* أدلة القائلين بالكراهة:
الدليل الأول:
استدلوا بأدلة القائلين بالتحريم؛ إلا أنهم حملوها على الكراهة.
الدليل الثاني:
القراءة من المصحف ليس فيها إلا حمل المصحف بيده، والنظر فيه، وذلك جائز كما لو حمل شيئًا آخر إلا أننا قلنا بكراهتها من أجل أن في ذلك تشبهًا بفعل أهل الكتاب.
* ويناقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
تعليل الكراهة بالتشبه يفتقر إلى أن يأتي في شريعتنا ما يدل على أنه من فعل أهل الكتاب، ولا أعلم دليلًا مرفوعًا يذكر أن ذلك من فعلهم، وروي عن ابن عباس ولا يصح عنه.
(ث-٤٣١) فقد روى أبو يوسف في الآثار، أنه قال: وبلغني عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الرجل يؤم القوم، وهو ينظر في المصحف إنه يكره ذلك، وقال: كفعل أهل الكتاب (١).
[ضعيف لانقطاعه].
وروي صحيحًا من قول إبراهيم النخعي.
(ث-٤٣٢) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش،
стр. 1647
عن إبراهيم أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف كراهة أن يتشبهوا بأهل الكتاب (١).
[صحيح عن إبراهيم، إلا أنه موقوف عليه].
الوجه الثاني: إذا ثبت أن ذلك الفعل من أهل الكتاب فإنه لا يكفي حتى يثبت أن ذلك الفعل مختص بهم، فيصح التعليل بالكراهة لعلة التشبه، فلم يثبت الأول حتى يثبت الثاني.
الوجه الثالث: لو سلمنا القول بالكراهة فإن الكراهة ترفعها الحاجة.
الوجه الرابع: التابعون مختلفون في القراءة من المصحف حال الصلاة، وأكثرهم على الجواز، فيكون قول الإمام إبراهيم النخعي قول فقيه معارضًا بمثله.
فهذا الزهري والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح، والحكم، وعائشة بنت طلحة وغيرهم لا يرون بأسًا من القراءة بالمصحف في الصلاة (٢).
* دليل من قال بالجواز مطلقًا:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿اقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
стр. 1648
وقال ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، اتفق عليه البخاري ومسلم (١).
والنصوص الشرعية مطلقة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فلم تفرق النصوص بين أن يقرأ ذلك عن حفظ أو نظر في المصحف، ومن قيد القراءة بأن تكون حفظًا فعليه الدليل، فالنصوص المطلقة جارية على إطلاقها لا يقيدها إلا نصوص مثلها، والأصل صحة الصلاة.
الدليل الثاني:
(ث-٤٣٣) روى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة،
أن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف (٢).
[صحيح من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، ومن رواية عروة عنها، ورواه البخاري معلقًا عن عائشة مجزومًا به] (٣).
* ونوقش هذا:
بأن أثر عائشة في النفل، والنفل أوسع من الفرض، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في
стр. 1649
الفرض، ولهذا صح النفل راكبًا، ومتجهًا لغير القبلة، وجالسًا مع القدرة على القيام بخلاف الفريضة، والحاجة إلى فعله في النافلة أكثر؛ لطول القيام وكثرة القراءة، بخلاف الفريضة، فإنه مأمور بتخفيفها إذا صلى بالناس.
* ورد هذا النقاش:
بأن النفل والفرض عبادتان من جنس واحد، فما صح في؟ إحداهما صح في الأخرى إلا بدليل يدل على افتراقهما، وما ذكر من صحة النفل راكبًا وقاعدًا من غير عذر كل ذلك ثبت بالنص الخاص الصريح على افتراق الفريضة عن النافلة، فأين النص الخاص الصريح على اختصاص القراءة من المصحف بالنافلة حتى يقال بمقتضاه، فلا اختصاص لأحدهما بصفة إلا بنص، وما لم يرد فيه نص فالأصل أن صفتهما واحدة، فيما يجب، ويستحب، ويكره، ويباح.
فإن قيل: لم يكن من عمل الناس في الفريضة، والأصل في العبادات المنع.
فالجواب: هذا صحيح لو أنه لم يثبت فعله في النافلة من قبل بعض الصحابة، أما وقد صح ذلك في النافلة فإبطال العبادة أو كراهتها يفتقر إلى دليل، والأصل صحة العبادة.
الدليل الثالث:
(ث-٤٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عيسى بن طهمان، قال:
حدثني ثابت البناني، قال: كان أنس يصلي، وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية فتح عليه (١).
[حسن] (٢).
لو كان حمل المصحف في الصلاة مفسد للصلاة لما جاز حمله لمصلحة مظنونة، فقد يحتاج الإمام إلى الفتح وقد لا يحتاج، وكان يمكن للإمام إذا ارتجت عليه الآية أن يدعها وينتقل لغيرها، وإذا ارتجت عليه السورة انتقل إلى سورة أخرى، فإذا جاز حمل
стр. 1650
المصحف للفتح على الإمام جاز حمل المصحف للقراءة من باب أولى.
الدليل الرابع:
وقال أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: ٢٩٤)، في قيام الليل (كما في المختصر): «سئل ابن شهاب ﵀ عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: ما زالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام كان خيارنا يقرؤون في المصاحف» (١).
[تفرد به ابن أخي الزهري عن عمه ولعله يحتمل في نقل مثل هذا الأثر] (٢).
الدليل الخامس:
النهي عن القراءة من المصحف في الصلاة راجع إلى أحد أمرين:
إما لحمل المصحف وقلب الصفحة إذا فرغ من قراءتها، ووضعه إذا ركع، وأخذه إذا رفع.
وإما إلى النظر في المصحف والقراءة منه:
فأما الأول فقد دَلَّ الدليل على أن جنسه لا يفسد الصلاة:
(ح-١٦١١) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،
عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (٣).
فإذا لم يؤثر الحمل والوضع والرفع فيما ليس من مصلحة الصلاة، كان حمل المصحف ووضعه ورفعه لا يؤثر من باب أولى؛ لكونه لمصلحة الصلاة، وأداء سنة
стр. 1651
القراءة، فلم يبق إلا قلب الورقة من المصحف إذا فرغ من قراءتها، وهو عمل يسير جدًّا، لا يمكن أن يعود على الصلاة بالبطلان.
ولو سلمنا أنه من العمل الكثير فإنه ليس من الكثير المتصل، فإذا تفرق العمل الكثير لم يؤثر، ومع التسليم بأنه لا فرق بين الكثير المتصل والمتفرق، فإن الكثير إذا كان في مصلحة الصلاة ويؤدى به فرضها لا يبطلها، وسوف تكون الحركة في الصلاة موضع بحث إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل.
وأما النظر في المصحف والقراءة منه فليس من مبطلات الصلاة؛ لأن المنع إن كان من أجل النظر في المصحف فإن نظره إلى المصحف كنظره إلى سائر الأشياء التي ينظر إليها في صلاته، الأصل فيه الإباحة، والمحرم منه رفع بصره إلى السماء كما في الحديث الصحيح: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم)، وهذا ليس منه، ولأنه لو نظر إلى مكتوب، وفهمه بقلبه لم تفسد صلاته بالإجماع، فكذلك نظره إلى المصحف.
وإذا كان النظر والفكر لا يبطل الصلاة بالاتفاق في غير المصحف، ففيه أولى، فقد حكى أبو الطيب الطبري وغيره من الشافعية الإجماع على أنه لو تفكر طويلًا، أو نظر طويلًا لم تبطل صلاته، فكذلك إذا جمع بينهما.
وإن كان المنع من أجل القراءة من المصحف، لا من أجل النظر إليه، فإن قراءة القرآن هي من عمل الصلاة، فكيف تكون سببًا في المنع، والله أعلم.
الدليل السادس:
أكثر أهل العلم على أن النظر في المصحف عبادة، قال النووي: لم أر فيه خلافًا، فإذا نظر فيه، فقرأ بلسانه ما يشرع له قراءته لم تبطل صلاته؛ لأن انضمام العبادة إلى عبادة أخرى لا يفسدها.
* دليل من فرق بين الفرض والنفل:
أثر عائشة وأثر أنس ﵄ في القراءة من المصحف ثابت في صلاة النفل، ولم يَأْتِ دليل على إباحته في الفريضة، والأصل في العبادات المنع، ولا يصح قياس
стр. 1652
الفريضة على النافلة؛ لأنه من قياس الأعلى على الأدنى، والنفل أوسع من الفرض، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض.
ولأن النفل خاصة قيام الليل يحتاج فيه المصلي إلى تطويل القراءة، فيحتاج القراءة من المصحف بخلاف الفريضة، ولأن القراءة من المصحف فيها فضيلة قراءة كامل القرآن، فيستفيد المسلم من تدبر كامل الكتاب، والإفادة من مواعظه بخلاف القراءة من الحفظ، فأكثر المسلمين لا يحفظون القرآن.
وسبق الجواب على هذا الدليل بما يكفي في أدلة القائلين بالجواز.
* التفريق بين الحافظ وغيره:
أن الحافظ ليس محتاجًا لحمل المصحف والقراءة منه، فيحرم أو يكره له -بحسب الخلاف- حمل المصحف والنظر إليه، بخلاف غير الحافظ فإنه محتاج للنظر إلى المصحف.
* دليل من قال يكره في الفرض وفي أثناء النفل دون أوله:
أما كراهته في الفرض فسبق ذكر الأدلة والجواب عليه.
وأما التفريق بين جواز النظر في المصحف من ابتداء النفل لا في أثنائه:
فذلك أن الذي ينظر في المصحف في أثناء النفل إذا شك في قراءته فسيحمله ذلك على تقليب صفحات المصحف إلى أن يصل إلى موضع قراءته، فكان ذلك شغلًا في صلاته، والذي يصلي في المصحف من ابتداء النفل سوف يفتحه قبل أن يدخل في الصلاة، ويجعل أمامه الموضع الذي يريد قراءته في صلاته، فينظر من غير أن يشتغل بشيء إلا بتحويل الورقة التي أكمل قراءتها، وذلك يسير (١).
* الراجح:
أن النظر في المصحف لا بأس به مطلقًا في الفرض والنفل، وكون الحاجة إليه في النفل أكثر منه الفرض فذلك لا يعني كراهته في الفرض، فالكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وهي تقوم على أمرين:
إما النهي غير الجازم، ولم يحفظ ذلك في النصوص الشرعية.
стр. 1653
وإما أن يترتب على الفعل ترك سنن مؤكدة بلا مصلحة تعود للعبادة، وهو ما يعبر به عند الأصوليين بخلاف الأولى، وهو أدنى درجات الكراهة، كما في قوله ﷺ : (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) حين تيمم لرد السلام، فذكر الله لا يكره أبدًا؛ ولكنه في الطهر أكمل، فعبر عنه الفقهاء بخلاف الأكمل والأولى، وهذا أيضًا لا يتحقق في حمل المصحف في الفريضة، وإذا ترك وضع اليدين بعضهما على بعض في الصلاة بسبب حمل المصحف فقد تركهما إلى ما هو أولى منهما في العبادة، من كثرة القراءة وطول القيام، والمصاحف اليوم خفيفة الحمل، تحمل في الجيب، وبقدر الكف، فلو أن رجلًا نظر في المصحف في صلاة الصبح لم أكره له هذا الفعل إن احتاج إلى ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 1654
الباب السابع في أحكام الركوع
الفصل الأول في حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع
المدخل إلى المسألة:
* كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء.
* ذكر الرسول ﷺ للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها.
* القول بأن الرسول ﷺ ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.
* القول بأن النبي ﷺ لم يعلم المسيء التكبير؛ لأنه لم يكن واجبًا ثم وجب بعيد جدًّا، يحتاج للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، والأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص.
* التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة.
* فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ، وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق.
стр. 1655
* ثبوت التكبير من فعله ﵊ يثبت مشروعيته، ولا جدال في ذلك، لكنه لا يستفاد من الفعل الوجوب، وكيف يستفاد مع ترك كثير من العامة التكبير في عصر كان الصحابة موجودين، ولم ينكر الترك.
* كيف يظن بصحابة رسول الله ﷺ أنهم يرون التكبير واجبًا ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار.
* القول بأن الحجة فيما فعله النبي ﷺ هذا الكلام ظاهره التمسك بالسنة، وباطنه تقديم فهمنا على فهم الصحابة وعلى فهم السلف، فالتمسوا في فهم دينكم ما فهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
[م-٦١٥] إذا أراد الرجل أن يركع ابتدأ بالتكبير، وعامة العلماء على مشروعيته للانتقال إلى الركوع، واختلفوا في حكمه:
فقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).
стр. 1656
قال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث» (١).
وقال ابن الملقن: «قال بسنية تكبير الانتقالات الخلفاء الأربعة ... » (٢).
وقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أبو بكر الصديق، وعمر، وابن مسعود، وابن عمر وابن جابر ... وعوام أهل العلم» (٣).
فهذا لو صح عنهم صريحًا لم نرغب عن غيره، فليت شعري مَنْ الناسُ بعدَهُمُ؟ لكن المنقول عن الترمذي وابن المنذر والطحاوي وابن بطال وغيرهم أنهم كانوا يكبرون للركوع كما كان الرسول ﷺ يكبر، والفعل يدل على المشروعية، ولا مرية فيه، لكنه لا يستفاد بمجرده وجوب التكبير، ولا نفيه (٤).
стр. 1657
وقال في بدائع الصنائع: «أما التكبير عند الانتقال من القيام إلى الركوع فسنة عند عامة العلماء» (١).
وقيل: جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (٣).
قال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض» (٤).
وقيل: ركن إلا في حق المأموم فواجب، ذكره الزركشي من الحنابلة (٥).
стр. 1658
وقيل: ليس بسنة إلا في الجماعة، اختاره طائفة من العلماء (١).
قال ابن عبد البر: «قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة، وأما من صلى وحده، فلا بأس عليه ألا يكبر» (٢).
هذا ملخص الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى أربعة أقوال:
قيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: ركن إلا في حق المأموم، وقيل: ليس بسنة إلا في حق الجماعة.
* دليل من قال: تكبيرات الانتقال سنة:
الدليل الأول:
(ح-١٦١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (٣).
وجه الاستدلال:
كون النبي ﷺ يأمره بتكبيرة الإحرام، ثم يأتي على الركوع والسجود والرفع منه فيذكره، ولا يذكر التكبير دليل على أن تكبيرات الانتقال ليست واجبة، فلو كانت واجبة لعلمه إياها؛ لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال ابن دقيق العيد: «وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة
стр. 1659
الحصر أنه ﵇ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به من واجبات الصلاة» (١).
* ونوقش هذا الاستدلال:
الجواب الأول:
أن سكوت هذا الحديث عن إيجاب التكبير لا ينفي وجوبه بأدلة أخرى، فهو لم يذكر التشهد، ولا الجلوس له، ولا السلام، ولا قراءة الفاتحة، وكل هذه الأشياء لا تمنع من وجوبها في أدلة أخرى.
هذا الكلام صحيح، إلا أن المخالف ينازع بأن التكبير لم يقم دليله، بخلاف التسليم، وقراءة الفاتحة، والتشهد على افتراض أن لفظة: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) محفوظة، وليست شاذة، وقد رواها النسائي والبيهقي، والحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة، وسيأتي تخريجها في مظانها إن شاء الله تعالى.
يقول ابن عبد البر: «إن التسليم قد قام دليله، وثبت النص فيه بقوله: (تحليلها التسليم)، وبأنه كان يسلم من صلاته طول حياته، فثبت التسليم قولًا وعملًا، وأما التكبير فيما عدا الإحرام فقد كان تركه الصدر الأول .... ولم يعب بعضهم تركه، بل جعلوه من باب الكمال والتمام، ولذلك قلنا: إن التكبير فيما عدا الإحرام سنة» (٢).
وكذلك قراءة الفاتحة قام دليلها بحديث عبادة المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
فإن قيل: إذا كان التكبير واجبًا فلماذا لم يذكر في حديث أبي هريرة؟
* وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
يحتمل أن التكبير لم يكن واجبًا أول الأمر، ثم وجب بعد ذلك.
* ويناقش:
القول بأن الركوع والسجود تقدم وجوبه على وجوب التكبير بعيد جدًّا، يحتاج
стр. 1660
للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، لأن التكبير إن شرع استحبابًا مع الركوع والسجود، ثم نسخ الاستحباب إلى الوجوب فهذا لو وقع لنقل وحفظ، والأصل أن حكمه قد استقر مع التشريع الأول، والانتقال عنه يحتاج إلى دليل صريح لا نزاع فيه، كما نقل نسخ التطبيق.
وإن كان تشريع التكبير قد تأخر عن تشريع الركوع والسجود، بحيث إنهم كانوا يركعون ويسجدون ويرفعون من دون تكبير، ثم شرع التكبير بعد ذلك، فهذه دعوى لا دليل عليها، وهي أشد غرابة من الافتراض الأول؛ فلو تأخر تشريعه لنقل وحفظ.
الجواب الثاني:
ربما كان الرسول ﷺ قد اقتصر على تعليمه ما أساء فيه فقط.
* ويناقش:
بأن هذا الافتراض بعيد جدًّا؛ لأنه قد ذَكَرَ له تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له تكبيرة الركوع والسجود، فكيف يتصور أنه قد أساء في تكبيرة الإحرام، وما أساء في تكبيرة الركوع والسجود، فإن من أحسن التكبير للركوع والسجود حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.
الجواب الثالث:
أن التكبير وإن لم يحفظ من حديث أبي هريرة، فقد حفظ من حديث رفاعة، فقد جاء فيه تكبيرات الانتقال، وهي قصة واحدة، وسوف نأتي على ذكره في أدلة القائلين بالوجوب إن شاء الله تعالى، ونجيب عنه، فانظره مشكورًا.
الدليل الثاني:
(ح-١٦١٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا الحسن بن عمران -رجل كان بواسط- قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث،
عن أبيه، أنه صلى مع رسول الله ﷺ فكان لا يتم التكبير، يعني: إذا خفض، وإذا رفع (١).
* ونوقش:
بأن الحديث ضعيف، فلا يقوى على معارضة أحاديث أن النبي ﷺ كان يكبر إذا ركع، ويكبر إذا سجد، وهي أحاديث في غاية الصحة، أو أنه محمول على أنه لم يسمع التكبير.
стр. 1663
الدليل الثالث:
(ح-١٦١٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله، قال:
صليت خلف علي بن أبي طالب ﵁ أنا وعمران بن حصين، «فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد ﷺ (١).
ورواه البخاري من طريق أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين، قال:
صلى مع علي ﵁ بالبصرة فقال: ذَكَّرَنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع (٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٦١٥) ما رواه البخاري من طريق همام، عن قتادة،
عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك؛ سنة أبي القاسم ﷺ (٣).
وجه الاستدلال من الأثرين:
هذه الآثار تدل على أن التكبير في كل خفض ورفع لم يكن في منزلة الواجبات عندهم، ولولا ذلك ما قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ، ولا أنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ولا نسبه إلى الحمق، وكيف يقبل صحابة رسول الله ﷺ تضييع هذا الواجب، حتى أصبح فعله بينهم مستغربًا، وكيف يظن بصحابة رسول الله ﷺ أنهم يرون التكبير واجبًا ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار، وحتى يقع استغرابه من عالم فقيه مثل عكرمة، ولو كان الترك من قبل الأمراء خاصة لوجد التخريج لهم.
стр. 1664
كل هذا يدل أن التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة، وقد فعله جماعة من السلف، وتركه جماعة، ولم يقل أحد ممن فعله للذي لم يفعله: إن صلاتك لا تتم إلا به، فكان هذا شأن السنن (١).
* وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن هذا مما أحدثه الناس بعد النبي ﷺ ، حتى كان الأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولا حجة فيه، بل الحجة فيما فعله النبي ﷺ .
قال ابن المنذر: «ولا حجة في أحد مع رسول الله ﷺ ... فغير جائز دفع ما ثبتت به الأخبار عن رسول الله ﷺ بقول أحد».
* ورد هذا الجواب من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا الكلام متوجه لو كان الناس يذهبون إلى القول بعدم مشروعية التكبير، أو كان هناك سنة مرفوعة صريحة في وجوب التكبير، ثم يدع الناس التكبير، فيقال: لا حجة في قول أحد، ولا في فعله إذا قضى الله ورسوله ﷺ أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره.
فثبوت التكبير من فعله ﵊ يثبت مشروعيته، ولا جدال في ذلك، لكنه لا يستفاد من الفعل الوجوب، وكيف يستفاد مع ترك كثير من العامة التكبير في عصر كان الصحابة فيه متواجدين، ولم يُنْكَر الترك، والقول بأن الحجة فيما فعله النبي ﷺ هذا الكلام ظاهره التمسك بالسنة، وباطنه تقديم فهمنا على فهم الصحابة وعلى فهم السلف، فالتمسوا في فهم دينكم ما فهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، والقول بأن التكبير سنة هو مذهب أبي حنفية، ومالك والشافعي، ورواية عن أحمد، وكما قال ابن عبد البر: عليه جماهير الأمصار.
الوجه الثاني:
القول بأن هذا مما أحدثه الأمراء لا يسلم، بل إن الترك كان من عامة الناس، مصحوبًا بإقرار الصحابة رضوان الله عليهم، وكانوا يصلون خلفهم، وهل في الناس من هو أنصح
стр. 1665
من صحابة رسول الله ﷺ ، ثم لا تجد نصًّا ينكر على من ترك التكبير. حتى خفي ذلك على عكرمة، وجعله يصف من يكبر بالأحمق، هذا لا نظنه من أنفسنا وإخواننا، فكيف نظنه بالصحابة رضوان الله عليهم.
الجواب الثاني:
أن الترك المنسوب في الصدر الأول إنما هو على ترك الجهر، لا على ترك التكبير، أو على نقصه إذا انحط إلى السجود، وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية؛ لأن الخفض يشاهد بالأبصار، فظنوا أن الإمام لا يحتاج إلى الجهر؛ لأنه يرى ركوعه ويرى سجوده بخلاف الرفع من الركوع والسجود، فيحتاج للتكبير للإعلام به، لإمكان الاقتداء (١).
* ورد هذا:
إذا لم يسمع التكبير من الإمام، فدعوى أنه يكبر سِرًّا خلاف الظاهر، ولهذا الصحابة رضوان الله عليهم استدلوا على قراءة النبي ﷺ في السرية على اضطراب لحيته، ولم يعتمدوا على قياس قراءته في السرية على قراءته في الجهرية؛ باعتبار الجميع عبادة من جنس واحد، فأين الدليل على أنه كان يكبر سرًّا.
بل إن ما رواه البخاري عن عكرمة، حين قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت: لابن عباس: إنه أحمق ... فقوله: (فكبر ثنتين وعشرين) ظاهره يدل على أن الإنكار للتكبير، وليس متوجهًا للجهر به فقط، فحمل الإنكار على الجهر خلاف الظاهر.
وإذا انتقص التكبير في حال الركوع وفي حال السجود، كان هذا دليلًا على عدم الوجوب، فإن الجهر في حال الركوع وفي حال السجود لم يكن من أجل وجوب التكبير، وإنما من أجل الاقتداء، فهو بمنزلة من يبلغ عن الإمام في حال ضعفه، فلا يجب التبليغ لذاته، ويؤخذ منه أنه لا يجب التكبير على المأموم، ولا على المنفرد لعدم الحاجة إلى الاقتداء به.
стр. 1666
الدليل الخامس من الآثار:
(ث-٤٣٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن مسعر،
عن يزيد الفقير، قال: كان ابن عمر، ينقص التكبير في الصلاة.
قال مسعر: إذا انحط بعد الركوع لم يكبر، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر (١).
[صحيح] (٢).
فهذا ابن عمر مع ما عرف منه من شدة احتياطه وتحريه ينقص من التكبير، فلو كان يرى أن التكبير حتم ما كان لينقص منه، وفيه جواب على من رأى أن انتقاص التكبير كان من إحداث الأمراء.
وقوله: (لم يكبر) صريح في نفي التكبير، فحمله على نفي الجهر خلاف الظاهر، وقد سبق الجواب على ذلك.
* دليل من قال: تكبيرات الانتقال واجبة أو ركن:
الدليل الأول:
(ح-١٦١٦) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال:
صليت مع أبي موسى الأشعري صلاةً ... فذكر قصة، وفيه: ... قال أبو موسى: إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنَّتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال ﷺ : إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فقال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله ﵎، قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم .... الحديث (٣).
стр. 1667
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ ، قال: (إذا كبروركع فكبروا ... وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا)، فأمر بالتكبير، والأصل بالأمر الوجوب.
* ونوقش هذا الحديث:
بأن حديث أبي موسى أخص من الدعوى لأنه أمر للمؤتم فقط، فلا يستفاد منه وجوب التكبير على المنفرد، ولا على الإمام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المأموم لم يؤمر به ابتداء، وإنما سيق لبيان أن أفعاله تقع بعد فعل إمامه، لا قبله، ولا معه، ولهذا قال في الحديث: (فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم)، فكان الأمر بالتكبير غير مراد منه إلا ترتب فعله على فعل إمامه، فليس كما لو أمر بالتكبير على وجه الاستقلال، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب إلا إذا استفيد الوجوب من قوله في هذا الحديث: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) من الأمر بالتأمين، فدلالة حديث أبي موسى هي دلالة حديث عائشة المتفق عليه: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا ... ) (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٦١٧) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،
عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي ﷺ : إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته (٢).
стр. 1668
[ذكر تكبيرات الانتقال في حديث رفاعة ليس بمحفوظ] (١).
стр. 1669
الدليل الثالث:
(ح-١٦١٨) ما رواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد- ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
ورواه مسلم من طريق عقيل به (١).
فإن قيل: أفعال الرسول ﷺ لا تدل على الوجوب.
стр. 1670
فالجواب: أن دلالة الوجوب مركبة من أمرين: مواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل.
والأمر الثاني: قوله ﷺ في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فكان هذا الفعل بيانًا لهذا المجمل، فالأمر (صلوا) الأصل فيه الوجوب، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم هذا المجمل.
* ويجاب:
بأنه سبق لي مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، وبينت أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: (لتأخذوا عني مناسككم)، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.
وإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي ﷺ وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي ﷺ حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.
(ح-١٦١٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:
حدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (١).
ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، ولا شك أن المخاطب بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) هو مالك بن الحويرث: لأن الخطاب موجه له ولرفقته في أصل التشريع، وتدخل الأمة معه تبعًا باعتبار عموم
стр. 1671
أحكام الشريعة، وقد رآه مالك بن الحويرث يصلي جلسة الاستراحة، أكانت جلسة الاستراحة واجبة على مالك بن الحويرث، وقد رأى النبيَّ ﷺ يفعلها؟ وما يدري مالك بن الحويرث أن هذه الجلسة ليست واجبة، ومقامه عند النبي ﷺ عشرين يومًا، وقد أمر بأن يصلي كما رأى النبي ﷺ يصلي، فإن قلنا: إن جميع ما رآه مالك بن الحويرث واجب عليه أن يفعله، فقد خالفنا الإجماع، وإن قلنا: إن بعض ما رآه منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، كجلسة الاستراحة مثلًا، لم يصح الاستدلال بالحديث على وجوب التكبير، لهذا لا يمكن الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن الاستدلال به على وجوب التكبيرات بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم.
* دليل من قال: لا يسن التكبير إلا في الجماعة:
هذا القول نظر إلى أن التكبير من أجل إمكان الاقتداء، فالاقتداء بالإمام واجب، فإذا ركع أو سجد أو رفع وجب على المأموم أن يتابع الإمام في ذلك، ولا يمكنه العلم بذلك إلا عن طريق سماع التكبير، خاصة في حال الركوع والسجود، لهذا خُصَّ الأمر بالتكبير في حال الجماعة فقال في حديث أبي موسى السابق: (فإذا كبر فكبروا)، ولم يتوجه أمر بالتكبير إلا في حال الجماعة.
وبه نفهم لماذا لم يعلمه النبي ﷺ المسيء في صلاته، لأنه يخاطبه في صلاته منفردًا، فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ... ) إلخ الحديث.
* ويناقش:
إذا كان التكبير لإمكان الاقتداء فهو واجب لغيره، ويكون واجبًا على الإمام
стр. 1672
وحده دون المأموم، ويجب في حال إذا لم يمكن العلم بانتقال الإمام إلا بالتكبير، كما في حال السجود، وقد يلحق به الرفع من الركوع، أما في الانحطاط للركوع وللسجود فالإمام يمكن رؤيته، والعلم بفعله، خاصة أن النبي ﷺ أمر الصف الذي خلفه أن يقتدوا به، وأن يقتدي كل صف بالصف الذي أمامه يشعر أن الاقتداء بالفعل، وليس بالتكبير.
(ح-١٦٢٠) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ... الحديث (١).
فقوله: (فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فلم يتوقف الاقتداء على سماع التكبير، مع إمكان سماعه، أو التبليغ بالتكبير إذا لم يسمع، وجعل الاقتداء بالأفعال، مما يشعر أن الاقتداء لا يتوقف على التكبير إلا في بعض أفعال الصلاة كما سبق، والله أعلم.
* * *
стр. 1673
الفصل الثاني
في حكم الركوع
المدخل إلى المسألة:
قال الجوهري: ركن الشيء جانبه الأقوى، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد﴾ [هود: ٨٠]: أي عز ومنعة.
* الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية، وقد اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانًا.
* كل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة.
* قال ﷺ : (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) فأمره بالركوع، والأصل في الأمر الوجوب.
* لا يختلف العلماء أن الركوع ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة من دونه.
* الركوع قربة بشرط أن يكون داخل الصلاة فلا يتقرب به إلى الله خارج الصلاة، وهذا باتفاق العلماء.
[م-٦١٦] الركوع ركن من أركان الصلاة، دل على وجوبه الكتاب والسنة، والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
فقوله: (اركعوا واسجدوا) أي صلوا، وإنما عبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، والآية دليل على أن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء،
стр. 1674
كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولا يصح أن يقال: فتحرير يد، أوتحرير قدم؛ لأن حياة العبد تستقل دون ذلك العضو بخلاف الرقبة، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله ﷺ : من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. فإنه دليل على أن الركعة لا تستقل من دون السجود، وكإطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، دليل على أن القراءة جزء من ماهية الصلاة، وقد بينت السنة فرضية الفاتحة خاصة، والله أعلم.
وأما السنة فأحاديث كثيرة، منها
(ح-١٦٢١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) فأمره النبي ﷺ بالركوع، والأصل في الأمر الوجوب.
وأما الإجماع فحكاه طائفة من الفقهاء على اختلاف مدارسهم الفقهية، فحكاه من الحنفية الزيلعي وابن نجيم (٢).
ومن المالكية ابن عبد البر، والمازري، والقرافي، وابن جزي، وابن العربي (٣).
стр. 1675
ومن الشافعية النووي، والخطيب الشربيني والرملي (١).
ومن الحنابلة ابن قدامة، والبهوتي وغيرهما (٢).
ولأن الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية.
ونقل عن الإمام مالك أنه كفر من قال: إن الركوع سنة (٣).
* * *
стр. 1676
الفصل الثالث في رفع اليدين مع تكبيرات الانتقال
المبحث الأول يرفع يديه للركوع والرفع منه دون القيام من الركعتين
المدخل إلى المسألة:
* رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.
* لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.
* قال الإمام البخاري يروى عن سبعة عشر نفسًا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ثم ذكرهم.
* لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.
* يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.
* سئل أحمد عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي، قال: لا.
[م-٦١٧] اختلف العلماء في رفع اليدين مع تكبيرة الركوع،
فقيل: لا يرفع يديه في شيء من التكبيرات إلا في تكبيرة الافتتاح، وهو مذهب الحنفية، ورواية ابن القاسم عن الإمام مالك، وهي أشهر الروايات عنه، وبه قال الثوري، والحسن بن حَيٍّ (١).
стр. 1677
جاء في المدونة: «وقال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض، ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئًا خفيفًا ... قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيفًا إلا في تكبيرة الإحرام» (١).
وقيل: يرفع يديه عند الرفع من الركوع، وهو رواية ابن عبد الحكم عن مالك (٢).
وقيل: يرفع يديه للركوع وللرفع منه، وهو رواية ابن وهب عن مالك، والمنصوص عن أحمد (٣).
جاء في البيان والتحصيل: «قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته، فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه حذو منكبيه» (٤).
وقال في التلقين: وعنه -أي عن مالك- في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان» (٥).
قال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين؟ قال: لا» (٦).
стр. 1678
وقيل: يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، وإذا قام من اثنتين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وبه قال ابن وهب من المالكية (١).
قال البخاري في رفع اليدين للصلاة: «يروى عن سبع عشرة نفسًا (٢)، من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع منهم أبو قتادة الأنصاري، وأبو أسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مسلمة البدري، وسهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، وأنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ وأبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، ووائل بن حجر الحضرمي، ومالك ابن الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حميد الساعدي الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأم الدرداء رضي الله تعالى عنهم» (٣).
وزاد البيهقي جماعة لم يذكرهم البخاري، منهم أبو بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وعبد الله بن جابر البياضي، وعقبة بن عامر (٤).
وقال غيره: رواه قريب من ثلاثين نفسًا من الصحابة، وقال غيره: رواه نيف وثلاثون من الصحابة (٥).
стр. 1679
وقال البيهقي: «قد سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ يقول: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله ﷺ الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال الإمام أحمد -يعني البيهقي-: وهو كما قال أستاذنا أبو عبد الله ﵁» (١).
قال ابن رجب: «وفي هذه العبارات تسامح شديد» (٢).
وقال ابن كثير: «إنما يصح ويروى عن بعض هؤلاء ... قال الشافعي: روى هذا غير ابن عمر اثنا عشر رجلًا من الصحابة، وبهذا نقول، ونحو من هذا الكلام قال أحمد بن حنبل والبخاري رحمهم الله تعالى» (٣).
وقال الأوزاعي: «الذي بلغنا عن رسول الله ﷺ فيما اجتمع عليه علماء أهل الحجاز، والشام، والبصرة أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، ويرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر للركوع ... » (٤).
стр. 1680
وقيل: يرفع يديه في الركوع، والرفع منه، وللسجود، والرفع منه، أي في كل خفض ورفع، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الحديث، كالقاسم بن محمد، وسالم ابن عبد الله بن عمر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول مرجوح عن الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (١).
وحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب (٢).
ونقل المروذي عن أحمد أنه قال: «لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز» (٣).
فأهم هذه الأقوال ترجع إلى ثلاثة أقوال:
لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام.
يقابله: يرفع يديه في كل خفض ورفع.
وقيل: يرفع يديه للركوع والرفع منه، وزاد بعضهم: وعند القيام من اثنتين، ولا يرفع يديه للسجود، ولا للرفع منه. والله أعلم.
стр. 1681
* دليل من قال: لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام:
(ح-١٦٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال:
قال ابن مسعود: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة (١).
[أخطأ فيه الإمام سفيان، وقال بعض العلماء: أخطأ فيه وكيع، وقد رواه ابن إدريس عن عاصم ولم يذكر فيه نفيَ الرفع عن الركوع، وهو المحفوظ] (٢).