أن جلس، ودلالته نصية.
ولدينا حديث عبد الله بن بسر، ظاهره أنه ﷺ أمره بالجلوس دون أن يصلي تحية المسجد لقوله: (اجلس فقد آذيت)، وإنما جعلت دلالته من قبيل الظاهر؛ لأن ظاهره يحتمل: أنه أمره بالجلوس، ولم يأمره بتحية المسجد؛، ويحتمل أنه أراد من قوله: (اجلس): أي لا تتخَطَّ، أو أن المراد: اجلس بشرط الجلوس المفهوم من قوله: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ولم يقصد النبي ﷺ من أمره بالجلوس ترك التحية، وإذا تعارضت دلالتان: إحداهما نصية، والأخرى ظاهرة، قدم النص على الظاهر إذا لم يمكن الجمع؛ لأن النص لا يحتمل إلا معنى واحدًا، بخلاف الظاهر، فإنه يفيد معنى مع احتمال غيره، فإذا كان أحد المعنيين للظاهر يتفق مع دلالة نص حديث جابر، وجب صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى المعنى الآخر المتفق مع دلالة النص؛ لأننا بذلك نكون أعملنا كلا الدليلين، بخلاف الترجيح فإنه إعمال لأحدهما، وإهمال للآخر، وهو ما يسميه أهل الأصول بالتأويل الصحيح بخلاف التأويل الفاسد الذي يظنه المؤول دليلًا، وليس بدليل في نفس الأمر.
الوجه الثاني:
حديث أبي قتادة: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)
يفيد وجوب تحية المسجد مطلقًا على كل داخل للمسجد، من غير فرق بين الجمعة وغيرها.
وحديث عبد الله بن بسر: (اجلس فقد آذيت) يفيد ظاهره سقوط تحية المسجد عن الرجل إذا دخل والإمام يخطب، فيبقى وجوب حديث أبي قتادة على عمومه لا يخص منه إلا الداخل يوم الجمعة، والإمام يخطب.
فإذا تعاملنا مع النصوص من حيث العموم والخصوص، وقلنا: الخاص مقدم على العام، فهو يقتضي تخصيصه، لا إبطال العام بالخاص، فلم يصح نقض دلالة الوجوب بهذا الخاص.
فيبقى علينا الجواب عن معارضة الخاص من حديث عبد الله بن بسر بالخاص من حديث جابر في قصة سليك الغطفاني، ولا شك أن حديث جابر مقدم على حديث
стр. 142
عبد الله بن بسر لثلاثة أمور:
الأمر الأول:
أن حديث جابر الخاص يتفق مع دلالة العام من حديث أبي قتادة، بخلاف حديث عبد الله بن بسر، والخاص المتفق مع دلالة العام مقدم على الخاص المخالف للعام.
الأمر الثاني:
أن حديث جابر جاء في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار، عن جابر، وهذا إسناد كالشمس.
وجاء عند مسلم من طريق أبي الزبير وأبي سفيان عن جابر، فلا يقوى حديث عبد الله بن بسر على معارضته، وهو حديث غريب تفرد به معاوية بن صالح، وهو خفيف الضبط، وجاء من خارج الصحيحين.
وبهذه المناقشة الأصولية ظهر لنا أنه لا يصح الاستدلال بحديث عبد الله بن بسر على معارضة دلالة الوجوب في حديث أبي قتادة؛ لكونه خَاصًّا بالجمعة، وحديث أبي قتادة عام في الجمعة وغيرها، ولا على تخصيصه بسقوط التحية يوم الجمعة من الوجوب لمعارضته حديث جابر، والله أعلم
الأمر الثالث:
أن حديث عبد الله بن بسر على البراءة الأصلية، وحديث جابر ناقل عنها، وشاغل للذمة، وعند التعارض يقدم الناقل عن البراءة الأصلية؛ لاحتمال تأخره؛ لأن الشريعة كانت تنزل شيئًا فشيئًا حتى أكمل الله لنا دينه، وأتم علينا نعمته، والله أعلم.
الدليل الثالث على استحباب تحية المسجد:
(ح-١٠٩٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه،
أنه سمع طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل
стр. 143
عَلَيَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال رسول الله ﷺ : «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (هل علي غيرها، قال: لا إلا أن تطوع) نص في أن الزيادة على الخمس لا يكون إلا تطوعًا، وقوله: (أفلح إن صدق) صريح أنه لا يأثم إذا ترك غير الخمس.
• ونوقش هذا الجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
لا يصح الاحتجاج بالحديث على سقوط ما وجب بأدلة أخرى؛ لأنه يلزم من ذلك حصر جميع الواجبات الشرعية بالخمس المذكورة في الحديث، واللازم باطل؛ للإجماع بأن واجبات الشريعة أضعاف ما ورد في جواب الأعرابي، فالشريعة كانت تنزل تكاليفها متدرجة بما تقتضيه الحكمة الإلهية، وبحسب حاجات الناس.
• ويناقش:
بأن إيجاب صلاة أخرى غير الصلوات الخمس، ممكن عقلًا، ولا يوجد ما يمنع منه شرعًا، ولكن لا نسلم أن هناك صلاة وجبت زيادة على الخمس بعد ذلك، لا تحية المسجد، ولا صلاة الوتر، ولا غيرهما، فقد بعث الرسول ﷺ معاذًا إلى اليمن بوجوب الصلوات الخمس، لا غير، وكان ذلك في آخر حياته، وتوفي النبي ﷺ ، ومعاذ في اليمن، وقدم منها في خلافة أبي بكر ﵁ (٢).
стр. 144
(ح-١٠٩٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد،
عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا ﵁ على اليمن، قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم (١).
قال ابن حبان في صحيحه: «كان بعث المصطفى ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قبل خروجه من الدنيا بأيام يسيرة، وأمره ﷺ أن يخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، ولو كان الوتر فرضًا، أو شيئًا زاده الله جل وعلا للناس على صلواتهم كما زعم .... لأمر المصطفى ﷺ معاذ بن جبل أن يخبرهم أن الله جل وعلا فرض عليهم .... » (٢).
وكلام ابن حبان يتوجه أيضًا لمن ادعى وجوب تحية المسجد زيادة على الخمس صلوات.
الوجه الثاني:
أن الجواب من النبي ﷺ كان متوجهًا للصلوات الخمس اليومية الدائمة، وهذا لا ينافي وجوب غيرها، مما لا يدور يوميًّا كصلاة الجنازة مثلًا، ووجوب ركعتي الطواف والعيد على القول بوجوبهما.
• ونوقش:
بأن صلاة الجنازة لا يأثم بتركها، ولا تجب عليه إن قام بها غيره، فالنبي ﷺ أخبره بما يجب عليه على الأعيان، وأما القول بوجوب ركعتي الطواف فهو قول مرجوح، ومثله القول بوجوب صلاة العيد، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الخلاف في وجوبهما في موضعه من البحث، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
الوجه الثالث:
الحديث ينفي وجوب الواجبات ابتداء، لا الواجبات التي وجبت بسبب من
стр. 145
فعل المكلف كتحية المسجد والصلاة المنذورة، وركعتي الطواف، فالداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد بالدخول.
• ويناقش:
القول بأن الداخل هو الذي تسبب في مخاطبته بالصلاة مُسَلَّم، وأما الذي لا يسلَّم، ويعتبر دعوى في محل النزاع القول بأن الداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد، فهل كان الخلاف إلا في دعوى الوجوب، فأين الدليل على وجوبها؟
الدليل الرابع:
(ح-١٠٩٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أخبره،
عن أبي واقد الليثي، قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، فأما أحدهما، فرأى فرجة في الحلقة، فجلس وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم: فأوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر: فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر: فأعرض فأعرض الله عنه (١).
وجه الاستدلال:
ظاهر الحديث أن من جلس في الحلقة لم يُصَلِّ تحية المسجد، فدل على عدم وجوبها.
فإن قيل: إن الحديث لم يتعرض لتحية المسجد لا في نفي ولا إثبات، وسكوت الراوي لا يمنع من احتمال الفعل، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم.
• ورد هذا:
أن احتمال صلاة النفر الثلاثة لتحية المسجد مجرد احتمال، والأصل عدمه حتى ينقل.
• وأجيب على هذا الرد:
كون النفر الثلاثة لم يصلوا تحية المسجد هذا جاء على وفق البراءة الأصلية، وخبر أبي قتادة المتفق على صحته بالأمر بالصلاة إذا دخل المسجد ناقل عنها، وأكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن البراءة على الخبر المقرر لها، ولأن الأخذ بالناقل
стр. 146
فيه احتياط وخروج من عهدة الطلب، والله أعلم.
الدليل الخامس:
قال النووي: «يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، وسواء أَقَعَدَ لغرض شرعي كانتظار الصلاة، أو اعتكاف ... أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك، وقال المتولي: إن كان لغير غرض كره» (١).
وقال أيضًا: «أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث» (٢).
وإطلاق الجواز أي المقابل للتحريم، وإلا فالكراهة قد قيل بها من بعض السلف، فلو كانت تحية المسجد واجبة لاشترطت الطهارة لدخول المسجد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واختلفوا في دخول الجنب، فمنهم من منعه كالحنفية، والمالكية، ومنهم من أجاز المرور دون المكث كالشافعية، ومنهم من أجاز اللبث فيه إذا توضأ كالحنابلة، قال في الإنصاف: وهو من المفردات (٣).
قال الكوسج في مسائله لأحمد: يقعد في المسجد على غير طهارة؟
قال: أما غير طهارة فلا بأس، وأما الجنب فإذا توضأ، قال إسحاق: كما قال ... (٤).
• الراجح من الخلاف:
أرى أن القول باستحباب تحية المسجد أقوى من القول بوجوبها، وكون بعض الأدلة التي استدل بها الجمهور لا تسلم من المعارضة القوية، لا يعني ضعف القول بالاستحباب، فإنه يكفي أن يَسْلم للقول الراجح دليل واحد لا معارض له، وليس
стр. 147
من شرط القول الراجح أن تكون جميع أدلته سالمة من الاعتراض، وحسبي لضعف القول بالوجوب أن هذا الفقه عارٍ عن فقه الصحابة، وفقه التابعين، وفقه تابعيهم بإحسان، ولا يعرف هذا إلا بعد إدبار القرون الثلاثة المفضلة، فلو كانت واجبة لكان أولى من يقول بهذا الحكم من كان تعلقهم في المسجد أكثر من تعلقهم في بيوتهم، وأسواقهم، ولا تنزع الحكم من دليله حتى يكون محاطًا بنور من فهم الأئمة، ولا ترع سمعك لمن يقول لك: أقول لك قال رسول الله ﷺ وتقول: قال فلان وفلان، فإنما هذا رجل يدعوك لتقدم فهمه هو لكلام الرسول ﷺ على فهم أمة من السلف، هم أعلم بدلالات النصوص، ومعاني الألفاظ وأحكم في معرفة مقاصد الشريعة، وإن طالب العلم أوثق لدينه، وأحكم لفقهه أن يقدم فهم الأئمة للأدلة على فهمه هو، أو فهم متأخر لم يتجاوز في نظره لحكم النص على دلالة النص اللغوية، ولم يكلف نفسه النظر إلى عمل الصحابة، وهم أهل اللسان، وفهم الأئمة من أصحاب القرون المفضلة، وهم أهل الفقه والاستنباط، وإن اللغة العربية هي إحدى الأدوات لفهم النص، وليست الأداة الوحيدة، فالمعنى الشرعي قد يكون أخص أو أعم من المعنى اللغوي، كما ذكرته لك عند الخلاف في معنى اشتمال الصماء، وكما أكدته لك عند كلامي على جراءة بعض المعاصرين في تحريم الأخذ من اللحية احتجاجًا بدلالة (أعفوا اللحى) اللغوية، وكما حصل انحراف المرجئة في تفسير الإيمان استنادًا إلى الحقيقة اللغوية، وليس هذا خاصًا في العبادات، فالربا لا يمكن فهمه استنادًا إلى اللغة، فهناك زيادة محرمة، وهناك زيادة مباحة، واللغة لا تفرق بين هذا وذاك، وكل البدع والتأويلات
الفاسدة جاءت من خلال هذا المسلك، فلا تجد بدعة ولا تأويلًا فاسدًا إلا وتجد أن أهلها أتوا من اعتمادهم على ظواهر بعض النصوص أو بعض العمومات، ولم يستوفوا أدوات فهم النص من خلال تناول النص بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان، والله أعلم.
* * *
стр. 148
المبحث التاسع في منزلة تحية المسجد من السنن
المدخل إلى المسألة:
• كل صلاة تكفيها نية الصلاة فقط فهي من النفل المطلق.
• النفل المعين لا يكفيه نية الصلاة فقط، فهو يشتمل على نيتين: نية الصلاة وكونها وترًا أو راتبة.
• النفل المعين أعلى من النفل المطلق.
• النفل المعين بعضه أفضل من بعض، فراتبة الفجر أفضل من باقي السنن الرواتب؛ لكونها تصلى حضرًا وسفرًا، وتسقط بقية الرواتب في السفر.
• إذا نوى تحية المسجد لم تُغْنِهِ عن السنة الراتبة، وإذا نوى نفلًا مطلقًا أغناه ذلك عن تحية المسجد، فلو كانت تحية المسجد سنة مؤكدة ما قام الأدنى مقام الأعلى.
[م-٤٥٥] هذه المسألة تتنزل على قول من يرى أن تحية المسجد ليست واجبة، وأما من قال بوجوبها فلا مدخل لقوله في هذه المسألة:
وقد اختلف العلماء في اعتبار تحية المسجد من السنن المؤكدة على قولين:
فقيل: من النفل المؤكد، وعليه أكثر الحنفية، والصاوي من المالكية.
فقد صرح بعض الحنفية بأن تحية المسجد من السنن (١)، وهي أعلى من المستحب عندهم، بل قال ابن نجيم في البحر الرائق: «وقد حُكِيَ الإجماعُ على سنيتها» (٢).
стр. 149
وعَدَّ ابن حزم تحية المسجد من النفل المؤكد، قال في المحلى: «ولولا البرهان الذي ذكرنا قبل بأن لا فرض إلا الخمس لكانت هاتان الركعتان فرضًا، ولكنها في غاية التأكيد» (١).
واختاره جماعة من المالكية، كأشهب، والصاوي وابن عاشر وغيرهم (٢).
قال القاضي عياض: «وعدها بعض أصحابنا في السنن» (٣)، إشارة منه إلى أن المذهب على خلافهم، وسيأتي النقل عن مذهب المالكية في القول الثاني.
وقيل: تحية المسجد ليست من النفل المؤكد، فقد عدها صاحب الخلاصة من الحنفية من المستحبات.
وقال ابن نجيم: «ومن المندوبات تحية المسجد» (٤).
والمندوب عند الحنفية أقل رتبة من السنن.
قال ابن عابدين: «والمختار عدم الفرق بين المستحب والمندوب» (٥).
стр. 150
واعتبر المالكية تحية المسجد من الفضائل، وهي دون السنن المؤكدة، وأعلى من النافلة، وهو اصطلاح خاص (١).
جاء في شرح الزرقاني على خليل نقلًا عن علي الأجهوري والمرموز له بـ (عج): «ولم أَرَ التصريح به» (٢)، يقصد كون التحية من النفل المؤكد.
وقال ابن دقيق العيد: «ظاهر مذهب مالك أنهما من النوافل، وقيل: إنهما من السنن، وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين النوافل والسنن والفضائل» (٣).
وإن كان ابن دقيق ليس من المالكية وإنما نقلت كلامه تأييدًا لما فهمته من مذهب المالكية، ليس إلا.
وأما الشافعية فهم وإن لم يعتبروا تحية المسجد من النفل المطلق، فهم لم يدخلوها في النفل المؤكد (٤).
стр. 151
فالشافعية قسموا التطوع إلى سنن: وهي العيدان، والكسوف، والاستسقاء.
وراتبة مؤكدة: وهي عشر ركعات، وهي: ركعتا الفجر، وركعتان قبل الظهر وبعدها، وبعد المغرب، وبعد العشاء.
ونوافل مؤكدة: وهي ثلاث: صلاة الليل، وصلاة الضحى، وصلاة التراويح (١).
وليس منها تحية المسجد.
• دليل من قال: تحية المسجد من النوافل المؤكدة:
(ح-١٠٩٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار،
عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (٢).
(ح-١٠٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب،
أن أبا هريرة، أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت (٣).
فإذا منع المصلي لحرمة الخطبة عن الاشتغال عنها، ولو بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم أمر بتحية المسجد والإمام يخطب فلا معنى لهذا إلا لتوكيد
стр. 152
تحية المسجد.
وكون تحية المسجد تتداخل مع بعض العبادات فلا يعني ذلك أنها ليست من النفل المؤكد، فهذا طواف الوادع يسقط بطواف الإفاضة إذا أخره الحاج على الصحيح، مع أن طواف الوادع طواف واجب خلافًا للمالكية، وغسل الجمعة يتداخل مع غسل الجنابة، مع أن القول بوجوب غسل الجمعة قول قوي جدًّا.
• ويناقش:
بأن التداخل بين العبادات باب أوسع من الحكم بأن هذه سنة مؤكدة، أو واجبة، ويدخل الأدنى بالأعلى، بشرط أن يكون الأدنى ليس مقصودًا لذاته، وليس العكس، فلو اغتسل بنية الجمعة ولم يَنْوِ رفع الحدث لم يرتفع حدثه، بخلاف العكس، فإذا نوى تحية المسجد لم تغنه عن السنة الراتبة، وإذا نوى نفلًا مطلقًا أغناه ذلك عن تحية المسجد، فإن كانت تحية المسجد سنة مؤكدة كيف قام الأدنى مقام الأعلى؟
• وأما الجواب عن الاشتغال بالنفل المطلق عن سماع الخطبة:
فأقول بهذه المسألة برأيي، والله أعلم بالصواب، قبل الجواب على هذه المسألة يجب أن نحرر: متى يجب على المصلي سماع الخطبة أيجب بمجرد الاستماع ولو كان خارج المسجد، أم يجب الاستماع بمجرد دخوله المسجد قبل أن يجلس، أم لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد؟
فإن قيل بالأخير فلا يصح أن يقال: اشتغل بسنة عن واجب، ونظير هذا الرجل يدرك الإمام قائمًا في الصلاة، ويغلب على ظنه أن القيام الباقي قد لا يسع إلا مقدار الفاتحة، ومع ذلك له أن يستفتح قبل الفاتحة، والاشتغال بالاستفتاح اشتغال بسنة عن ركن أو واجب، ولا تثريب عليه إذا فاتت في أحد قولي أهل العلم؛ لأن هذا هو الترتيب المأمور به في الصلاة، مع أنه لو ترك الاستفتاح متعمدًا لم تبطل صلاته في أصح قولي أهل العلم، والله أعلم.
• وجه قول من قال: تحية المسجد ليست من النفل المؤكد:
الصلاة جنس يدخل تحتها أنواع، فالفرض والنفل المؤكد كالسنن الراتبة مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية كونها راتبة أو وترًا.
стр. 153
والنفل المطلق يحصل بنية مطلق الصلاة، فليس له صفةٌ زائدةٌ على أصل الصلاة فلا يحتاج إلى التعيين، فلو كانت تحية المسجد نفلًا مؤكدًا لاشترطت لها نية خاصة، كالرواتب، فلو نوى نفلًا مطلقًا أغناه عن تحية المسجد، ولو نوى تحية المسجد لن تغنيه عن راتبة الظهر، فلما كان الداخل للمسجد يكفيه للجلوس مطلق الصلاة دل على أنها من النفل المطلق.
والسنن المؤكدة في الغالب تطلب لذاتها، لهذا كانت أعلى رتبة من النفل المطلق، والله أعلم.
وركعتا الإحرام وركعتا الطواف ودخول المسجد من العبادات التابعة لغيرها، لهذا لا تكون بمنزلة الرواتب، أو الوتر، بل وليست بمنزلة التهجد، وإن كان نفلًا مطلقًا؛ لأن هذه العبادة يتطلع لها الشارع لذاتها، ويقصدها المصلي بالصلاة، بخلاف تحية المسجد فإنه لا يقصدها المصلي، فلو دخل المسجد بعد طلوع الفجر كان عليه أن يصلي راتبة الفجر، لا تحية المسجد.
• الراجح:
القولان فيهما قوة، والقول بأن تحية المسجد من النفل المطلق أقوى، والله أعلم.
* * *
стр. 154
المبحث العاشر تحية المسجد لمن صلى ركعتي الفجر في البيت
المدخل إلى المسألة:
• لا يصح حديث في النهي عن النفل المطلق بطلوع الفجر، وأحاديث لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر لا يثبت منها شيء.
• قال: ﷺ لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، مفهومه: أن ما قبل صلاة الفجر لا ينهى عن الصلاة فيه.
• المنطوق إذا عارض المفهوم مقدم بشرط أن تكون الأحاديث صحيحة، فإذا كان منطوق هذه الأحاديث أباطيلَ ومناكيرَ، وغرائبَ وأفرادًا فلا يعارض بها مفهوم الأحاديث المقطوع بصحتها في الصحيحين وغيرهما، والتي بلغت حد التواتر.
• كان بعض الصحابة يقضي حزبه إذا فاته من الليل بعد طلوع الفجر، وقبل الصلاة.
• على القول بأن وقت النهي يبدأ من طلوع الفجر إلا في ركعتي الفجر، فإن تحية المسجد من ذوات الأسباب، فلا تدخل في النهي.
[م-٤٥٦] اختلف العلماء في الرجل يصلي راتبة الفجر في بيته، فيدخل المسجد، أيصلي تحية المسجد أم لا؟
فقيل: لا يركع، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وأحد القولين عن الإمام مالك، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي (١).
стр. 155
قال ابن نجيم: «لو نوى تطوعًا كان عن سنة الفجر» (١).
وقيل: يركع، وهو أحد القولين عن مالك، ورجحه ابن عبد البر، وهو وجه في مذهب الشافعي، وعليه عامة أصحابه (٢).
وقيل: يركع تحية المسجد، ولو لم يركع سنة الفجر، فيصلي أولًا تحية، المسجد، ثم يصلي راتبة الفجر، اختاره ابن عبد السلام من المالكية، وهذا القول أضعفها، والله أعلم (٣).
• سبب الخلاف:
يرجع الاختلاف في هذه المسألة إلى الاختلاف في مسألة أخرى:
فقد اختلفوا في وقت النهي، أهو متعلق بطلوع الفجر، أم أن النهي لا يبدأ حتى يصلي الصبح؟ لمفهوم حديث أبي سعيد: لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (٤).
فإن مفهومه: أن قبل صلاة الفجر لا ينهى عن الصلاة
فمن قال: إن وقت النهي يبدأ من طلوع الفجر إلا في ركعتي الفجر، وكان لا يرى صلاة ذوات الأسباب، قال: تحرم النوافل بطلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وهو
стр. 156
مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن الإمام أحمد، وهي المشهور من مذهبه (١).
قال ابن رجب: «وهذا قول جمهور العلماء ... وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه» (٢).
قال الترمذي في سننه: «وهو ما اجتمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر» (٣).
إلا أن مالكًا أذن في صلاة الوتر في حق من فاته وتره من الليل، بأن يصليه بعد طلوع الفجر، وقبل الفريضة (٤).
قال مالك في الموطأ: «وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر» (٥).
قال الباجي في المنتقى: «من أدرك الوتر قبل صلاة الصبح وبعد الفجر فقد أدرك وقته، إلا أنه وقت ضرورة، لا وقت اختيار» (٦).
وقد سبق بحث هذه المسألة في قضاء النوافل، ولله الحمد.
ومن رأى من العلماء أن طلوع الفجر ليس من أوقات النهي، أو كان يراه من أوقات النهي، ولكن يرى جواز ذوات الأسباب في أوقات النهي لم يمنع من صلاة تحية المسجد إذا صلى ركعتي الفجر بالبيت، وهذا هو الأقوى، وهو المشهور عند عامة أصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية، والله أعلم (٧).
стр. 157
وقيل: لا يدخل وقت الكراهة حتى يصلي سنة الصبح، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعية (١).
• دليل من قال: النهي يبدأ بعد صلاة الصبح:
الدليل الأول:
(ح-١١٠٠) ما رواه مسلم من طريق يونس، أن ابن شهاب، أخبره، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الليثي،
أنه سمع أبا سعيد الخدري، يقول: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (٢).
ورواه البخاري من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به، بلفظ: (لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس) (٣).
فقوله: (لا صلاة بعد الفجر) له منطوق ومفهوم:
فمنطوقه: النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، لأن النفي في معنى النهي، والتقدير: لا تصلوا.
ومفهومه: أن الصلاة قبل صلاة الفجر مأذون فيها، وهذا ما فهمه بعض الصحابة حيث كان يقضي حزبه إذا فاته من الليل بعد طلوع الفجر، وقبل الصلاة.
الدليل الثاني:
(ح-١١٠١) وروى البخاري من طريق عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (٤).
стр. 158
ورواه مسلم بهذا اللفظ من طريق الأعرج عن أبي هريرة (١).
الدليل الثالث:
(ح-١١٠٢) روى البخاري ومسلم من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي العالية،
عن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. هذا لفظ البخاري.
ورواه البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية، عن ابن عباس، قال: حدثني ناس بهذا (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (لا صلاة بعد الصبح) أي بعد صلاة الصبح؛ لأنه لا بد من أداء صلاة الصبح وصلاة العصر، فتعين أن يكون المراد: لا صلاة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، ولأن الإجماع منعقد أن النهي في العصر لا يبدأ من دخول وقت العصر، حتى يصلي العصر، ولو أراد بقوله: (بعد الصبح) أي بعد طلوع الصبح لاستثنى ركعتي الفجر والفرض، فلما لم يذكر ذلك في الأحاديث علم أنه أراد فعل الصلاة كما جاء مفسرًا في الأحاديث الصحيحة،
فالأوقات المنهي عن الصلاة فيها على قسمين:
منها: ما يتعلق النهي فيه بالفعل، بمعنى أنه إن تأخر الفعل لم يُنْهَ عن الصلاة قبله، وإن تقدم في أول الوقت نُهِيَ عن الصلاة، وذلك في صلاة الصبح وصلاة العصر.
وبناء عليه قد يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر، ولحديث أبي هريرة: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة
стр. 159
من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر.
ومنها: ما يتعلق النهي فيها بالوقت، لا بالفعل، كوقت طلوع الشمس إلى الارتفاع، ووقت شروعها في الغروب إلى أن تغرب، ووقت استوائها حتى تميل.
• دليل من قال: لا يصلي تحية المسجد في وقت النهي:
الدليل الأول:
(ح-١١٠٣) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن زيد ابن محمد، قال: سمعت نافعًا، يحدث عن ابن عمر،
عن حفصة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر، لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين (١).
وجه الاستدلال:
بأن الترك من النبي ﷺ سنة كالفعل، فما تركه النبي ﷺ كانت السنة تركه.
• وأجيب:
قال النووي في شرح مسلم: «ليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، إنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة ولم يَنْهَ عن غيرها» (٢).
والنفل المطلق مأذون في فعله في كل وقت إلا ما جاءت السنة الصحيحة الصريحة في النهي عن الصلاة فيه، وليس منها طلوع الفجر، لمفهوم: لا صلاة بعد صلاة الفجر، فإن مفهومه الإذن بالصلاة قبل صلاة الفجر، وعلى التسليم بأن هذا وقت نهي فإنه لا يدخل فيه ما كان له سبب، ومنه تحية المسجد، وقد خصصت بحثًا خاصًّا في صلاة ذوات الأسباب في وقت النهي، وذكرت اختلاف العلماء، وأن الصحيح مذهب الشافعية في صحة صلاة ذوات الأسباب، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١١٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا قدامة بن موسى، حدثنا أيوب بن حصين التميمي، عن أبي علقمة، مولى عبد الله بن عباس،
стр. 160
عن يسار، مولى عبد الله بن عمر قال: رآني ابن عمر، وأنا أصلي بعدما طلع الفجر، فقال: يا يسار كم صليت؟ قلت: لا أدري، قال: لا دريت، إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، أن لا صلاة بعد الصبح إلا سجدتان (١).
[ضعيف جِدًّا، وروي عن ابن عمر موقوفًا، ولا يصح] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-١١٠٥) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر (١).
[ضعيف تفرد به ابن زياد الأفريقي على اختلاف عليه في إسناده] (٢).
стр. 165
الدليل الثالث:
(ح-١١٠٦) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن حرملة،
عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة بعد النداء إلا ركعتي الفجر (١).
[روي مرسلًا، وموصولًا، ومقطوعًا من قول سعيد، وهو الأرجح] (٢).
• وأجاب أصحاب هذا القول عن أدلة أصحاب القول الأول:
أن الاستدلال بأحاديث: لا صلاة بعد صلاة الصبح استدلال بالمفهوم.
وحديث: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر استدلال بالمنطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.
• ويجاب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
أن المنطوق مقدم إذا عارض المفهوم بشرط أن تكون الأحاديث صحيحة، فإذا كان منطوق هذه الأحاديث أباطيل ومناكير، وغرائب وأفرادًا فلا يعارض بها مفهوم الأحاديث المقطوع بصحتها في الصحيحين وغيرهما، والتي بلغت حد التواتر.
الوجه الثاني:
لا نسلم أن التعارض بين منطوق ومفهوم، بل جاء الإذن بالصلاة إلى صلاة الصبح منطوقًا من حديث عمرو بن عبسة، ومن حديث عبد الله بن مغفل.
(ح-١١٠٧) فقد روى أبو داود في سننه، قال: حدثنا الربيع بن نافع: حدثنا محمد بن المهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة،
عن عمرو بن عبَسَة السُّلمي؛ أنه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الليلِ أسمعُ؟ قال: جوف الليل الآخر، فصلِّ ما شئتَ، فإن الصلاةَ مشهودةٌ مكتوبةٌ، حتى تُصَلِّيَ الصبح ... وذكر الحديث، هذا لفظ أبي داود (١).
[صحيح] (٢).
(ح-١١٠٨) ورواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة به: وفيه: ... صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ... الحديث (١).
فحديث عمرو بن عبسة منطوقه: الأمر بالصلاة من جوف الليل حتى يصلي الصبح، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عمر وابن عمرو: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، والتعارض بينهما في المنطوق.
ومن صحح حديث ابن عمر وابن عمرو إنما صححهما بالمجموع، وإلا فكل
стр. 173
أسانيدها تدور على مجاهيل ومناكير وغرائب وأفراد، وتفرد مثل هؤلاء بالحديث لا يزيده إلا ضعفًا، فكيف إذا انضم إلى ذلك موافقة منطوق حديث عمرو بن عبسة لمفهوم الأحاديث المتواترة والتي تقول: لا صلاة بعد صلاة الصبح، فإن مفهومها أن الصلاة قبل صلاة الصبح مأذون فيها، والله أعلم، كما أن منطوق حديث عمرو بن عبسة موافق لمنطوق حديث عبد الله بن مغفل: بين كل أذانين صلاة، وهو في الصحيحين (١).
الوجه الثالث:
أن وقت النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر معلق على فعل الصلاة لا على الوقت؛ ولهذا كان الوقت وقتًا للفريضة ولو ضاق الوقت عن فعلها، لحديث من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ولأن الحكمة من النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر أن الكفار يسجدون للشمس عند طلوعها وعند غروبها، وهذا لا يكون من طلوع الفجر، ولم يعلل النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر؛ لأن النهي عنه سدٌّ لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلو فتح الباب للتطوع بعد صلاة الصبح لم يؤمن التمادي فيها إلى حين طلوع الشمس وغروبها، فالمقصود بالنهي أصالةً هو وقت الطلوع والغروب لما في السجود حينئذٍ من مشابهة سجود الكفار في الصورة، وهذا لا يصدق على الوقت ما قبل صلاة الصبح والعصر، ولقوله ﵊: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها (٢).
(ح-١١٠٩) وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن نافع،
كان ابن عمر يقول: أما أنا فإني أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، وأما أنا فلا أنهى أحدًا أن يصلي ليلًا أو نهارًا لا يتحرَّى طلوع الشمس ولا غروبها،
стр. 174
فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، وقال: إنه يطلع قرن الشيطان مع طلوع الشمس، فلا يتحرَّ أحد طلوع الشمس ولا غروبها (١).
• الراجح:
أن وقت طلوع الفجر ليس وقتًا للنهي، وأن النفل فيه مباح، ولا تستحب الصلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر؛ لأن النبي ﷺ ما كان يصلي فيه غير راتبة الفجر، فإذا صلى الصبح حرمت النفل المطلق حتى ترتفع الشمس، وأن من صلى راتبة الفجر في بيته، فدخل المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، حتى ولو قيل: إن الوقت من أوقات النهي؛ لأن هذه الصلاة من ذوات الأسباب، وسيأتينا إن شاء الله بحث مستقل عن حكم صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، والله أعلم.
وأما قول ابن عبد السلام من المالكية وأنه يصلي تحية المسجد، ثم يصلي راتبة الفجر، فهذا قول ضعيف، فإن تحية المسجد ليست مقصودة بذاتها، ولا يشرع لمن دخل المسجد، وهو لم يُصَلِّ راتبة الفجر أن يصلي تحية المسجد، ثم يصلي راتبة الفجر؛ لأن هذا العمل لا أصل له، والمقصود ألا يجلس حتى يصلي، والله أعلم.
* * *
стр. 175
المبحث الحادي عشر اختصاص التحية بالمسجد
المدخل إلى المسألة:
• تحية المسجد عبادة مختصة بالمسجد، ومصلى العيد ليس مسجدًا.
• قال الزهري: ما علمنا أحدًا كان يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد، ولا بعده.
• كان النبي ﷺ ينحر ويذبح في مصلى العيد، ولو كان مسجدًا لم يذبح فيه.
• إذا كان الاعتكاف لا يشرع في مصلى العيد لم تشرع تحية المسجد لدخوله؛ وإنما الاعتكاف لم يصح؛ لأنه عبادة مختصة بالمسجد، لا بالمصلى.
[م-٤٥٧] لو اتخذ الرجل مصلى في بيته فدخله، أو دخل مصلى في مقر عمله، ولم يكن مسجدًا لم تشرع له تحية المسجد.
قال العدوي في حاشيته: «هل المراد ما يطلق عليه اسم مسجد لغة، فيشمل ما يتخذه من لا مسجد لهم من بيت، أو غيره، ومن اتخذ مسجدًا له في بيته، أو المسجد المعروف؟ وهو الظاهر» (١).
وهل يصلي تحية المسجد في مصلى العيد؟
في هذا خلاف بين العلماء مرده إلى مسألتين:
إحداهما: مصلى العيد، أهو مسجد أم مصلى؟
الثانية: اختلافهم في التنفل قبل صلاة العيد، أهو ممنوع، أم مستحب، أم جائز.
فقيل: ليس له حكم المسجد، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 176
قال ابن عبد البر في الكافي: «ولا يتنفل في المصلى قبل الصلاة، ولا بعدها، إلا أن تصلى في المسجد» (١).
وقال ابن رجب: «صرح أصحابنا بأن مصلى العيد ليس حكمه حكم المسجد، ولا في يوم العيد، حتى قالوا: لو وصل إلى المصلى يوم العيد، والإمام يخطب فيه بعد الصلاة فإنه يجلس من غير صلاة؛ لأنه لا تحية له» (٢).
وقال ابن الرفعة في كفاية النبيه: «أطلق الأصحاب في باب صلاة العيد القول
стр. 177
بأنه لا تحية له، موجهين ذلك بأن التحية للمسجد، وليس مصلى العيد مسجدًا» (١).
وقال ابن الملقن: «مصلى العيد لا تحية له على الأصح» (٢).
واختار متأخرو الحنابلة بأن مصلى العيد مسجد إذا أُوقِفَ على الصلاة (٣).
قال صاحب المنتهى: «ومصلى العيد مسجد، لا مصلى الجنائز» (٤).
ومع قولهم بأنه مسجد، إلا أن الحنابلة في المشهور لا يرون التنفل قبل صلاة العيد، ومنه تحية المسجد، وقد نص على ذلك الإمام أحمد (٥).
واختار شيخنا محمد بن عثيمين «أنه يصلي تحية المسجد في مصلى العيد؛ لأنه مسجد» (٦).
وقيل: إن المصلى يكون له حكم المسجد في يوم العيدين خاصة، في حال اجتماع الناس فيه دون غيره من الأوقات، حكاه ابن رجب في شرح البخاري، ولعل هذا القول هو أضعفها (٧).
стр. 178
• دليل من قال: لا يصلي تحية المسجد في المصلى:
الدليل الأول:
(ح-١١١٠) روى الفريابي في أحكام العيدين من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة يوم العيد، قبلها، ولا بعدها (١).
[انفرد به الطائفي عن عمرو بن شعيب، وفيه ضعف] (٢).
стр. 179
الدليل الثاني:
(ث-٢٥٨) الأصل عدم المشروعية، روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر،
عن الزهري، قال: ما علمنا أحدًا كان يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد، ولا بعده (١).
[صحيح عن الزهري].
وهذا اللفظ يشي بالإجماع في عصر الزهري، وأقله إجماع أهل المدينة.
الدليل الثالث:
(ث-٢٥٩) روى الفريابي من طريق صفوان بن عيسى، حدثنا يزيد بن أبي عبيد،
قال: صليت مع سلمة بن الأكوع في مسجد رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم خرج، فخرجت معه حتى أتينا المصلى، فجلس، وجلست حتى جاء الإمام، فصلى، ولم يُصَلِّ قبلها، ولا بعدها، ثم رجع (٢).
[صحيح].
(ث-٢٦٠) وروى الفريابي في أحكام العيدين، حدثنا وهب بن بقية، أنبأ خالد، عن مطرف،
عن عامر، قال: كنت إلى جنب شريح في يوم عيد، فما رأيته صلى قبلها، ولا بعدها، قال: وأتيت المدينة فما رأيت أحدًا من الفقهاء صلى قبلها، ولا بعدها (٣).
[صحيح].
стр. 180
• ويجاب عنه:
بأن الترمذي قال في سننه: «قد رأى طائفة من أهل العلم الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، والقول الأول أصح» (١).
يعني أن ترك الصلاة أصح، ولم يذكر الترمذي أسماء الصحابة الذين يرون الصلاة قبل العيد.
(ث-٢٦١) وقد روى عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، قال: رأيت أنس ابن مالك، والحسن، وأخاه سعيدًا وجابر بن زيد أبا الشعثاء، يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام.
[صحيح] (٢).
وهذا الأثر يثبت أن الصحابي أنسًا وبعض التابعين كانوا يتنفلون قبل صلاة العيد، إلا أن هذا لم يتعين في تحية المسجد، فيحتمل أن هذا من قبيل تحية المسجد أو من سنة الضحى، لأن وقتها يدخل بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويحتمل أنهم كانوا يتنفلون نفلًا مطلقًا؛ لأن الوقت ليس من أوقات النهي، والمؤكد أن صلاة العيد ليس لها سنة قبلية، فبقي الاحتمال أن يكون نفلًا مطلقًا، أو من سنة الضحى، أو من تحية المسجد، فالجزم بأن هذا دليل على تحية المسجد غير مجزوم به، فلا يكون حجة، والله أعلم.
(ث-٢٦٢) وروى مالك في الموطأ رواية أبي مصعب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يصلي يوم الفطر قبل الصلاة وبعدها في المسجد (٣).
وهذا الأثر عن عروة بن الزبير يوهم أن عروة كان يصلي قبل صلاة الفطر في المسجد، إلا أن أبا بكر الفريابي قد أبان أن عروة كان يصلي في المسجد، ثم يأتي