← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال ابن عبد البر في الكافي: «ولا يتنفل في المصلى قبل الصلاة، ولا بعدها، إلا أن تصلى في المسجد» (١). وقال ابن رجب: «صرح أصحابنا بأن مصلى العيد ليس حكمه حكم المسجد، ولا في يوم العيد، حتى قالوا: لو وصل إلى المصلى يوم العيد، والإمام يخطب فيه بعد الصلاة فإنه يجلس من غير صلاة؛ لأنه لا تحية له» (٢). وقال ابن الرفعة في كفاية النبيه: «أطلق الأصحاب في باب صلاة العيد القول

стр. 177

بأنه لا تحية له، موجهين ذلك بأن التحية للمسجد، وليس مصلى العيد مسجدًا» (١). وقال ابن الملقن: «مصلى العيد لا تحية له على الأصح» (٢). واختار متأخرو الحنابلة بأن مصلى العيد مسجد إذا أُوقِفَ على الصلاة (٣). قال صاحب المنتهى: «ومصلى العيد مسجد، لا مصلى الجنائز» (٤). ومع قولهم بأنه مسجد، إلا أن الحنابلة في المشهور لا يرون التنفل قبل صلاة العيد، ومنه تحية المسجد، وقد نص على ذلك الإمام أحمد (٥). واختار شيخنا محمد بن عثيمين «أنه يصلي تحية المسجد في مصلى العيد؛ لأنه مسجد» (٦). وقيل: إن المصلى يكون له حكم المسجد في يوم العيدين خاصة، في حال اجتماع الناس فيه دون غيره من الأوقات، حكاه ابن رجب في شرح البخاري، ولعل هذا القول هو أضعفها (٧).

стр. 178

• دليل من قال: لا يصلي تحية المسجد في المصلى: الدليل الأول: (ح-١١١٠) روى الفريابي في أحكام العيدين من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة يوم العيد، قبلها، ولا بعدها (١). [انفرد به الطائفي عن عمرو بن شعيب، وفيه ضعف] (٢).

стр. 179

الدليل الثاني: (ث-٢٥٨) الأصل عدم المشروعية، روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، عن الزهري، قال: ما علمنا أحدًا كان يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد، ولا بعده (١). [صحيح عن الزهري]. وهذا اللفظ يشي بالإجماع في عصر الزهري، وأقله إجماع أهل المدينة. الدليل الثالث: (ث-٢٥٩) روى الفريابي من طريق صفوان بن عيسى، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، قال: صليت مع سلمة بن الأكوع في مسجد رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم خرج، فخرجت معه حتى أتينا المصلى، فجلس، وجلست حتى جاء الإمام، فصلى، ولم يُصَلِّ قبلها، ولا بعدها، ثم رجع (٢). [صحيح]. (ث-٢٦٠) وروى الفريابي في أحكام العيدين، حدثنا وهب بن بقية، أنبأ خالد، عن مطرف، عن عامر، قال: كنت إلى جنب شريح في يوم عيد، فما رأيته صلى قبلها، ولا بعدها، قال: وأتيت المدينة فما رأيت أحدًا من الفقهاء صلى قبلها، ولا بعدها (٣). [صحيح].

стр. 180

• ويجاب عنه: بأن الترمذي قال في سننه: «قد رأى طائفة من أهل العلم الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، والقول الأول أصح» (١). يعني أن ترك الصلاة أصح، ولم يذكر الترمذي أسماء الصحابة الذين يرون الصلاة قبل العيد. (ث-٢٦١) وقد روى عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، قال: رأيت أنس ابن مالك، والحسن، وأخاه سعيدًا وجابر بن زيد أبا الشعثاء، يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام. [صحيح] (٢). وهذا الأثر يثبت أن الصحابي أنسًا وبعض التابعين كانوا يتنفلون قبل صلاة العيد، إلا أن هذا لم يتعين في تحية المسجد، فيحتمل أن هذا من قبيل تحية المسجد أو من سنة الضحى، لأن وقتها يدخل بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويحتمل أنهم كانوا يتنفلون نفلًا مطلقًا؛ لأن الوقت ليس من أوقات النهي، والمؤكد أن صلاة العيد ليس لها سنة قبلية، فبقي الاحتمال أن يكون نفلًا مطلقًا، أو من سنة الضحى، أو من تحية المسجد، فالجزم بأن هذا دليل على تحية المسجد غير مجزوم به، فلا يكون حجة، والله أعلم. (ث-٢٦٢) وروى مالك في الموطأ رواية أبي مصعب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يصلي يوم الفطر قبل الصلاة وبعدها في المسجد (٣). وهذا الأثر عن عروة بن الزبير يوهم أن عروة كان يصلي قبل صلاة الفطر في المسجد، إلا أن أبا بكر الفريابي قد أبان أن عروة كان يصلي في المسجد، ثم يأتي

стр. 181

المصلى فلا يصلي فيه، فكان فعله متسقًا مع عمل أهل المدينة فلم يكونوا يصلون قبل صلاة العيد. (ث-٢٦٣) فقد روى أبو بكر الفريابي من طريق حماد بن زيد، عن هشام، قال: كان أبي يخرج يوم العيد، فيمر بمسجد رسول الله ﷺ ، فيصلي فيه، ثم يأتي المصلى، فلا يصلي فيه .... (١). [صحيح]. الدليل الثالث: (ث-٢٦٤) روى مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر لم يكن يصلي يوم الفطر، قبل الصلاة، ولا بعدها. ورواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع به. (٢). [صحيح]. (ث-٢٦٥) وروى عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، وقتادة، أن ابن مسعود كان يصلي بعدها أربع ركعات أو ثمانيًا، وكان لا يصلي قبلها (٣). [قتادة وابن سيرين لم يسمعا من ابن مسعود]. وقوله: (لا يصلي قبلها) يشمل حتى تحية المسجد. الدليل الرابع: (ث-٢٦٦) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم، أن عليًّا استخلف أبا مسعود على الناس فخرج يوم عيد، فقال: يا أيها الناس، إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام (٤). [صحيح دون قوله: ليس من السنة] (٥).

стр. 182

الدليل الخامس: (ح-١١١١) ما رواه البخاري من طريق كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان ينحر، أو يذبح بالمصلى (١). وجه الاستدلال: لو كان المصلى مسجدًا ما جاز الذبح فيه. الدليل السادس: (ح-١١١٢) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، أن رجلًا من أسلم أتى النبي ﷺ ، وهو في المسجد، فقال: إنه زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه، فقال: هل بك جنون؟ هل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلى .. (٢). وجه الاستدلال: أن المراد بالمصلى هنا هو مصلى الجنائز، إلا أن وجه الاستدلال أن ما يسمى

стр. 183

مصلى لو كان مسجدًا ما أقيم فيه الرجم، إلا أن يقال: بالفرق بين مصلى الجنائز ومصلى العيد، والمشهور عند متأخري الحنابلة أن مصلى العيد مسجد بخلاف الجنائز. •وتعقب: قال ابن حجر: المراد «أن الرجم وقع عنده لا فيه كما تقدم في البلاط وأن في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ رجم اليهوديين عند باب المسجد» (١). •ويجاب: بأن تأويل ابن حجر خلاف الظاهر، فالرسول ﷺ أمر أن يرجم بالمصلى، فالتأويل أن المراد قرب المصلى يحتاج إلى دليل لأنه خلاف الظاهر، وقد استدل ابن حجر على تأويله بأن النبي ﷺ رجم اليهوديين عند باب المسجد، وفي رواية في البلاط، والبلاط عند باب المسجد، فأين التأويل، فالعندية صريحة بالقرب، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر أن عمر رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، أي تباع قرب الباب، فإذا قال في البلاط صح أيضًا لأن البلاط عند الباب، بخلاف (أمر أن يرجم بالمصلى) فهذا لا يحتمل إلا الظرفية فحملها على القرب يحتاج إلى دليل، فلو أنه جاء في الحديث أنهما رجما بالمسجد، ثم تبين أنهما رجما قرب الباب في البلاط لصح تأويل ابن حجر، فكانت واقعة الرجم بالقصتين دليلًا على التفريق بين المصلى والمسجد، ففي المسجد كان الرجم عند الباب في البلاط، وفي قصة ماعز كان الرجم بالمصلى، وحمل إحدى القصتين على الأخرى لا يساعد عليه اللفظ، وهذا ما فهمه الإمام البخاري حيث ترجم في صحيحه: باب الرجم بالمصلى، وكذلك فهم القاضي عياض. وقال ابن التين وابن بطال: «والرجم في المصلى كالرجم في سائر المواضع» (٢). فأخذوا الحديث على ظاهره. الدليل السابع: أن صلاة تحية المسجد توهم بعض العامة بأن لصلاة العيد سنة قبلية، والعيد

стр. 184

لا سنة لها، لا قبل الصلاة، ولا بعدها على الصحيح خلافًا لمن قاسها على الجمعة. الدليل الثامن: إذا كان الاعتكاف لا يشرع في مسجد العيد لم تشرع تحية المسجد لدخوله؛ وإنما الاعتكاف لم يصح؛ لأنه عبادة مختصة بالمسجد، لا بالمصلى. • دليل من قال: مصلى العيد مسجد: (ح-١١١٣) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أمر الحيض، أن يعتزلن المصلى، والمراد به مكان الصلاة، فهذا نص في منع الحائض من الدخول، ولو لم يكن مسجدًا لم تمنع. • وأجيب عن الحديث: ليس لهم دليل إلا هذا الحديث، وليس صريحًا في الباب، لأنه بالرجوع إلى ألفاظ الحديث في الصحيحين دون غيرهما يتبين أن المراد باعتزال المصلى اعتزال الصلاة، وإطلاق المسجد وإرادة الصلاة معروف في اللغة. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. فأطلق المسجد، وأراد الصلاة في أحد قولي أهل العلم. ولما رواه مسلم من طريق هشام، عن حفصة بنت سيرين: عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق، والحيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قالت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: لتلبسها أختها من جلبابها (٢).

стр. 185

فقال: (يعتزلن الصلاة)، فعلم أن المراد باعتزال المصلى اعتزال الصلاة نفسها. ولأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بالفلاة من الأرض، وليس بالمسجد، فإذا طلب منهن اعتزال المصلى علم أن المراد من ذلك الصلاة. وحتى لا يقطع الحيَّض صفوف الطاهرات، طلب منهن أن يَكُنَّ خلف الصفوف. فقد رواه البخاري، من طريق عاصم الأحول عن حفصة، عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكُنَّ خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم عدا قوله: (يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) (١). وكون الحيض خلف الناس لا يلزم منه أن يكنَّ خارج المصلى، وقد استعمل الرسول ﷺ لفظ المصلى، وهو أخص من المسجد، فكل مسجد مصلى، وليس كل مصلى مسجدًا، ولو كان مسجدًا لقال: ليعتزلن المسجد. وحتى لو سمي مصلى العيد مسجدًا، فإن هذا لا يعني أنه يأخذ أحكام المسجد، فإذا كان لا يشرع فيه الاعتكاف لم يمنع منه الجنب والحائض على الصحيح؛ لأن كل مكان اتخذ موضعًا للسجود يصح أن يقال له: مسجد، ولذلك قد يتخذ الإنسان مسجدًا في بيته يخصصه لصلاته، وقد يتخذ العاملون مسجدًا في عملهم، يصلون فيه، وليس لهذه البقع حكم المسجد، وإن سميت مسجدًا من حيث اللغة.

стр. 186

(ح-١١١٤) جاء في البخاري من حديث عتبان بن مالك، أنه قال للنبي ﷺ : إني أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكانًا حتى أتخذه مسجدًا، فقال: أفعل إن شاء الله .... الحديث (١). فأطلق المسجد على المصلى. وجاء في حديث جابر المتفق عليه: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم بن بشير، عن أبي الحكم (سيار)، عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر (٢). • الراجح: أن مصلى العيد ليس مسجدًا، فلا يُصلَّى فيه تحية المسجد، لا في وقت النهي، ولا في غيره. فإن صُليَتْ صلاة العيد في المسجد، فهل يُصلَّى تحية المسجد؟ فقيل: يصلى تحية المسجد مطلقًا، وبه قال الشافعية. وقال لا يُصَلَّى مطلقًا، وبه قال الحنفية والحنابلة، وقولهم مبني على كراهة التنفل قبل صلاة العيد، سواء أكان في المصلى أم في المسجد، حتى كره الحنابلة قضاء الفوائت الواجبة في مصلى العيد (٣). وقال المالكية: يصلي إن كان في غير وقت النهي، واختاره أبو الفرج من الحنابلة، قال ابن مفلح في الفروع: وهو أظهر، ورجحه في النكت (٤).

стр. 187

وأقواها مذهب الشافعية، وأنه يصلي مطلقًا، لأن تحية المسجد إذا كانت تصلى، والإمام في خطبة الجمعة مع وجوب الإنصات لها، فكونها تصلى تحية المسجد قبل الشروع في صلاة العيد من باب أولى، والله أعلم. وقد أفردت البحث إن شاء الله تعالى في حكم تحية المسجد في وقت النهي في المبحث التالي، أسأل المولى عونه وتوفيقه. * * *

стр. 188

المبحث الثاني عشر صلاة تحية المسجد في وقت النهي المدخل إلى المسألة: • يكره النفل المطلق في أوقات النهي. • الأمر الشرعي في عبادة لا يتناول المكروه منها؛ لأن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين. • أذن الرسول ﷺ بالصلاة لمن صلى الفجر في رحله ثم جاء إلى المسجد، فدل على أن هناك نفلًا مأذونًا في فعله في أوقات النهي. • قضى الرسول ﷺ راتبة الظهر بعد صلاة العصر، فدل على أن النهي عن الصلاة في أوقات النهي خاص بنوع من النفل. • الشارع حكيم، لا يفرق بين المتماثلات، ولا وجه للتفريق بين النوافل إلا أن يقال: إن المأذون فيه هو ما كان له سبب، والممنوع منه هو النفل المطلق. • العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات. [م-٤٥٨] اتفقوا على مشروعية تحية المسجد في وقت جواز النافلة، واختلفوا في مشروعيتها في وقت النهي (١).

стр. 189

فقيل: لا يصلي، وهو مذهب الجمهور على خلاف بينهم، أهو على سبيل التحريم، وبه قال الحنفية والحنابلة، أم على سبيل الكراهة وبه قال المالكية (١). وقال الشافعية: تجوز تحية المسجد إن دخل المسجد لحاجة في وقت النهي، وكذلك تجوز صلاة النوافل ذوات الأسباب، كصلاة ركعتي الطواف، وسنة

стр. 190

الوضوء، وصلاة الكسوف، ونحوها، وهو رواية عن أحمد، واختارها ابن تيمية (١). فإن دخل المسجد لا لحاجة في الدخول، ولكن ليصلي تحية المسجد، فللشافعية وجهان: أقيسهما الكراهة؛ (ح-١١١٥)، لما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا يَتحرَّ أحدُكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها (٢). وهذا تحرَّى بصلاته طلوع الشمس وغروبها، والتحري التعمد والثاني: يجوز؛ لعموم خبر أبي قتادة، (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). ولأن سبب الصلاة الدخول، وقد وجد (٣). وقيل: لا يجوز النفل المطلق إلا في ركعتي الطواف؛ لأنها تابعة لما لا يمنع منه النهي، وقضاء السنن الراتبة بعد العصر؛ لأن حكم النهي فيه أخف، وإعادة جماعة مع إمام الحي إذا أقيمت وهو في المسجد، بعد الفجر والعصر خاصة، للنص الخاص (٤). هذه مجمل الأقوال، فتعال معي إلى ذكر حججها وبراهينها. • دليل من قال: تجوز تحية المسجد وغيرها من ذوات الأسباب في وقت النهي: الدليل الأول: (ح-١١١٦) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا

стр. 191

رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة (١).

стр. 192

[صحيح] (١). وجه الاستدلال: قال ابن خزيمة: «والنبي ﷺ في هذا الخبر قد أمر من صلى الفجر في رحله أن يصلي مع الإمام، وأَعْلَم أن صلاته تكون مع الإمام نافلة، فلو كان النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس نهيًا عامًّا لا نهيًا خاصًّا، لم يجز لمن صلى الفجر في الرحل أن يصلي مع الإمام فيجعلها تطوعًا» (٢). وإذا صح أن بعض النوافل مأذونٌ في فعلها في أوقات النهي، وبعضها منهيٌّ عنه، كان لابد أن يكون المأذون فيه يفارق الممنوع منه؛ لأن الشارع حكيم، لا يفرق بين المتماثلات، ولا وجه للتفريق بين النوافل إلا أن يقال: إن المأذون فيه هو ما كان له سبب، والممنوع منه هو النفل المطلق مما ليس له سبب، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١١١٧) روى البخاري ومسلم من طريق عمرو (يعني ابن الحارث)، عن بكير، عن كريب، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ دخل بيتها، فصلى ركعتين بعد العصر، فسألته عنهما، فقال: يا بنت أبي أمية، سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان (٣).

стр. 193

قال ابن خزيمة: «لو كان نهيه -يعني النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس عن جميع التطوع لما جاز أن يقضي ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فيقضيهما بعد العصر ... » (١). وقال النووي: فيه دليل على أن «الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهي، وإنما يكره ما لا سبب لها، وهذا الحديث هو عمدة أصحابنا في المسألة، وليس لنا أصح دلالة منه، ودلالته ظاهرة» (٢). • وأجيب على هذا الدليل بجوابين: الجواب الأول: أنه قد ورد ما يدل على اختصاص النبي ﷺ بقضاء الركعتين: (ح-١١١٨) فقد روى أبو داود في سننه من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، مولى عائشة، أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال (٣). وأجيب بأن الحديث ضعيف (٤).

стр. 194

وورد النهي عن قضائها إذا فاتت. (ح-١١١٩) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها، فقال: قدم علي مال، فشغلني عن الركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن. فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال: لا (١). [قولها: (أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال: لا) تفرد به يزيد بن هارون، فليس محفوظاً] (٢).

стр. 195

الجواب الثاني: بأن الرسول ﷺ قد نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وقد رواه جمع من أصحابه في الصحيحين وفي غيرهما وهي أحاديث متواترة، ومطلق هذه الأحاديث وعمومها يشمل قضاء راتبة الظهر، وهي أحاديث قولية وعمومها مراد؛ ومتكاثرة، لهذا كانت مقدمة على السنة الفعلية في قضاء النبي ﷺ راتبة الظهر بعد العصر؛ لأن الفعل لا عموم له؛ لاحتمال الخصوصية، كما أنها أصح من قضاء راتبة الفجر بعد الصبح، فإن الحديث الوارد فيها معلول، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم. •ونوقش هذا: أما معارضة قضاء النبي ﷺ لراتبة الظهر بعد العصر بما يروى عن عائشة فإنه حديث ضعيف كما علمت، وعلى فرض صحته فإنه محمول على أحد أمرين: الأول: أن مراد عائشة الصلاة التي ليس لها سبب، فليس في كلام عائشة ما يدل على أنه نهى عن قضاء راتبة الظهر بعد العصر، فيكون موافقًا لحديث كريب عن أم سلمة في الصحيحين وفيه: ... ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين؟ فأراك تصليهما ... (١). الثاني: أن يكون مقصود عائشة أن النبي ﷺ كان يداوم على هاتين الركعتين بعد العصر، فهذا هو الذي اختص به ﷺ ؛ لثبوت نهي النبي ﷺ أمته عن الصلاة بعد العصر، لا قضاء السنة الراتبة بعد العصر، فإن هذا له ولأمته. قال ابن قدامة: «وقول عائشة: إنه كان ينهى عنها، معناه -والله أعلم- أنه نهى عنها لغير هذا السبب، وأنه كان يفعلها على الدوام، وينهى عن ذلك» (٢). (ح-١١٢٠) فقد روى مسلم من طريق محمد بن حرملة، قال: أخبرني أبو سلمة، أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر، فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما،

стр. 196

فصلاهما بعد العصر، وكان إذا صلى صلاة أثبتها (١). وأما معارضة قضاء النبي ﷺ لراتبة الظهر بعد العصر بما يروى عن ذكوان، عن أم سلمة فهو حديث شاذ ومنقطع، والضعيف لا يقوى على معارضة الصحيح. وأما سلوككم سبيل الترجيح بين أحاديث المنع والجواز؛ لكون أحاديث المنع أكثر، ومتواترة، ومن السنن القولية، وعمومها مراد بخلاف الفعل فإنه لا عموم له، فهذا جيد لو أنه قد تعذر الجمع بين هذه الأحاديث، فإن من القواعد أنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر الجمع؛ وذلك أن الترجيح يؤدي إلى إعمال أحد الدليلين وإبطال المرجوح مع صحته، بخلاف الجمع فإنه إعمال لجميع الأدلة فكان أولى، والجمع أن يقال: إن النهي متوجه للنفل المطلق، والجواز متوجه لذوات الأسباب، ودعوى احتمال أن يكون القضاء مختصًّا بالنبي ﷺ قول ضعيف؛ لأن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال، فالأصل التأسي بالنبي ﷺ حتى يأتي دليل صحيح صريح بأن هذا الفعل خاص بالنبي ﷺ ، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١١٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم، يبلغ به النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف، لا تمنعُنَّ أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أي ساعة من ليل أو نهار. [صحيح لغيره] (٢).

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 203

الدليل الرابع: (ح-١١٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا سعد بن سعيد، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن قيس بن عمرو، قال: رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : أصلاة الصبح مرتين؟ فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، قال: فسكت رسول الله ﷺ (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: الحديث وإن كان ضعيفًا فإن القياس يدل على جواز قضائها، وذلك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى راتبة الظهر بعد صلاة العصر، فلم يمنع وقت النهي من قضاء فائتة الظهر، وإذا صح ذلك في راتبة الظهر، كانت راتبة الفجر أولى بالقضاء منها، لسببين:

стр. 204

أحدهما: محافظة النبي ﷺ على ركعتي الفجر حضرًا وسفرًا، بخلاف راتبة الظهر، فإنها تسقط بالسفر، فكانت أولى بالقضاء. الثاني: إذا صح قضاء راتبة الظهر بعد خروج وقتها ودخول العصر فَلَأَنْ يصح قضاء راتبة الفجر قبل خروج وقت الصبح من باب أولى، ذلك أن الفجر لا يخرج وقتها إلا بعد طلوع الشمس. الدليل الخامس: (ح-١١٢٣) ما رواه البخاري حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فَلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: وأقم الصلاة للذكرى. ورواه مسلم من طريق هداب بن خالد، حدثنا همام به، بلفظ: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. قال قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١). ورواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، والمثنى بن سعيد، عن قتادة به، بلفظ: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. هذا لفظ سعيد. ولفظ المثنى: إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢). فدل حديث أنس على جواز قضاء الفائتة في وقت النهي. فهذه الأدلة إما أن نقصرها على سببها الخاص، فنقول: دل الدليل على جواز قضاء الفائتة لحديث أنس، وعلى جواز إعادة الجماعة في وقت النهي لحديث يزيد ابن الأسود، وعلى جواز ركعتي الطواف لحديث جبير بن مطعم، وعلى جواز قضاء

стр. 205

السنن الراتبة لحديث أم سلمة، وأما غيرها من ذوات الأسباب فلم يرد دليل خاص يدل على جوازها حتى نخرجها من عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وهذه نزعة ظاهرية، وإن قال بذلك بعض الحنابلة. وإما أن نقول: هذه الأحاديث دليل على جواز غيرها من ذوات الأسباب؛ لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلات، وأن النهي العام عن الصلوات في أوقات النهي خاص في النفل المطلق، والجواز خاص بما له سبب، وهذا هو الراجح، والله أعلم. • حجة من قال: لا يتطوع في أوقات النهي، ومنها تحية المسجد: استدل الجمهور بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وإطلاقها يشمل تحية المسجد وغيرها من ذوات الأسباب، من ذلك: الدليل الأول: (ح-١١٢٤) ما رواه مسلم من طريق موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب (١). الدليل الثاني: (ح-١١٢٥) روى البخاري من طريق صالح بن كيسان. ومسلم من طريق يونس بن يزيد، كلاهما عن ابن شهاب، أخبرني عطاء بن يزيد الليثي، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. هذا لفظ البخاري (٢). (ح-١١٢٦) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي

стр. 206

العالية، عن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. هذا لفظ البخاري. ورواه البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية، عن ابن عباس، قال: حدثني ناس بهذا (١). ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة به. وأراد البخاري من هذا الطريق تصريح قتادة بالسماع، ورواية شعبة له، فإنه لا يحمل عن قتادة إلا ما صرح به بالسماع. (ح-١١٢٧) وروى البخاري من طريق عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (٢). ورواه مسلم بهذا اللفظ من طريق الأعرج عن أبي هريرة (٣). فقوله في حديث أبي سعيد (لا صلاة بعد الصبح) لفظ: (صلاة) نكرة في سياق النفي فتعم كل صلاة، سواء أكانت نفلًا مطلقًا أم كانت من ذوات الأسباب. وقوله في حديث عمر ﵁: (نهى عن الصلاة ... ) فإن (أل) في الصلاة للعموم، فيدل بعمومه على ما دل عليه عموم حديث أبي سعيد الخدري ﵁. الدليل الثالث: (ح-١١٢٨) ما رواه مسلم من طريق شداد بن عبد الله، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة السلمي، فذكر قصة إسلامه من حديث طويل،

стр. 207

وفيه: ... فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، قال: صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنها حينئذٍ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار .... الحديث (١). وقد اشتمل حديث عمرو بن عبسة على أوقات النهي الخمسة. الدليل الرابع: (ح-١١٢٩) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها (٢). ورواه البخاري من طريق عبدة، عن هشام به، بلفظ: إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان، لا أدري أي ذلك، قال هشام (٣). ورواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كلاهما عن هشام به، بلفظ: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بقرني الشيطان (٤). وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: أن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مطلق، فلا تصح الصلاة بعد صلاة

стр. 208

الصبح ولا بعد صلاة العصر، ولا عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، ولا عند غروبها حتى تغيب، ولا عند قائم الظهيرة، لقوله: (لاصلاة) فلفظ: (صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، ومنها ذوات الأسباب. • ونوقش هذا الاستدلال: أن أحاديث النهي عن الصلوات في أوقات النهي عامة، لا صلاة بعد العصر ولا صلاة بعد الصبح، وأحاديث جواز ركعتي الطواف، وقضاء السنن الراتبة، وقضاء الفائتة، وإعادة الجماعة، وتحية المسجد أحاديث في صلوات مخصوصة، والخاص مقدم على العام. • وناقش الجمهور هذا الاستدلال: فقالوا: إن بين هذه الأحاديث عمومًّا وخصوصًّا من وجه: فالنهي عن الصلوات في أوقات النهي: عام في الصلوات، خاص في الوقت. وأحاديث الجواز: عامة في الوقت، خاصة في الصلاة، فحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) عام في الوقت، خاص في تحية المسجد. وحديث: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) فقوله: (إذا ذكرها): عام في الوقت، خاص بالفائتة المفروضة. وحديث: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى في أية ساعة شاء) فهو عام في الوقت، خاص في ركعتي الطواف. فكان كل واحد منهما عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر. وقولكم: الخاص مقدم على العام هذا لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟ فالجمهور قالوا عموم الوقت في قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد) يُخَصُّ منه أوقات النهي؛ لأن الخاص مقدم على العام، وكذا قالوا في بقية الأحاديث. والشافعية عكسوا، فقالوا: عموم النهي عن الصلوات في قوله: (لا صلاة بعد العصر) يُخَصَّ منه تحية المسجد؛ لأن الخاص مقدم على العام.

стр. 209

فتبين أن تخصيص أحدهما بالآخر ليس بأولى من العكس، فيطلب مرجح لأحدهما من خارجهما؛ لأن القاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإن الموقف منهما كالموقف عندما تتعارض الأدلة في الظاهر، فيجب طلب مرجح من خارجهما، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر فقال الجمهور: المرجح عندنا، أن أحاديث النهي عن الصلوات في أوقات النهي تَحْضُر الصلاة، وأحاديث تحية المسجد وركعتي الطواف وغيرها من ذوات الأسباب تبيح الصلاة، ومن طرق الترجيح التي عليها أكثر أهل الأصول: تقديم ما يفيد المنع على ما يفيد الإباحة، حتى صاغ بعض الفقهاء القاعدة التي تقول: إذا اجتمع المبيح والحاضر قدم جانب الحضر. • جواب الشافعية ومن يرى مذهبهم: أما الجواب عن تقديم المبيح على الحاضر، فقالوا: إن التعارض ليس في كلها بين مبيح وحاضر: فقد يكون التعارض بين حاضر وحاضر: فالنهي عن الصلاة في أوقات محدودة معارض بالنهي عن الجلوس في المسجد قبل أن يصلي ركعتين. وفي قضاء الفوائت يكون التعارض ليس بين مبيح ومانع، فيقدم المانع، وإنما التعارض بين أمرين: أحدهما موجب ملزم، والآخر مانع حاضر، فيقدم الموجب الملزم على المانع الحاضر؛ لأن فيه احتياطًا للعبادة وإبراءً الذمة، ولهذا لم يتفق الجمهور مع الحنفية على هذه المسألة ممن منع الصلاة في أوقات النهي. وأما وجه ترجيح الشافعية تخصيص عموم (لا صلاة بعد العصر ... ) وأمثاله بخصوص الأمر بتحية المسجد، وركعتي الطواف، وغيرها من ذوات الأسباب فقدموا ثلاثة أسباب للترجيح، منها: المرجح الأول: أن العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات؛ لأن العام المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام إذا تواردت عليه المخصصات.

стр. 210

قال محمد الأمين الشنقيطي: «وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي» (١). قال البيضاوي في نهاية السول: «العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصص؛ للاختلاف في حجيته» (٢). وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «يرجح العام الباقي على عمومه على العام المخصوص» (٣). فالعام في النهي عن جميع الصلوات في أوقات النهي خُصَّ منه ما يلي: ١ - قضاء الفوائت، فالفرائض قد خصت من عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي؛ لأن الفرائض مطلوب أن يصليها في أي وقت، ولا نهي عنها؛ لقوله: (فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)، وهذا الحكم لا يختلف فيه الحنابلة والمالكية مع الشافعية، وإنما يخالف فيه الحنفية فقط، فيقدمون النهي عن الصلاة في أوقات النهي على قضاء الفوائت، وهو قول في غاية الضعف؛ ولو كانت مراعاة أوقات النهي مقدمة على مراعاة الفرائض لما صحت العصر الحاضرة وقت اصفرار الشمس؛ لدخول وقت النهي، والحنفية يصححون الصلاة في هذا الوقت، فدل على أن مراعاة الفرائض مقدم على مراعاة أوقات النهي، من غير فرق بين أداء وقضاء. ٢ - إعادة الصلاة مع الجماعة إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسجد. فالنص ورد في صلاة الصبح، ومع ذلك أمر الرسول ﷺ الرجلين بالصلاة مع الجماعة مع أنهما صليا في رحالهما، وقد دخل وقت النهي في حقهما، وجعل النبي ﷺ سبحتهما نافلة، وسبق ذكره في معرض الأدلة، وهو نص في مورد النزاع، وحديث صحيح، لا سبيل لرده، ولا يصح حمل الحديث على أنه واقعة عين؛ لأنه أعطاهما حكمًا عامًّا، فقال لهما ﵊: (إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلِّها معه، فإنها له نافلة).

стр. 211

ولا سبيل في إدخال هذا النص في القول: بينهما عموم وخصوص من وجه، فإن هذا يقال: لو كان الحديث سنَّة قوليةً، أما والحديث سنة فعلية، وقعت في وقت النهي، وأمرهما النبي ﷺ بالصلاة بعد صلاة الصبح مع كونها نافلة في حقهما، فوجب التسليم لهذا النص، ولا معنى لتخصيص الحكم في الصلاة المعادة فقط، مع حكم النبي ﷺ بأن الصلاة المعادة نافلة إلا القول: بأن النوافل منها ما يجوز في وقت النهي، ومنها ما لا يجوز، فالجائز من النافلة هو ما كان له سبب، والممنوع من النافلة: هو المطلق مما لا سبب له. ٣ - مما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي أن النبي ﷺ أمر بها حال الخطبة، والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد نهيًا منها في أوقات النهي؛ لأن السامع منهي عن النفل المطلق بإجماع، ومنها عن الصلاة على الجنازة، وعن الطواف بالبيت، بل ومنهي عن كل ما يشغله عن الاستماع، ولو كان من قبيل إنكار المنكر، فدل على أن النهي هنا أوكد وأضيق منه بعد الفجر، فإذا أمر بتحية المسجد وقت الخطبة، ففعلها في سائر أوقات النهي من باب أولى (١). وقل مثل ذلك في سائر أحاديث الجواز، فهذه المخصصات أضعفت العموم الوارد في أحاديث النهي، كحديث: (لا صلاة بعد العصر .. ولا صلاة بعد الصبح) ونحوها. بينما العموم في حديث: (فليصلها إذا ذكرها) وعموم حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد) فلم يدخله تخصيص، والعام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص. المرجح الثاني: أن المنهي عنه هو تحري الصلاة في أوقات النهي لحديث ابن عمر: (لا يَتَحَرَّ أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها). متفق عليه وتحري الصلاة هو ألا يكون له قصد إلا الصلاة في هذا الوقت، وهذا لا يصدق إلا على النفل المطلق، وأما ذوات الأسباب، فإنها صليت تبعًا لأسبابها، ولم يقصد

стр. 212

المصلي الصلاة، فالطواف ليس ممنوعًا في وقت النهي، فإذا طاف صلى ركعتين تبعًا للطواف، فالقصد كان متوجهًا للطواف، وليس للصلاة، وإذا دخل المسجد في وقت النهي فصلى ركعتين فالقصد كان متوجهًا لدخول المسجد، ودخول المسجد ليس داخلًا في وقت النهي، وقل مثل ذلك في بقية ذوات الأسباب، والله أعلم. المرجح الثالث: أن القائلين بمنع النفل مطلقًا قد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وتركوا بعض الأدلة الدالة على جواز ذوات الأسباب. بخلاف القائلين بمنع النفل المطلق، وجواز النفل من ذوات الأسباب، فقد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي وحملوها على النفل المطلق، وأخذوا بأحاديث الجواز، وحملوها على ذوات الأسباب، وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها، والجمع بين الأدلة المتعارضة هو المتعين، ولا سبيل للترجيح إلا إذا تعذر الجمع، ولم يتعذر هنا. • الراجح: هذه المسألة من مسائل الخلاف القوية، والأدلة فيها متجاذبة، وإن كانت الكفة تميل قليلًا إلى مذهب الشافعية، إلا أن مذهب الجمهور غير مدفوع من النظر، وإن كان الخلاف في بعض المسائل أضعف من بعض، فالقول بمنع قضاء الفوائت في وقت النهي قول ضعيف جدًّا، والقول بمنع تحية المسجد وقت الخطبة قول ضعيف، وقد وافق الحنابلة الشافعية في القول بالجواز، وسوف أفردها بالبحث، والصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح أخف من الصلاة عليها وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، أوحين يقوم قائم الظهيرة، ذلك أن الأوقات الثلاثة يسيرة جدًّا، والنهي فيها معلل بعلل تقشعر منها الأبدان، فالنهي عن الصلاة حين تطلع الشمس أو حين تغرب معلل بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، وحديث النهي عن الصلاة حين يقوم قائم الظهيرة معلل بأن جهنم تسجَّر حينئذٍ، بينما النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر لم يُنَصَّ على علة النهي، وإن كان له حكمة بلا شك، فيكون النهي فيهما أخف من غيرهما، وقد

стр. 213

يكون النهي عنهما من باب سد الذرائع حتى لا يتهاون الناس في الصلاة فيتمادون إلى تحري الصلاة عند اصفرار الشمس، أو عند شروقها وغروبها، ولهذا جاء في مسائل أبي داود: سئل أحمد عن الصلاة على الجنازة عند غروب الشمس فقال: إذا تدلَّت الشمس للغروب فلا يصلَّى عليها. قيل لأحمد: الشمس على الحيطان مصفرة قال: يصلَّى عليها ما لم تدلَّ للغروب (١). ولأن هناك فرقًا بين هذه الأوقات الثلاثة وبين النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، فالأوقات الضيقة ابتداء الوقت وانتهاؤه معلوم من قبل الشارع، وليس من فعل المكلف، والنهي عن الصلاة بعد العصر ابتداؤه معلق بفعل الصلاة، فكان المكلف هو من يحدد ابتداء وقت النهي، فالتنفل إذا دخل العصر جائز ما لم يصلِّ العصر، وكذلك يقال في الصبح على الصحيح مما يجعل الشأن في الصلاة فيه أخف، والله أعلم. * * *

стр. 214

المبحث الثالث عشر في اشتراط النية لتحية المسجد المدخل إلى المسألة: • العبادات التي لا تقصد لذاتها، كتحية المسجد فإنها تسقط بالراتبة وبالفريضة، وبغيرها من الصلوات إذا فعلها قبل أن يجلس، ومثله الجمع بين طواف الوداع والإفاضة على الصحيح. • لا تشترط نية تحية المسجد للجلوس، وهل تشترط النية للثواب؟ • قال ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) مفهومه: أن الشيء إذا لم يَنْوِهِ فليس له ثواب، فلا ثواب إلا بنية. • الثواب أوسع من النية، فقد يثاب الإنسان على عمل غيره إذا كان سببًا فيه. [م-٤٥٩] إذا صلى ركعتين مطلقًا كان له أن يجلس، ولا يشترط أن ينوي بالركعتين تحية المسجد، لأن تحية المسجد من النوافل المطلقة، فإذا صلى ركعتين نفلًا مطلقًا، أو راتبة، أو صلاة فريضة مؤداة، أو مقضية، أو منذورة أجزأه ذلك؛ لتحقق الامتثال حيث يصدق عليه أنه لم يجلس حتى صلى، ولحصول تعظيم المسجد (١). قال النووي: ولا خلاف في هذا (٢). [م-٤٦٠] وهل يحصل ثوابها ولو لم ينوها؟ في ذلك قولان، هما وجهان في

стр. 215

مذهب الشافعية: قال الخطيب في مغني المحتاج: «ويحصل فضلها، ولو لم تُنْوَ كما صرح به ابن الوردي في بهجته» (١). •وجه هذا القول: بأن الامتثال قد تحقق فلم يجلس حتى صلى، ولأن الثواب أوسع من النية، فقد يثاب الإنسان على عمل غيره إذا كان سببًا فيه، ولو لم يَنْوِهِ، والمسلم قد لا يستحضر النية، لا زهدًا في الثواب، ولكن قد يذهل عنها. وقيل: لا يحصل الثواب إلا بالنية؛ لقوله ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) (٢). فهذا الرجل لم يَنْوِ إلا الراتبة، أو الفريضة، فليس له إلا ما نوى، ولم يَنْوِ في عمله أن يستبيح الجلوس، ولا ثواب إلا بنية. [م-٤٦١] ولو نوى الفريضة وتحية المسجد، أو الراتبة وتحية المسجد. قال النووي: حصلا جميعًا بلا خلاف .... فالمراد بها ألا ينتهك المسجد بالجلوس بغير صلاة (٣). وقيل: إذا نوى تحية المسجد والفريضة لا يكون داخلًا في الصلاة، واختاره محمد بن الحسن الشيباني؛ لأن الفرض مع النفل جنسان مختلفان، لا رجحان لأحدهما على الآخر في التحريمة، فمتى نواهما تعارضت النيتان، فلغيتا (٤). وقال بعض المالكية: إذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ثم صلى راتبة الوقت، وقد استظهره ابن عبد السلام بحجة أن العبادة الواحدة لا تقوم مقام اثنتين، وهو قول ضعيف جدًّا، ومخالف للمعتمد من مذهب المالكية (٥). • ويتعقب: بأن القول: إن العبادة الواحدة لا تقوم مقام اثنتين إنما يصح هذا إذا كانت
следующие страницы →