← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ذكره بعد قوله: ولا الضالين إلا أن يقدر حرف نداء محذوف (١). قال ابن العربي: «ولا يصح نقله، ولا ثبت قوله» (٢). ونقله ابن كثير في تفسيره وأقره (٣). هذا فيما يتعلق بمعنى التأمين. * * *

стр. 1157

المسألة الثانية في فضل التأمين المدخل إلى المسألة: * ثبوت الفضل للعبادة ومقداره توقيفي. * قوله ﷺ : (فإن الملائكة تؤمن) جملة تعليلية للأمر بالتأمين. * إذا افق تأمين المأموم تأمين الإمام كان ذلك مظنة أن يوافق تأمين الملائكة، فيمكن للمكلف تحري ذلك، والطمع في حصوله. * لا يلزم من إطلاق الملائكة أن ذلك يقع من جميعهم، فهو عام أريد به الخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. والقائل رجل واحد. [م-٥٥٥] ورد في فضل التأمين أحاديث، من ذلك: (ح-١٤٢٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١). قال ابن العربي: «فترتيب المغفرة للذنب على أربع مقدمات ذكر منها ثلاثًا، وأمسك عن واحدة؛ لأن ما بعدها يدل عليها: المقدمة الأولى: تأمين الإمام. الثانية: تأمين من خلفه.

стр. 1158

الثالثة: تأمين الملائكة. الرابعة: موافقة التأمين. فعلى هذه المقدمات الأربع تترتب المغفرة، وإنما أمسك عن الثالثة اختصارًا؛ لاقتضاء الرابعة لها فصاحة» (١). وقوله ﷺ : ( ... فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ... ) فأمر بالمبادرة بالتأمين، وعلل ذلك بقوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) فيه إشارة إلى أنه إذا بادر وأَمَّن مع تأمين الإمام فإنه يوافق تأمين الملائكة، ذلك لأن الملائكة توافق تأمين الإمام دائمًا، وإلا لما صح أن تكون الجملة الثانية تعليلًا للجملة الأولى (٢). (ح-١٤٢٥) وروى النسائي من طريق بقية بن الوليد، عن محمد بن الوليد الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٣). وهذا إسناد جيد، وهو يبين أن قوله: (فإن الملائكة تؤمن) جملة تعليلية للأمر بالتأمين. قال ابن المنير نقلًا من فتح الباري: «الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظًا» (٤). [م-٥٥٦] واختلف العلماء بالمراد بموافقة الملائكة في التأمين: فقيل: المراد موافقتهم بالوقت، وهو مذهب الجمهور (٥). وقيل: المراد بموافقة الملائكة بالصفة، بأن يكون تأمينه من غير علة من رياء، أو سمعة، أو إعجاب وبهذا يكون تأمينه موافقًا في الإخلاص لتأمين الملائكة، اختار

стр. 1159

ذلك ابن حبان، كما في قوله ﷺ : ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة (١). ولا يمتنع أن تكون الموافقة فيهما في الوقت وفي الإخلاص، والله أعلم. وظاهر الحديث: تأمين جميع الملائكة: فقال عكرمة: ملائكة السماء يصفون في السماء كصفوف أهل الأرض، فإذا توافقا في التأمين غفر لمن في الأرض. (ث-٣٥١) روى عبد الرزاق، عن معمر قال: حدثني من سمع عكرمة يقول: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر له (٢). قال ابن حجر: «مثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى» (٣). وهذا صحيح بشرط أن يثبت عن عكرمة، ولم يثبت؛ لإبهام شيخ معمر. وظاهر أثر عكرمة أن لكلٍّ صلاته على وجه الاستقلال؛ لأن القول بأن أهل السماء يصلون صفوفًا تبعًا لأهل الأرض مع اختلاف المكان يحتاج إلى توقيف، فظاهر أثر عكرمة أنه لا اتحاد بينهما في الصلاة، فإذا وقع توافق في التأمين بينهما ترتب عليه هذا الفضل. ومثل هذا لا يمكن أن يُرَغَّب فيه أحد؛ لأنه لا أحد يمكنه تحري ذلك؛ لكونه من الغيبيات، وهو خلاف حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ... ) إلخ فإن فيه اتحادًا في الدعاء، فالإمام يدعو، والملائكة والمصلون يؤمنون على دعائه، فإذا وافق تأمين المأموم تأمين الإمام كان ذلك مظنة أن يوافق تأمين الملائكة، فيمكن للمكلف تحري ذلك، والطمع في حصوله بخلاف التأويل الأول. وتقدم لنا رواية النسائي (إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (٤).

стр. 1160

فهو صريح أن الملائكة تؤمن على دعاء الإمام. وقيل: المراد بالملائكة ممن يشهد تلك الصلاة وقت التأمين (١). قال ابن حجر: «ظاهره: أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره بن بزيزة. وقيل: الحفظة منهم. وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض، أو في السماء» (٢). وقال في تحفة المحتاج: «والمراد بالملائكة المؤمنون على أدعية المصلين والحاضرون لصلاتهم» (٣). وقال بعضهم: إذا قال الحفظة: آمين قالها من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء (٤). والراجح والله أعلم أن تأمين الملائكة على دعاء الإمام لا يلزم منه اتحاد المكان، فالحديث لم يرد فيه إلا أن الملائكة تؤمن، فالوقوف عند حدود النص هو الجزم بتأمين الملائكة فقط على دعاء الإمام، ولا يلزم من تأمين الملائكة أن يكونوا صفوفًا يصلون لأنفسهم أو يصلون مع الإمام، فيشمل الملائكة ممن يشهدون الصلاة في الأرض، ويشمل غيرهم من ملائكة السماء ممن يسمع دعاء الإمام، ويؤمن على دعاء المصلين، ولا يلزم من إطلاق الملائكة أن ذلك يقع من جميعهم، فهو عام أريد به الخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. والقائل رجل واحد. * والدليل على تأمين ملائكة السماء. (ح-١٤٢٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال أحدكم: آمين، وقالت

стр. 1161

الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (١). ورواه مسلم من طريق المغيرة (هو ابن عبد الرحمن الحزامي) عن أبي الزناد به (٢). وإذا أمن بعض ملائكة السماء على دعاء الإمام فمن باب أولى أن يؤمن الملائكة في الأرض ممن يشهد صلاة الإمام، إلا أن حديث الأعرج عن أبي هريرة عام في كل من يقول: آمين، وحديث سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مقيد بالتأمين حال الصلاة، وهل يحمل المطلق على المقيد؛ لاتفاقهما في الثواب، وفي التأمين؟ قولان، أقربهما نعم؛ لأن تأمين الصلاة مستمد شرفه وفضله من كونه داخل الصلاة: أعظم أركان الإسلام العملية، ومرتبط بأعظم سورة في القرآن، وهي فاتحة الكتاب، فله مزيد فضل على التأمين على مطلق الدعاء خارج الصلاة. * ومن الأحاديث الدالة على فضل التأمين أيضًا: (ح-١٤٢٧) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين (٣). [حسن] (٤).

стр. 1162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1163

ومن الأحاديث الدالة على فضل التأمين أن إجابة دعاء الفاتحة رتب على التأمين. (ح-١٤٢٨) فقد روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري، قال: ... إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله .... الحديث (١). * * *

стр. 1164

المسألة الثالثة في حكم التأمين المطلب الأول في حكم التأمين خارج الصلاة المدخل إلى المسألة: * كل مُؤَمِّنٍ داعٍ وليس كل داعٍ مُؤَمِّنًا. * التأمين على الدعاء دعاء بالاستجابة. * إذا جاز التأمين في الصلاة، مع أنه ليس قرآنًا، بل معدوداً من كلام الآدمي، فَلَأَنْ يجوز خارج الصلاة من باب أولى. * إذا شرع التعوذ للقراءة داخل الصلاة وخارجها، فكذلك يشرع له التأمين خارج الصلاة قياسًا على مشروعيته له داخل الصلاة. [م-٥٥٧] يستحب لقارئ الفاتحة التأمين بعدها، ولو خارج الصلاة، لكنه فيها آكد (١). قال ابن كثير: «قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي» (٢). (ح-١٤٢٩) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،

стр. 1165

عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (١). ورواه مسلم من طريق المغيرة (هو ابن عبد الرحمن الحزامي) عن أبي الزناد به (٢). وقد ترجم له البخاري: باب فضل التأمين. ولم يقيد الترجمة في الصلاة لما في الحديث من إطلاق. وقال القسطلاني في إرشاد الساري: «(إذا قال أحدكم آمين)، عقب قراءة الفاتحة، خارج الصلاة أو فيها» (٣). قال الحافظ في الفتح: «لكن في رواية مسلم من هذا الوجه: (إذا قال أحدكم في صلاته)، فيحمل المطلق على القيد» (٤). يقصد الحافظ ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو (هو ابن الحارث) عن أبي يونس (هو سليم بن جبير الدوسي)، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء آمين، فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (٥). وروى البخاري من طريق سفيان، عن الزهري، قال: حدثناه: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٦). قال الحافظ في تلخيص الحبير: التعبير بالقارئ أعم من أن يكون داخل الصلاة أو خارجها. وقال العراقي: (إذا أمن القارئ) ظاهره أنه يستحب التأمين لقراءة القرآن

стр. 1166

مطلقًا؛ لأنه ليس فيه تخصيصه بكونه إمامًا، إلا أنه رد هذا الظاهر برواية مسلم (١). فقد روى مسلم من طريق يعقوب يعني ابن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال القارئ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال: من خلفه: آمين، فوافق قوله قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). قال الحافظ في الفتح: «إذا أمن القارئ فأمنوا فهذا يمكن حمله على الإطلاق فيستحب التأمين إذا أمن القارئ مطلقًا لكل من سمعه من مُصَلٍّ أو غيره ويمكن أن يقال المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة فإن الحديث واحد اختلفت ألفاظه» (٣). ولا شك أن حديث أبي هريرة قد لا تفيد ألفاظه على التأمين على الفاتحة خارج الصلاة، ولكن القياس على الصلاة يقتضيه فإذا جاز في الصلاة، مع أنه ليس قرآنًا، بل معدودًا من كلام الآدمي، فَلَأنْ يجوز خارج الصلاة من باب أولى. وكما أن المصلي يشرع له التعوذ للقراءة داخل الصلاة وخارجها، فكذلك يشرع له التأمين خارج الصلاة قياسًا على مشروعيته له داخل الصلاة. * * *

стр. 1167

المطلب الثاني في التأمين داخل الصلاة البند الأول في تأمين المنفرد والإمام المدخل إلى المسألة: * لا يشترط نية الإمامة لصحة الائتمام، لهذا كان أحكام المنفرد كأحكام الإمام. * الأصل أن أفعال المأموم عقب الإمام لعموم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ... إلخ)، خُصَّ منه التأمين بالنص فإنه يؤمن المأموم مع إمامه؛ لحديث إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين. * القواعد الأصولية تقتضي تقديم الخاص على العام، ولهذا قال الجمهور: لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير التأمين. * الحديث المتفق عليه: (إذا أمن الإمام فأمنوا ... ) منطوقه مقدم على مجرد السكوت عن تأمين الإمام في بعض الأحاديث. * إذا كان الإمام يؤمن في السرية فالجهرية مثلها في الحكم، حيث لم يأت دليل على التفريق بينهما، فما ثبت في السرية ثبت في الجهرية إلا بدليل. * حديث: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين) سيق لبيان تأمين المأموم وموضعه، وسكت الحديث عن تأمين الإمام، والسكوت عن تأمين الإمام لا ينفيه لا سيما إذا ثبت بدليل آخر. [م-٥٥٨] اتفق الفقهاء على استحباب التأمين للمنفرد مطلقًا، سواء أكان في صلاة جهرية أم في سرية (١).

стр. 1168

قال القرافي نقلًا عن صاحب الطراز «ولا خلاف أن الفذ يؤمن» (١). [م-٥٥٩] واختلفوا في الإمام: فقيل: لا يستحب له التأمين مطلقًا، لا في السرية ولا في الجهرية، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو خلاف المعتمد من المذهب (٢). وقيل: يستحب للإمام التأمين مطلقًا، وبه قال الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، ورواية المدنيين عن الإمام مالك (٣).

стр. 1169

وقيل: يؤمن في السرية، ويكره تأمينه في الجهرية، وهو المشهور من مذهب مالك، وهي رواية المصريين عنه، وحكى بعضهم إجماع العلماء على استحباب التأمين في السرية، والخلاف محفوظ (١). وقيل: يخير الإمام إن شاء أمن، وإن شاء ترك، اختاره ابن بكير (٢). * سبب الاختلاف: بين ابن رشد سبب الاختلاف في كتابه بداية المجتهد، فقال:

стр. 1170

«وسبب اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضي الظاهر: أحدهما: حديث أبي هريرة المتفق عليه في الصحيح أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أمن الإمام فأمنوا. والحديث الثاني: ما أخرجه مالك عن أبي هريرة أيضًا أنه قال ﵊: إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين. فأما الحديث الأول فهو نص في تأمين الإمام. وأما الحديث الثاني، فيستدل منه على أن الإمام لا يؤمن، وذلك أنه لو كان يؤمن لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الإمام، لأن الإمام كما قال ﵊: إنما جعل الإمام ليؤتم به. إلا أن يخص هذا من أقوال الإمام: (أعني أن يكون للمأموم أن يؤمن معه أو قبله) فلا يكون فيه دليل على حكم الإمام في التأمين، ويكون إنما تضمن حكم المأموم فقط، ولكن الذي يظهر أن مالكًا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه، يكون السامع هو المؤمن لا الداعي. وذهب الجمهور لترجيح الحديث الأول لكونه نصًّا، ولأنه ليس فيه شيء من حكم الإمام، وإنما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط، لا في هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن، فتأمل هذا» (١). * دليل من قال: لا يستحب للإمام التأمين: الدليل الأول: (ح-١٤٣٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢).

стр. 1171

ورواه مسلم من طريق عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين ... الحديث (١). * وجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن مبادرة الإمام، (فإذا كبر فكبروا)، ومعنى ذلك أنه لا يكبر معه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سَلَّم الإمام سلَّم المأموم، عقبه، وهكذا كل أفعال الإمام إنما يفعلها المأموم عقب إمامه، لا قبله، ولا معه، فلو كان الإمام يُؤَمِّن لما أُمِر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الإمام؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا) (٢)، فلما بادر المأموم إمامه بالتأمين عقب قول الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ علم أن الإمام لا يؤمن. وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين ... الحديث. [اختلف فيه على ابن عجلان في إسناده ولفظه] (٣). الدليل الثاني: (ح-١٤٣١) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فذكر قصة وفيه: .... قال

стр. 1172

أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله ... الحديث (١). وجه الاستدلال بالحديث كوجه الاستدلال بحديث أبي هريرة ﵁. * وأجيب عن هذين الدليلين: الوجه الأول: أن هناك من قال: إن المأموم يؤمن عقب الإمام، وهو قول في مذهب الحنابلة، وهو مرجوح. الوجه الثاني: أن حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ... إلخ) هذا عام، فالأصل أن أفعال المأموم عقب الإمام، خُصَّ منه التأمين بالنص فإنه يؤمن المأموم مع إمامه، والقواعد الأصولية تقتضي تقديم الخاص على العام، ولهذا قال الجمهور: لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير هذا (٢). الوجه الثالث: أن هذا الدليل سيق لبيان تأمين المأموم وموضعه، وسكت الحديث عن تأمين الإمام، والسكوت عن تأمين الإمام ليس دليلًا؛ لأن العدم لا يكون دليلًا، غاية ما في هذا الدليل أنه سكت عن تأمين الإمام، وهذا لا ينفيه خاصة إذا ثبت أن الإمام يؤمن بدليل آخر، كما في الحديث المتفق عليه: (إذا أمن الإمام فأمنوا ... ) فمنطوق هذا الحديث مقدم على مجرد السكوت عن تأمين الإمام في هذا الحديث. الدليل الثالث: أن من سنة الدعاء أن يكون المُؤَمِّن غير الداعي، فالداعي يكتفي بالدعاء،

стр. 1173

والسامع يكتفي بالتأمين على دعائه. * ويجاب: بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، ولو سُلِّم أن هذا من سنة الدعاء، فتأمين الإمام على دعائه ثبت بالدليل الخاص المتفق على صحته، فهو مقدم على العام. * دليل من قال: يستحب للإمام التأمين مطلقًا في السرية والجهرية: الدليل الأول: (ح-١٤٣٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١). ورواه أحمد من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنهما حدثاه عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه. [رجاله ثقات] (٢).

стр. 1174

* فيؤخذ من الحديث: مشروعية تأمين الإمام في الصلاة الجهرية، وإذا كان يؤمن في الجهرية فالسرية مثلها في الحكم، حيث لم يَأْتِ دليل على التفريق بينهما، فما ثبت في الجهرية ثبت في السرية إلا بدليل. * ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: يحتمل أن يكون معنى: (إذا أمَّن): إذا بلغ موضع التأمين، كقولهم: أحرم إذا بلغ موضع الإحرام، وأَنْجَدَ إذا بلغ نجدًا، وأَتْهَم: إذا بلغ تهامة وإن لم يدخلها، فلا يكون فيه دليل على تأمين الإمام، بدليل الحديث الآخر: (وإذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ فقولوا: آمين) (١)، فلا يلزم من قوله: (إذا

стр. 1175

أمن) أي: إذا شرع في التأمين، أو إذا فرغ منه. * ورد هذا القول: الرد الأول: حمل حديث (إذا أمن الإمام) على بلوغ الإمام محل التأمين مجاز، والأصل عدم المجاز (١). كما أن المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر حمل الكلام على حقيقته، ولم يتعذر. الرد الثاني: أن معنى إذا أمن: أي إذا أراد التأمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، وكما في قوله في حديث أنس: (كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (٢)، أي: إذا أراد دخوله. وكقولهم: إذا رحل الأمير فارحلوا: أي إذا تهيأ للرحيل فتهيؤوا (٣). الوجه الثاني: يحتمل معنى: (إذا أمن): إذا دعا بقوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم﴾ إلى آخر السورة، بدليل أن الله سمى التأمين دعاء، في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨]، وإنما كان الداعي موسى وكان هارون مؤمنًا (٤). وعلى هذا التأويل لا يكون في الحديث دليل على تأمين الإمام. * ورد هذا: بأن تسمية الداعي مُؤَمِّنًا من باب إثبات اللغة بالقياس، واللغة لا تثبت بالقياس في قول الحنفية والمالكية، وبعض الشافعية، ورجحه الشوكاني (٥).

стр. 1176

قال أبو الوليد الباجي: «وأما ما احتج به القائل أنه لما قيل للمُؤَمِّنِ داعٍ وجب أن يقال للداعي: مؤمنٌ، فغير صحيح؛ لأن اللغة لا تؤخذ بالقياس وإنما ثبتت بالسماع» (١). وتسمية المؤمن داعيًا معلوم وجهه؛ لأن المعنى في آمين: اللهم استجب، إلا أن من شرطه أن يتقدمه دعاء. وأما تسمية الداعي مؤمِّنًا فلا يصح، ولا يلزم من تسمية المؤمِّن داعيًا عكسه، بأن يسمى الداعي مؤمِّنًا، فكل مُؤَمِّنٍ داعٍ، وليس كل داعٍ مؤمِّنًا (٢). الدليل الثاني: (ح-١٤٣٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين، يمد بها صوته (٣). [صحيح من رواية سفيان الثوري، وأخطأ فيه شعبة سندًا ومتنًا] (٤).

стр. 1177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1182

وجه الاستدلال: إذا حفظ التأمينُ من فعل الرسول ﷺ دل على مشروعية التأمين للإمام، لأن الوقائع تحمل على الغالب، وغالب صلاته ﷺ كان إمامًا، ولم يُصَلِّ مَأْمُومًا إلا نادرًا. الدليل الثالث: (ح-١٤٣٤) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم،

стр. 1183

عن شعيب، حدثنا الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المُجْمِرِ قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (١). [لم يَرْوِهِ عن أبي هريرة إلا نعيم بن المُجْمِرِ، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، ومن طريق أبي بكر بن الحارث بن هشام، ورواه البخاري من طريق سعيد المقبري، ورواه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، أربعتهم (أبو سلمة وأبو بكر، والمقبري، وأبو صالح)، رووه عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة ولا الجهر بها، ولا التأمين، فأخشى ألا يكون محفوظًا] (٢). الدليل الرابع: (ح-١٤٣٥) ما رواه أبو داود في السنن، قال: حدثنا نصر بن علي، أخبرنا صفوان بن عيسى، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: «آمين»، حتى يُسمِعَ مَنْ يليه من الصفِّ الأول (٣). ورواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى به، ولفظه: ترك الناس التأمين، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ قال: «آمين»، حتى يسمعَها أهلُ الصف الأول، فيرتجُّ بها المسجد (٤).

стр. 1184

[ضعيف] (١). الدليل الخامس: ما رواه ابن خزيمة من طريق إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن العلاء الزبيدي، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 1185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1186

* ونوقش: المعروف من حديث الزهري أنه روى تأمين الرسول ﷺ مرسلًا (١)، وتأمين الإمام مسندًا بلفظ: (إذا أمن الإمام -وفي رواية القارئ- فأمنوا .... ) متفق عليه، وسبق تخريجه، وليس فيه كان الرسول ﷺ يقول آمين. * وأجيب: بأن الاحتجاج بالمرسل مختلف فيه، وهو حجة عند الجمهور وحجة عند الشافعي إذا اعتضد، وقد اعتضد بحديث وائل بن حجر، وهو حديث صحيح، وسبق تخريجه. وكل خطاب خاطب فيه الرسول ﷺ أمته فهو داخل فيه، وما شرع للإمام في الصلاة شرع ذلك في حق الرسول ﷺ ، فهو الإمام المطلق، إلا بدليل يخرج الرسول ﷺ من هذا العموم. الدليل السادس: (ح-١٤٣٦) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (٢). [مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن

стр. 1187

خزيمة والبيهقي إرساله] (١). الدليل السابع: (ح-١٤٣٧) ما رواه الدارقطني من طريق بحر السقاء، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قال: وَلَا الضَّالِّين [الفاتحة: ٧]، قال: آمين، ورفع بها صوته (٢). قال الدارقطني: بحر السقاء ضعيف (٣). الدليل الثامن: (ح-١٤٣٨) ما رواه الإمام إسحاق بن راهويه من طريق هارون الأعور، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن ابن أم الحصين، عن أمه، أنها صلت خلف رسول الله ﷺ فسمعته وهو يقول: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾، فلما قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، حتى سمعته وهي في صف النساء (٤). [ضعيف] (٥).

стр. 1188

الدليل التاسع: (ث-٣٥٢) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين (١). [صحيح] (٢).

стр. 1189

الدليل العاشر: (ث-٣٥٣) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أكان ابن الزبير يؤمِّن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمِّن من وراءه حتى أن للمسجد لَلَجَّةً (١). [صحيح] (٢). فهذان صحابيان صح عنهما نقل تأمين الإمام، ولم يَأْتِ ما يعارضهما، فصح أن السنة في أن الإمام يؤمن مع المأموم. * دليل من قال: لا يؤمن الإمام في الجهرية: هذا القول جمع بين أدلة القولين السابقين، فحملوا أدلة القائلين بأنه لا يستحب تأمين الإمام مطلقًا على الصلاة الجهرية. وأن السنة في الدعاء أن الداعي يدعو، وغيره يؤمن. وحملوا أدلة القائلين بأنه يستحب للإمام التأمين مطلقًا على الصلاة السرية. وهذا قول مرجوح، فإن الأدلة صريحة في تأمين الإمام في الجهرية. * الراجح: لا ينبغي الخلاف في أن الإمام حكمه حكم الفذ فإنه يؤمن مطلقًا في السرية والجهرية. والله أعلم. * * *

стр. 1190

البند الثاني في تأمين المأموم المقصد الأول في تأمين المأموم في السرية المدخل إلى المسألة: * تأمين المأموم على قراءة نفسه في السرية فرع عن القراءة، والراجح أنه يقرأ خلف الإمام؛ لأن أمره بالاستماع والإنصات كان من أجل الاستماع لقراءة إمامه، وهو خاص بالجهرية. * إذا جهر الإمام في السرية فقد خالف السنة، فلا يؤمِّنُ المأموم معه؛ استنادًا للأوامر العامة والمطلقة بتأمين المأموم مع الإمام؛ لأن النصوص محمولة على المشروع، وجهر الإمام خلاف السنة. [م-٥٦٠] المأموم إما أن يؤمن على قراءة نفسه في الصلاة السرية، وإما أن يؤمن على قراءة إمامه. والخلاف في تأمين المأموم على قراءة نفسه في الصلاة السرية يتوقف على حكم قراءة الفاتحة له خلف الإمام: فذهب الحنفية إلى أن المأموم لا يشرع له التأمين؛ لأن المأموم ممنوع عندهم من القراءة خلف الإمام، والتأمين فرع عن القراءة. وذهب الجمهور إلى أنه يؤمن على قراءة نفسه؛ لأن قراءة الفاتحة في الصلاة السرية مشروعة له خلف الإمام، على اختلاف بينهم في حكم القراءة، أهي واجبة كما هو مذهب الشافعية، أم مستحبة كمذهب المالكية والحنابلة؟

стр. 1191

قال النووي: «إن كانت الصلاة سرية أَسَرَّ الإمام وغيره بالتأمين تبعًا للقراءة، وإن كانت جهرية، وجهر بالقراءة استحب للمأموم الجهر بالتأمين بلا خلاف نص عليه الشافعي، واتفق الأصحاب عليه» (١). وقد سبق تحرير الخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة السرية، ومناقشة الحنفية، فأغنى ذلك عن إعادتها. وأما تأمين المأموم في الصلاة السرية على قراءة إمامه، كما لو سمع منه قول: ولا الضالين، سواء أكان ذلك لقربه من الإمام، أم لجهر الإمام بالقراءة خطأ، ففيها قولان، هما قولان في مذهب الحنفية والمالكية. فقيل: يؤمن، وهو ظاهر الكتاب عند الحنفية، وأرجح القولين في مذهب المالكية. وقيل: لا يؤمن؛ لأن هذا الجهر غير مشروع، فلا عبرة به (٢). قال ابن نجيم: «اختلفوا في تأمين المأموم، إذا كان الإمام في السرية، وسمع المأموم تأمينه، منهم من قال: يقوله هو، كما هو ظاهر الكتاب. ومنهم من قال: لا؛ لأن ذلك الجهر لا عبرة به ... وقد علم مما ذكرنا أن المأموم لا يقولها إلا إذا سمع قراءة الإمام، لا مطلقًا، فليس هو كالإمام مطلقًا» (٣). يقصد أن المأموم لما كان لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا لم يشرع له التأمين إلا إذا سمع قول الإمام يقرأ (ولا الضالين).

стр. 1192

* حجة من قال: يؤمن على قراءة إمامه في الصلاة السرية: (ح-١٤٣٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١). فقوله: (إذا أمن فأمنوا) فعلق تأمين المأموم على تأمين الإمام، وعمومه وإطلاقه يشمل السرية والجهرية. ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). وجه الاستدلال به كالاستدلال بالحديث السابق. فظاهره أن المأموم مأمور بالتأمين إذا سمع الإمام يقول: ولا الضالين، ولم يقيد ذلك في الصلاة الجهرية، فشمل السرية. * ويناقش: بأن الأحاديث المطلقة والعامة محمولة على المشروع، وجهر الإمام في الصلاة السرية خلاف السنة، فلا تحمل الأحاديث على الصفات الواردة خلاف السنة، فإذا كان أهل الأصول يناقشون في العام والمطلق أيحمل على النادر، أم يقتصر به على الغالب، فما بالك في حمل الأحاديث على الصفات غير المشروعة، المخالفة للسنة، وهذه هي حجة من قال: لا يؤمن، أن هذا الجهر لا عبرة به، لمخالفته السنة، والله أعلم. * * *

стр. 1193

المقصد الثاني في تأمين المأموم في الجهرية الغصن الأول في تأمين المأموم على قراءة نفسه وعلى قراءة إمامه المدخل إلى المسألة: * التأمين والتعوذ سنتان تابعتان للقراءة. * التأمين إجابة، وهي فرع السماع. * إذا لم يسمع المأموم قراءة إمامه لبعده أو لوجود مانع، أو لكون الصلاة سرية شرع له التأمين سِرًّا على قراءة نفسه، وإذا سمع قراءة إمامه لم يقرأ على الصحيح، وأَمَّن جهرًا على قراءة إمامه. * من أوجب على المأموم القراءة خلف الإمام شَرَع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه، وهو قول مرجوح. * لا يجهر المأموم في شيء من الصلوات إلا بالتأمين، ولا يستحب مقارنته للإمام في شيء إلا فيه. [م-٥٦١] اختلف العلماء في مشروعية التأمين للمأموم في الصلاة الجهرية: فقيل: لا يشرع للمأموم التأمين على قراءة نفسه؛ لأنه ممنوع من القراءة خلف الإمام في الجهرية، ويشرع له التأمين على قراءة إمامه، وهو قول جمهور الفقهاء، من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقول القديم للشافعي (١).

стр. 1194

قال في بدائع الصنائع: «فإذا فرغ من الفاتحة يقول آمين، إمامًا كان أو مقتديًا، أومنفردًا، وهذا قول عامة العلماء» (١). وقيل: يشرع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه وهو مذهب الشافعية، بناء على ذهاب الشافعي في الجديد إلى وجوب القراءة على المأموم خلف الإمام في الجهرية. فإن فرغ من الفاتحة قبل إمامه فالأصح في مذهب الشافعية أنه يُؤَمِّنُ لنفسه، ثم يؤمن للمتابعة، وإن أَمَّن المأموم متابعة للإمام، ثم قرأ الفاتحة بعده أَمَّنَ ثانيةً لقراءة نفسه، ولو فرغا من الفاتحة معًا كفاه أن يُؤَمِّن مرة واحدة (٢). واختار البغوي من الشافعية أنه إن فرغ من الفاتحة قبل فراغ إمامه منها، فالأولى أن ينتظر حتى يؤمن مع الإمام، وضعفه النووي (٣). وهذه المسألة مبنية على قراءة المأموم خلف الإمام في الجهرية: فمن قال: لا يقرأ، اقتصر تأمين المأموم على قراءة الإمام. ومن أوجب عليه القراءة خلف الإمام شرع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة الإمام.

стр. 1195

وقد سبق لنا بحث هذه المسألة، والحمد لله، ورجحت فيها أن المأموم لا يشرع له القراءة خلف الإمام، وبالتالي لا يشرع له إلا التأمين على قراءة إمامه. * * *
следующие страницы →