← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قال النووي: «إن كانت الصلاة سرية أَسَرَّ الإمام وغيره بالتأمين تبعًا للقراءة، وإن كانت جهرية، وجهر بالقراءة استحب للمأموم الجهر بالتأمين بلا خلاف نص عليه الشافعي، واتفق الأصحاب عليه» (١). وقد سبق تحرير الخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة السرية، ومناقشة الحنفية، فأغنى ذلك عن إعادتها. وأما تأمين المأموم في الصلاة السرية على قراءة إمامه، كما لو سمع منه قول: ولا الضالين، سواء أكان ذلك لقربه من الإمام، أم لجهر الإمام بالقراءة خطأ، ففيها قولان، هما قولان في مذهب الحنفية والمالكية. فقيل: يؤمن، وهو ظاهر الكتاب عند الحنفية، وأرجح القولين في مذهب المالكية. وقيل: لا يؤمن؛ لأن هذا الجهر غير مشروع، فلا عبرة به (٢). قال ابن نجيم: «اختلفوا في تأمين المأموم، إذا كان الإمام في السرية، وسمع المأموم تأمينه، منهم من قال: يقوله هو، كما هو ظاهر الكتاب. ومنهم من قال: لا؛ لأن ذلك الجهر لا عبرة به ... وقد علم مما ذكرنا أن المأموم لا يقولها إلا إذا سمع قراءة الإمام، لا مطلقًا، فليس هو كالإمام مطلقًا» (٣). يقصد أن المأموم لما كان لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا لم يشرع له التأمين إلا إذا سمع قول الإمام يقرأ (ولا الضالين).

стр. 1192

* حجة من قال: يؤمن على قراءة إمامه في الصلاة السرية: (ح-١٤٣٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١). فقوله: (إذا أمن فأمنوا) فعلق تأمين المأموم على تأمين الإمام، وعمومه وإطلاقه يشمل السرية والجهرية. ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). وجه الاستدلال به كالاستدلال بالحديث السابق. فظاهره أن المأموم مأمور بالتأمين إذا سمع الإمام يقول: ولا الضالين، ولم يقيد ذلك في الصلاة الجهرية، فشمل السرية. * ويناقش: بأن الأحاديث المطلقة والعامة محمولة على المشروع، وجهر الإمام في الصلاة السرية خلاف السنة، فلا تحمل الأحاديث على الصفات الواردة خلاف السنة، فإذا كان أهل الأصول يناقشون في العام والمطلق أيحمل على النادر، أم يقتصر به على الغالب، فما بالك في حمل الأحاديث على الصفات غير المشروعة، المخالفة للسنة، وهذه هي حجة من قال: لا يؤمن، أن هذا الجهر لا عبرة به، لمخالفته السنة، والله أعلم. * * *

стр. 1193

المقصد الثاني في تأمين المأموم في الجهرية الغصن الأول في تأمين المأموم على قراءة نفسه وعلى قراءة إمامه المدخل إلى المسألة: * التأمين والتعوذ سنتان تابعتان للقراءة. * التأمين إجابة، وهي فرع السماع. * إذا لم يسمع المأموم قراءة إمامه لبعده أو لوجود مانع، أو لكون الصلاة سرية شرع له التأمين سِرًّا على قراءة نفسه، وإذا سمع قراءة إمامه لم يقرأ على الصحيح، وأَمَّن جهرًا على قراءة إمامه. * من أوجب على المأموم القراءة خلف الإمام شَرَع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه، وهو قول مرجوح. * لا يجهر المأموم في شيء من الصلوات إلا بالتأمين، ولا يستحب مقارنته للإمام في شيء إلا فيه. [م-٥٦١] اختلف العلماء في مشروعية التأمين للمأموم في الصلاة الجهرية: فقيل: لا يشرع للمأموم التأمين على قراءة نفسه؛ لأنه ممنوع من القراءة خلف الإمام في الجهرية، ويشرع له التأمين على قراءة إمامه، وهو قول جمهور الفقهاء، من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقول القديم للشافعي (١).

стр. 1194

قال في بدائع الصنائع: «فإذا فرغ من الفاتحة يقول آمين، إمامًا كان أو مقتديًا، أومنفردًا، وهذا قول عامة العلماء» (١). وقيل: يشرع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه وهو مذهب الشافعية، بناء على ذهاب الشافعي في الجديد إلى وجوب القراءة على المأموم خلف الإمام في الجهرية. فإن فرغ من الفاتحة قبل إمامه فالأصح في مذهب الشافعية أنه يُؤَمِّنُ لنفسه، ثم يؤمن للمتابعة، وإن أَمَّن المأموم متابعة للإمام، ثم قرأ الفاتحة بعده أَمَّنَ ثانيةً لقراءة نفسه، ولو فرغا من الفاتحة معًا كفاه أن يُؤَمِّن مرة واحدة (٢). واختار البغوي من الشافعية أنه إن فرغ من الفاتحة قبل فراغ إمامه منها، فالأولى أن ينتظر حتى يؤمن مع الإمام، وضعفه النووي (٣). وهذه المسألة مبنية على قراءة المأموم خلف الإمام في الجهرية: فمن قال: لا يقرأ، اقتصر تأمين المأموم على قراءة الإمام. ومن أوجب عليه القراءة خلف الإمام شرع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة الإمام.

стр. 1195

وقد سبق لنا بحث هذه المسألة، والحمد لله، ورجحت فيها أن المأموم لا يشرع له القراءة خلف الإمام، وبالتالي لا يشرع له إلا التأمين على قراءة إمامه. * * *

стр. 1196

الغصن الثاني في تأمين المأموم إذا لم يسمع قراءة إمامه المدخل إلى المسألة: * التأمين فرع عن القراءة. * العلة في سقوط القراءة عن المأموم في الصلاة الجهرية من أجل أن يُفْرِغ المأموم قلبه لسماع قراءة إمامه، وحتى لا ينازع الإمام قراءته فإذا لم يسمعه لم يشرع له السكوت. * السكوت المشروع في الصلاة المراد به السكوت عن كلام الناس، لا مطلق الصمت؛ لئلا تخلو الصلاة عن قراءة أو استماع أو ذكر. * شرع الله الصلاة لإقامة ذكر الله إما بتلاوة القرآن أو باستماعه، أو بالأذكار الخاصة. * إذا شرع للمأموم أن يقول أذكار الركوع والسجود والتشهد بالإجماع، شرعت له القراءة حيث لا يسمع قراءة إمامه. * إذا شرع للمأموم القراءة لبعد إمامه، أو لكونه أصم أو لكون الصلاة سرية شرع له التأمين سِرًّا على قراءة نفسه. [م-٥٦٢] وإذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام لبعده أولطرش، فالتأمين مبني على الخلاف في مشروعية قراءة الفاتحة له: فمن شرع له قراءة الفاتحة استحب له التأمين على قراءة نفسه، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية، ونص عليه أحمد (١).

стр. 1197

قال ابن مفلح في الفروع: «وإن لم يسمعه لبعد قرأ في المنصوص» (١). ومن قال: لا يشرع للمأموم القراءة مطلقًا، ولو لم يسمع إمامه لم يستحب له التأمين؛ وهو المنصوص عند المالكية، واقتصر عليه خليل في مختصره، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية (٢). قال خليل: «وإنصات مقتدٍ، ولو سكت إمامه» (٣). وقال الدردير في الشرح الكبير «تكره قراءته ولو لم يسمعه» (٤). وإذا كرهت له القراءة كره له التأمين؛ لأن التأمين فرع عن القراءة، وقد سبق لنا بحث هذه المسألة، وذكر أدلتها، وبيان الراجح، في المجلد السابق. * * *

стр. 1198

الغصن الثالث في تأمين المأموم إذا ترك إمامه التأمين المدخل إلى المسألة: * التأمين سنة قولية للإمام والمأموم. * إذا ترك الإمام التأمين أتى بها المأموم، قياسًا على الاستعاذة. * إذا ترك الإمام السنن القولية لم يترك ذلك المأموم، وإن ترك السنن الفعلية اقتدى به المأموم إلا أن تكون السنة الفعلية خفيفة لا تظهر في فعلها مخالفة الإمام كجلسة الاستراحة. * إذا أخفى الإمام التأمين جهر به المأموم. * التأمين مشروع على دعاء الفاتحة، وليس على مطلق قراءة الفاتحة، فإذا لم يسمع الدعاء، ومنه قوله: ولا الضالين، وسمع الثناء في أول الفاتحة لم يؤمن. [م-٥٦٣] إذا ترك الإمام التأمين وسمع المأموم من الإمام قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، فهل يترك التأمين متابعة للإمام؟ هذه المسألة لا تتنزل على مذهب الحنفية؛ لأنهم يرون أن الإمام وغيره يؤمن سِرًّا، فإذا كان لا يجهر بالتأمين لم يهتد المصلي أترك إمامه التأمين أم فعله سرًّا (١). قال في كنز الدقائق: «وأمن الإمام والمأموم سِرًّا» (٢). وسوف أتعرض إن شاء الله تعالى في البحث في صفة التأمين والجهر به.

стр. 1199

كما أن الإمام مالكاً يكره تأمين الإمام في الجهرية، كما في رواية المصريين عنه، فإذا ترك الإمام التأمين في الجهرية فالفعل جارٍ وفق المستحب على المشهور من المذهب (١). وقد ذكرنا أدلة المالكية في مسألة حكم التأمين، فارجع إليه إن شئت. وأما الشافعية والحنابلة الذين يستحبون جهر الإمام بالتأمين فقد نصوا على أن المأموم لا يترك التأمين لترك الإمام (٢). قال النووي: «إذا لم يؤمن الإمام فيستحب للمأموم التأمين جهرًا بلا خلاف، نص عليه في الأم، واتفقوا عليه؛ ليسمعه الإمام فيأتي به. قال أصحابنا: سواء تركه الإمام عمدًا أو سهوًا .... وهو مقتضى نص الشافعي في الأم، فإنه قال: وإن تركه الإمام قاله من خلفه، وأسمعه لعله يذكر، فيقوله، ولا يتركونه لتركه كما لو ترك التكبير والتسليم لم يكن لهم تركه. هذا نصه» (٣). وقال ابن قدامة: «فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم، ورفع صوته؛ ليذكر الإمام، فيأتي به، لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم، كالاستعاذة، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم؛ لما ذكرناه» (٤). [م-٥٦٤] وإن لم يسمع قول ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ ولكن سمع قراءته لبعض آيات الفاتحة، فهل يُؤَمِّن بالتحري؟

стр. 1200

فقيل: لا يُؤَمِّن، ولا يتحرى، وهو الأظهر في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية (١). لظاهر حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين ... الحديث (٢). ولأنه لو تحرى لربما أوقعه في غير موضعه. وقيل: يتحرى ويُؤَمِّن، وبه قال ابن عبدوس من المالكية، وهو قول في مقابل الأظهر عندهم (٣). وهذا القول مقيد بما إذا سمع بعض الفاتحة من الإمام، ولم يسمع قوله: ولا الضالين، أما إذا لم يسمع قراءة الإمام مطلقًا فقد تقدمت هذه المسألة، وأن المالكية يرون أنه لا يؤمن على قراءة نفسه؛ لأنه لا يشرع له القراءة، ولا على قراءة إمامه؛ لأنه لم يسمع منه قراءة شيء من الفاتحة، والله أعلم. * والراجح: أن المأموم إذا لم يسمع قراءة إمامه مطلقًا فهو مأمور بالقراءة، فيستحب له التأمين على قراءته لنفسه سِرًّا، وإذا سمع أول الفاتحة، ولم يسمع قوله: ولا الضالين فهو لا يؤمن أيضًا؛ لأن التأمين على دعاء الفاتحة، وليس على مطلق قراءة الفاتحة،

стр. 1201

وإذا لم يسمع الدعاء، ومنه قوله: ولا الضالين فإنه لا يؤمن؛ لظاهر حديث أبي هريرة مرفوعًا: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين ... الحديث (١). ولأن العبرة بسماع آخر الفاتحة؛ لأنه هو الذي يليه التأمين، والله أعلم. * * *

стр. 1202

المسألة الرابعة في صفة التأمين المطلب الأول في صفة تأمين الإمام المدخل إلى المسألة: * الجهر والإسرار متلقى من الشارع. * البسملة يسر بها وإن كانت آية من القرآن اتباعًا للسنة على الصحيح. * التعوذ والتأمين ليسا من القرآن بالإجماع والأول يسر به والثاني يجهر به إذا جهر بالقراءة. * التأمين تبع للقراءة إسرارًا وجهرًا. * قال الرسول ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا. * قال ابن المنذر: محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمِّن إذا أمَّن إمامه وهو لا يجد السبيل إلى معرفة تأمين إمامه. [م-٥٦٥] لا يشرع الجهر بالتأمين في الصلاة السرية، سواء أكان المصلي إمامًا، أم مأمومًا أم فذًّا؛ لأن التأمين تبع للقراءة. وإما إذا كانت الصلاة جهرية، فمن قال: لا يؤمن، كما هو رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة، ورواية المصريين عن مالك، وهي المشهور من مذهبه، فلا تتنزل هذه المسألة على هذا القول، وسبق توثيق ذلك في حكم التأمين. جاء في الدر الثمين: «يستحب تأمين كل مُصَلٍّ ما عدا الإمام في الجهر» (١).

стр. 1203

وقال الخرشي في شرحه: «الإمام لا يؤمن» (١). ومن قال: يؤمن الإمام في الجهرية، وهو قول الجمهور، ورواية المدنيين عن مالك، اختلفوا في صفة التأمين: فقيل: يؤمن الإمام سِرًّا، وهو مذهب الحنفية، والمقدم عند المالكية على القول بتأمين الإمام في الجهرية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد (٢). قال ابن جزي في القوانين: «ويسر التأمين خلافًا للشافعي» (٣). وقال الخرشي: «وكل من طلب منه التأمين إمامًا كان، أو غيره يستحب له الإسرار به؛ لأنه دعاء والأصل فيه الإخفاء» (٤). وقيل: يجهر بالتأمين، وهو أحد القولين في مذهب مالك، والمذهب عند الشافعية، نص عليه في الأم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال داود، ونسبه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور (٥).

стр. 1204

قال في الشامل في مذهب مالك: «ويستحب الإسرار به مطلقًا، وقيل: يجهر به الإمام في الجهر» (١). فجزم بالإسرار، وحكى الجهر بصيغة التمريض. قال في جامع الأمهات: «ويسر كالمأموم والمنفرد، وقيل: يجهر في الجهر» (٢). قال خليل في التوضيح: قوله: (وقيل: يجهر): أي الإمام في الجهرية؛ لما تقدم من قوله ﵊: إذا أمن الإمام فأمنوا» (٣). وقيل: الإمام مخير، إن شاء جهر، وإن شاء أَسَرَّ، اختاره ابن بكير من المالكية (٤). * دليل من قال: يجهر الإمام بالتأمين: الدليل الأول: (ح-١٤٤٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٥). قال أبو بكر الأثرم: «(إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فقد بيَّن أن تأمين الإمام يُسمَع،

стр. 1205

فيؤمِّن مَن خلفه بتأمينه» (١). وقال ابن المنذر في الأوسط: « ... محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمِّن إذا أمَّن إمامه وهو لا يجد السبيل إلى معرفة تأمين إمامه» (٢). وقال الخطابي: «فيه دليل على أن رسول الله ﷺ كان يجهر بآمين، ولولا جهره به لم يكن لمن يتحرى متابعته في التأمين على سبيل المداركة طريق إلى معرفته، فدل على أنه كان يجهر به جهرًا يسمعه من وراءه» (٣). * ونوقش الاستدلال: بأن حديث: (إذا أمن فأمنوا) لا يستلزم الجهر، وإنما يدل على أن الإمام يؤمن، فهو يأمر المأموم بالتأمين إذا بلغ الإمام موضع التأمين، وقد وضع لهم علامة على ذلك بحديث أبي هريرة المتفق عليه: وإذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين. * ورد هذا: بأن قوله: (إذا أمن فأمنوا) أي إذا أراد التأمين، والجهر مستفاد من هذا الحديث ومن أحاديث أخرى صحيحة، كالحديث التالي. الدليل الثاني: (ح-١٤٤١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين، يمد بها صوته (٤). وفي رواية أبي داود، قال: ورفع بها صوته (٥).

стр. 1206

وهو تفسير لمعنى مَدِّ الصوت. [صحيح] (١). * ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: ضعف الحديث بحجر بن عنبس. وقد أجبت عنه عند تخريج الحديث، وأن حجر بن عنبس صدوق إن لم يكن ثقة. الوجه الثاني: أنه ربما رفع صوته مرة من أجل التعليم، وكان ذلك في بداية الأمر. ويشهد لذلك ما رواه الدولابي في الكنى والأسماء من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي سكن حجر بن عنبس الثقفي، قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي يقول: رأيت رسول الله ﷺ فذكر الحديث، وفيه: وقرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يمد بها صوته، ما أراه إلا يعلمنا (٢). * ورد هذا: بأن هذا قد تفرد به يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو متروك، وقد رواه سفيان وشعبة عن سلمة بن كهيل ولم يذكرا ما ذكره (٣). قال اللكنوي منتقدًا مذهب أصحابه بعد أن صحح القول بالجهر بالتأمين: «وأي ضرورة داعية إلى حمل روايات الجهر على بعض الأحيان، أو الجهر للتعليم، مع عدم ورود شيء من ذلك في رواية، والقول بأنه كان في ابتداء الأمر أضعف؛ لأن الحاكم قد صححه من رواية وائل بن حجر، وهو إنما أسلم في أواخر الأمر، كما ذكر ذلك ابن حجر» (٤). الدليل الثالث: (ح-١٤٤٢) ما رواه أبو داود في السنن، قال: حدثنا نصر بن علي، أخبرنا

стр. 1207

صفوان بن عيسى، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: «آمين»، حتى يُسمِعَ مَنْ يليه من الصفِّ الأول (١). ورواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى به، ولفظه: ترك الناس التأمين، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ قال: «آمين»، حتى يسمعَها أهلُ الصف الأول، فيرتجُّ بها المسجد (٢). [ضعيف] (٣). (ح-١٤٤٣) وروى النسائي من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المُجْمِرِ قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (٤). وجه الاستدلال: أن تأمين الناس كان مرتبًا على تأمين الإمام، وهذا دليل على الجهر. * وأجيب: بأن هذا الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم بن المُجْمِرِ، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر قراءة البسملة ولا الجهر بها، ولا التأمين، فأخشى ألا يكون محفوظًا (٥).

стр. 1208

الدليل الرابع: (ح-١٤٤٤) ما رواه ابن خزيمة من طريق إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن العلاء الزبيدي، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين (١). [ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (ح-١٤٤٥) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (٣). [مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله] (٤). الدليل السادس: (ح-١٤٤٦) ما رواه الدارقطني من طريق بحر السقاء، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: آمين، ورفع بها صوته (٥). قال الدارقطني: بحر السقاء ضعيف (٦). الدليل السابع: (ح-١٤٤٧) ما رواه الإمام إسحاق بن راهويه من طريق هارون الأعور، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن ابن أم الحصين،

стр. 1209

عن أمه، أنها صلت خلف رسول الله ﷺ فسمعته وهو يقول: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾، فلما قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، حتى سمعته وهي في صف النساء (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثامن: (ث-٣٥٤) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين (٣). [صحيح] (٤). الدليل التاسع: (ث-٣٥٥) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أكان ابن الزبير يؤمِّن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمِّن من وراءه حتى أن للمسجد لَلَجَّةً (٥). [صحيح] (٦). فهذان صحابيان صح عنهما نقل تأمين الإمام والجهر به، ولم يَأْتِ ما يعارضهما، فصح أن السنة في الإمام أن يجهر بالتأمين. * دليل من قال: يُسِرُّ الإمام بالتأمين: الدليل الأول: (ح-١٤٤٨) روى أحمد من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما حدثاه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا

стр. 1210

الضَّالِّين﴾، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه. وجه الاستدلال: لوكان الإمام يجهر بالتأمين لما كان هناك حاجة إلى القول فإن الإمام يقول: آمين. * وأجيب من وجهين: الوجه الأول: أن هذا اللفظ تفرد به معمر، وقد خالفه مالك ويونس وابن عيينة وعقيل، وغيرهم، فرووه بلفظ: (إذا أمن الإمام فأمنوا) فعلق تأمينهم على تأمين الإمام (١). الوجه الثاني: ربما أخبرهم لكون الإمام يقع تأمينه مصاحبًا لتأمين المأموم، فلربما غطى صوت المأمومين على صوت الإمام لكثرتهم، فلا يدري المصلي، أكان الإمام يؤمن أم لا، فأخبرهم بأن الإمام يؤمن. الدليل الثاني: (ح-١٤٤٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، قال: سمعت علقمة يحدث عن وائل، أو سمعه حجر من وائل، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فلما قرأ: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: «آمين» وأخفى بها صوته (٢). [أخطأ فيه شعبة سندًا ومتنًا] (٣). الدليل الثالث: استدلوا بمقدمتين ونتيجة: فالمقدمة الأولى: أن التأمين دعاء، لأن معنى آمين: اللهم استجب.

стр. 1211

المقدمة الثانية: أن الأصل في الدعاء الإخفاء، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ [الأعراف: ٥٥]. النتيجة: استحباب إخفاء التأمين. فقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أمر بالدعاء مقرونًا بالإخفاء، وظاهر الأمر للوجوب، فإن لم يحمل على الوجوب فلا أقل من دلالته على الندب، ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ فجعل ترك التضرع والإخفاء من الاعتداء بالدعاء، والمعتدي بالعبادة لا يستحق ثوابًا، والله أعلم. (ح-١٤٥٠) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ، هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ : «يا أيها الناس ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنه معكم إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده، واللفظ للبخاري (١). * ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن الآية والحديث كل منهما عام، خُصَّ منهما الجهر بالتأمين لدليل خاص، والخاص يقضي على العام، فلا يصح الاستدلال بالعام على الخاص. الجواب الثاني: أن التأمين ليس دعاء مستقلًا، بل هو من توابع الدعاء، والتابع له حكم متبوعه في الجهر والإسرار، فإذا جهر بالدعاء جهر بالتأمين، وإن أَسَرَّ الدعاء لم يجهر بالتأمين. قال ابن قدامة: «وما ذكروه يبطل بآخر الفاتحة؛ فإنه دعاء، ويجهر به، ودعاء التشهد تابع له، فيتبعه في الإخفاء، وهذا تابع للقراءة، فيتبعها في الجهر» (٢). وهذا كلام حسن، وإن كان المعوَّل عليه في الباب هو التوقيف فقد صح من حديث وائل أنه رفع صوته بالتأمين. الدليل الرابع: (ث-٣٥٦) ما رواه الطحاوي من طريق علي بن معبد، حدثنا أبو بكر بن

стр. 1212

عياش، عن أبي سعد، عن أبي وائل، قال: كان عمر وعلي ﵄ لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ولا بالتعوذ، ولا بالتأمين (١). [ضعيف] (٢)

стр. 1213

* دليل من قال: يخير الإمام بين إخفاء التأمين أو الجهر به: لعل ابن بكير لما رأى اختلاف هذه الأدلة صار إلى التخيير، وأن الأمر في ذلك واسع، أو أنه رأى ثبوت الجهر وثبوت الإسرار، فاقتضى التخيير بينهما، والله أعلم. * الراجح: أن الإمام يجهر بالتأمين، وقد نقل تأمين الإمام والجهر به صحابيان جليلان، ولم يَأْتِ ما يعارضهما، فصح أن السنة في الإمام أن يجهر بالتأمين. * * *

стр. 1214

المطلب الثاني في صفة تأمين المأموم المدخل إلى المسألة: * الجهر صفة بالعبادة، وصفات العبادة كأصلها تحتاج إلى توقيف. * الجهر والإسرار متلقى من الشارع، لا مجال للنظر فيه، فالبسملة آية من القرآن خصت بالإسرار، والتأمين والاستعاذة ليسا من القرآن بالاتفاق، وشرع الجهر بالتأمين دون الاستعاذة. * لا يشرع التأمين جماعة في الصلاة المفروضة إلا على دعاء فاتحة الكتاب. * الدعاء منه ما يجهر به كالفاتحة، ومنه ما يُسر به كالتشهد، والجهر بالتأمين تبع للدعاء. * المأموم تبع لإمامه، فإذا جهر الإمام بالقراءة جهر بالتأمين وتبعه المأموم في التأمين. * القراءة السرية لا يجهر فيها المصلي بالتأمين، إمامًا كان أومأمومًا أومنفردًا. [م-٦٦٥] اختلف العلماء في صفة تأمين المأموم: فقيل: يسر بالتأمين، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والجديد من قولي الشافعي (١).

стр. 1215

قال الشافعي في الأم: «فإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن قال: آمين، ورفع بها صوته؛ ليقتدي به من كان خلفه، فإذا قالها قالوها، وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا بها، فإن فعلوا فلا شيء عليهم» (١). وقيل: يجهر بالتأمين، وهو القديم من قولي الشافعي، والأظهر في المذهب، عندهم، والمذهب عند الحنابلة (٢). قال النووي: «الجهر بالتأمين في صلاة الجهرية، القديم استحبابه، وهو الصحيح عند الأصحاب» (٣). وقال أيضًا: «والأصح من حيث الحجة أن الإمام يجهر به، ممن صححه المصنف في التنبيه، والغزالي في الوجيز، والرافعي، وغيرهم ... وحينئذٍ تكون هذه المسألة مما يفتى فيها على القديم» (٤). ومن الشافعية من حمل قولي الشافعي على حالين، وليس على قولين: فيحمل الجديد على المسجد الصغير بحيث يبلغهم تأمين الإمام، فلا يجهرون؛ ويحمل القديم على المسجد الكبير، والجمع الكثير؛ فيحتاجون إلى الجهر للإبلاغ، وهذا قول ثالث في المسألة (٥).

стр. 1216

وحكى الشافعية قولًا رابعًا: إن لم يجهر الإمام جهر، وإلا فقولان على التفصيل السابق (١). هذه مجمل الأقوال في المسألة، وبعد أن مَنَّ الله بمعرفتها ننتقل إلى أدلتها: * دليل من قال: يسر بالتأمين: كل دليل استدلوا به على إسرار الإمام بالتأمين استدلوا به على إسرار المأموم، فإذا كان الإمام يسر بالتأمين فالمأموم تبع له. وقد ذكرت هذه الأدلة ومناقشتها في الفصل السابق، فارجع إليه إن شئت. * دليل من قال: يجهر بالتأمين: الدليل الأول: (ح-١٤٥١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). * وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: قوله: (إذا قال الإمام ... فقولوا) قال ابن رشيد: «قابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرًا فكان الظاهر الاتفاق في الصفة» (٣). وقد ترجم له البخاري بقوله: (باب جهر المأموم بالتأمين).

стр. 1217

الوجه الثاني: قال الزين بن المنير نقلًا من فتح الباري: «في الحديث الأمر بقول: (آمين) والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار، أو حديث النفس قُيِّد بذلك» (١). الدليل الثاني: (ح-) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). وجه الاستدلال: أمر المأموم بالتأمين إذا أمن إمامه، فدل على أن الإمام يجهر بالتأمين، والأصل أن تأمين المأموم على صفة تأمين الإمام؛ إذا لوكان يخالفه في الصفة لَبُيِّن ذلك، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١٤٥٢) ما رواه النسائي من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المُجْمِرِ قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (٣). وجه الاستدلال: أن نعيمًا المجمر سمع تأمين الإمام، وسمع تأمين الناس، وهذا دليل على جهر الجميع، إمامًا كان أو مأمومًا.

стр. 1218

* وأجيب: بأن هذا الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم بن المُجْمِرِ، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر قراءة البسملة ولا الجهر بها، ولا التأمين، فأخشى ألا يكون ذكر التأمين محفوظًا (١). الدليل الرابع: (ث-٣٥٧) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين (٢). [صحيح] (٣). الدليل الخامس: (ث-٣٥٨) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أكان ابن الزبير يؤمِّن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمِّن من وراءه حتى أن للمسجد لَلَجَّةً (٤). [صحيح] (٥). فهذان صحابيان صح عنهما نقل تأمين الإمام والمأموم، وإطلاقه يدل على الجهر به، ولم يَأْتِ ما يعارضه. * دليل من فرق بين المسجد الكبير والصغير: أن الحاجة إلى الجهر بالتأمين في المسجد الكبير من أجل تبليغ تأمين الإمام، فربما لا يبلغ المصلين تأمين المأموم، بخلاف المسجد الصغير. * ويناقش: هذا تقييد للنصوص المطلقة التي تأمر المأموم بالتأمين، والمطلق من

стр. 1219

النصوص لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، ولم يَأْتِ في النصوص ما يدل على تقييد الجهر بالحاجة. * دليل من قال: لا يجهر المأموم إلا إذا ترك الإمام التأمين: قال: إذا ترك الإمام التأمين استحب للمأموم الجهر بالتأمين من أجل تنبيه الإمام إلى التأمين. وهذا أيضًا تقييد لما أطلق من النصوص، بلا برهان، والنصوص الشرعية لا يقيدها إلا نصوص مثلها، أو إجماع مستند إلى نص، ولو كان الجهر مقيدًا بذلك لاقتصر التأمين بمقدار الحاجة، ولم يطلب التأمين من جميع المأمومين، كما أن التذكير لا يقتصر على التأمين فقد يذكر بغير ذلك من تسبيح ونحوه. * * *

стр. 1220

المطلب الثالث في صفة تأمين المنفرد المدخل إلى المسألة: * الإمام يجهر بالقراءة من أجل الإسماع فيجهر بالتأمين تبعًا، والمأموم يجهر بالتأمين امتثالًا للأمر الشرعي (إذا أمن الإمام فأمنوا) وسكت الشارع عن تأمين المنفرد. * المنفرد في الصلاة الجهرية مخير في القراءة بين الجهر مراعاة لحال الصلاة، وبين الإسرار بالقراءة لعدم الحاجة إلى الإسماع، فيتبع المنفرد الأنفع لقلبه. * التأمين تبع للقراءة فإن جهر المنفرد بها جهر بالتأمين وإن أسر بها أسر بالتأمين. * قد يقال: إن عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أن المصلي مأمور بصلاته أن تكون بين الجهر والإخفات، فلا يبالغ بالجهر لعدم الحاجة، ولا يخافت بها، وإن كان سبب نزول الآية في صلاة النبي ﷺ بأصحابه في مكة قبل الهجرة كما يفيده حديث ابن عباس في الصحيحين. [م-٥٦٧] الخلاف في تأمين المنفرد في الصلاة الجهرية كالخلاف في تأمين الإمام: فقيل: يؤمن المنفرد سرًّا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه شاذ للشافعية، ورواية عن أحمد (١).

стр. 1221

قال في تنوير الأبصار: «وأمن الإمام سرًّا كمأموم ومنفرد» (١). قال ابن عابدين تعليقًا في حاشيته: «قوله: (كمأموم ومنفرد) محل اتفاق. يعني في المذهب» (٢). وقال الخرشي: «وكل من طلب منه التأمين إمامًا كان، أو غيره يستحب له الإسرار به؛ لأنه دعاء، والأصل فيه الإخفاء» (٣). وقيل: يجهر بالتأمين، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٤). قال النووي والرافعي: «ويجهر بها الإمام والمنفرد في صلاة الجهر تبعًا للقراءة» (٥). وقيل: يخير المنفرد بين الجهر بالفاتحة والإخفات بها، فإن اختار الجهر بها جهر بالتأمين تبعًا لها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦). وقال في كشاف القناع: «ويجهر به منفرد إن جهر بالقراءة تبعًا لها» (٧). وقيل: يكره الجهر بالقراءة للمنفرد، وإذا كره الجهر بالقراءة كره الجهر بالتأمين تبعًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (٨). وأدلة من قال: يجهر بالتأمين أو قال يسر به هي الأدلة نفسها في مسألة جهر الإمام بالتأمين، فارجع إليها إن شئت، ويبقى أدلة من قال: يكره الجهر، فهذا قول

стр. 1222

لم يذكر في مسألة جهر الإمام. ولعل حجة هذا القول أن الجهر شرع من أجل إسماع المصلين في الصلاة الجهرية، فإذا صلى وحده لم يكن هناك حاجة للجهر. فإن قيل: يرد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] فإذا كان يصلي وحده كان منهيًّا عن المبالغة في الجهر، وليس عن الجهر. فالجواب: أن هذا الآية نزلت في صلاة الجماعة، (ح-١٤٥٣) فقد روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم من طريق هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: نزلت ورسول الله ﷺ متوارٍ بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فيسمع المشركون قراءتك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عن أصحابك أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠]،يقول: بين الجهر والمخافتة (١). * ويمكن أن يُرَدَّ هذا: بأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ صلاة نكرة مضافة إلى المعرفة، فتعم كل صلاة يجهر بها، فرضًا كانت أم نفلًا. * الراجح: أن المنفرد مخير بين الجهر والإخفاء، فإن كان يرى في الجهر حضور القلب والاستمتاع بالقراءة، وطرد النوم، فالجهر في حقه أفضل، فإذا جهر بالقراءة جهر بالتأمين. وإن كان يرى الإسرار أخشع، وأجمع لقلبه، أو تركه مراعاة لمن كان حوله نائمًا، فإذا أسرَّ بالقراءة أَسَرَّ بالتأمين تبعًا، والله أعلم. * * *

стр. 1223

المسألة الخامسة في موافقة المأموم للإمام في التأمين المدخل إلى المسألة: * الأصل في أفعال المأموم أن تقع بعد أفعال الإمام لقوله: (إذا كبر فكبروا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) إلا أن هذا العموم خُصَّ منه التأمين بالنص، والخاص مقدم على العام، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (وإذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ فقولوا: آمين). * العلم بتأمين الإمام لا يتوقف على السماع بل بما جعله الشارع علامة عليه وهو قول: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وبالإخبار بتأمين الإمام. * معنى (إذا أمن فأمنوا): أي إذا أراد التأمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]. [م-٥٦٨] هذه المسألة لا تتنزل على مذهب من يقول: السنة في التأمين الإخفاء، كما هو مذهب الحنفية، وقول مالك في رواية المدنيين عنه؛ لأنه لا يمكن الوقوف على توافق الإمام والمأموم في التأمين، فقد يتقدم المأموم وقد يتأخر، وقد يتوافقان في جزء من التأمين، فلا يكلف المأموم موافقة إمامه في التأمين، وهو لا يسمع تأمينه، فيكفي في المشروع إذا قال الإمام: ولا الضالين أَمَّن الإمام والمأموم سرًا (١). قال في ملتقى الأبحر: «وإذا قال: الإمام: ولا الضالين أمن هو والمُؤْتَمُّ سِرًّا» (٢). وقال الخرشي: «كل من طلب منه التأمين إمامًا كان أو غيره يستحب له الإسرار به؛ لأنه دعاء، والأصل فيه الإخفاء» (٣).

стр. 1224

ولا تتنزل هذه المسألة على مذهب الإمام مالك في المشهور عنه؛ حيث قال: لا يؤمن الإمام في الجهرية كما في رواية المصريين عنه (١). وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب أن يقع تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله، ولا بعده، فإن فاتته موافقة الإمام أَمَّن بعده ما دام لم يفت محله (٢). (ح-١٤٥٤) واستدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح به، بنحوه (٣). ورواه مسلم من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبي صالح به، بلفظ: إذا قال القارئ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال من خلفه: آمين، فوافق قوله قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه (٤). فأمر بالمبادرة بالتأمين وعلل ذلك بقوله ﷺ : (فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له) وفي الحديث الآخر: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) فيه إشارة إلى أنه إذا بادر، وأمن مع تأمين الإمام موافقًا له، ولم يتقدم عليه، فإنه يوافق تأمين الملائكة، ذلك لأن الملائكة توافق تأمين الإمام دائمًا، وإلا لما صح أن تكون الجملة الثانية تعليلًا للجملة الأولى (٥).

стр. 1225

قال ابن المنير نقلًا من فتح الباري: «الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظًا» (١). وسبق لنا أن المراد بموافقتهم عند الجمهور موافقتهم بالوقت. وقيل: يستحب أن يقع تأمين المأموم بعد تأمين الإمام، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٣). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: التعبير بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب: (إذا أمن الإمام فأمنوا ... )، وقد نهى النبي ﷺ عن مبادرة الإمام، فقال: (إذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر)، ومعنى ذلك أنه لا يكبر معه، وقال أيضًا: (إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، وكما أن المأموم يسلم عقب تسليم الإمام، وهكذا كل أفعال المأموم إنما يفعلها عَقِب إمامه، لا قبله، ولا معه، فكذلك التأمين. وهو مقتضى حديث: (إنما جعل الإمام لِيُؤْتَمَّ به فإذا كبر فكبروا) (٤)، فلو أَمَّن مع إمامه خالف ظاهر حديث: (إذا أمن فأمنوا) وخالف ما علم من سنة الصلاة بأن تقع أفعال المأموم بعد أفعال إمامه، لا قبله، ولا معه، وهو مقتضى اتخاذه إمامًا.

стр. 1226

الوجه الثاني: أنه علق تأمين المأموم على سماع تأمين إمامه بالشرط (إذا)، فقال: (إذا أمن الإمام فأمنوا)، ولوكان المأموم يؤمن مع الإمام لم يعلم بتأمين الإمام خاصة مع كثرة المصلين. قال أبو بكر الأثرم: «(إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فقد بيَّن أن تأمين الإمام يُسمَع، فيؤمِّن مَن خلفه بتأمينه» (١). وقال ابن المنذر في الأوسط: « ... محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمِّن إذا أمَّن إمامه وهو لا يجد السبيل إلى معرفة تأمين إمامه» (٢). * وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة كثيرة، منها: الجواب الأول: قولكم: الأصل في أفعال المأموم أن تقع بعد أفعال الإمام، هذا صحيح، إلا أن هذا العموم خُصَّ منه التأمين بالنص، والخاص مقدم على العام، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين). وهذا نص في محل النزاع، يكشف عن موضع تأمين المأموم، لهذا قال الجمهور: لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير التأمين. الجواب الثاني: قولكم: (إذا أمن المأموم مع الإمام لم يعلم تأمين الإمام)، والحديث قد رتب تأمين المأموم على سماع تأمين إمامه بقوله: (إذا أمن فأمنوا). فالجواب، قال ابن عابدين: «إن موضع التأمين معلوم، فإذا سمع لفظة ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] كفى لأن الشارع طلب من الإمام التأمين بعده، فصار من التعليق بمعلوم الوجود» (٣). وقال أبو الوليد الباجي: «معنى قوله: (إذا أمن الإمام فأمنوا) أي: إذا قَدَّرْتُم أنه

стр. 1227

أَمَّن بقوله ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ فقولوا: آمين عقب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ ويكون جمعًا بين الحديثين» (١). فالعلم بتأمين الإمام لا يتوقف على السماع بل بما جعله الشارع علامة عليه وهو قول: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وبالإخبار بتأمين الإمام. (ح-١٤٥٥) فقد روى أحمد من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنهما حدثاه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه. [تفرد به معمر، وخالفه مالك ويونس وابن عيينة وعقيل فرووه بلفظ: إذا أمن الإمام فأمنوا] (٢). الجواب الثالث: قال الجمهور معنى (إذا أمن فأمنوا): أي إذا أراد التأمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، وقال في حديث أنس: (كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، أي إذا أراد دخوله. كقولهم: إذا رحل الأمير فارحلوا: أي إذا تهيأ للرحيل فتهيؤوا. وقال بعض العلماء معنى: إذا أمن: إذا دعا بقوله: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، مستدلًا بأن الله سمى التأمين دعاءً، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾، وإنما كان الداعي موسى، وكان هارون مؤمنًا (٣). وهذا التأويل ضعيف، وسبق الجواب عليه عند مسألة حكم تأمين الإمام.

стр. 1228

وهناك قول ثالث سمعته من الشيخ الألباني عليه رحمة الله، قال: معنى إذا أَمَّن إذا شرع في التأمين بمقدار حرف أو حرفين، فإذا أخذ الإمام بالتأمين تبعه المأموم قبل فراغه؛ جمعًا بين حديث (إذا أمن فأمنوا) وبين حديث: (إذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين)، فالرواية الأولى رتب فيها تأمين المأموم بالفاء، الدال على التأخر، والرواية الثانية دلت على أن التأخر بمقدار حرف أو حرفين، سمعته من الشيخ الألباني عليه رحمة الله في آخر حجة حجها عام ١٤١٠ هـ وقد بحثت عن هذا القول لعلمي أن الشيخ ﵀ كان لا يقول بقول إلا له فيه إمام، ولم أعثر عليه. وقد ذاكرت الشيخ وقتها، وقلت له: لماذا لا تحمل الرواية المجملة بقوله: (إذا أمن الإمام فأمنوا) على الرواية المُفَصَّلة بقوله: (إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين)، باعتبار أن الشرط (إذا) فيه إجمال: فيحتمل التأخر كما في قوله: (إذا كبر فكبروا) ويحتمل التقدم كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أي إذا أردت قراءته، فيكون الإجمال في الشرط قد بينته الرواية المفصلة في قوله: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين) فكشفت أن المراد من قوله: (إذا أمن الإمام): أي إذا أراد التأمين. ولأن المأموم يُؤَمِّن لدعاء الإمام في قراءته، لا لتأمينه. فما وافقني الشيخ ﵀، وكان جوابه ﵀ بما معناه: إذا ترجح لك ذلك فاعمل بما ترجح لك، ولكنه لا يلزم غيرك. وهذا ليس بجواب، بل هو تحصيل حاصل، ثم قرأت له بعد وفاته ﵀ في كتاب أصل الصلاة والذي طبع بعد وفاته أنه رجع عنه، وقال بقول الجمهور (١). وقيل: إن المأموم بالخيار، إن شاء أمن بعد تأمين الإمام، وإن شاء أمن بعد قوله: ولا الضالين، اختار ذلك الطبري (٢). * وحجته في ذلك: بأنه قد ورد حديثان في بيان موضع تأمين الإمام، وكلاهما جائز، وليس أحدهما محمولًا على الآخر، فهما يتفقان على مشروعية التأمين للمأموم، وأحدهما: يشرع

стр. 1229

للمأموم التأمين إذا قال الإمام: ولا الضالين. والآخر فيه زيادة معنى، وأنه يؤمن إذا أَمَّن الإمام (١). هذا ما استدل به الطبري ﵀. وقد يقال: إن التأمين في حق المأموم آكد من الإمام لسببين: أحدهما: أن التأمين في حقه ورد بلفظ الأمر: (إذا أمن الإمام فأمنوا)، ولم يرد تأمين الإمام بصيغة الأمر، ولا شك أن الأمر بالتأمين أبلغ من نقل الفعل. الثاني: أن الإمام داعٍ، والمأموم مُؤَمِّنٌ، فكان ترك التأمين في حق الداعي أخف من المأموم، فكان أحد حديثي أبي هريرة يأمر المأموم بالتأمين إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وهو محمول على حال ما إذا ترك الإمام التأمين؛ كما هو مذهب المالكية. قال الخطابي في معالم السنن: «وقد يكون معناه - يعني معنى حديث: وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين- الأمر به والحض عليه إذا نسيه الإمام، يقول: لا تغفلوه إذا أغفله الإمام، ولا تتركوه إن نسيه، وأمنوا لأنفسكم لتحرزوا به الأجر» (٢). وحديث أبي هريرة الثاني يأمره أن يؤمن بعد تأمينه، في حال اختار الإمام التأمين في الصلاة. وكلا التوجهين عندي ضعيف، والأصح حمل أحد حديثي أبي هريرة على الآخر، وأن المقصود: (إذا أمن) إذا أراد التأمين، والله أعلم. قال في مرعاة المفاتيح: «لا حاجة إلى الجمع بين الروايتين؛ لأن الجمع والتوفيق فرع التعارض والتخالف، ولا تخالف بين الروايتين، فإن المراد بقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ أي وقال: آمين فقولوا آمين، أي

стр. 1230

مع تأمين الإمام، يدل عليه قوله ﷺ : فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. قال الحافظ: وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان. انتهى» (١). * * *
следующие страницы →