زاد على الفاتحة، وهذا دليل من قال بتحريم القراءة خلف الإمام، وقد سبق.
ومن قال: إن الأمر بالاستماع والإنصات على الاستحباب؛ لأنه هو المتيقن، رأى كراهة القراءة خلف الإمام.
قال في حاشية الدسوقي: «(قوله: وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ إلخ) جَعْلُهُ سنة هو المشهور» (١).
وقال في مغني المحتاج: «والاستماع مستحب، وقيل: واجب» (٢).
فجزم بالاستحباب، وصاغ الوجوب بصيغة التمريض.
الدليل الثاني:
لو كانت القراءة خلف الإمام محرمة لكانت القراءة خلف الإمام تبطل الصلاة، لأن ارتكاب المنهي عنه داخل العبادة على وجه يكون النهي مختصًّا بالصلاة يبطلها.
فلما حكى العلماء الإجماع على صحة صلاة من قرأ خلف الإمام علم أن القراءة مكروهة، وليست محرمة.
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه» (٣).
وقال ابن حبان: «أهل الصلاة لم يختلفوا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا ممن ينسب إلى العلم منهم: أن من قرأ خلف الإمام تجزيه صلاته» (٤).
وقال الثعلبي في تفسير القرآن: «اتفق المسلمون على أن صلاته صحيحة إذا قرأ خلف الإمام» (٥).
* يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا يلزم من صحة الصلاة أن يكون الأمر بالاستماع والإنصات للاستحباب، وأن
стр. 1262
تكون القراءة خلف الإمام للكراهة؛ لأن التحريم حكم تكليفي، بني على أصل فقهي صحيح، وهو أن الأمر بالاستماع والإنصات للوجوب، ولا صارف له إلى الاستحباب.
والصحة حكم وضعي، ولا تلازم بينهما، فقد يحرم الفعل ويبطل، وقد يحرم الفعل، ويصح، فلا تلازم بينهما، وإنما لم تبطل الصلاة للإجماع الذي تقدم، ولولاه لكانت الصلاة باطلة.
الوجه الثاني:
قد يكون عدم البطلان عند العلماء راجعًا إلى قوة الخلاف في وجوب قراءة الفاتحة، فمراعاة لخلاف العلماء القديم من لدن الصحابة، لم يقل أحد من العلماء ببطلان الصلاة بالقراءة خلف الإمام.
* وقد يناقش هذا القول:
بأن هذا القول يمكن أن ينزل على الخلاف في قراءة الفاتحة، وأما قراءة ما زاد على الفاتحة فليس هناك خلاف قوي ينبغي مراعاته، فهم متفقون على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام ما زاد على الفاتحة، والله أعلم.
* الراجح:
القول بالتحريم مع القول بالصحة أقيس من القول بالكراهة، وهو مذهب الحنفية وقول عند المالكية، وعند الشافعية، وبه قال ابن حزم، والله أعلم.
* * *
стр. 1263
الفرع الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في السرية
المدخل إلى المسألة:
* الأمر بالإنصات للقرآن لعلة السماع، فانتفى الأمر به في الصلاة السرية لانتفاء علته، وكيف ينصت لشيء لا يسمعه؟
* لا يتعبد بالسكوت في الصلاة إلا أن يسمع قراءة إمامه.
* المستمع بمنزلة القارئ؛ لهذا كان التعبد بالإنصات لقراءة الإمام داخِلًا في جملة أذكار الصلاة.
* شرعت الصلاة لإقامة ذكر الله، إما بفعل المصلي، أو بالاستماع إليه من الإمام.
* اشتغال المأموم بالقراءة إذا لم يسمع قراءة الإمام أولى من تفرغه للوساوس، وحديث النفس.
* إذا كان الإمام لا يتحمل عن المأموم سائر أذكار الركوع والسجود والتشهد، فكذلك لا يتحمل عنه القراءة في الصلاة السرية.
[م-٣٧٥] اختلف العلماء في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في الصلاة السرية:
فقال الجمهور: تستحب له القراءة (١).
قال أبو الوليد الباجي: «المشهور من قول مالك أن المأموم يقرأ خلف الإمام
стр. 1264
فيما أسر فيه، ولا يقرأ خلفه فيما جهر فيه» (١).
(ح-١٤٧٠) واستدلوا بما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ فقال رجل: نعم. أنا يا رسول الله قال، فقال رسول الله ﷺ : إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (٢).
[صحيح إلا أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة ... ) إلخ مدرج من قول الزهري، قاله أحمد، والبخاري والذهلي، وأبو داود، وجماعة] (٣).
وجه الاستدلال:
فقوله: (مالي أنازع القرآن)؟ فإذا أسر المأموم القراءة فقد انتفت العلة.
ولمفهوم قوله: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ ) فدل على أنهم لم ينتهوا عن القراءة في السر.
ولأن المأمور بالاستماع والإنصات هو من يسمع القرآن دون من لم يسمع، قال تعال: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فالمأموم إما مستمع وإما قارئ، ولا يتعبد بسكوت لا استماع معه.
وقال الحنفية: لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، وبه قال أشهب وابن وهب وابن حبيب من المالكية (٤).
وأدلة الحنفية على التحريم هي أدلتهم نفسها في تحريم قراءة الفاتحة خلف الإمام، وقد سبق ذكرها، فإذا حَرُمَت الفاتحة على المأموم حَرُمَ غيرها من باب أولى.
стр. 1265
[م-٤٧٥] واختلفوا في قراءة المأموم في الصلاة الجهرية إذا كان لا يسمع قراءة إمامه لبعدٍ أو صممٍ أو نحوهما، أيمتنع عن القراءة اعتبارًا بصفة الصلاة وكونها جهرية، أم يقرأ اعتبارًا بحال المصلي؟ على قولين:
فقيل: تستحب له قراءة ما زاد على الفاتحة، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية، ونص عليه أحمد (١).
قال ابن مفلح في الفروع: «وإن لم يسمعه لبعدٍ قرأ في المنصوص ... ولِطَرَشٍ فيه وجهان» (٢).
والمشهور في المذهب أن الأطرش يقرأ إلا أن يخشى أن يؤذي من بجانبه.
وقال في المغني: «فإن لم يسمعه لبعد قرأ، نص عليه. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله ﵀: فيوم الجمعة، قال: إذا لم يسمع قراءة الإمام ونغمته قرأ، فإذا سمع فلينصت قيل له: فالأطرش؟ قال لا أدري فيحتمل أن يشرع في حقه القراءة؛ لأنه لا يسمع، فلا يجب عليه الإنصات كالبعيد، ويحتمل أن لا يقرأ كي لا يخلط على الإمام» (٣).
* دليل هذا القول:
أن المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام صارت الجهرية في حقه كالسرية، بجامع أن كُلًّا منهما يقرأ فيها الإمام، ولا تسمع قراءته.
ولأن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله تعالى، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وإقامة الذكر في الصلاة إما بفعله أو بالتعبد باستماعه، فلا يُتَعَبَّدُ في الصلاة بالسكوت المجرد من الذكر أو الاستماع.
ولهذا قال الله : ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
стр. 1266
وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
فأمر الله بالإنصات لعلة السماع، فانتفى الأمر في الصلاة السرية لانتفاء علته، وكيف ينصت لشيء لا يسمعه؟
ولأن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس، وحديث النفس.
وإذا كان الإمام لا ينوب عن المأموم في سائر أذكار الركوع والسجود والتشهد، فكذلك لا ينوب عنه في قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة السرية.
وأشار ابن عبد البر إلى تخريج قراءة من لم يسمع قراءة إمامه مِنْ إجازة بعض أصحاب مالك كلامَ مَنْ لم يسمع خطبة الإمام في الجمعة.
قال ابن عبد البر نقلًا من مواهب الجليل: «يتخرج فيه قول بأنه يقرأ، من قول من قال من أصحاب مالك: إنه يجوز التكلم لمن لا يسمع خطبة الإمام» (١).
مع مراعاة الفرق بأن الكلام مباح إذا لم يسمع خطبة الجمعة، وقراءة المأموم من الذكر في الصلاة، وهو مشروع في السرية، فكذلك هنا، فيكون جوازه في الفرع أولى من جوازه في الأصل المقيس عليه.
وقيل: لا يقرأ، وهو المنصوص عند المالكية، واقتصر عليه خليل في مختصره، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية (٢).
قال خليل: «وإنصات مُقْتَدٍ، ولو سكت إمامه» (٣).
وقال الدردير في الشرح الكبير «تكره قراءته ولو لم يسمعه» (٤).
وقال الحطاب: «قال ابن ناجي في قول الرسالة: (لا يقرأ معه فيما يجهر فيه)
стр. 1267
ظاهر كلامه، ولو كان لا يسمع صوت الإمام، وهو كذلك على المنصوص» (١).
وقال النووي: «قال أصحابنا: وإذا قلنا لا تجب عليه في الجهرية، بأن كان أصم، أو بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءة الإمام، ففي وجوبها عليه وجهان مشهوران للخراسانيين:
أصحهما: تجب؛ لأنها في حقه كالسرية.
والثاني: لا تجب لأنها جهرية» (٢).
[م-٥٧٥] لو جهر الإمام في السرية أو أَسَرَّ في الجهرية فما حكم قراءة المأموم؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
فقال المالكية، وهو وجه عند الشافعية: إن جَهَرَ خلاف السنة لم ينصت المأموم بل يقرأ؛ لأن جهره إذا وقع مخالفًا للسنة في حكم العدم، فلا يؤمر بالاستماع، ولأنه لو أمر بالإنصات لمطلق القراءة ولو كانت خلاف السنة لأمر بالاستماع للقراءة خارج الصلاة.
وكذلك لو أَسَرَّ في الجهرية لم يقرأ؛ لأن الإسرار في غير محله، فالاعتبار في الجهر والإسرار ما وقع بِمَحَلِّه متبعًا فيه سنة الصلاة، لا مطلقًا.
جاء في الفواكه الدواني: «ولا يقرأ معه أي المأموم فيما يجهر فيه على جهة السنية، بل يسن له الإنصات ..... وإنما قلنا على جهة السنية للاحتراز عما لو أَسَرَّ الإمام فيما يسن فيه الجهر، فإنه لا يستحب للمأموم القراءة خلفه، وعما لو جهر في محل السرِّ فلا يسن الإنصات خلفه، بل المستحب القراءة» (٣).
واختار الشافعية في الأصح: «أن الاعتبار بفعل الإمام، فإذا جهر في السرية أنصت، وإذا أَسَرَّ في الجهرية قرأ (٤).
قال النووي: «ولو جهر الإمام في السرية، أو أسر في الجهرية، فوجهان:
أصحهما، وهو ظاهر النص: أن الاعتبار بفعل الإمام.
стр. 1268
والثاني: بصفة أصل الصلاة» (١).
ولو قيل بالتفريق بين الجهر والإسرار، فإذا جهر في السرية قرأ؛ لمخالفة الإمام لسنة القراءة، فكان الجهر في حكم العدم.
وإذا أسر في الجهرية فإنه يقرأ؛ لأنه لا يستفيد من إنصاته، لأن الإنصات إنما يعد من أفعال الصلاة إذا كان يستمع فيه قراءة القرآن؛ لأن المستمع بمنزلة القارئ، ولأن المانع من القراءة هو الاستماع لقراءة الإمام إذا كان الجهر موافقًا فيه سنة القراءة، فإذا لم يسمع لقراءة الإمام فكيف ينصت؟ ولأن السكوت الطويل مُخِلٌّ بالمقصد الشرعي من إقامة الصلاة، وهو إقامة ذكر الله تعالى، والله أعلم.
* * *
стр. 1269
المبحث الثالث في قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة
المدخل إلى المسألة:
* لو كان من سنة الصلاة أن يقرأ في الركعة الثالثة والرابعة زيادة على الفاتحة لورد النقل به متواترًا، كوروده في الأوليين.
* قال ابن سيرين: لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
* حديث (كان يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورة وفي الأخريين بأم الكتاب) فالفعل (كان) يدل على الدوام والاستمرار، وهو نص في نفي قراءة ما زاد على الفاتحة في الأخريين.
* جاء حديث أبي قتادة في معرض تقسيم القراءة، ومخالفة الركعتين الأوليين للأخريين، واختصاص كل قسم بما ذكر بصيغة تدل على الدوام.
* حديث أبي سعيد الخدري توجه إلى تقدير القراءة عن طريق تقدير زمن القيام وهو تخمين، وحديث أبي قتادة نَصَّ على نفي قراءة ما زاد على الفاتحة، والنص مقدم على الظاهر، والصريح مقدم على المحتمل في الدلالة.
* حديث أبي قتادة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد في مسلم، ومن طرق الترجيح تقديم المتفق عليه على ما رواه أحدهما.
* حديث أبي قتادة يدل على أنه هو السنة، لأنه جاء بلفظ: (كان) الدال على الدوام والاستمرار، وحديث أبي سعيد يدل على الجواز؛ لأنه قام على تقدير القراءة بتقدير طول القيام وهذا حصل منهم في بعض الصلوات.
[م-٥٧٦] اختلف الفقهاء في مشروعية قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة من الصلاة الثلاثية والرباعية:
стр. 1270
فقيل: لا تسن القراءة فيهما، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي، قال النووي: وهو الأصح وبه أفتى الأكثرون، وقال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم (١).
قال في تحفة الفقهاء: «أما في الأخريين فالسنة أن يقرأ بفاتحة الكتاب لا غير» (٢).
قال النووي في الروضة: «وهل تسن السورة في الركعة الثالثة والرابعة؟ قولان:
القديم وبه أفتى الأكثرون لا تسن .... » (٣).
وهل تكره القراءة فيهما؟ على قولين:
أصحهما عند الحنفية أن القراءة فيهما خلاف الأولى (٤).
стр. 1271
والأصح عند الحنابلة، وهو قول عند الحنفية: أن القراءة مباحة (١).
وقيل: تسن القراءة فيهما، وهو قول الشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد، وبه قال بعض الحنفية (٢).
стр. 1272
وقيل: تسن القراءة فيهما أحيانًا، والأكثر تركها، وبه قال ابن القيم من الحنابلة، ورجحه بعض المتأخرين من الحنفية (١).
وقيل: تسن القراءة في الثالثة والرابعة من الظهر دون غيرها، وهذا اختيار ابن حزم (٢).
ولا أعلم أحدًا قال به قبله إلا أنه قد يقبل باعتباره ملفقًا من قولين، فأخذ بقول الشافعي في الجديد في الظهر، وأخذ بقول الجمهور بسائر الصلوات، فلا يعتبر محدثًا من كل وجه.
فصارت المسألة إلى ستة أقوال:
أحدها: لا تسن قراءة ما زاد على الفاتحة في الثالثة والرابعة مطلقًا.
والثاني: تسن مطلقًا.
والثالث: تسن أحيانًا.
والرابع: تباح.
والخامس: تكره القراءة أو خلاف الأولى.
والسادس: تسن في الظهر خاصة.
هذه أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وقد حان الانتقال إلى عرض الأدلة والحجج، والله المستعان وحده، لا شريك له.
* دليل من قال: لا تسن قراءة ما زاد على الفاتحة في غير الأوليين:
الدليل الأول:
(ح-١٤٧١) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله ابن أبي قتادة،
عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في
стр. 1273
الصبح، ورواه مسلم (١).
[اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير في ذكر القراءة في الركعتين الأخريين، وهي زيادة محفوظة اتفق عليها الشيخان] (٢).
стр. 1274
وجه الاستدلال:
قوله: (كان يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورة وفي الأخريين بأم الكتاب) فالفعل (كان) يدل على الدوام والاستمرار، وجاء الحديث في معرض تقسيم
стр. 1275
القراءة ومخالفة الركعتين الأوليين للأخريين، واختصاص كل قسم بما ذكر، والحديث رواه البخاري ومسلم، فهو أقوى مما يخالفه من جهة الإسناد، وأقوى من حيث الدلالة فهو نص في دلالته، غير محتمل، فينبغي أن يكون مثله قاطعًا للخلاف.
قال ابن دقيق العيد: «وقد يستدل بهذا الحديث على اختصاص القراءة بالأوليين، فإنه ظاهر الحديث، حيث فرق بين الأوليين والأخريين بما ذكر من قراءة السورة، وعدم قراءتها.
وقد يحتمل غير ذلك؛ لاحتمال اللفظ لأن يكون أراد تخصيص الأوليين بالقراءة الموصوفة بهذه الصفة، أعني التطويل في الأولى، والتقصير في الثانية» (١).
ولا يظهر لي هذا الاحتمال لأن التطويل والتقصير نص عليه أبو قتادة في الحديث، وخَصَّ ذلك في إطالة الركعة الأولى عن الثانية فقط، فانتفى حمل النفي في الأخريين على التطويل والتقصير، واختصاص التفاوت في الأوليين يعني أن الركعتين الثالثة والرابعة لا مجال للتفاوت بينهما في الطول والقصر؛ لأن القراءة فيهما مقصورة على الفاتحة فقط؛ ولأن التفاوت يأتي في الأوليين بسبب أن قراءة ما زاد على الفاتحة فيهما لم تتعين بسورة معينة بخلاف الأخريين.
* وأجيب عن هذا الحديث بجوابين:
الجواب الأول:
أن إطالة الركعة الأولى ليس راجعًا لطول القراءة.
قال ابن حجر: «وقال من استحب استواءهما: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء» (٢).
قال ابن الملقن: «وفي هذا الحمل ضعف؛ لأن السياق للقراءة» (٣).
الجواب الثاني:
قال بعض الشافعية في الجمع بين حديثي التطويل والتسوية: إن الإمام يطول في الأولى إن كان ينتظر أحدًا، وإلا سوَّى بين الأوليين.
стр. 1276
ولعله أخذ ذلك من قوله: وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم، وهو حديث ضعيف، وسوف يأتي تخريجه في مظانه إن شاء الله تعالى.
وتخصيص حديث أبي قتادة بهذه العلة المستنبطة قول ضعيف؛ لأن الحكم قد يكون معللًا وقد لا يكون، وإذا كان معللًا فقد تكون هي العلة وقد تكون غيرها، وقد تكون لمجموعة من العلل، منها هذه، ومنها أن التطويل في الأولى على الثانية؛ راجع إلى أن النشاط في الركعة الأولى أكثر، فناسب التخفيف في الثانية.
الدليل الثاني:
(ث-٣٦٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: «يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب (١).
[منقطع، الشعبي لم يسمع من عمر] (٢).
الدليل الثالث:
(ث-٣٦٣) روى ابن ماجه من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير،
عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب (٣).
[صحيح] (٤).
الدليل الرابع:
(ث-٣٦٤) روى البيهقي في السنن الكبرى، من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع،
стр. 1277
عن علي: أنه كان يأمر، أويحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الخامس:
قال الجصاص: «لو كان من سننها أن يقرأ في الأخريين بسورة لورد النقل به متواترًا كوروده في الأوليين» (٣).
الدليل السادس:
قال ابن سيرين: «لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» (٤).
* دليل من قال: تسن قراءة ما زاد على الفاتحة مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-١٤٧٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،
عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من
стр. 1278
العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (١).
* وأجيب عن هذا الاستدلال:
الجواب الأول:
أن هذا الحديث معارض لحديث أبي قتادة، وهو أرجح منه إسنادًا فحديث أبي قتادة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد في مسلم، ومن طرق الترجيح تقديم المتفق عليه على ما رواه أحدهما.
وأقوى منه من حيث الدلالة، فدلالته على الاقتصار على الفاتحة في الأخريين دلالة نصية، لا تحتمل غيره. وأما حديث أبي سعيد فهو قائم على التقدير والتخمين وهو لا ينضبط، وعرضة للخطأ، فالآيات ليست متساوية، والقراءة تختلف، فقد يرتل المصلي قراءته، فتطول، وقد يقرأ الآيات حدرًا فتقصر، قد جاء عنه ﷺ في مسلم أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من التي أطول منها، وبالجملة: فإن حديث أبي قتادة نص فلا يعارض بالتقدير والتخمين.
يقول ابن قدامة: «لو قدرنا التعارض وجب تقديم حديث أبي قتادة؛ لأنه أصح، ويتضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين» (٢).
ويقول ابن القيم: «حديث أبي سعيد ليس صريحًا في قراءة السورة في الأخريين، فإنما هو حزر وتخمين» (٣).
الجواب الثاني:
أن النبي ﷺ ربما فعل ذلك؛ لبيان الجواز، فتكون القراءة في الثالثة والرابعة مباحة، وإن كانت السنة ترك القراءة فيهما.
قال ابن رجب: «وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أن هذا كان يفعله
стр. 1279
أحيانًا لبيان الجواز، فيدل على أنه غير مكروه، خلافًا لمن كرهه» (١).
الجواب الثالث:
حديث أبي سعيد دليل على أن القراءة في الثالثة والرابعة مختص بالظهر دون غيرها. وهو قول ابن حزم، وسأبين وجه القول بذلك عند ذكر دليل ابن حزم.
الجواب الرابع:
أن حديث أبي سعيد قد روي عنه بلفظ يتفق مع حديث أبي قتادة،
(ح-١٤٧٣) فقد رواه ابن ماجه، قال: حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا المسعودي قال: حدثنا زيد العمي، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد الخدري، قال: اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله ﷺ ، فيما لم يجهر فيه من الصلاة، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر، بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في العصر، على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر (٢).
فجعل الركعة الثانية على النصف من الركعة الأولى، ولم يسوِّ بينهما، وحمل رواية أبي سعيد على رواية أبي قتادة أولى من إثبات التعارض.
* وأجيب:
بأن رواية ابن ماجه معلولة (٣).
стр. 1280
الدليل الثاني:
(ث-٣٦٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء،
أنه سمع أبا هريرة ﵁، يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير (١).
وجه الاستدلال:
ظاهر قول أبي هريرة (وإن زدت فهو خير) استحباب القراءة في جميع الركعات، لإطلاقه الزيادة، قال ابن حجر: وهو ظاهر حديث أبي هريرة (٢).
стр. 1281
* ويجاب عن أثر أبي هريرة بجوابين:
أحدهما: أن هذا موقوف، ومعارض للمرفوع من حديث أبي قتادة في الصحيحين، والموقوف لا يعارض به المرفوع، فضلًا أن يُقَدَّم عليه.
الجواب الثاني: أن يقال: قول أبي هريرة: (وإن زدت فهو خير)، مجمل، فيحمل على زيادة خاصة، وهي الموافقة للسنة، كما في حديث أبي قتادة في الصحيحين، من قصر الزيادة على الأوليين من الصلوات، دون سائر الركعات.
الدليل الثالث:
(ث-٣٦٦) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث،
عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة: سورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه. فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: ٨] (١).
[صحيح] (٢).
стр. 1282
وجه الاستدلال:
أن أبا بكر ﵁ له سنة متبعة، كما جاء في حديث العرباض بن سارية: قال ﷺ : ... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وهو حديث مشهور.
* وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
حمل ابن عبد البر والقرطبي وأبو الوليد الباجي وابن قدامة وغيرهم أن هذا من قبيل الدعاء، وليس على طريقة القراءة في الصلاة.
قال ابن عبد البر عن قراءة أبي بكر: «إنما هو ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من أهل الردة» (١).
ونقل ذلك القرطبي في تفسيره ونسبه للعلماء (٢).
وقال نحوه أبو الوليد الباجي في المنتقى (٣).
وقال ابن قدامة: «ما فعله الصديق ﵀ إنما قصد به الدعاء، لا القراءة؛
стр. 1283
ليكون موافقًا لفعل النبي ﷺ ، وبقية أصحابه» (١).
وقال أحمد كما في رواية الأثرم: «إن شاء قاله، قال: ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء» (٢).
(ث-٣٦٧) وروى الطحاوي من طريق يزيد بن هارون، أخبرني محمد بن راشد،
عن مكحول، قال: والله ما كانت قراءة، ولكنها كانت دعاء (٣).
* ويناقش:
القول بأنه نوى بذلك الدعاء أمرٌ لا يمكن الوقوف عليه؛ لأن الوقوف على نية الفاعل لا يمكن العلم بها إلا من جهته، ولم يَأْتِ نص من أبي بكر يبين أنه نوى القنوت ولم يَنْوِ القراءة، فالكلام فيها من الرجم بالغيب، والمقام مقام قراءة، والمتْلُوُّ قرآن، فالأصل أنه يحمل على القراءة حتى يتبين العكس.
والقنوت من الإمام لا يكون سرًّا في الصلاة، بل يجهر به؛ من أجل تأمين المصلين، كما كان النبي ﷺ يقنت في النوازل جهرًا.
الجواب الثاني:
قوله: (وسنة الخلفاء الراشدين) أي لا يتصور سنة للخلفاء الراشدين إلا في أمر لم يحفظ فيه سنة للرسول ﷺ ، فما سن فيه الرسول ﷺ سنة، فليس لهم فضلًا عن غيرهم، ولا ينبغي أن يكون لهم سنة مخالفة، وإلا لما كانوا راشدين مهديين، لهذا كان من الشرط المتفق عليه للعمل بالموقوف ألا يعارض مرفوعًا، ولا يخالفه غيره من الصحابة، وهذا الشرط لا يتحقق في هذا الأثر:
فهو معارض للسنة المتفق عليها من حديث أبي قتادة ﵁.
قال ابن قدامة: «ولو قُدِّرَ أنه -يعني أبا بكر- قصد بذلك القراءة، فليس بموجب ترك حديث النبي ﷺ وفعله» (٤).
стр. 1284
وقد خالفه غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، كما خرجت ذلك من فعل علي ﵁ وجابر، وغيرهما ..
قال مالك: ليس العمل عندي على أن يقرأ في الثالثة من المغرب بعد أم القرآن ربنا لا تزغ قلوبنا (١).
الجواب الثالث:
قوله: (وسنة الخلفاء)، السنة مضافة للخلفاء، فهو يشير إلى سنة يتوافق عليها الخلفاء، وليس سنة ينفرد بها بعضهم دون بعض، وإلا لقال عليكم بسنتي وسنة الخليفة الراشد، فلما قال: (وسنة الخلفاء) فهم منه سنة يتوافق عليها الخلفاء الراشدون، فهذا عليٌّ ﵁ كان يقتصر على قراءة الفاتحة في الثالثة والرابعة، وروي نحو ذلك عن عمر ﵁، وهما من الخلفاء الراشدين، وجاء مثل ذلك عن جابر ﵁، فلا يصح القول: إن القراءة فيما زاد على الفاتحة في الثالثة والرابعة من سنة الخلفاء الراشدين، وإذا كان الترك من سنتهم والقراءة من سنتهم كان ذلك إما تقديم الترك لموافقته السنة المتفق عليها من حديث أبي قتادة على غيره، أو يحمل ذلك على أن الأمر واسع، وأن القراءة وتركها جائزة.
الدليل الرابع:
(ث-٣٦٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا في كل ركعة، بأم القرآن وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة (٢).
[صحيح].
* وأجيب:
بأن فعل ابن عمر ﵄ يشعر بالجواز، وليس بالسنية؛ لأن القراءة
стр. 1285
في الثالثة والرابعة لو كانت سنة متبعة لم يكن هناك فرق بين الصلاة وحده، وبين الصلاة بالناس، وإلا لاعتبر فعل ابن عمر قولًا آخر من الأقوال في المسألة، ولم أذكره في الأقوال لأني لم أفهم من فعل ابن عمر إلا ما دل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا في الصحيحين: (إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف ... وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) (١).
ولأنه لم يحفظ في السنة المرفوعة أن الرسول ﷺ كان يجمع بين السور في الركعة الواحدة في الفريضة، وإنما حفظ ذلك في النافلة؛ للسبب نفسه، لأن النفل يحتاج فيه المصلي إلى طول القيام بخلاف الفرض.
ولأنه حين ترك القراءة في ثالثة المغرب خلافًا لفعل أبي بكر كان راجعًا إلى عدم استحباب التطويل في صلاة المغرب، فالسنة في المغرب أن تكون القراءة في الأوليين من قصار المفصل، فإذا قصرت القراءة في الأوليين لم يكن هناك حاجة إلى إطالة الركعة الثالثة، والله أعلم.
وبالتالي لا يمكن أن نأخذ من هذا الأثر استحباب قراءة ما زاد على الفاتحة في الثالثة والرابعة من الفريضة، والله أعلم.
* دليل من قال: يباح فعله ولا يسن:
حملوا حديث أبي قتادة على أنه هو السنة، لأنه جاء بلفظ: (كان يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورة وفي الأخريين بأم الكتاب) فالفعل (كان) يدل على الدوام والاستمرار.
وحملوا حديث أبي سعيد الخدري أنه فعل ذلك لبيان الجواز؛ لأنه قام على تقدير القراءة بتقدير طول القيام، وقد يكون هذا التقدير لبعض الصلوات، وليس لكل صلواته، وإلا لكان معارضًا لحديث أبي قتادة، وهو أصح منه.
стр. 1286
ومما يدل على الإباحة فعل ابن عمر ﵄ حيث كان يفعل ذلك إذا صلى وحده، فلو كان يراه من السنة لفعله إذا صلى بالناس، وقد سبق لك توجيه فعل ابن عمر على الإباحة.
* دليل من قال: يكره القراءة في الثالثة والرابعة:
اعتمد هذا القول إلى ترجيح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد الخدري، وقد عرفت مستند الترجيح:
فحديث أبي قتادة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد من أفراد مسلم.
وحديث أبي قتادة صريح الدلالة، وحديث أبي سعيد ظاهر الدلالة، وإذا تعارض الصريح والظاهر قدم الصريح.
وإذا ترجح حديث أبي قتادة، وأنه هو السنة كانت مخالفة السنة مكروهة، أو خلاف الأولى بخلاف ترك السنة، فقد لا يلزم من تركها الوقوع في المكروه؛ لأن هذا الذي قرأ يقال له: ما أردت بفعلك؟ فإن قال: زيادة الأجر، قيل: هذا استدراك على الشارع، فالرسول ﷺ ما كان يقرأ في الثالثة والرابعة زيادة على الفاتحة، وإن لم يرد الأجر كان ترك القراءة أولى من فعله، فالتحق بالمكروه.
* ونوقش:
بأن حديث أبي سعيد حديث صحيح، ولا يلزم من كون حديث أبي قتادة أصح أن يطرح حديث أبي سعيد، إلا لوكان الحديثان متعارضين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فإذا أمكن الجمع بين الدليلين لزم ذلك؛ لأن سلوك الترجيح يؤدي إلى طرح أحد الدليلين مع ثبوت صحته، والجمع إعمال لهما جميعًا، فتعين. وسيأتي كيفية الجمع بينهما بلا تكلف فيما بقي من أدلة المسألة، والله أعلم.
* دليل من قال: يقرأ في الثالثة والرابعة من الظهر خاصة:
(ح-١٤٧٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،
عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر
стр. 1287
فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (١).
وجه الاستدلال:
الحديث يدل على أنهم قدروا قيامه ﷺ في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر: أي بمقدار خمس عشرة آية، نصفها متعين للفاتحة، وقدروا قيامه في الأخريين من العصر على النصف من ذلك. أي أن قيامه في الأخريين من العصر لا يتجاوز قدر سبع آيات، وذلك يعني أن قيامه بمقدار فاتحة الكتاب.
فهذا دليل على أنه ﷺ كان لا يزيد في الأخريين من العصر على فاتحة الكتاب بخلاف الظهر.
وإذا كان لا يزيد في الأخريين من العصر على فاتحة الكتاب، فهو لا يزيد في العشاء، ولا في المغرب لعدم الدليل المقتضي، فالقراءة في العشاء على قدر القراءة في العصر، والقراءة في الأوليين من المغرب من قصار المفصل، فالأخريان لا قراءة فيهما، ولا يصح القول بقياسهما على الظهر؛ لانتقاضه بصلاة العصر، وهي رباعية، فصار حديث أبي سعيد خاصًّا بالثالثة والرابعة من الظهر وحدها، والله أعلم.
* ونوقش:
بأن قوله: (حزرنا قيامه في الأخريين) فقيام مفرد نكرة مضافة إلى النبي ﷺ ، فيحتمل الحديث: أن المراد جميع قيامه في الركعة، كما تفيده دلالة النكرة إذا أضيفت إلى معرفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ﴾ فـ (نعمة) وإن كانت بلفظ المفرد إلا أنها اكتسبت العموم بإضافتها إلى لفظ الجلالة، ولهذا قال: لا تحصوها.
ويحتمل أن الصحابي أراد بالتقدير فيما سوى الفاتحة؛ لكونها معلومة، فلم
стр. 1288
تدخل بالتقدير، والأول هو الظاهر من الحديث، لكن لا يمكن الجزم به، والله أعلم.
* دليل من قال: يسن فعلها أحيانًا:
هذا القول استند إلى الجمع بين حديث أبي قتادة، وحديث أبي سعيد الخدري،
فحديث أبي قتادة يدل على أن هذا كان أكثر فعله ﵊، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دل عليه حديث أبي سعيد.
ذكر هذا ابن القيم في الهدي، وقال: «وهذا كما أن هديه ﷺ كان تطويل القراءة في الفجر، وكان يخففها أحيانًا، وتخفيف القراءة في المغرب، وكان يطيلها أحيانًا، وترك القنوت في الفجر، وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان يسمع الصحابة الآية فيها أحيانًا، وترك الجهر بالبسملة، وكان يجهر بها أحيانًا» (١).
وقال صاحب فيض الباري: «ثبتت القراءة بالسورة أيضًا، فلا مناص إلا بالقول بالجواز، وهو قول فخر الإسلام منا، وهو الأصوب عندي، ولعل الأكثر من فعل النبي ﷺ تركها، وهو السنة» (٢).
وبهذا الجمع نكون قد أعملنا كلا الدليلين، وبه نفهم ما ينقل عن بعض الصحابة من القراءة أحيانًا في بعض الصلوات، وتكون القراءة وتركها من العبادات المتنوعة التي جاءت على أكثر من وجه، فإذا وجد الإنسان نشاطًا على العبادة وأراد أن يقرأ في الثالثة والرابعة ساوى في القراءة بين الركعتين الأوليين وكأنهما ركعة واحدة، وقرأ في الثالثة والرابعة على النصف من قراءته في الأولى والثانية، وأن يكون هذا أحيانًا، وأن يكون غالب فعله ترك القراءة، وأن يكون التفاوت بين الركعة الأولى والثانية فقط، كما دل عليه حديث أبي قتادة، والله أعلم.
* الراجح:
أن القراءة في الثالثة والرابعة يفعله أحيانًا، وإن كان الأكثر من الفعل الاقتصار على قراءة الفاتحة، والله أعلم.
* * *
стр. 1289
المبحث الرابع في أقل ما تحصل به السنة من القراءة بعد الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
* الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن في الصلاة جاء مطلقًا في الكتاب والسنة.
* النص المطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نَصٌّ شرعي، أو إجماع، ولا مقيد هنا.
* سنة القراءة لا تحصل إلا بآية فأكثر إلا أن تكون الآية طويلة كآية الدَّيْنِ فتحصل السنة ببعض الآية بشرط الإفادة.
[م-٥٧٧] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
يتفق الفقهاء على استحباب قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الأوليين (١)، لأنه الغالب من فعل الرسول ﷺ ، حيث كان يقرأ بسبح مع الغاشية والجمعة مع المنافقون والسجدة مع الإنسان، والكافرون مع الإخلاص.
واختلفوا في أَقَلِّ مقدار تحصل به السنة:
فقيل: سورة قصيرة قدرها ثلاث آيات، أو ثلاث آيات قصيرة من أي سورة، أو آية طويلة، وهذا مذهب الحنفية (٢).
وقيل: يحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، ولو بعض آية إن كان له بال، كآية الدَّيْنِ وآية الكُرْسِيِّ ونحوهما، وهذا مذهب المالكية، والأوجه في مذهب الشافعية (٣).
стр. 1290
وقال الحنابلة: تجزئ آية إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدَّيْنِ والكرسِيِّ (١).
وقال البهوتي: والظاهر عدم إجزاء آية لا تستقل بمعنى أو حكم نحو ﴿ثُمَّ نَظَر﴾، [المدثر: ٢١] أو ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ [الرحمن: ٦٤].
* دليل من قال: يحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، ولو بعض آية:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
الدليل الثاني:
وقال ﷺ للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .. (٢).
وجه الاستدلال من الآية والحديث:
أن الأمر بقراءة القرآن في الصلاة جاء مطلقًا في الكتاب والسنة، والمطلق على إطلاقه، فيحصل فيه الامتثال بما يطلق عليه قرآن، حيث لم يقدر قدرًا معينًا، فكل من قرأ شيئًا من القرآن، ولو بعض آية فقد امتثل الأمر، لأن النصوص المطلقة
стр. 1291
لا يقيدها إلا نصوص شرعية، أو إجماع، ولا مقيد هنا، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٤٧٥) ما رواه أبو داود من طريق محمد -يعني ابن عمرو- عن علي بن يحيى ابن خلاد، عن أبيه،
عن رفاعة بن رافع، - بقصة المسيء صلاته- قال: إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ .... الحديث (١).
[زيادة (ثم اقرأ بأم القرآن) انفرد بها محمد بن عمرو، وليست محفوظة] (٢).
* دليل من قال: تحصل السنة بقراءة آية كاملة:
الدليل الأول:
أن النبي ﷺ أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) علمًا أن قوله: (الحمد لله) هو بعض آية من الفاتحة.
وقوله: (وسبحان الله) جزء من آية في سورة النمل، كما في قوله: وسبحان الله وما أنا من المشركين.
وقوله: (لا إله إلا الله) جزء من آية في سورة الصافات، (إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) ومثله التكبير، ومع ذلك عدل به الشارع إلى الذكر، ولم يعتبر بعض هذه الآيات قرآنًا، فدل على أن سنة القراءة لا تحصل إلا بآية فأكثر، والله أعلم.
الدليل الثاني:
استدلوا أيضًا بأدلة القول الأول إلا أنهم حملوا الأمر بقراءة ما تيسر على الآية
стр. 1292
الواحدة، وعللوا ذلك بأنه إذا قرأ بعض الآية فقد يقف في غير موضع الوقف فينقطع الكلام المترابط، وقد يخل بالمعنى، فيفهم منه غير المعنى المراد، وقد يخفى ذلك.
وهذا التعليل يلزم منه أن تكون تلاوة التعبد لابد فيها من فهم المعنى، وليس ذلك بشرط، فلو قرأ الآية أعجميٌّ، لا يفهم المعنى المراد من الآية أجزأ ذلك عنه، فإذا لم يعلم المصلي فساد المعنى من قراءة بعض الآية فالأصل صحة تلاوته، وسلامة المعنى مطلوب في التلاوة وإن لم يكن شرطًا في صحتها، وإنما من أجل أنه يقبح بالقارئ الوقوف في الآي على لفظ يفسد المعنى، ولو كان ذلك خارج الصلاة، فكيف وهو يناجي به ربه في صلاته.
* دليل من قال: سورة أو ثلاث آيات من غيرها:
قالوا: لأن المعجز هو السورة، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾، وأقصر السور ثلاث آيات كسورة الكوثر، أو ثلاث آيات من غيرها تقوم مقامها، أو آية طويلة تكون بقدر السورة.
* ويناقش:
بأن التحدي قد وقع بأقل من سورة، في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤].
ولو سلمنا أن التحدي والإعجاز لا يكون بأقل من سورة، فأين الدليل على أن هذا شرط في تلاوة التعبد في الصلاة، فالتعبد في الصلاة يطلب للثواب، وهو حاصل بتلاوة الآية والآيتين.
(ح-١٤٧٦) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق موسى بن علي، قال: سمعت أبي، يحدث،
عن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كَوْمَاوَيْنِ في غير إثم، ولا قَطْعِ رحم؟ فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتين،
стр. 1293
وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٤٧٧) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا محمد ابن الفضيل، عن أبي سفيان، طريف السعدي عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد، وسورة في فريضة أو غيرها.
[ضعيف جدًّا] (٢).
* وأجيب:
بأن الحديث مع شدة ضعفه، قد خالف فيه طريفٌ السعديُّ من هو أوثق منه.
فرواه قتادة بن دعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، بلفظ: (أمرنا نبينا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر).
وفي رواية: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) وليس فيه ذكر السورة.
ورواه سعيد بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا، بلفظ: (في كل صلاة قراءة قرآن: أم الكتاب فما زاد)، وليس فيه ذكر السورة.
ورواه العوام بن حمزة، حدثنا أبو نضرة، سألت أبا سعيد الخدري عن القراءة خلف الإمام، قال: بفاتحة الكتاب.
وهذا موقوف، إلا أنه لم يذكر زيادة على الفاتحة، وقد سبق تخريج هذه الطرق في المجلد السابق، فأغنى ذلك عن ذكرها هنا، ولله الحمد.
* الراجح:
أن السنة تحصل بقراءة آية كاملة أو بعض آية طويلة، والله أعلم.
* * *
стр. 1296
المبحث الخامس في قراءة السورة قبل الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
* عمل الرسول ﷺ في صلاته وعمل المسلمين: هو تقديم أم القرآن في قراءة الصلاة على غيرها من القرآن.
* إذا قرأ قبل الفاتحة حصلت له سنة القراءة، لأن القراءة محلها القيام، وفاته سنة الترتيب بينها وبين الفاتحة.
* لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.
* إذا جاء بالقراءة قبل الفاتحة لا يعتبر هو ومن لم يقرأ سواءً.
[م-٥٧٨] اختلف العلماء في قراءة السورة قبل الفاتحة، هل تحصل بها السنة:
فقيل: يجب تقديم الفاتحة على السورة، حتى لو قرأ حرفًا من السورة قبل الفاتحة ساهيًا، ثم تذكر، فإنه يقرأ الفاتحة، ثم السورة، ويلزمه سجود السهو، وهذا مذهب الحنفية (١).
قال ابن الهمام: «ولو بدأ بحرف من السورة قبل الفاتحة فذكر، فقرأ الفاتحة يسجد للسهو للتأخير» (٢).
وقال الجمهور: لو قدمها لم تحسب، ويستحب له أن يعيد السورة (٣).
стр. 1297
وجاء في تعليقة القاضي حسين: «لو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يحسب، وقال الشافعي نصًّا، أَسْتَحِبُّ له أن يعيد السورة بعد الفاتحة» (١).
وقيل: يكره، وقراءته صحيحة، اختاره ابن حزم (٢).
* دليل الحنفية على وجوب تقديم الفاتحة:
قال ابن نجيم: يجب تقديم الفاتحة على السورة؛ لثبوت المواظبة منه ﷺ (٣).
يعني: وقد قال ﷺ : كما في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي). رواه البخاري، وسبق تخريجه.
ومذهب الحنفية قائم على مسألتين:
إحداهما: وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة.
الثانية: وجوب الترتيب بينها وبين الفاتحة.
ومنزعهم في المسألتين ضعيف،
أما منزعهم في وجوب ما زاد على الفاتحة: فقد أفردت لهذه المسألة مبحثًا مستقلًّا، وبينت أنه قول مرجوح، وأن حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، مفهومه: أن من قرأ فاتحة الكتاب فله صلاة. يعني فيما يتعلق بالقراءة، إلا أن الحنفية لا يرون المفهوم حجة مطلقًا، وهي مسألة خالفوا فيه الجمهور، وأدلة المسألة يراجع فيها أصول الفقه.
وأما منزعهم في وجوب الترتيب: فهو المواظبة على هذا الترتيب من فعله ﷺ ، حيث لم يحفظ أنه خالف في ذلك ولو مرة واحدة ليبين الجواز.
والمواظبة بمجردها لا تكفي حجة للقول بالوجوب، فهناك عبادات كثيرة واظب عليها النبي ﷺ ، ولم يذهب الحنفية إلى القول بوجوبها، من ذلك الوضوء، وسنة الفجر، وغيرهما، فالفعل المجرد يدل على الاستحباب، والمواظبة قد تجعل منها سنة مؤكدة، لكن لا يمكن القول بالوجوب لمجرد المواظبة، حتى يلحق
стр. 1298
المصلي الإثم إذا تعمد الإخلال بها، والله أعلم.
* دليل الجمهور على استحباب إعادة السورة بعد الفاتحة:
أن القراءة بعد الفاتحة سنة في الصلاة في مَحَلِّها، ومحلُّها بعد الفاتحة، لا قبلها، فإذا جاء بالسنة في غير محلها لم تحسب، وكأنه لم يفعل شيئًا، كما لو قرأ التشهد في القيام، واستحب له الإعادة، ولم تجب؛ لأن قراءة ما زاد على الفاتحة ليس بواجب أصلًا، ولا يوجب ذلك سجود سهو؛ لأن القيام محل للقراءة في الجملة.
* دليل ابن حزم على كراهة تقديم السورة مع صحة الصلاة:
قال ابن حزم: «عمل المسلمين وعمل رسول الله ﷺ : هو تقديم أم القرآن، فكرهنا خلاف هذا، ولم نبطل الصلاة به؛ لأنه لم يَأْتِ عنه نهي، وقد قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. [المزمل: ٢٠]، والعجب ممن يشنع هذا، ويجيز تنكيس الوضوء، وتنكيس الطواف، وتنكيس الأذان» (١).
* الراجح:
أما القول بوجوب الترتيب بين الفاتحة والسورة فهو ظاهر الضعف.
وأما القول باستحباب الترتيب بينهما فهو ظاهر، ويبقى الخلاف في مسألتين:
في استحباب إعادة القراءة. وفي كراهة تقديم السورة على الفاتحة.
فأما الأولى: فإذا جاء بالقراءة قبل الفاتحة أيعتبر هو ومن لم يقرأ سواء، أم يقال: إن القراءة محلها القيام، وهذا سنة، وكونها بعد الفاتحة سنة أخرى، فإخلاله بالمحل لا يعود بالإخلال على القراءة، فاعتباره كأنه لم يقرأ فيه ضعف، وعليه فاستحباب الإعادة قد يحتاج إلى دليل.
وقد يقال: إن السنة الأخرى وهو كونها بعد الفاتحة لم يفت محلها، والقيام كله محلٌّ للقراءة، فإذا قرأ قبل الفاتحة فقراءته صحيحة، فإذا فرغ من الفاتحة استحب له القراءة أيضًا لأن هذا محل للقراءة أيضًا فيستحب له القراءة، لا سيما إذا قرأ غير الآيات التي قرأها حتى لا يقال: أعادها، فالتوجيه هذا قول أقوى من القول
стр. 1299
باستحباب الإعادة للآيات التي قرئت، والله أعلم.
هذا فيما يتعلق باستحباب إعادة القراءة، وأما القول بكراهة تقديم السورة على الفاتحة، فيقال: لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فما لم يرد نهي من الشارع عن تقديم السورة على الفاتحة لا يمكن المصير إلى القول بالكراهة، لكن بعض الأصوليين يرون من قسم المكروه ترك السنن المؤكدة، ويعبرون عنه بخلاف الأولى، فهل الترتيب بينهما من السنن المؤكدة لمواظبة النبي ﷺ على هذا الترتيب، ومراعاة لخلاف الحنفية حيث يقولون بوجوب الترتيب، فيه تأمل.
وعلى كل حال فالقول بأنه خلاف الأولى أخف من القول بالكراهة، لأن هذا يلزم منه أن الشارع نهى عنه لا على سبيل الإلزام. وهو لم يحفظ في النصوص، والله أعلم.
* * *
стр. 1300
المبحث السادس
في إطالة الركعة الأولى عن الثانية
المدخل إلى المسألة:
* أكثر الأحاديث التي ورد فيها التنصيص على السور تدل على تفضيل الأولى على الثانية، كقراءة السجدة مع الإنسان، وقراءة سورة ق مع القمر، وقراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر.
* في المسألة حديثان: حديث أبي قتادة ودلالته صريحة على تطويل الأولى على الثانية، وجاء بلفظ (كان ... ) الدال على الاستمرار غالبًا، وحديث أبي سعيد ظاهره يقضي تسوية الركعة الثانية على الأولى عن طريق التخمين والحرز.
* لا يلزم من كون حديث أبي قتادة أصح من حديث أبي سعيد أن يطرح حديث أبي سعيد، إلا لوكان الحديثان متعارضين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما.
* حديث أبي قتادة يدل على غالب فعل النبي ﷺ وحديث أبي سعيد يدل على أنه ربما سوَّى بين الركعتين أحيانًا.
[م-٥٧٩] ما ورد فيه نص بتفضيل الأولى على الثانية، كما في قراءة السجدة مع الإنسان في صلاة الفجر من يوم الجمعة (١)، أو قراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر (٢).
أو ورد فيه بتفضيل الثانية على الأولى كما في قراءة سورة الأعلى مع الغاشية في صلاة الجمعة والعيدين (٣).