← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الوجه الثاني: أنه علق تأمين المأموم على سماع تأمين إمامه بالشرط (إذا)، فقال: (إذا أمن الإمام فأمنوا)، ولوكان المأموم يؤمن مع الإمام لم يعلم بتأمين الإمام خاصة مع كثرة المصلين. قال أبو بكر الأثرم: «(إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فقد بيَّن أن تأمين الإمام يُسمَع، فيؤمِّن مَن خلفه بتأمينه» (١). وقال ابن المنذر في الأوسط: « ... محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمِّن إذا أمَّن إمامه وهو لا يجد السبيل إلى معرفة تأمين إمامه» (٢). * وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة كثيرة، منها: الجواب الأول: قولكم: الأصل في أفعال المأموم أن تقع بعد أفعال الإمام، هذا صحيح، إلا أن هذا العموم خُصَّ منه التأمين بالنص، والخاص مقدم على العام، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين). وهذا نص في محل النزاع، يكشف عن موضع تأمين المأموم، لهذا قال الجمهور: لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير التأمين. الجواب الثاني: قولكم: (إذا أمن المأموم مع الإمام لم يعلم تأمين الإمام)، والحديث قد رتب تأمين المأموم على سماع تأمين إمامه بقوله: (إذا أمن فأمنوا). فالجواب، قال ابن عابدين: «إن موضع التأمين معلوم، فإذا سمع لفظة ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] كفى لأن الشارع طلب من الإمام التأمين بعده، فصار من التعليق بمعلوم الوجود» (٣). وقال أبو الوليد الباجي: «معنى قوله: (إذا أمن الإمام فأمنوا) أي: إذا قَدَّرْتُم أنه

стр. 1227

أَمَّن بقوله ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ فقولوا: آمين عقب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ ويكون جمعًا بين الحديثين» (١). فالعلم بتأمين الإمام لا يتوقف على السماع بل بما جعله الشارع علامة عليه وهو قول: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وبالإخبار بتأمين الإمام. (ح-١٤٥٥) فقد روى أحمد من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنهما حدثاه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه. [تفرد به معمر، وخالفه مالك ويونس وابن عيينة وعقيل فرووه بلفظ: إذا أمن الإمام فأمنوا] (٢). الجواب الثالث: قال الجمهور معنى (إذا أمن فأمنوا): أي إذا أراد التأمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، وقال في حديث أنس: (كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، أي إذا أراد دخوله. كقولهم: إذا رحل الأمير فارحلوا: أي إذا تهيأ للرحيل فتهيؤوا. وقال بعض العلماء معنى: إذا أمن: إذا دعا بقوله: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، مستدلًا بأن الله سمى التأمين دعاءً، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾، وإنما كان الداعي موسى، وكان هارون مؤمنًا (٣). وهذا التأويل ضعيف، وسبق الجواب عليه عند مسألة حكم تأمين الإمام.

стр. 1228

وهناك قول ثالث سمعته من الشيخ الألباني عليه رحمة الله، قال: معنى إذا أَمَّن إذا شرع في التأمين بمقدار حرف أو حرفين، فإذا أخذ الإمام بالتأمين تبعه المأموم قبل فراغه؛ جمعًا بين حديث (إذا أمن فأمنوا) وبين حديث: (إذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين)، فالرواية الأولى رتب فيها تأمين المأموم بالفاء، الدال على التأخر، والرواية الثانية دلت على أن التأخر بمقدار حرف أو حرفين، سمعته من الشيخ الألباني عليه رحمة الله في آخر حجة حجها عام ١٤١٠ هـ وقد بحثت عن هذا القول لعلمي أن الشيخ ﵀ كان لا يقول بقول إلا له فيه إمام، ولم أعثر عليه. وقد ذاكرت الشيخ وقتها، وقلت له: لماذا لا تحمل الرواية المجملة بقوله: (إذا أمن الإمام فأمنوا) على الرواية المُفَصَّلة بقوله: (إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين)، باعتبار أن الشرط (إذا) فيه إجمال: فيحتمل التأخر كما في قوله: (إذا كبر فكبروا) ويحتمل التقدم كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أي إذا أردت قراءته، فيكون الإجمال في الشرط قد بينته الرواية المفصلة في قوله: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين) فكشفت أن المراد من قوله: (إذا أمن الإمام): أي إذا أراد التأمين. ولأن المأموم يُؤَمِّن لدعاء الإمام في قراءته، لا لتأمينه. فما وافقني الشيخ ﵀، وكان جوابه ﵀ بما معناه: إذا ترجح لك ذلك فاعمل بما ترجح لك، ولكنه لا يلزم غيرك. وهذا ليس بجواب، بل هو تحصيل حاصل، ثم قرأت له بعد وفاته ﵀ في كتاب أصل الصلاة والذي طبع بعد وفاته أنه رجع عنه، وقال بقول الجمهور (١). وقيل: إن المأموم بالخيار، إن شاء أمن بعد تأمين الإمام، وإن شاء أمن بعد قوله: ولا الضالين، اختار ذلك الطبري (٢). * وحجته في ذلك: بأنه قد ورد حديثان في بيان موضع تأمين الإمام، وكلاهما جائز، وليس أحدهما محمولًا على الآخر، فهما يتفقان على مشروعية التأمين للمأموم، وأحدهما: يشرع

стр. 1229

للمأموم التأمين إذا قال الإمام: ولا الضالين. والآخر فيه زيادة معنى، وأنه يؤمن إذا أَمَّن الإمام (١). هذا ما استدل به الطبري ﵀. وقد يقال: إن التأمين في حق المأموم آكد من الإمام لسببين: أحدهما: أن التأمين في حقه ورد بلفظ الأمر: (إذا أمن الإمام فأمنوا)، ولم يرد تأمين الإمام بصيغة الأمر، ولا شك أن الأمر بالتأمين أبلغ من نقل الفعل. الثاني: أن الإمام داعٍ، والمأموم مُؤَمِّنٌ، فكان ترك التأمين في حق الداعي أخف من المأموم، فكان أحد حديثي أبي هريرة يأمر المأموم بالتأمين إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وهو محمول على حال ما إذا ترك الإمام التأمين؛ كما هو مذهب المالكية. قال الخطابي في معالم السنن: «وقد يكون معناه - يعني معنى حديث: وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين- الأمر به والحض عليه إذا نسيه الإمام، يقول: لا تغفلوه إذا أغفله الإمام، ولا تتركوه إن نسيه، وأمنوا لأنفسكم لتحرزوا به الأجر» (٢). وحديث أبي هريرة الثاني يأمره أن يؤمن بعد تأمينه، في حال اختار الإمام التأمين في الصلاة. وكلا التوجهين عندي ضعيف، والأصح حمل أحد حديثي أبي هريرة على الآخر، وأن المقصود: (إذا أمن) إذا أراد التأمين، والله أعلم. قال في مرعاة المفاتيح: «لا حاجة إلى الجمع بين الروايتين؛ لأن الجمع والتوفيق فرع التعارض والتخالف، ولا تخالف بين الروايتين، فإن المراد بقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ أي وقال: آمين فقولوا آمين، أي

стр. 1230

مع تأمين الإمام، يدل عليه قوله ﷺ : فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. قال الحافظ: وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان. انتهى» (١). * * *

стр. 1231

المسألة السادسة في فوات التأمين المدخل إلى المسألة: * من السنن ما يفوت المقصود منه بفوات محله، ومنه التأمين على دعاء الفاتحة. * تدارك الفائت من السنن يحتاج إلى توقيف. * الإجماع على أن التأمين إذا ترك نسيانًا أو عمدًا لا يجبر بسجود السهو. [م-٥٦٩] إذا ترك التأمين ناسيًا، فذكره قبل قراءة السورة أَمَّن؛ لأن محل التأمين باقٍ لم يفت بعد. وإن ذكره بعد أن ركع لم يُؤَمِّن؛ لفوات محله بالاتفاق، ولا سهو عليه (١). قال ابن القطان الفاسي: «لا أعلم أحدًا قال إن صلاة من ترك «آمين» فاسدة» (٢). وقال في الموسوعة الكويتية: «المذاهب الأربعة على أن المصلي لوترك آمين، واشتغل بغيرها، لا تفسد صلاته، ولا سهو عليه؛ لأنه سنة فات محلها» (٣). وإن ذكره بعد أن شرع في القراءة، فقولان: أحدهما: لا يؤمن، وهو مذهب الجمهور، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤).

стр. 1232

الثاني: يؤمن، وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية (١). قال الماوردي: «لو تركه المصلي ناسيًا -يعني التأمين- ثم ذكره، فإن ذكره قبل قراءة السورة قاله، وإن ذكره بعد أخذه في الركوع تركه، ولو ذكره بعد أخذه في القراءة، وقبل اشتغاله بالركوع، ففي عوده إليه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه فيمن نسي تكبيرات العيد حتى أخذ في القراءة، ولو تركه على الأحوال كلها أجزأته صلاته ولا سهو عليه» (٢). * * *

стр. 1233

المسألة السابعة في حكم الزيادة على التأمين المدخل إلى المسألة: * الدعاء المقيد كالذكر المقيد لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا يبدل بمثله؛ لحديث: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، قال: قل: وبنبيك الذي أرسلت. * ترك السنة أولى من الزيادة عليها أو النقص منها؛ لأن الترك أَذِنَ فيه الشرع حين لم يوجب الفعل بخلاف الزيادة والنقص فهو تبديل للسنة لم يأذن به الشارع. * الاقتصاد في السنة خير من الإحداث فيها؛ قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. [م-٥٧٠] إن زاد على التأمين خارج الصلاة كما لو قال: آمين رب العالمين، فالأمر واسع. وأما الزيادة على التأمين داخل الصلاة ففيها خلاف: فقال الشافعي في الأم: «ولو قال مع: آمين رب العالمين وغير ذلك من ذكر الله كان حسنًا، لا يقطع الصلاة شيء من ذكر الله» (١). قال النووي بعد أن نقل كلام الشافعي: «وقوله يدل على أنه لا بأس من أن يسأل العبد ربه في الصلاة كلها، في الدين والدنيا» (٢). قلت: ذلك إنما يستحسن في المواضع التي أذن فيها بالدعاء بما شاء، كما في قوله ﷺ : ثم ليتخير من المسألة ما شاء، وكحديث: وأما الركوع فعظموا فيه الرب،

стр. 1234

وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء. ولذلك لم يرتض العراقي مذهب أصحابه، فقال في طرح التثريب: «المستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة من غير زيادة عليه اتباعًا للحديث» (١). وقال ابن مفلح في الفروع: «وإن قال: آمين رب العالمين، فقياس قول أحمد لا يستحب ... لأنه قال في رواية ابن إبراهيم في الرجل يقول الله أكبر كبيرًا: قال ما سمعت» (٢). وقال ابن رجب في شرح البخاري: «ولا يستجب أن يصل آمين بذكر آخر، مثل أن يقول: آمين رب العالمين؛ لأنه لم تأت به السنة، هذا قول أصحابنا، وقال الشافعي: هو حسن» (٣). * ويستدل للشافعية بأدلة منها: الدليل الأول: (ح-١٤٥٦) ما رواه الطبراني من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثني أبي، عن أبي بكر النهشلي، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله اليحصبي، عن وائل بن حجر، أنه سمع رسول الله ﷺ حين قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: رب اغفر لي آمين (٤). [منكر، رواه حجر بن عنبس، عن وائل ولم يذكر هذه الزيادة، وسبق تخريجه] (٥).

стр. 1235

الدليل الثاني: (ح-١٤٥٧) ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عمر، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ : من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا، يا رسول الله قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (١). تابع أبا الزبير عمرو بن مرة، رواه النسائي من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله به (٢). الدليل الثالث: (ح-١٤٥٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول (٣). وجه الاستدلال من الحديثين: قال الحافظ: «استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور، إذا

стр. 1236

كان غير مخالف للمأثور» (١). ولا يقصد الحافظ الجواز الدال على الإباحة، وإلا لما رتب الشارع على هذا الفعل هذا الثواب العظيم، والدرجة الرفيعة. * ونوقش هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: بأن الحجة ليس في إحداثهما هذا الذكر، وإنما هو في إقرار النبي ﷺ لهما، فلو لم يقرهما النبي ﷺ لم يقبل منهما، وهذا باب قد أغلق بموت النبي ﷺ . الوجه الثاني: قد يقال: إن موضع دعاء الاستفتاح موضع يطلب فيه مطلق الحمد، ولهذا كثرت أدعية الاستفتاح وتنوعت، ومنها ما هو مشروع في صلاة الليل ومنها ما هو مشروع في الفريضة ومثله الحمد بعد الرفع من الركوع، بخلاف التأمين، فإن مواظبة النبي ﷺ وأصحابه على صفة واحدة لم تتغير في جميع الصلوات دليل على عدم مشروعية الزيادة. ولأننا نقول لمن يزيد على التأمين: إن كنت تقصد بهذا الفعل بأنه أفضل وأكمل من المشروع المأثور من النبي ﷺ ، كان ذلك استدراكًا على الشارع، وأن النبي ﷺ لم يهدنا إلى أفضل الطرق وأقومها، وكفى به ضعفًا لهذا القول، وإن كنت ترى أن الزيادة مرجوحة، وأن هدي النبي ﷺ أكمل فلا حاجة إلى فعله، وهذا هو القول الراجح، والله أعلم. فالأذكار المقيدة توقيفية لا يجوز الزيادة عليها، ولا إبدالها، ولا النقص منها. * * *

стр. 1237

الفصل الثاني في الأحكام المتعلقة بقراءة ما زاد على الفاتحة المبحث الأول في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة للإمام والمنفرد المدخل إلى المسألة: * قال رسول الله ﷺ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، مفهومه، أن من قرأ فاتحة الكتاب صحت صلاته، ولو لم يقرأ غيرها. * لا خلاف في مشروعية قراءة ما زاد على الفاتحة في صلاة الصبح والأوليين من سائر الصلوات إلا لمأموم يسمع قراءة إمامه. * قال أبو هريرة: إن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير، متفق عليه، فيه دليل على جواز الاقتصار على الفاتحة. * حافظ النبي ﷺ على القراءة في الركعتين الأوليين، ولم ينقل أنه أَخَلَّ بذلك. * ما تعين من القراءة في الصلاة كالفاتحة فإنه يجب لها، وما لم يتعين من القراءة كسائر السور فإنه لا يجب. [م-٥٧١] اتفق الفقهاء على مشروعية قراءة ما زاد على الفاتحة في صلاة الصبح، والأوليين من سائر الصلوات، واختلفوا في وجوبها: فذهب الجمهور إلى استحباب القراءة في الأوليين إلا لمأموم يسمع قراءة إمامه، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وكره الحنابلة الاقتصار على الفاتحة (١).

стр. 1238

جاء في المجموع: «قال الشافعي والأصحاب: يستحب أن يقرأ الإمام والمنفرد بعد الفاتحة شيئًا من القرآن في الصبح، وفي الأوليين من سائر الصلوات ... ثم قال: وإن كان مأمومًا ... فإن كان في صلاة يُسَرُّ فيها بالقراءة، أو في صلاة يُجْهَرُ فيها إلا أنه في موضع لا يسمع القراءة قرأ؛ لأنه غير مأمور بالإنصات» (١). وقال القرطبي: «واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال: سنة، فضيلة، واجبة» (٢). وقال القاضي عياض: «اخْتُلِفَ في حكمها عندنا -يعني قراءة ما زاد على الفاتحة- هل قراءتها سنة، أو مستحب، وخرج قول ثالث الوجوب» (٣). قال النووي في شرح مسلم: «وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة، وهو شاذ مردود» (٤). ولعلهم يقصدون بالوجوب تأكيد السنية، قال العدوي: «والمراد بكون السنن واجبة أنها متأكدة» (٥).

стр. 1239

وقال الحنفية: قراءة ما زاد على الفاتحة في الأوليين واجبة، وهو رواية عن أحمد (١). قال في تحفة الفقهاء: «وأما واجبات الصلاة فثمانية: قراءة الفاتحة والسورة في الأوليين، فأما مقدار المفروض: فآية واحدة عند أبي حنيفة، وعندهما: آية طويلة، أو ثلاث آيات قصيرة» (٢). وقال الحافظ في الفتح: «صح إيجاب ذلك عن بعض الصحابة كما تقدم، وهو عثمان بن أبي العاص، وقال به بعض الحنفية وابن كتانة من المالكية، وحكاه القاضي الفراء الحنبلي في الشرح الصغير رواية عن أحمد» (٣). وقال القرطبي: «أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة، أو لغير ضرورة، منهم عمران بن حصين، وأبو سعيد الخدري، وخوات بن جبير، ومجاهد، وأبو وائل، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، قالوا: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن، فمنهم من حد آيتين، ومنهم من حد آية، ومنهم من لم يحد، وقال: شيء من القرآن معها، وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن

стр. 1240

على كل حال مع فاتحة الكتاب، لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما» (١). ولا يصح شيء من هذه الآثار التي ذكرها القرطبي عليه رحمة الله، وإذا روى الصحابي حديثًا مرفوعًا، فلم يصح، أو روي عنه قول ولم يثبت عنه، فلا يصح أن يؤخذ من هذا الأثر الضعيف قول فقهي ينسب لراويه، حتى يصح ما رواه أو ما روي عنه، ولم يرو عنه خلافه، ولو صح ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد لم نتجاوز قولهم إلى قول جمهور الفقهاء، فإن قول الصحابي إن لم يكن حجة، فهو من المرجحات، وستعرف من خلال البحث أن هذه الآثار ضعيفة، وأكثرها ضعيف جدًّا، وما صح منها فليس صريحًا في دلالته. وعلى تقدير صحة هذه الأقوال عن الصحابة فإن الصحابة قد اختلفوا وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم بأولى من قول الآخر، وقد خالف أبو هريرة فذهب إلى جواز الاقتصار على أم القرآن، وأثره في الصحيحين، وهو أصح من هذه الآثار. والخلاصة أن الأقوال في المسألة ترجع إلى قولين: السنية، والوجوب. وأما القول بأنها مستحبة أو فضيلة، فهذا تقسيم خاص للسنن عند بعض الفقهاء، ولا مشاحة في الاصطلاح. * أدلة الجمهور على استحباب القراءة بعد الفاتحة في الأوليين: الدليل الأول: الإجماع، حكاه طائفة من أهل العلم. قال النووي في التبيان: «وأجمعوا على استحباب قراءة السورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح، والأوليين من باقي الصلوات» (٢). وقال ابن قدامة: «قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة في الركعتين من كل صلاة. لا نعلم في هذا خلافًا» (٣). وقال الزركشي: «أما قراءة السورة بعد الفاتحة فسنة مجمع عليها» (٤).

стр. 1241

الدليل الثاني: (ح-١٤٥٩) وروى البخاري من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطيل في الركعة الأولى. ورواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (١). الدليل الثالث: (ح-١٤٦٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا يحيى بن حبيب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر - وذكر قصة معاذ- وقال النبي ﷺ للفتى: كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ : إني ومُعَاذًا حول هاتين، أو نحو هذا (٢).

стр. 1242

[انفرد بقوله: (أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة) ابن عجلان، عن عبيد الله ابن مقسم، عن جابر، وحديث جابر في الصحيحين، وليس فيه هذه الزيادة] (١).

стр. 1243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1244

الدليل الرابع: (ح-١٤٦١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا حنظلة السدوسي، قال: قلت لعكرمة: إني أقرأ في صلاة المغرب قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وإنَّ ناسًا يعيبون ذلك عَلَيَّ؟ فقال: «وما بأس بذلك؟ اقرأهما فإنهما من القرآن. ثم قال: حدثني ابن عباس، أن رسول الله ﷺ ، جاء فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بأم الكتاب (١). [ضعيف، تفرد به حنظلة السدوسي] (٢).

стр. 1245

الدليل الخامس: (ح-١٤٦٢) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن خلاد الإسكندراني، حدثنا أشهب بن عبد العزيز، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ ، قال: أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها بعوض. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن خلاد، عن أشهب، عن ابن عيينة والله أعلم (١). [منكر] (٢).

стр. 1246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1247

الدليل السادس: (ث-٣٥٩) من الآثار، ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة ﵁، يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسْمَعْنَاكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير (١). * دليل الحنفية على وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة: الدليل الأول: (ح-١٤٦٣) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (٢). وروى البخاري من حديث مالك بن الحويرث أنه قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. وجه الاستدلال: قال القدوري في التجريد: إن هذا يقتضي وجوب الفعل على الجهة التي

стр. 1248

فعلها ﵇ (١). * ويناقش: بأن الحنفية فرقوا بين قراءة الفاتحة في الأوليين فقالوا بوجوبها، وأما القراءة في الأخريين، فقالوا: إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، وحديث أبي قتادة حديث واحد، فإن أفاد الوجوب في الأوليين أفاد الوجوب في الأخريين، وإلا فلا يجب التفريق في الحكم. الدليل الثاني: (ح-١٤٦٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وابن السرح، قالا: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، يبلغ به النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا (٢). [زيادة: (فصاعدًا) زيادة شاذة] (٣).

стр. 1249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1253

* ويناقش: بأن الحديث دليل على جواز الاقتصار على أم القرآن، لأن كلمة (فصاعدًا) هو لتوكيد ألا تنقص القراءة عن مقدار الفاتحة، لا لوجوب ما زاد عليها، كما في قوله: القطع في ربع دينار فصاعدًا، فالحكم معلق بربع الدينار، فإن نقص سقط القطع، ولا يفيد اشتراط الزيادة على ربع الدينار. الدليل الثاني: (ح-١٤٦٥) روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان من طريق إبراهيم بن أيوب الفرساني، عن أبي مسلم، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها (١). [ضعيف جدًّا تفرد به عن الأعمش أبو مسلم الجعفي، وهو متروك] (٢). قال السرخسي: «ونحن نوجب العمل بهذا الخبر حتى لا نأذن له بالاكتفاء بالفاتحة في الأوليين ولكن لا نثبت الركنية به» (٣). يقصد السرخسي أنهم يحملون الحديث على الوجوب دون الركنية. الدليل الثالث: (ح-١٤٦٦) ما رواه أحمد من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (٤). [رفعه قتادة، ورواه غيره موقوفًا، وقتادة أحفظ، وأعله البخاري بعنعنة قتادة] (٥).

стр. 1254

فإن قيل: إن لم يصح مرفوعًا، فقد صح موقوفًا، وهو كافٍ في الاستدلال. فالجواب: أن قول الصحابي كافٍ في الاستدلال بشرطين: أحدهما: ألا يخالف مرفوعًا، فظاهره مخالفة هذا الأثر لحديث عبادة بن الصامت المتواتر: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فإن مفهومه: أن من قرأ فاتحة الكتاب فقد صحت صلاته، والمفهوم حجة عند الجمهور. الشرط الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة ، (ث-٣٦٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة ﵁، يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير (١). وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما بأولى من قول الآخر، فيطلب المرجح من دليل آخر. الدليل الرابع: (ح-١٤٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد (٢). [انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما] (٣). الدليل الخامس: (ح-١٤٦٨) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق عُلَيْلَة بن بدر، عن سعيد

стр. 1255

الجُرَيْرِي، عن أبي العلاء، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وآيتين فصاعدًا (١). [ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 1256

الدليل السادس: (ث-٣٦١) ما رواه ابن سعد في الطبقات من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عباية بن رداد، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها. فقال له رجل: فإن كنت خلف إمام قال: فاقرأ في نفسك. [في إسناده عباية بن رداد من غلاة الشيعة ليس بشيء] (١). الدليل السابع: (ح-١٤٦٩) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن يزيد المدائني، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تجزئ في المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا (٢). [منكر، وغريب من حديث عطاء] (٣). * الراجح: أنه لا يجب شيء من القرآن في الصلاة عدا فاتحة الكتاب فإن قراءتها ركن في الصلاة في حق الإمام والمنفرد، وأما ما زاد على الفاتحة فإنه من السنن المؤكدة، فقد حافظ النبي ﷺ على القراءة في الركعتين الأوليين، ولم ينقل أنه أَخَلَّ بذلك، والله أعلم. * * *

стр. 1257

المبحث الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة الفرع الأول في قراءته ما زاد على الجهرية المدخل إلى المسألة: * لا يقرأ المأموم ما زاد على الفاتحة في الجهرية إذا كان يسمع قراءة إمامه، وهذا بالاتفاق. * أذكار الصلاة للمأموم على ثلاثة أقسام: قسم لا يتحملها الإمام بالاتفاق، كالتكبير، والاستفتاح، والتسبيح، والتشهد. وقسم يتحملها بالاتفاق وهي قراءة ما زاد على الفاتحة في الجهرية. وقسم مختلف فيه، كقراءة الفاتحة في الجهرية، والأصح أنه يتحملها عنه. * قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ فأمر الله بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، والأصل في الأمر الوجوب. * الأمر بالاستماع نهي عن ضده، وهو القراءة، والأصل في النهي التحريم. * نهي المأموم عن القراءة ليس عائدًا لذات القراءة، وإنما من أجل استماع قراءة إمامه، فإذا لم يسمعها لبعد ونحوه لم يمنع من القراءة. * إذا عاد النهي لأمر خارج لم يَقْتَضِ النهي فساد الصلاة. [م-٢٧٥] سبق لنا خلاف العلماء في قراءة المأموم لفاتحة الكتاب في الصلاة السرية، وأما قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في الصلاة الجهرية، فالعلماء متفقون على أن المأموم لا يقرأ، بل يستمع وينصت لقراءة إمامه. قال ابن تيمية: «أجمعوا على أنه فيما زاد على الفاتحة كونه مستمعًا لقراءة إمامه خير

стр. 1258

من أن يقرأ معه» (١). واختلفوا في حكم القراءة: فقيل: تحرم وصلاته صحيحة، وهذا هو الأصح في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية (٢). وقيل: تحرم إن آذى غيره، وهو قول عند الشافعية (٣). قال في الدر المختار: «وَالْمُؤْتَمُّ لا يقرأ مطلقًا، ولا الفاتحة، في السرية اتفاقًا ... فإن قَرَأَ كُرِهَ تحريمًا وتصح في الأصح» (٤). علق ابن عابدين على ذلك في حاشيته، فقال: (قوله: (ولا الفاتحة) بالنصب على محذوف تقديره: لا غير الفاتحة، ولا الفاتحة. وقوله: (في السرية) يعلم منه نفي القراءة في الجهرية بالأولى .... وقوله: (اتفاقًا) أي بين أئمتنا الثلاثة» (٥). وقيل: إن قرأ، وهو يسمع قراءة الإمام فسدت صلاته، وهو قول في مذهب الحنفية في مقابل الأصح، وبه قال ابن حزم (٦). قال ابن حزم: ولا يجوز للمأموم أن يقرأ خلف الإمام شيئًا غير أم القرآن ... (٧). * دليل هذا القول: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف:٢٠٤]

стр. 1259

فأمر الله بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، والأصل في الأمر الوجوب، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فكان الأمر بالاستماع يستلزم النهي عن القراءة، والنهي عن القراءة يقتضي فساد المنهي عنه؛ لقوله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. * ويناقش: بأن النهي ليس عائدًا لذات القراءة، وإنما من أجل استماع قراءة الإمام، ولذلك لو كان المأموم لا يسمع قراءة إمامه لم يمنع من القراءة في الأصح، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، وإذا كان النهي عن قراءة المأموم لأمر خارج لم يَقْتَضِ النهي فساد الصلاة، بخلاف النهي إذا عاد إلى ذات العبادة، أو على شرطها المختص بها، فإنه يقتضي الفساد، والله أعلم. الدليل الثاني: ولحديث عبادة بن الصامت، وفيه: ... قال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن القراءة خلف الإمام ما عدا الفاتحة، والأصل في النهي التحريم والفساد. * ونوقش: بأن الحديث ضعيف، والقول بفساد العبادة شاذٌّ، وقد أجبت عنه في الدليل السابق، وقد حكي الإجماع على صحة صلاة من قرأ خلف الإمام، حكاه ابن عبد البر وابن حبان والثعلبي وغيرهم، وسيأتي نقل كلامهم بعد قليل إن شاء الله تعالى. وقيل: تكره القراءة، وهو مذهب المالكية والشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 1260

قال خليل في التوضيح: «والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة» (١). وقال الخرشي: «الإنصات للإمام فيما يجهر فيه سنة في الفاتحة وغيرها، ويكره قراءته، سمع قراءة الإمام أو لا على المشهور» (٢). وقال في تحفة المحتاج: «ولا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية، بل يستمع؛ لصحة نهيه عن القراءة خلفه ما عدا الفاتحة، ومن ثم كرهت له، وقيل: تحرم» (٣). وقال في الفروع: «ولا قراءة على مأموم» (٤). * دليل من قال بتحريم القراءة خلف الإمام أوكراهتها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قال ابن بطال: «لا يختلف أهل التأويل أن المراد بهذه الآية سماع القرآن في الصلاة، ومعلوم أن هذا لا يكون إلا في صلاة الجهر؛ لأن السر؛ لا يستمع إليه» (٥). فكانت الآية تأمر بالاستماع إذا قرئ القرآن، ولفظ: (القرآن) عام يشمل الفاتحة وغيرها، استثنى الفاتحة من قال بتخصيص عموم الآية بحديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وبقي ما زاد على الفاتحة على العموم، حيث يؤمر المصلي بالاستماع والإنصات. فمن قال: إن الأصل في الأمر الوجوب، رأى أن الآية تقتضي تحريم القراءة فيما

стр. 1261

زاد على الفاتحة، وهذا دليل من قال بتحريم القراءة خلف الإمام، وقد سبق. ومن قال: إن الأمر بالاستماع والإنصات على الاستحباب؛ لأنه هو المتيقن، رأى كراهة القراءة خلف الإمام. قال في حاشية الدسوقي: «(قوله: وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ إلخ) جَعْلُهُ سنة هو المشهور» (١). وقال في مغني المحتاج: «والاستماع مستحب، وقيل: واجب» (٢). فجزم بالاستحباب، وصاغ الوجوب بصيغة التمريض. الدليل الثاني: لو كانت القراءة خلف الإمام محرمة لكانت القراءة خلف الإمام تبطل الصلاة، لأن ارتكاب المنهي عنه داخل العبادة على وجه يكون النهي مختصًّا بالصلاة يبطلها. فلما حكى العلماء الإجماع على صحة صلاة من قرأ خلف الإمام علم أن القراءة مكروهة، وليست محرمة. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه» (٣). وقال ابن حبان: «أهل الصلاة لم يختلفوا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا ممن ينسب إلى العلم منهم: أن من قرأ خلف الإمام تجزيه صلاته» (٤). وقال الثعلبي في تفسير القرآن: «اتفق المسلمون على أن صلاته صحيحة إذا قرأ خلف الإمام» (٥). * يناقش من وجهين: الوجه الأول: لا يلزم من صحة الصلاة أن يكون الأمر بالاستماع والإنصات للاستحباب، وأن

стр. 1262

تكون القراءة خلف الإمام للكراهة؛ لأن التحريم حكم تكليفي، بني على أصل فقهي صحيح، وهو أن الأمر بالاستماع والإنصات للوجوب، ولا صارف له إلى الاستحباب. والصحة حكم وضعي، ولا تلازم بينهما، فقد يحرم الفعل ويبطل، وقد يحرم الفعل، ويصح، فلا تلازم بينهما، وإنما لم تبطل الصلاة للإجماع الذي تقدم، ولولاه لكانت الصلاة باطلة. الوجه الثاني: قد يكون عدم البطلان عند العلماء راجعًا إلى قوة الخلاف في وجوب قراءة الفاتحة، فمراعاة لخلاف العلماء القديم من لدن الصحابة، لم يقل أحد من العلماء ببطلان الصلاة بالقراءة خلف الإمام. * وقد يناقش هذا القول: بأن هذا القول يمكن أن ينزل على الخلاف في قراءة الفاتحة، وأما قراءة ما زاد على الفاتحة فليس هناك خلاف قوي ينبغي مراعاته، فهم متفقون على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام ما زاد على الفاتحة، والله أعلم. * الراجح: القول بالتحريم مع القول بالصحة أقيس من القول بالكراهة، وهو مذهب الحنفية وقول عند المالكية، وعند الشافعية، وبه قال ابن حزم، والله أعلم. * * *

стр. 1263

الفرع الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في السرية المدخل إلى المسألة: * الأمر بالإنصات للقرآن لعلة السماع، فانتفى الأمر به في الصلاة السرية لانتفاء علته، وكيف ينصت لشيء لا يسمعه؟ * لا يتعبد بالسكوت في الصلاة إلا أن يسمع قراءة إمامه. * المستمع بمنزلة القارئ؛ لهذا كان التعبد بالإنصات لقراءة الإمام داخِلًا في جملة أذكار الصلاة. * شرعت الصلاة لإقامة ذكر الله، إما بفعل المصلي، أو بالاستماع إليه من الإمام. * اشتغال المأموم بالقراءة إذا لم يسمع قراءة الإمام أولى من تفرغه للوساوس، وحديث النفس. * إذا كان الإمام لا يتحمل عن المأموم سائر أذكار الركوع والسجود والتشهد، فكذلك لا يتحمل عنه القراءة في الصلاة السرية. [م-٣٧٥] اختلف العلماء في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في الصلاة السرية: فقال الجمهور: تستحب له القراءة (١). قال أبو الوليد الباجي: «المشهور من قول مالك أن المأموم يقرأ خلف الإمام

стр. 1264

فيما أسر فيه، ولا يقرأ خلفه فيما جهر فيه» (١). (ح-١٤٧٠) واستدلوا بما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ فقال رجل: نعم. أنا يا رسول الله قال، فقال رسول الله ﷺ : إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (٢). [صحيح إلا أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة ... ) إلخ مدرج من قول الزهري، قاله أحمد، والبخاري والذهلي، وأبو داود، وجماعة] (٣). وجه الاستدلال: فقوله: (مالي أنازع القرآن)؟ فإذا أسر المأموم القراءة فقد انتفت العلة. ولمفهوم قوله: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ ) فدل على أنهم لم ينتهوا عن القراءة في السر. ولأن المأمور بالاستماع والإنصات هو من يسمع القرآن دون من لم يسمع، قال تعال: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فالمأموم إما مستمع وإما قارئ، ولا يتعبد بسكوت لا استماع معه. وقال الحنفية: لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، وبه قال أشهب وابن وهب وابن حبيب من المالكية (٤). وأدلة الحنفية على التحريم هي أدلتهم نفسها في تحريم قراءة الفاتحة خلف الإمام، وقد سبق ذكرها، فإذا حَرُمَت الفاتحة على المأموم حَرُمَ غيرها من باب أولى.

стр. 1265

[م-٤٧٥] واختلفوا في قراءة المأموم في الصلاة الجهرية إذا كان لا يسمع قراءة إمامه لبعدٍ أو صممٍ أو نحوهما، أيمتنع عن القراءة اعتبارًا بصفة الصلاة وكونها جهرية، أم يقرأ اعتبارًا بحال المصلي؟ على قولين: فقيل: تستحب له قراءة ما زاد على الفاتحة، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية، ونص عليه أحمد (١). قال ابن مفلح في الفروع: «وإن لم يسمعه لبعدٍ قرأ في المنصوص ... ولِطَرَشٍ فيه وجهان» (٢). والمشهور في المذهب أن الأطرش يقرأ إلا أن يخشى أن يؤذي من بجانبه. وقال في المغني: «فإن لم يسمعه لبعد قرأ، نص عليه. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله ﵀: فيوم الجمعة، قال: إذا لم يسمع قراءة الإمام ونغمته قرأ، فإذا سمع فلينصت قيل له: فالأطرش؟ قال لا أدري فيحتمل أن يشرع في حقه القراءة؛ لأنه لا يسمع، فلا يجب عليه الإنصات كالبعيد، ويحتمل أن لا يقرأ كي لا يخلط على الإمام» (٣). * دليل هذا القول: أن المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام صارت الجهرية في حقه كالسرية، بجامع أن كُلًّا منهما يقرأ فيها الإمام، ولا تسمع قراءته. ولأن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله تعالى، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وإقامة الذكر في الصلاة إما بفعله أو بالتعبد باستماعه، فلا يُتَعَبَّدُ في الصلاة بالسكوت المجرد من الذكر أو الاستماع. ولهذا قال الله : ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
следующие страницы →