعلها قبل أن يجلس، فإذا جلس فقد فاتت، إلا أن هذا القول رأى أن الفاصل إذا كان يسيرًا أمكن تداركه في العبادة، كما أن التفريق بين أعضاء الوضوء لا يؤثر فيه الفارق اليسير، والبناء على الصلاة إذا انصرف الإمام يظن تمام صلاته، ثم نُبِّه على سهوه كان له أن يبني إذا كان الفاصل يسيرًا، وحتى يخرجوا من إلزام حديث جابر في أمر النبي ﷺ سليكًا أن يصلي تحية المسجد بعد أن جلس. • الراجح: الخلاف قوي، ويحتمل أن يكون سبب تحية المسجد الجلوس، لقوله: (فلا يجلس) ويحتمل أن يكون سببها دخول المسجد لقوله: (إذا دخل أحدكم المسجد .. )، ويكون ذكر الجلوس إن كان مقصودًا فهو للمبادرة بها، وعدم تأخيرها والانشغال عنها، لا شرطًا للأمر بها، وقد يقال: ذكر الجلوس وصف أغلبي لا مفهوم له، ولو قيل: إن تحية المسجد سببها المكث في المسجد، فمن مكث في المسجد، ولو قائمًا فعليه أن يصلي ركعتين، باعتبار أن الجلوس فرد من أفراد المكث في المسجد، فيلحق به ما كان في معناه، وليس المجتاز في معنى المكث، فالمجتاز مروه يسير، ونكون نظرنا إلى لفظ الجلوس في حديث أبي قتادة لا من حيث اللفظ، ولكن من حيث المعنى، فالجلوس مكث، والقيام الطويل مكث، وكلاهما يستدعي تحية المسجد، بخلاف المجتاز، فليس في معناهما، والله أعلم. * * *

стр. 129

المبحث الثامن في حكم تحية المسجد المدخل إلى المسألة: • قال النووي: أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث» (١)، ولو كانت التحية واجبة لوجب الوضوء؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب • قاعدة الأصل في الأمر الوجوب قاعدة أغلبية، وليست كلية. • لا يعلم أحد قال بوجوب تحية المسجد، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعي التابعين قبل داود الظاهري، وكل حكم فقهي عَارٍ من اجتهاد القرون المفضلة فهو مدخول إلا أن تكون المسألة نازلة. • عمل السلف له أثر قوي في فهم دلالة النص، وتخصيصه، أو حمله على أحد معانيه المشتركة. • الأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ الاستماع واجبًا في حق الداخل. [م-٤٥٤] اختلف العلماء في حكم تحية المسجد فقيل: ليست واجبة وهو قول الأئمة الأربعة، واختاره ابن حزم من الظاهرية (٢).

стр. 130

وقيل: تجب تحية المسجد، وهو قول داود الظاهري (١). • دليل من قال بالوجوب: الدليل الأول: (ح-١٠٩٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (٢). ورواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، بلفظ النهي: قال النبي ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٣). وجه الاستدلال: دلالة الصيغة، حيث جاء الأمر بتحية المسجد، والأمر المطلق للوجوب في أصح أقوال أهل العلم، وجاء النهي عن الجلوس قبل ذلك، والأصل في النهي التحريم. قال ابن دقيق العيد: «ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى الدليل» (٤).

стр. 131

• أجاب الجمهور بأجوبة منها: الجواب الأول: اختلف أهل الأصول في دلالة الأمر المجرد عن القرائن، أتفيد الوجوب، أم الندب، أم تفيد القدر المشترك بينهما، وهو مطلق الطلب؟ والأكثر على أنه للوجوب، لحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) (١)، على أن هذا الحديث وجدت فيه قرينة أنه قصد بالأمر الوجوب، وهو ترك الإلزام خوفًا من المشقة؛ إذ الندب لا مشقة فيه، وعلى التسليم بأن الصيغة للوجوب فإنه يتساهل في الصوارف فيصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لأدنى صارف لأنك تجد أوامر في الشريعة قد صرفت عن الوجوب للندب ولا يعرف لها صارف إلا ما ينقدح في نظر المجتهد وفهمه، فحديث: (يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك) (٢)، فالتسمية للأكل عند جمهور الفقهاء ليست للوجوب، والصارف ليست قرينة لفظية منعت القول بالوجوب، كما لو نقل ترك التسمية أحيانًا، أو أقر النبي ﷺ أحدًا على ترك التسمية، وإنما ظهر للمجتهد بأن هذا الأمر يتعلق بالآداب. ومثله حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) (٣)، فإن الأمر بالغمس ليس للوجوب، بل ولا للندب، وإنما هو للإرشاد، والصارف ليس قرينة لفظية، وإنما كون الأمر يتعلق بالصحة، وقل مثل ذلك لأحاديث كثيرة صرفت من الوجوب للندب لقرينة معنوية ظهرت لفهم المجتهد، وهذا ما جعل الشاطبي ﵀ يقول: إن دلالة الأمر والنهي وُكِلَت إلى أنظار المكلفين ليجتهدوا فيها (٤). كما أن هذه الأحاديث هي ما جعلت شيخنا ابن عثيمين ﵀ وهو الذي يقرر في دروسه طيلة حياته التعليمية الممتدة لأكثر من أربعين سنة بأن الأمر للوجوب، ليرجع في آخر حياته، ويقول في شرحه لقواعد الأصول ومعاقد الفصول بأن الأمر

стр. 132

إذا لم يكن هناك قرينة تدل على الوجوب فهو للندب؛ لأن الأصل عدم التأثيم بتركه. وإن كنت أميل إلى قول الجمهور، وأن الأصل في الأمر للوجوب إلا أن هذه القاعدة أغلبية، وليست كلية، فلا يعترض عليها بوجود بعض الأوامر خرجت عن هذه القاعدة، لأن هذا سبيل القواعد، وخروج بعض القواعد عن هذه القاعدة لا يسقطها، وعلى المجتهد ألا يتشدد في الصوارف، فكل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر عن الوجوب قد تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب إذا كان على ذلك فهم أكثر الأمة، خاصة المتقدمون منهم، ومن أقوى الصوارف تلمس عمل السلف وفهمهم لهذه الصيغة، فالاستدلال بمجرد صيغة الأمر والنهي لا يمكن الاستناد إليها مجردة من فهم السلف، وعملهم، إلا لو كانت صيغة الأمر لا تأتي إلا للوجوب، أما إذا كانت صيغة الأمر تأتي للوجوب وللندب، ولو كان الوجوب أرجح من الندب، فإن فهم السلف وأقوالهم إذا لم يجعلوها للوجوب فهي قرينة صارفة عن الوجوب إلى غيره، فالقول بالوجوب لا يعلم أحد قال به من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعي التابعين، بل لا يعلم القول به قبل داود الظاهري، فكان محجوجًا بالإجماع قبله، ولو جاز خرق الإجماع بالخلاف الحادث بعده لم يستقم للأمة إجماع، ولم يكن حجة. فإن قيل: داود الظاهري معاصر للإمام أحمد، ومن تلاميذ إسحاق بن راهويه، وإذا قبلنا ما يتفرد به الإمام أحمد، فليقبل ما يتفرد به الإمام داود الظاهري، خاصة أن ظاهر الحديث، والقواعد لا تدفع قول الإمام داود. فالجواب: المقارنة بين الإمام أحمد وداود ليست منصفة، فإن الإمام أحمد لا يقول بقول إلا له إمام، ومفرداته هي مفردات اصطلاحية من جهة مقارنتها بالأئمة الأربعة، ودائرة الفقه أوسع من الأئمة الأربعة، لهذا غالب مفردات الإمام أحمد تجدها متفقة مع أقوال كثير من أهل الحديث، بل قد تجد مفردات الإمام أحمد متفقة مع روايات غير مشهورة عن بعض الأئمة الأربعة، لأن الاصطلاح في التفرد: هو ما خالف فيه إمام من الأئمة الأربعة المعتمد في مذاهب بقية الأئمة الأربعة، حتى ولو اتفق مع روايات أخرى لهم غير مشهورة، ومشهور المذهب

стр. 133

هو فرز اصطلاحي لما نصره أصحاب ذلك المذهب، وقد يكون هو الراجح وقد لا يكون، كما أن للإمام أحمد عناية بآثار الصحابة والتابعين ما ليس للإمام داود، فكان الإمام داود عليه رحمة الله يتعامل مع النص في معزل عن فهم السابقين، وهذه سمة بارزة في منهج الظاهرية، والعمل له أثر قوي في فهم دلالة النص وتخصيصه، أو حمله على أحد معانيه المشتركة، وقد يكون للكلمة دلالة شرعية قدمها الفقهاء على دلالتها اللغوية، والنزعة الظاهرية هي ما جعلت بعض مشايخنا يتعامل مع حديث (أعفوا اللحى) في معزل عن فهم السابقين فوقع كثير منهم فيما يقع فيه بعض أهل الظاهر، ففهموا من النص تحريم الأخذ من اللحية مطلقًا، ولم يقل به أحد من السلف، وقد فهم الصحابة من حديث الإعفاء المنع من الحلق، وليس تحريم الأخذ، فآثرت فهم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين على فهم علمائنا من أهل بلدتنا، وإن أساء فهمي بعض أصحابنا وتكلموا في حقي، وخرجوا من الخلاف الفقهي إلى الإفراط في الجرح، وقد عذرتهم لعلمي أن الباعث عند كثير منهم غيرتهم وإن أخطئوا الاجتهاد حسب فهمي، وبعد أن هدأت العاصفة، وأفاق بعضهم من الصدمة رجع كثير من أهل الفتوى من الأقران إلى القول بجواز الأخذ من اللحية، فالحمد لله على توفيقه، والله أعلم. وقد يقال: بأن الإجماع لو انعقد لم يخرق بأي خلاف، لا من داود، ولا من غيره، ولكن أين حكاية الإجماع قبل داود، فالإجماع القطعي لا يمكن الجزم به، والظاهر لي أن الإجماع في هذه المسألة هو من قبيل الإجماع السكوتي، وهو حجة على الصحيح، إلا أنه ليس قطعيًّا، ولا يعتبر من يخالفه مخالفًا للإجماع؛ لأن دلالته على الإجماع ظنية، وهو حسبي في الاحتجاج على سنية تحية المسجد، والله أعلم. الجواب الثاني: الصارف عن الوجوب عند ابن حزم، قول النبي ﷺ لضمام بن ثعلبة حين سأله عما يجب عليه من الصلاة، فقال له النبي ﷺ : الصلوات الخمس، فقال: هل علي يرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. فنفى وجوب ما زاد على الخمس، وأثبته تطوعًا، وتحية المسجد زائدة على

стр. 134

الخمس، وقد استدل به الجمهور في الرد على قول أبي حنيفة بوجوب الوتر. قال ابن حزم: «ولولا البرهان الذي ذكرنا قبل بأن لا فرض إلا الخمس، لكانت هاتان الركعتان فرضًا، ولكنهما في غاية التأكيد، لا شيء من السنن أوكد منهما» (١). وسوف أسوق حديث طلحة بإسناده ولفظه في أدلة القول الثاني، ومناقشة سلامة الاستدلال به إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني على الوجوب: (ح-١٠٩١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (٢). (ح-١٠٩٢) وروى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة، أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت (٣). فإذا منع المصلي لحرمة الخطبة عن الاشتغال عنها، ولو بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم أمر بتحية المسجد والإمام يخطب حتى قطع النبي ﷺ خطبته لأجل سؤاله وأمره بالصلاة، فلا يترك واجب الاستماع والإنصات إلا لما هو أوجب منه. • ويناقش هذا الاستدلال: بأننا لا نسلم أن الإنصات كان واجبًا على الداخل لصلاة الجمعة قبل صلاته تحية المسجد، فالأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ واجبًا. بيان ذلك أَنْ نسأل: متى يجب على المصلي سماع الخطبة، أيجب بمجرد

стр. 135

الاستماع، ولو كان خارج المسجد، أم يجب الاستماع بمجرد دخوله المسجد قبل أن يجلس، أم لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد؟ فحديث جابر في قصة سليك الغطفاني يبين أنه لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد، وبالتالي لا يصح أن يقال: الواجب لا يترك إلا لواجب؛ لأن ذلك مقيد بما إذا شُرِعا في محل واحد، ونظير هذا الرجل يدرك الإمام قائمًا في الصلاة، ويغلب على ظنه أن القيام الباقي قد لا يسع إلا مقدار الفاتحة، ومع ذلك له أن يستفتح قبل الفاتحة، والاشتغال بالاستفتاح اشتغال بسنة عن ركن أو واجب، ولا تثريب عليه إذا فاتت في أحد قولي أهل العلم؛ لأن هذا هو الترتيب المأمور به في الصلاة، مع أنه لو ترك الاستفتاح متعمدًا لم تبطل صلاته في أصح قولي أهل العلم، والله أعلم. • دليل الجمهور على سنية تحية المسجد: الدليل الأول: نقل بعض أهل العلم الإجماع على أن تحية المسجد ليست واجبة، فقد حكى الإجماع على سنيتها الحلبي من الحنفية (١). وقال ابن تيمية: «أجمع فقهاء المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم على أن صلاة تحية المسجد ليست بفرض، ولا واجب، وأنها من النوافل، ولا يسن لها الجماعة» (٢). يقصد ابن تيمية بالظاهرية ابن حزم، وأما إمام المذهب داود، فقد قال بوجوبها. وقال النووي: «هي سنة بإجماع المسلمين» (٣). وقال ابن حجر: «اتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب» (٤).

стр. 136

• ويناقش: قد بينت في المناقشة السابقة بأن داود الظاهري قد قال بالوجوب، ولم أقف على أحد حكى الإجماع في المسألة قبل خلاف داود، فيحمل الإجماع المنقول على أن المراد به الإجماع السكوتي، وذلك بأن يقول عالم أو أكثر قولًا ثم ينتشر، ويمر عليه وقت طويل لا يعلم له مخالف، فإذا انقرض عصر أولئك كان حجة في حق من بعدهم، ودلالته ظنية، لأن الساكت لا ينسب له قول، وسكوته يحتمل أنه كان راضيًا موافقًا، ويحتمل أنه نظر، ولم يظهر له شيء، ويحتمل أنه يريد وقتًا لاستفراغ الوسع، ولم يَتَسَنَّ له، ويحتمل أنه سكت غير موافق لكونه يرى المسألة من مسائل الاجتهاد، فلم ينشط لإعلان المخالفة، لهذا لم يعتبر السكوت دليلًا على الإجماع القطعي. فإذا تتبعنا من كان يأذن في الجلوس في المسجد بلا صلاة قبل الإمام داود قولًا أو فعلًا وجدنا هذا منقولًا في طبقة الصحابة، فقد نقل عن ابن عمر وغيره أنه كان يجلس دون أن يصلي. (ث-٢٥٦) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن عبد الله ابن سعيد بن أبي هند، عن نافع، أن ابن عمر كان يمر في المسجد، ولا يصلي فيه (١). [صحيح]. فإن قيل: هذا في المار، فالجواب: (ح-١٠٩٣) أن ابن أبي شيبة قد روى في المصنف، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب النبي ﷺ يدخلون المسجد، ثم يخرجون ولا يصلون، ورأيت ابن عمر يفعله (٢).

стр. 137

[إسناد حسن، والحديث صحيح] (١). فهذا ظاهره أن الخروج لم يكن عقب الدخول، وإلا لعطف بالفاء. (ث-٢٥٧) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل

стр. 138

المسجد فيجلس فيه (١). [صحيح] (٢). والوضوء لتخفيف الحدث، وليس شرطًا للجلوس على الصحيح، ولو كانت تحية المسجد واجبة لوجب لذلك رفع الحدث؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يخرجون من ذلك بالقول بأن تحية المسجد لا تجب إلا على المتطهر فقط دون المحدث، فإنه لا يعلم أن تكون الصلاة واجبة ثم تسقط لتعمد ترك الطهارة مع القدرة عليها، فإنها لو وجبت الصلاة لوجبت لها الطهارة كسائر الصلوات الواجبة، فقولكم هذا دليل على ضعف مأخذ الوجوب. جاء في شرح البخاري لابن رجب: «قال أحمد: قد يدخل الرجل على غير وضوء، ويدخل في الأوقات التي لا يُصَلَّى فيها، قال ابن رجب: يشير إلى أنه لو وجبت الصلاة عند دخول المسجد لوجب على الداخل إليه أن يتوضأ، وهذا مما لم يوجبه أحد من المسلمين» (٣). والله أعلم. وأما بعد الصحابة، فقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد، قال: روى حماد بن زيد، عن الجريري، عن جابر بن زيد قال إذا دخلت مسجدًا فَصَلِّ فيه، فإن لم تُصَلِّ فيه فاذكر الله، فكأنك صليت فيه (٤). ونقل ابن عبد البر في التمهيد عن ابن أبي ذئب أنه دخل المسجد، فجلس، ولم يُصَلِّ (٥). وقال ابن عبد البر: «روى أبو مصعب الزهري، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر العمري، عن أخيه عبيد الله بن عمر، قال: رأيت القاسم بن محمد يدخل المسجد فيجلس فيه ولا يصلي فيه» (٦).

стр. 139

والعمري المكبر، وإن كان في حفظه شيء، إلا أنه ينقل كلامًا عن أخيه بما شاهده، فأظن تطرق الوهم لمثله بعيد، وليس من عادة الناس رد ما ينقله الأخ عن أخيه بحجة ضعف حفظه، والله أعلم. وصرح الإمام مالك في الموطأ بأن تحية المسجد فعل حسن، وهذا التقدير يشعر بأنها أقل رتبة من السنن، قال مالك بعد أن روى حديث الأمر بالصلاة قبل الجلوس، قال: وذلك حسن، وليس بواجب (١). وقال المروذي: «رأيت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- كثيرًا يدخل المسجد، يقعد، ولا يصلي، ثم يخرج، ولا يصلي في أوقات الصلوات» (٢). وقال حرب: «وسئل إسحاق عن الرجل يدخل المسجد، فيجلس، ولا يصلي ركعتين قال: لا بأس» (٣). ولا يعلم لابن عمر ﵄، ومن ذكر معه كجابر بن زيد، والقاسم بن محمد، ومالك، وابن أبي ذئب، وأحمد، وإسحاق، لا يعلم لهؤلاء مخالف، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فكان إجماعًا سكوتيًّا، ثم جاء بعد ذلك الإمام داود الظاهري فاجتهد رأيه في المسألة، فقال قولًا مخالفًا لمن سبقه معتمدًا على دلالة الصيغة، فخالف داود الإجماع السكوتي، فأما أن يكون هناك من نقل الإجماع القطعي قبل مخالفة داود فيصعب الجزم به، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١٠٩٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية يعني ابن صالح، عن أبي الزاهرية، قال: كنت جالسًا مع عبد الله بن بسر يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: اجلس، فقد آذيت، وآنيت (٤).

стр. 140

[إسناده جيد إن كان حفظه معاوية بن صالح، فقد تفرد به عن أبي الزاهرية] (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أمره بالجلوس، ولم يسأله هل صلى تحية المسجد، ولم يأمره بها، فدل على أنها ليست واجبة. • ونوقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: لدينا حديث جابر في قصة سليك الغطفاني، حيث أمره النبي ﷺ بالصلاة بعد

стр. 141

أن جلس، ودلالته نصية. ولدينا حديث عبد الله بن بسر، ظاهره أنه ﷺ أمره بالجلوس دون أن يصلي تحية المسجد لقوله: (اجلس فقد آذيت)، وإنما جعلت دلالته من قبيل الظاهر؛ لأن ظاهره يحتمل: أنه أمره بالجلوس، ولم يأمره بتحية المسجد؛، ويحتمل أنه أراد من قوله: (اجلس): أي لا تتخَطَّ، أو أن المراد: اجلس بشرط الجلوس المفهوم من قوله: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ولم يقصد النبي ﷺ من أمره بالجلوس ترك التحية، وإذا تعارضت دلالتان: إحداهما نصية، والأخرى ظاهرة، قدم النص على الظاهر إذا لم يمكن الجمع؛ لأن النص لا يحتمل إلا معنى واحدًا، بخلاف الظاهر، فإنه يفيد معنى مع احتمال غيره، فإذا كان أحد المعنيين للظاهر يتفق مع دلالة نص حديث جابر، وجب صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى المعنى الآخر المتفق مع دلالة النص؛ لأننا بذلك نكون أعملنا كلا الدليلين، بخلاف الترجيح فإنه إعمال لأحدهما، وإهمال للآخر، وهو ما يسميه أهل الأصول بالتأويل الصحيح بخلاف التأويل الفاسد الذي يظنه المؤول دليلًا، وليس بدليل في نفس الأمر. الوجه الثاني: حديث أبي قتادة: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) يفيد وجوب تحية المسجد مطلقًا على كل داخل للمسجد، من غير فرق بين الجمعة وغيرها. وحديث عبد الله بن بسر: (اجلس فقد آذيت) يفيد ظاهره سقوط تحية المسجد عن الرجل إذا دخل والإمام يخطب، فيبقى وجوب حديث أبي قتادة على عمومه لا يخص منه إلا الداخل يوم الجمعة، والإمام يخطب. فإذا تعاملنا مع النصوص من حيث العموم والخصوص، وقلنا: الخاص مقدم على العام، فهو يقتضي تخصيصه، لا إبطال العام بالخاص، فلم يصح نقض دلالة الوجوب بهذا الخاص. فيبقى علينا الجواب عن معارضة الخاص من حديث عبد الله بن بسر بالخاص من حديث جابر في قصة سليك الغطفاني، ولا شك أن حديث جابر مقدم على حديث

стр. 142

عبد الله بن بسر لثلاثة أمور: الأمر الأول: أن حديث جابر الخاص يتفق مع دلالة العام من حديث أبي قتادة، بخلاف حديث عبد الله بن بسر، والخاص المتفق مع دلالة العام مقدم على الخاص المخالف للعام. الأمر الثاني: أن حديث جابر جاء في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار، عن جابر، وهذا إسناد كالشمس. وجاء عند مسلم من طريق أبي الزبير وأبي سفيان عن جابر، فلا يقوى حديث عبد الله بن بسر على معارضته، وهو حديث غريب تفرد به معاوية بن صالح، وهو خفيف الضبط، وجاء من خارج الصحيحين. وبهذه المناقشة الأصولية ظهر لنا أنه لا يصح الاستدلال بحديث عبد الله بن بسر على معارضة دلالة الوجوب في حديث أبي قتادة؛ لكونه خَاصًّا بالجمعة، وحديث أبي قتادة عام في الجمعة وغيرها، ولا على تخصيصه بسقوط التحية يوم الجمعة من الوجوب لمعارضته حديث جابر، والله أعلم الأمر الثالث: أن حديث عبد الله بن بسر على البراءة الأصلية، وحديث جابر ناقل عنها، وشاغل للذمة، وعند التعارض يقدم الناقل عن البراءة الأصلية؛ لاحتمال تأخره؛ لأن الشريعة كانت تنزل شيئًا فشيئًا حتى أكمل الله لنا دينه، وأتم علينا نعمته، والله أعلم. الدليل الثالث على استحباب تحية المسجد: (ح-١٠٩٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل

стр. 143

عَلَيَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال رسول الله ﷺ : «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق (١). وجه الاستدلال: قوله: (هل علي غيرها، قال: لا إلا أن تطوع) نص في أن الزيادة على الخمس لا يكون إلا تطوعًا، وقوله: (أفلح إن صدق) صريح أنه لا يأثم إذا ترك غير الخمس. • ونوقش هذا الجواب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: لا يصح الاحتجاج بالحديث على سقوط ما وجب بأدلة أخرى؛ لأنه يلزم من ذلك حصر جميع الواجبات الشرعية بالخمس المذكورة في الحديث، واللازم باطل؛ للإجماع بأن واجبات الشريعة أضعاف ما ورد في جواب الأعرابي، فالشريعة كانت تنزل تكاليفها متدرجة بما تقتضيه الحكمة الإلهية، وبحسب حاجات الناس. • ويناقش: بأن إيجاب صلاة أخرى غير الصلوات الخمس، ممكن عقلًا، ولا يوجد ما يمنع منه شرعًا، ولكن لا نسلم أن هناك صلاة وجبت زيادة على الخمس بعد ذلك، لا تحية المسجد، ولا صلاة الوتر، ولا غيرهما، فقد بعث الرسول ﷺ معاذًا إلى اليمن بوجوب الصلوات الخمس، لا غير، وكان ذلك في آخر حياته، وتوفي النبي ﷺ ، ومعاذ في اليمن، وقدم منها في خلافة أبي بكر ﵁ (٢).

стр. 144

(ح-١٠٩٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا ﵁ على اليمن، قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم (١). قال ابن حبان في صحيحه: «كان بعث المصطفى ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قبل خروجه من الدنيا بأيام يسيرة، وأمره ﷺ أن يخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، ولو كان الوتر فرضًا، أو شيئًا زاده الله جل وعلا للناس على صلواتهم كما زعم .... لأمر المصطفى ﷺ معاذ بن جبل أن يخبرهم أن الله جل وعلا فرض عليهم .... » (٢). وكلام ابن حبان يتوجه أيضًا لمن ادعى وجوب تحية المسجد زيادة على الخمس صلوات. الوجه الثاني: أن الجواب من النبي ﷺ كان متوجهًا للصلوات الخمس اليومية الدائمة، وهذا لا ينافي وجوب غيرها، مما لا يدور يوميًّا كصلاة الجنازة مثلًا، ووجوب ركعتي الطواف والعيد على القول بوجوبهما. • ونوقش: بأن صلاة الجنازة لا يأثم بتركها، ولا تجب عليه إن قام بها غيره، فالنبي ﷺ أخبره بما يجب عليه على الأعيان، وأما القول بوجوب ركعتي الطواف فهو قول مرجوح، ومثله القول بوجوب صلاة العيد، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الخلاف في وجوبهما في موضعه من البحث، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. الوجه الثالث: الحديث ينفي وجوب الواجبات ابتداء، لا الواجبات التي وجبت بسبب من

стр. 145

فعل المكلف كتحية المسجد والصلاة المنذورة، وركعتي الطواف، فالداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد بالدخول. • ويناقش: القول بأن الداخل هو الذي تسبب في مخاطبته بالصلاة مُسَلَّم، وأما الذي لا يسلَّم، ويعتبر دعوى في محل النزاع القول بأن الداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد، فهل كان الخلاف إلا في دعوى الوجوب، فأين الدليل على وجوبها؟ الدليل الرابع: (ح-١٠٩٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أخبره، عن أبي واقد الليثي، قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، فأما أحدهما، فرأى فرجة في الحلقة، فجلس وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم: فأوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر: فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر: فأعرض فأعرض الله عنه (١). وجه الاستدلال: ظاهر الحديث أن من جلس في الحلقة لم يُصَلِّ تحية المسجد، فدل على عدم وجوبها. فإن قيل: إن الحديث لم يتعرض لتحية المسجد لا في نفي ولا إثبات، وسكوت الراوي لا يمنع من احتمال الفعل، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم. • ورد هذا: أن احتمال صلاة النفر الثلاثة لتحية المسجد مجرد احتمال، والأصل عدمه حتى ينقل. • وأجيب على هذا الرد: كون النفر الثلاثة لم يصلوا تحية المسجد هذا جاء على وفق البراءة الأصلية، وخبر أبي قتادة المتفق على صحته بالأمر بالصلاة إذا دخل المسجد ناقل عنها، وأكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن البراءة على الخبر المقرر لها، ولأن الأخذ بالناقل
следующие страницы →