← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

المبحث الخامس في مقدار القراءة في صلاة الظهر المدخل إلى المسألة: * قرأ النبي ﷺ بالظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وقدر بعض الصحابة قيامه بالظهر بمقدار ثلاثين آية في كل ركعة، وكان أحيانًا يطيل القيام حتى إن الذاهب ليذهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم ينقلب إلى أهله فيتوضأ، ويدرك الركعة الأولى، واختلاف المنقول في قدر القراءة في الصلاة يدل على أن الأمر واسع. * قال ابن عبد البر: «لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﵇ (من أم الناس فليخفف) ولم يحد شيئًا». * قال الزرقاني في شرح الموطأ: «وتخفيفه ﷺ مرة، وربما طول يدل على أن لا توقيت في القراءة بعد الفاتحة، وهذا إجماع». * الأصل في قيام الظهر أنه أقل من الصبح، وأطول من العصر والعشاء. [م-٥٩١] اختلف الفقهاء في المستحب في قدر القراءة في صلاة الظهر: فقيل: يقرأ في الظهر من طوال المفصل، وهو مذهب الحنفية، وقول أشهب من المالكية (١). وقال محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية: يقرأ مثل الفجر أو دونه (٢).

стр. 1437

وقال المالكية والشافعية: الظهر تلي الصبح بالطول، أي دونها فيه، وهو رواية عن أحمد، وبه قال إسحاق (١). قال في تحفة المحتاج: «يسن كما في الروضة وأصلها وغيرهما نقص الظهر عن الصبح بأن يقرأ فيها قريب طواله» (٢). وقد يجمع بين القولين بأن يقال: طوال المفصل متفاوت في الطول، فيختار للظهر الطوال وللصبح الأطول، وبهذا يكون الظهر قريبًا من مقدار صلاة الصبح، وكلاهما من طوال المفصل. ومحل الاستحباب عندهما: إذا كان منفردًا، أو كان إمامًا، وكانت الجماعة محصورة وآثروا التطويل، كما نبهت على ذلك في القراءة في صلاة الصبح (٣). وقال ابن حزم: يقرأ في الظهر في كل ركعة مع أم القرآن نحو ثلاثين آية (٤). وقيل: القراءة بالظهر بأواسط المفصل، وهو مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الحنفية (٥).

стр. 1438

* دليل من قال: يقرأ في الظهر من طوال المفصل أو دونه بقليل: الدليل الأول: (ح-١٥٤٠) ما رواه مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته. ثم يتوضأ. ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها. ورواه مسلم من طريق ربيعة بن يزيد، قال: حدثني قزعة به (١). الدليل الثاني: (ح-١٥٤١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (٢). وجه الاستدلال: ورواية (قدر ثلاثين آية) لا تختلف عن رواية تقدير القراءة بـ ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة لأن سورة السجدة قدرها ثلاثون آية، فإذا قورنت السجدة بطوال المفصل من جهة عدد الكلمات كانت السجدة أطول منهن، حيث تبلغ ثلاثة أوجه، وأطول سورة في المفصل تقصر عن ثلاثة أوجه، وإن قورنت بعدد الآيات كانت بعض

стр. 1439

سور المفصل أطول منها حيث تبلغ سورة (ق) خمسًا وأربعين آية، والفارق يسير بين السجدة و (ق). الدليل الثالث: (ث-٦٩٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: لما نص على أن العشاء من أوساط المفصل، والمغرب من قصاره، والصبح من طواله، وكان يخفف العصر، فأطلق الإطالة في الظهر، فكانت أطول من العشاء والتي نص على مقدار القراءة بأوساط المفصل، وأقصر من الصبح والذي نص على مقدار القراءة بطوال المفصل، فهي بين الصبح والعشاء. الدليل الرابع: من الآثار: (ث-٣٩٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن جميل بن مرة، عن مورق العجلي قال: صليت خلف ابن عمر، الظهر فقرأ بسورة مريم (٣). [صحيح] (٤). (ث-٣٩٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سيف،

стр. 1440

عن مجاهد، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بـ كهيعص (١). [صحيح] (٢). (ث-٣٩٩) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: صليت إلى جنب عبد الله بالنهار، فلم أَدْرِ أي شيء قرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. [طه: ١١٤]، فظننت أنه يقرأ في طه (٣). [صحيح]. (ث-٠٠٤) منها ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان، عن جميل بن مرة، وحكيم أنهما دخلا على مورق العجلي فصلى بهم

стр. 1441

الظهر، فقرأ بقاف والذاريات أسمعهم بعض قراءته. فلما انصرف قال: «صليت خلف ابن عمر فقرأ بقاف والذاريات، وأسمعنا نحو ما أسمعناكم (١). [صحيح]. * دليل من قال: يقرأ من أواسط المفصل: الدليل الأول: (ح-١٥٤٢) ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك. وفي الصبح أطول من ذلك (٢). ورواه مسلم من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفي الصبح بأطول من ذلك (٣). ورواه أحمد، وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق حماد بن سلمة، عن سماك به، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِق﴾ ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج﴾ ونحوها من السور (٤). [اضطرب فيه سماك في تعيين السور، ورواية ابن مهدي عن شعبة أقربها] (٥). الدليل الثاني: (ح-١٥٤٣) روى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى، يحدث،

стр. 1442

عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: أيكم قرأ -أو أيكم القارئ؟ فقال رجل أنا، فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها (١). * ونوقش: هذا الفعل يدل على جواز القراءة من أواسط المفصل أحيانًا، وليس فيه ما يدل على استحباب تحديد القراءة بهذا المقدار في كل صلاة، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١٥٤٤) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي، أخبرنا روح بن عبادة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا قتادة، وثابت، وحميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾ (٢). [صحح أبو حاتم والدارقطني وقفه على أنس] (٣).

стр. 1443

وليس في كونه موقوفًا ما يدفع الاحتجاج به، فآثار الصحابة رضوان الله عليهم صالحة للاحتجاج ما لم يخالف مرفوعًا، أو يخالف غيره من الصحابة، فالظن بهم أنهم يصلون كما كان النبي ﷺ يصلي بهم، وما اقتدى أحد برسول الله ﷺ مثل صحابته، وفي الصلاة هم أشد اقتداء. الدليل الرابع: (ث- ١٠٤) قال الترمذي في السنن: وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أَنِ اقرأ في الظهر بأوساط المفصل (١). [لم أقف عليه موصولًا بهذا اللفظ] (٢).

стр. 1444

الدليل الخامس: أن الصبح صلاة قصيرة، ووقتها واسع، فحسن تطويلها، والمغرب وقتها ضيق، فحسن تقصيرها، وبقية الصلوات سعة الوقت يقتضي التطويل، وكمال عددها يقتضي التقصير فاقتضت التسوية بينهما التوسط (١). وهذا الكلام يصلح في التماس حكمة التشريع، لا في كونه دليلًا على مقادير القراءة، فالمقادير في كل شيء يحتاج إلى توقيف. ووقت المغرب على القول بأن لها وقتين بداية ونهاية، وهو الصحيح فهو قريب من الفجر إلا أنه معكوس، فوقت الفجر يبدأ من الفجر الصادق: وهو البياض المعترض في الأفق، ثم يتلو ذلك حمرة تنتشر في الأفق تسبق طلوع الشمس، ثم ينتهي وقت الفجر بطلوع الشمس، واعكس هذه العلامات في وقت المغرب، فالمغرب يبدأ بغياب الشمس عكس الصبح الذي ينتهي بطلوع الشمس، ثم تنتشر حمرة في الأفق ويستمر وقت المغرب إلى حين زوال حمرة الشفق، وهي لا تزول

стр. 1445

دفعة واحدة، وإنما تبدأ تخف تدريجيًّا شيئًا فشيئًا حتى تتحول إلى بياض مستطيل في الأفق مشوبًا بصفرة، وهذا يقابله في وقت الصبح (الفجر الصادق) فإذا كان الفجر الصادق علامة على طلوع الصبح، فإنه في المغرب على العكس من ذلك، فغيابه علامة على انتهاء وقت المغرب، فزيادة المغرب بركعة واحدة لا تحدث مثل هذا الفرق في القراءة من الانتقال من طوال المفصل إلى قصاره، ولعل الفارق أن صلاة الصبح تبدأ بعد نوم الناس وراحة أبدانهم، وقمة نشاطهم، بخلاف المغرب، فهو في آخر النهار بعد يوم حافل من العمل وطلب الرزق، والمعول على النصوص في تقدير القراءة بعد أن يعلم الإمام أنه لا يوجد ما يدعو للتخفيف، من شغل، أو سهر ونحوه، والله أعلم. * الراجح: اختلاف المنقول في قدر القراءة في الصلوات يدل على أن أمر القراءة واسع، وقد اختلف العلماء في الجمع بينها: فقيل: الأصل طول القراءة، والتخفيف في الظهر عارض، إما لبيان الجواز، أو مراعاة اختلاف الوقت أو مراعاة أحوال المأمومين. قال النووي: «واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كان بحسب الأحوال، فكان النبي ﷺ يعلم من حال المأمومين في وقت أنهم يؤثرون التطويل، فيطوِّل، وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه، فيخفف، وفي وقت يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي، كما ثبت في الصحيحين، والله أعلم» (١). قال أبو بكر الأثرم: «الوجه في اختلاف الأحاديث في القراءة في الظهر أنه كله جائز، وأحسنه استعمالًا طول القراءة في الصيف، وطول الأيام، واستعمال التقصير في القراءة في الشتاء، وقصر الأيام، وفي الأسفار، وذلك كله معمول به» (٢). الثاني: عكسه، أن الأصل التخفيف في قراءة الظهر، وأن تطويلها عارض. قال ابن القيم: وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانًا حتى قال أبو سعيد: كانت

стр. 1446

صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله، فيتوضأ، ويدرك النبي ﷺ في الركعة الأولى مما يطيلها، رواه مسلم .... » (١). الثالث: أن كل ذلك جائز على حد سواء. قال ابن عبد البر: «فكل ذلك من المباح الجائز، أن يقرأ المرء بما شاء مع أم القرآن ما لم يكن إمامًا يُطَوِّل على من خلفه، وبنحو ذلك تواترت الآثار في القراءة عن النبي ﵇ في الصلاة مرة يخفف وربما طول صنع ذلك في كل صلاة، وهذا كله يدل على أن لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين ويشهد لذلك قوله ﵇: (من أَمَّ الناس فليخفف) ولم يحد شيئًا» (٢). وأرى أن مقدار القراءة يختلف من جماعة لأخرى، فالجماعات التي في أسواق البيع والشراء يبادر بالإقامة، ولا يطيل الصلاة؛ لأنها تجمع فئات مختلفة من الناس، بعضهم من أهل السوق وبعضهم قد طرق السوق لحاجته من مكان بعيد، ويرغب في الانقلاب إلى مكانه أو قريته، فمثلهم يراعى في التخفيف، وأما الجماعات في الأحياء غير المطروقة، فإن الإمام يعلم حال جماعته، فيقتدي بأضعفهم، من كبير السن، أو كثير اللحم، أو صاحب مرض، فالإمام أدرى بما تطيق جماعته، فإذا علم من جماعته القوة والفراغ، والرغبة في إطالة الصلاة فإن المختار في مقدار القراءة لصلاة الظهر بأن تكون بين القراءة في الصبح والقراءة في العصر، فهي لا تبلغ قراءة الصبح في الطول، وفي نفس الوقت هي أطول من قراءة العصر والعشاء، وإذا قرأ أحيانًا بأوساط المفصل فلا حرج، والله أعلم. * * *

стр. 1447

المبحث السادس في مقدار القراءة في صلاة العصر المدخل إلى المسألة: * الأصل في صلاة العصر التخفيف، وأن القراءة فيها أخف من القراءة في الصبح والظهر. * كان المأثور من قراءة النبي ﷺ في العصر مختلفة، فأحيانًا كانت قراءته على نحو قراءته في الظهر، وأحيانًا على النصف من قراءة الظهر، وكل ذلك يدل على أن الأمر واسع في تقدير القراءة. [م-٢٩٥] اختلف العلماء في مقدار القراءة في صلاة العصر: فقيل: يقرأ في العصر من أوساط المفصل، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (١). قال في الفروع: ونقل حرب في العصر نصف الظهر (٢). وقيل: يقرأ من قصار المفصل، وهو مذهب المالكية (٣).

стр. 1448

* دليل من قال: يقرأ في العصر من أوسط المفصل: الدليل الأول: (ح-١٥٤٥) ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وفي العصر نحو ذلك. وفي الصبح أطول من ذلك (١). ورواه مسلم من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفي الصبح بأطول من ذلك (٢). ورواه أحمد، وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق حماد بن سلمة، عن سماك به، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِق﴾ ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج﴾ ونحوها من السور. [اضطرب فيه سماك في تعيين السور] (٣).

стр. 1449

الدليل الثاني: (ث-٢٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (١). [حسن] (٢). الدليل الثالث: (ح-١٥٤٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (٣). وجه الاستدلال: ولا فرق بين روايتي التقدير بـ ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة أو التقدير بثلاثين

стр. 1450

آية، فإن السجدة ثلاثون آية، والحديث يدل على أنهم قدروا قيامه ﷺ في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر: أي بمقدار خمس عشرة آية، والظاهر أن الصحابي أراد بالتقدير فيما سوى الفاتحة؛ لكونها معلومة، فلم تدخل بالتقدير، فإذا قدرت القراءة في صلاة العصر بخمس عشرة آية في كل ركعة من الأوليين فذلك يعني أن القراءة من أوساط المفصل، والله أعلم. * دليل من قال: القراءة في العصر من قصار المفصل: الدليل الأول: يمكن أن يستدل لقول المالكية بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم. وجه الاستدلال: أن الحديث نص على أن القراءة في الركعتين الأخريين من الظهر بمقدار خمس عشرة آية في كل ركعة، وأنهم قدروا قيامه ﷺ في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر: أي بمقدار خمس عشرة آية. وقوله: (حزرنا قيامه في الأخريين) فقيام مفرد نكرة مضافة إلى النبي ﷺ ، فالمراد جميع قيامه في الركعة بما في ذلك قراءة الفاتحة، كما تفيده دلالة النكرة إذا أضيفت إلى معرفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ﴾ فـ (نعمة) وإن كانت بلفظ المفرد إلا أنها اكتسبت العموم بإضافتها إلى لفظ الجلالة، ولهذا قال: لا تحصوها، فإذا كان جميع قيامه خمس عشرة آية، وكان نصفها متعينًا للفاتحة، فالباقي هو مقدار القراءة، فتكون القراءة بمقدار سبع آيات إلى ثمان، وهذا دليل على أن القراءة في العصر من قصار المفصل، والله أعلم. الدليل الثاني: (ث-٤٠٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ

стр. 1451

في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث نص على تخفيف العصر، ونص على أن العشاء من أوساط المفصل، فإذا لم تبلغ العصر أوساط المفصل فهي من قصاره، إلا أن قصار المفصل يتفاوت في الطول، فسورة الكوثر ليست بمقدار سورة البينة، والزلزلة، فيختار الأطول من قصار المفصل كالضحى والبينة للعصر، ويختار الأقصر للمغرب مثل الكافرون والإخلاص، وقريش ونحوها، والجميع يصدق عليه أنه من قصار المفصل، كما قيل في قراءة الظهر والصبح، والله أعلم. الدليل الثالث: (ث-٤٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يعدلون الظهر بالعشاء، والعصر بالمغرب (٣). وجه الاستدلال: الظاهر أن قول الإمام إبراهيم النخعي (كانوا يعدلون) يريد بذلك الصحابة، لأن التابعي لا يحتج بفعل تابعي مثله، إلا أن إبراهيم لم يثبت سماعه من صحابي وإن أدرك جماعة منهم، فهو مرسل، إلا أن المالكية يحتجون بالمرسل، فلا يعترض عليهم بالاحتجاج به، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، خلافًا للشافعي. وقد يحمل مرسل إبراهيم النخعي على الاتصال؛ قال يحيى بن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي. اهـ وقال إبراهيم: إذا قلت: قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد من الصحابة، وإذا قلت: حدثني فلان: فحدثني فلان، فيكون مرسله أقوى من مسنده، والله أعلم. * الراجح: أرى أن تقدير قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة أمر واسع، ولا بأس أن يقرأ

стр. 1452

الإمام من أوساط المفصل في العصر، وإذا قرأ أحيانًا من قصاره فلا بأس، والمهم أن يحرص أن تكون قراءته في العصر بين قراءته في الظهر وقراءته في المغرب، والله أعلم. * * *

стр. 1453

المبحث السابع في مقدار القراءة في صلاة المغرب المدخل إلى المسألة: * قال ابن حجر: «لم أَرَ حديثًا مرفوعًا -يعني صحيحًا- فيه التنصيص على القراءة بشيء من قصار المفصل ... ». اهـ والنفي موجه إلى تفضيل قصار المفصل مرفوعًا، لا نفي استحبابه موقوفًا، ولا نفي استحباب تخفيف القراءة فيها. * كان الصحابة ينتضلون بعد صلاة المغرب، وكانوا يبصرون مواقع نبلهم؛ لبقاء الضوء، وهو يدل دلالة التزام على تخفيف القراءة في صلاة المغرب، وعلى مداومة التخفيف. * ذكر الترمذي في السنن: أن العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل، قال ابن رجب: وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه. * صح عن أبي بكر وعمر القراءة في المغرب بقصار المفصل، وقد نقل ابن رجب عن طائفة من السلف أنهم قالوا: إذا اختلفت الأحاديث فانظروا ما كان عليه أبو بكر وعمر. * استحباب تخفيف القراءة في المغرب لا ينفي جواز القراءة أو استحبابها فيها من الطوال أحيانًا إذا علم أن ذلك لا يشق على الجماعة. [م-٥٩٣] ذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب القراءة في المغرب بقصار المفصل (١).

стр. 1454

والقول بجوازه بطوال المفصل ينبغي أن يقيد بشرطه كما قيدت القراءة في صلاة الصبح من طوال المفصل، فقد ذكرت أن الجمهور يشترطون أن يكون المصلي فذًّا، أو في جماعة محصورة وآَثَرَتْ التطويل. * دليل من قال: يقرأ في المغرب بقصار المفصل: الدليل الأول: (ح-١٥٤٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا أبو النجاشي صهيب مولى رافع بن خديج، قال: سمعت رافع بن خديج، يقول: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله (١). وجه الاستدلال: إذا كان الصحابة رضوان الله عليهم ينصرفون من الصلاة، ولو رمى أحدهم النبل عن قوسه لأبصر موقعه لبقاء الضوء، فهو يدل دلالة التزام على تخفيف القراءة في صلاة المغرب، وإلا لما كان يمكنهم ذلك. الدليل الثاني: (ث-٤٠٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ

стр. 1455

في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (١). [حسن] (٢). الدليل الثالث: (ح-١٥٤٨) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أحمد بن بديل، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (٣). [انفرد به أحمد بن بديل، وهو معلول] (٤).

стр. 1456

قال الحافظ ابن حجر: «ولم أَرَ حديثًا مرفوعًا فيه التنصيص على القراءة بشيء من قصار المفصل، إلا حديثًا في ابن ماجه، عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر: فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث جابر بن سمرة: ففيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب» (١). ونفي ثبوته مرفوعًا، لا يعني نفي ثبوته موقوفًا على الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر ﵄، ولا نفي ثبوت استحباب تخفيف القراءة في صلاة المغرب كما دل عليه حديث رافع بن خديج، والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-١٥٤٩) ما رواه ابن حبان من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثني أبي، حدثني سعيد بن سماك بن حرب، حدثني أبي سماكُ بنُ حربٍ، قال: ولا أعلم إلا جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ : يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة: الجمعة، والمنافقون (٢).

стр. 1457

[ضعيف جدًّا] (١). الدليل الخامس: (ح-١٥٥٠) روى الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق زيد بن الحباب، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان، قال: حدثني بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المفصل (٢). [أخطأ فيه زيد بن الحباب، ورفعه غير محفوظ] (٣). الدليل السادس: (ث-٦٠٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن

стр. 1458

الحسن وغيره، قال: كتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل (١). [ضعيف، وقد اختلف فيه على ابن جدعان] (٢). والمعروف من كتاب عمر لأبي موسى أنه في المواقيت، لا في مقدار القراءة إلا في الصبح. (ث-٧٠٤) فقد رواه مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن صَلِّ الظهر إذا زاغت الشمس، والعصر والشمس بيضاء نقية قبل أن يدخلها صفرة، والمغرب إذا غربت الشمس، وأخر العشاء ما لم تنم، وصَلِّ الصبح، والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل (٣). [صحيح] (٤). الدليل السابع: ذكر الترمذي في السنن: أن العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل (٥)، قال ابن رجب: وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه (٦). الدليل الثامن: (ث-٤٠٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق

стр. 1459

فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة: سورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه. فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: ٨] (١). [صحيح] (٢). الدليل التاسع: (ث-٤٠٩) ومنها ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة المغرب، فقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون (١) وَطُورِ سِينِين﴾ وفي الركعة الأخيرة: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ و ﴿لإِيلَافِ قُرَيْش﴾ (٣). [صحيح] (٤). ونقل ابن رجب عن طائفة من السلف أنهم قالوا: إذا اختلفت الأحاديث فانظروا ما كان عليه أبو بكر وعمر. قال ابن رجب: يعني: «أن ما عملا به فهو الذي استقر عليه أمر النبي ﷺ ، وقد

стр. 1460

تقدم عنهما القراءة في المغرب بقصار المفصل» (١). (ث-٤١٠) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس قال: سمعته يقرأ في المغرب ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ (٢). [صحيح]. * * *

стр. 1461

المبحث الثامن قدر القراءة من بالمغرب من السور الطوال المدخل إلى المسألة: * ما فعله النبي ﷺ في صلاته أكثر من مرة لا يسوغ القول بكراهته. * اختار الحنابلة جواز القراءة من طوال المفصل في المغرب؛ لفعل النبي ﷺ ، واستحباب تخفيف القراءة فيها؛ لكونه الأكثر من فعله ﷺ . * لو أراد مطلق الجواز لتحقق ذلك بفعله مرة واحدة، أما أن يتكرر فعله من النبي ﷺ بأحاديث مختلفة، وسور متنوعة، حتى قرأ بالمرسلات في مرضه، مع قيام داعي التخفيف، فلا يكفي القول بجوازه. * القراءة من طوال المفصل في المغرب من آخر ما حفظ عن النبي ﷺ قبل موته. * أنكر زيد بن ثابت على مروان قراءته في المغرب بقصار السور، وهذا يدل على أن القراءة بالطوال مستحب أحيانًا. * القراءة في المغرب من طوال المفصل دليل على ما قاله ابن عبد البر: وأنه لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين. قال الزرقاني في شرح الموطأ: «وتخفيفه ﷺ مرة، وربما طول يدل على أن لا توقيت في القراءة بعد الفاتحة، وهذا إجماع». [م-٥٩٤] السنة في المغرب عند الأئمة الأربعة القراءة من قصار المفصل كما أبان عن ذلك المبحث السابق، فإن خالف الإمام وقرأ فيه من طوال المفصل: فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، واختاره بعض أصحاب مالك، وحكاه الشافعي عن مالك، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).

стр. 1462

قال الشافعي كما في سنن الترمذي: وذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال، نحو الطور والمرسلات (١). وقال الحنابلة: لا يكره (٢). ونفي الكراهة يدل على الجواز. واختار القول بالجواز بعض أصحاب مالك حيث قالوا: إن ما ورد من قراءة السور الطوال في المغرب جاء لبيان الجواز، وهو أحد التأويلات في المذهب (٣). ونص الشافعية على جواز القراءة من طوال المفصل بالمغرب، ونقل عن الشافعي أنه يستحبه، وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي. قال ابن حجر: والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهية في ذلك ولا استحباب (٤).

стр. 1463

ويمكن أن يكون الاستحباب مذهبًا لزيد بن ثابت ﵁ حيث أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، وإذا كان النبي ﷺ قرأ بمرضه بالمرسلات فهو يدل على أنه في الصحة يقرأ بأطول من ذلك. فصار الخلاف بين الأئمة الأربعة على ثلاثة أقوال: الكراهة، والجواز، والاستحباب أحيانًا. * دليل من قال: يكره القراءة في المغرب من طوال المفصل: الدليل الأول: (ح-١٥٥١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء. ورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (١). وجه الاستدلال: فأمر النبي ﷺ بتخفيف الصلاة، والجمهور على أنه للاستحباب، وقد قيل: إنه على الوجوب، وسبق نقل الخلاف فيه. الدليل الثاني: كل الأدلة التي سقناها في المسألة السابقة على أن السنة في قراءة المغرب أن تكون من قصار المفصل يستدل بها هؤلاء على كراهة إطالة القراءة في صلاة المغرب، من ذلك: حديث رافع المتفق عليه أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب، وكانوا يبصرون مواقع نبلهم مما يدل على مداومة تخفيف القراءة فيها، وإذا كانت هذه هي السنة، فإن مخالفة السنة يوقع في المكروه. * ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن هذه الأدلة لا تمنع كون النبي ﷺ يطيل القراءة في صلاة المغرب أحيانًا،

стр. 1464

كحديث زيد بن ثابت في قراءة النبي ﷺ سورة الأعراف، وحديث ابن عباس في قراءته سورة المرسلات، وحديث جبير بن مطعم في قراءته سورة الطور، فهذه الأحاديث صحيحة ومن أعلى شروط الصحة حيث وردت في المتفق عليه إلا حديث جبير بن مطعم ففي البخاري، وسوف يأتي تخريجها في أدلة القول الثاني. الوجه الثاني: أنه لا يوجد حديث صحيح ينص على استحباب القراءة في صلاة المغرب من قصار المفصل، وإن كان هذا هو قول الأئمة الأربعة عليهم رضوان الله. ذكر الحافظ ابن حجر: بأنه لم يَرَ حديثًا مرفوعًا فيه التنصيص على القراءة بشيء من قصار المفصل، إلا حديثًا في ابن ماجه، عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص، وظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته. ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة، وفيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب (١). الوجه الثالث: لو سلمنا أن السنة صريحة في استحباب قراءة قصار السور في المغرب، فإن ترك السنة لا يلزم منه الوقوع في المكروه. نعم يتوجه عند بعض الأصوليين القول بأن ترك السنن المؤكدة يوقع فيما يسمى خلاف الأولى، وهو درجة أخف من الكراهة، ليس بمنزلة ما نهى عنه الشارع بعينه لا على سبيل الإلزام، فإذا سلمنا أن قراءة ما زاد على الفاتحة من السنن المؤكدة، فإنه يتوجه للقراءة نفسها، لا لمقدارها، فإذا قرأ آية فما فوقها فقد حصلت السنة، والزيادة في القراءة على مقدار السنة لا يمكن الحكم عليه بالكراهة، حتى لو لم ترد الزيادة، فكيف إذا حفظ في السنة القراءة من الطوال في المغرب، فكيف نكره ما فعله النبي ﷺ أكثر من مرة؟ بل شاء الله قدرًا أن تكون آخر صلاة صلاها في المغرب سورة المرسلات، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الرسول ﷺ قد أنكر على معاذ قراءة سورة طويلة في العشاء، وقال له: أفتان

стр. 1465

أنت؟ اقرأ بسورة والليل إذا يغشى ونحوها، فإذا كَرِهَ له النبي ﷺ أن يقرأ في العشاء مع سعة وقتها، فصلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى بذلك (١). * ويناقش: يمكن حَمْلُ كراهة التطويل لمعاذ وأمره بالتخفيف مراعاة لحال بعض جماعته ممن شكا للنبي ﷺ من تطويل معاذ، وإذا رغب بعض الجماعة بالتخفيف لزم الإمام ذلك، وكما كان النبي ﷺ يخفف لسماع بكاء الصبي رفقًا بأمه. وحَمْلُ التطويل في حال كانت الجماعة محصورة، ورغبوا في الإطالة، أو ظن الإمام منهم ذلك، ولم يكن بينهم رجل معذور؛ إذ لو كانت الإطالة مكروهة مطلقًا لما وجدت الشيخين أبا بكر وعمر يطيلان القراءة بعد وفاة النبي ﷺ ، حتى صليا بالبقرة وآل عمران ونحوها من السور الطوال في بعض الصلوات، وقد علما إنكار النبي ﷺ على معاذ تطويله القراءة. الدليل الرابع: أن هناك من كره إطالة القراءة في صلاة المغرب بناء على أن وقت المغرب ليس لها إلا وقت واحد إذا غربت الشمس، وهي إحدى الروايتين عن مالك، والتي حكاها العراقيون عن المذهب، والشافعي في الجديد اعتمادًا على حديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في تعليم المواقيت حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غابت الشمس. * ونوقش من وجهين: الوجه الأول: الصحيح أن وقت المغرب وقت طويل، يمتد إلى مغيب الشفق، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة كحديث بريدة، وحديث أبي موسى، وحديث عبد الله ابن عمرو (٢)، وكلها في صحيح مسلم، وهي أحاديث مدنية، وحديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ كان بمكة، وهو متأخر، وممن قال: إن وقت المغرب وقت طويل الحنفية، والحنابلة، ومالك في إحدى الروايتين، وهو مذهب الموطأ، والقول

стр. 1466

القديم للشافعي، وصححه النووي (١). وسبق بحث المسألة في مسألة مستقلة عند الكلام على مواقيت الصلاة في المجلد الثالث من كتاب أحكام الصلاة. الوجه الثاني: أن الشافعية كانوا ممن قالوا: إن وقت المغرب وقت واحد، وقد اختلفوا فيمن دخل فيها في أول وقتها: هل له أن يطيلها ويمدها إلى مغيب الشفق، أم لا؟ على وجهين، ورجح كثير منهم جواز ذلك في الاستدامة دون الابتداء. ورخص مالك للمسافر وحده أن يمد الميل ونحوه قبل أن ينزل ويصلي (٢)، والله أعلم.

стр. 1467

* دليل من قال: يجوز القراءة بالمغرب من السور الطوال: الدليل الأول: (ح-١٥٥٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصارٍ، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ (١). ولم يخرجه مسلم؛ لأن مروان بن الحكم ليس على شرطه (٢). ورواه النسائي من طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج به، وفيه: ما لي أراك تقرأ في المغرب بقصار السور؟ قد رأيتُ رسول الله ﷺ يقرأ فيها بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ، قلت: يا أبا عبد الله (يعني عروة) ما طُولَى الطوليين؟ قال: الأعراف (٣). ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج به، بلفظ: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل؟ وقد كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بطُولَى الطُّولَيَيْنِ. قال: قلت: وما طولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قال: الأعراف. قال: قلت لابن أبي مليكة: وما الطُّولَيَانِ؟ قال: فكأنه قال: من قبل رأيه: الأنعام، والأعراف (٤). وقد رواه أحمد عن محمد بن جعفر، ومحمد بن بكر.

стр. 1468

وابن خزيمة عن روح بن عبادة، وابن المنذر في الأوسط، وأبو العباس السراج في حديثه، وفي مسنده من طريق حجاج بن محمد، أربعتهم عن ابن جريج به (١). الدليل الثاني: (ح-١٥٥٣) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ : قرأ في المغرب بالطور (٢). الدليل الثالث: (ح-١٥٥٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: يا بني، والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (٣). الدليل الرابع: (ح-١٥٥٥) ما رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الحسين بن حريث، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ : قرأ بهم في المغرب بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّه﴾ [محمد: ١] (٤). [المحفوظ أنه موقوف، وفي صلاة العشاء] (٥).

стр. 1469

فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ كان يقرأ أحيانًا بالسور الطوال، وهذه الكثرة لا تدل فقط على مطلق الجواز، بل تدل على الاستحباب أحيانًا بشرطه، وشرطه: أن تكون الجماعة محصورة، ويعلم رغبتهم في الإطالة، ولا يكون فيهم ضعيف أو ذو حاجة، وإلا فالأصل التخفيف. * وأجيب عن هذه الأدلة بتأويلات منها: التأويل الأول: أن ذلك كان قبل النهي عن التخفيف، وكأن هذا القول يذهب إلى القول بأن القراءة بالطوال منسوخ، وقد صرح أبو داود في سننه بالنسخ. وحجة أبي داود على النسخ أن حديث زيد بن ثابت مروي عن طريق عروة، وقد ورد عن عروة أنه يقرأ في المغرب بقصار المفصل (١).

стр. 1470

* ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أن أبا داود لو احتج على النسخ بالأمر بالتخفيف لكان له وجه؛ لأن عمل التابعي أو غيره لا ينسخ ما رواه من سنة النبي ﷺ بمجرد ترك العمل به حتى ولو كان التطويل واجبًا، فكيف إذا كان التطويل ليس واجبًا، ولا مستحبًّا دائمًا؛ لأن الراوي قد يترك العمل بالحديث الصحيح لمعارض أرجح فيما يراه، ويبقى الآخر محكمًا لم ينسخ، أو من جهة الفقه باجتهاد منه أن غيره أفضل منه، ولا يقتضي ذلك النسخ، أو لعذر من قبل جماعة المصلين، أو من قبله هو، أو لغير ذلك من الأعذار، فلا يتعين النسخ في الترك. الوجه الثاني: أن المصير إلى النسخ لا يمكن حتى يتعذر الجمع، ولم يتعذر هنا، فإنه لا تعارض بينهما ألبتة، فاختلاف مقدار القراءة مرده إلى اختلاف الأحوال والأوقات والفراغ والشغل. ويمكن الجمع بينهما بأن القراءة من طوال المفصل في المغرب تجوز من غير كراهة؛ لفعل النبي ﷺ ، والقراءة من قصار المفصل مستحبة؛ لكونها الأكثر من فعله ﷺ ، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره ابن دقيق العيد. قال ابن دقيق العيد: «والصحيح عندنا أن ما صح في ذلك عن النبي ﷺ مما لم تكثر مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة، كحديث جبير بن مطعم ﵁ في قراءة الطور في المغرب، وكحديث قراءة الأعراف فيها، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة الرجحان في الاستحباب، إلا أن غيره مما قرأه النبي ﷺ غير مكروه» (١). الوجه الثالث: لا يمكن القول بالنسخ، والقراءة من طوال المفصل من آخر ما حفظ عن النبي ﷺ . (ح-١٥٥٦) فقد روى البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله،

стр. 1471

عن عبد الله بن عباس ﵄، عن أم الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت النبي ﷺ : يقرأ في المغرب ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله (١). قال ابن حجر: «كيف تصح دعوى النسخ، وأم الفضل ﵂ تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات» (٢). التأويل الثاني: ذهب الطحاوي إلى أنه يحتمل أن الرسول ﷺ قرأ بعض الأعراف، لا كلها، بدليل أنهم كانوا ينصرفون من المغرب وإن أحدهم ليبصر مواقع نبله. قال الطحاوي: «فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله ﷺ مع صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها الأعراف، ولا نصفها». وكذلك أجاب عن حديث جبير بن مطعم في قراءة سورة الطور، بأنه قرأ بعضها (٣). * ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن قول الصحابي قرأ بالأعراف الظاهر أنه قرأ بالسورة كلها، ولا يحمل الدليل على خلاف الظاهر إلا بدليل، ولا دليل. الوجه الثاني: لو أنه قرأ قدرًا يسيرًا من الأعراف والطور والمرسلات لما أنكر زيد بن ثابت على مروان قراءته في المغرب بقصار السور. التأويل الثالث: أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وحتى لا يعتقد أن القراءة من الطوال مكروهًا. * ويناقش: إن كان المقصود من الجواز الإباحة، فهو قول ضعيف، فالجواز يتحقق بفعله مرة واحدة، أما أن ينقل الصحابة عن الرسول ﷺ القراءة بالطوال بأحاديث مختلفة،

стр. 1472

وسور متنوعة، حتى قرأ بالمرسلات في مرضه وداعي التخفيف قائم، فكيف كان يقرأ في صحته وقوته، ثم نجد من الصحابة من فعل ذلك من بعده، فلا يكفي القول بالجواز، ولو كان فعل النبي ﷺ لبيان الجواز لما أنكر زيد بن ثابت على مروان اقتصاره على قصار السور، فالإنكار لا يكون إلا لترك ما هو مشروع، والله أعلم. التأويل الرابع: أن التطويل حيث علم النبي ﷺ بأن من خلفه لم يكن يشق عليهم التطويل، ويرغبون فيه (١). وهذا يرجع إلى القول بأن الإطالة والتخفيف ترجع إلى اختلاف الأحوال وقد سبق، ويشهد لهذا التأويل أن العشاء وهي أطول وقتًا من المغرب، أرشد النبي ﷺ معاذًا إلى تخفيف القراءة فيها مراعاة لحال الجماعة، فالمغرب أولى. وهذا الحمل هو أقواها، وقد كشفت عن أدلته في القراءة في صلاة الصبح من طوال المفصل، فارجع إليه غير مأمور، والله أعلم. الدليل الخامس: من الآثار: (ث-٤١١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر قرأ مرةً في المغرب بـ ﴿يس (١)﴾ (٢). [صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٣).

стр. 1473

وكونه موقوفًا، فلا يسقط الاحتجاج به كما بينت في مسألة سابقة، وأن آثار الصحابة رضوان الله عليهم صالحة للاحتجاج ما لم تخالف نصًّا، أو يخالفه صحابي مثله، وابن عمر قد جمع الفقه والحرص على الاقتداء، والله أعلم. * الراجح: أرى أن الأصل في المغرب التخفيف، وتستحب الإطالة فيها للفذ أحيانًا، أو لجماعة محصورة، ورغبت في الإطالة، والله أعلم. * * *

стр. 1474

المبحث التاسع قدر القراءة في صلاة العشاء المدخل إلى المسألة: * قال ابن عبد البر: «لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﵇ (من أم الناس فليخفف) ولم يحد شيئًا». * الأصل في قراءة العشاء أن تكون من أواسط السور. * أرشد النبي ﷺ معاذ بن جبل بأن يقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها. * لو قرأ الإمام في صلاة العشاء أحيانًا بالطوال فلا بأس إذا علم أن الجماعة لا يشق عليهم ذلك، ويرغبون في الإطالة. * قول النبي ﷺ : (اقتد بأضعفهم) دليل على أن مراعاة أحوال الجماعة أولى من مراعاة سنة القراءة. [م-٥٩٥] اتفق الأئمة الأربعة على استحباب القراءة في العشاء من أواسط المفصل (١).

стр. 1475

ولو قرأ أحيانًا بها من الطوال فلا بأس، فقد قرأ عمر بسورة يوسف. وقرأ ابن عمر فيها بسورة الفتح، وسورة محمد ﷺ . وقرأ ابن مسعود في الركعة الأولى أربعين آية من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصل. وروي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قرأ في الركعة الأولى بالنجم. وسوف يأتي تخريجها في الأدلة، وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا كان ذلك لا يشق على الجماعة، وعلم رغبتهم في الإطالة، وإلا فالأصل التخفيف، والتقيد بما أرشد إليه النبي ﷺ معاذ بن جبل اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، ونحوها، وهذا الأمر مطلق يشمل جميع الصلوات، وتدخل العشاء دخولًا أوليًّا، والله أعلم. * الأدلة على أن القراءة بالعشاء من أوساط المفصل: الدليل الأول: (ح-١٥٥٧) ما رواه البخاري من طريق سليم (هو ابن حيان الهذلي)، حدثنا عمرو بن دينار: حدثنا جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل ﵁، كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : يا معاذ، أفتان أنت؟ -ثلاثًا- اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ونحوها (١). ورواه البخاري من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو به، بلفظ: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء، فقرأ بالبقرة،
следующие страницы →