← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا سبيل في إدخال هذا النص في القول: بينهما عموم وخصوص من وجه، فإن هذا يقال: لو كان الحديث سنَّة قوليةً، أما والحديث سنة فعلية، وقعت في وقت النهي، وأمرهما النبي ﷺ بالصلاة بعد صلاة الصبح مع كونها نافلة في حقهما، فوجب التسليم لهذا النص، ولا معنى لتخصيص الحكم في الصلاة المعادة فقط، مع حكم النبي ﷺ بأن الصلاة المعادة نافلة إلا القول: بأن النوافل منها ما يجوز في وقت النهي، ومنها ما لا يجوز، فالجائز من النافلة هو ما كان له سبب، والممنوع من النافلة: هو المطلق مما لا سبب له. ٣ - مما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي أن النبي ﷺ أمر بها حال الخطبة، والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد نهيًا منها في أوقات النهي؛ لأن السامع منهي عن النفل المطلق بإجماع، ومنها عن الصلاة على الجنازة، وعن الطواف بالبيت، بل ومنهي عن كل ما يشغله عن الاستماع، ولو كان من قبيل إنكار المنكر، فدل على أن النهي هنا أوكد وأضيق منه بعد الفجر، فإذا أمر بتحية المسجد وقت الخطبة، ففعلها في سائر أوقات النهي من باب أولى (١). وقل مثل ذلك في سائر أحاديث الجواز، فهذه المخصصات أضعفت العموم الوارد في أحاديث النهي، كحديث: (لا صلاة بعد العصر .. ولا صلاة بعد الصبح) ونحوها. بينما العموم في حديث: (فليصلها إذا ذكرها) وعموم حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد) فلم يدخله تخصيص، والعام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص. المرجح الثاني: أن المنهي عنه هو تحري الصلاة في أوقات النهي لحديث ابن عمر: (لا يَتَحَرَّ أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها). متفق عليه وتحري الصلاة هو ألا يكون له قصد إلا الصلاة في هذا الوقت، وهذا لا يصدق إلا على النفل المطلق، وأما ذوات الأسباب، فإنها صليت تبعًا لأسبابها، ولم يقصد

стр. 212

المصلي الصلاة، فالطواف ليس ممنوعًا في وقت النهي، فإذا طاف صلى ركعتين تبعًا للطواف، فالقصد كان متوجهًا للطواف، وليس للصلاة، وإذا دخل المسجد في وقت النهي فصلى ركعتين فالقصد كان متوجهًا لدخول المسجد، ودخول المسجد ليس داخلًا في وقت النهي، وقل مثل ذلك في بقية ذوات الأسباب، والله أعلم. المرجح الثالث: أن القائلين بمنع النفل مطلقًا قد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وتركوا بعض الأدلة الدالة على جواز ذوات الأسباب. بخلاف القائلين بمنع النفل المطلق، وجواز النفل من ذوات الأسباب، فقد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي وحملوها على النفل المطلق، وأخذوا بأحاديث الجواز، وحملوها على ذوات الأسباب، وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها، والجمع بين الأدلة المتعارضة هو المتعين، ولا سبيل للترجيح إلا إذا تعذر الجمع، ولم يتعذر هنا. • الراجح: هذه المسألة من مسائل الخلاف القوية، والأدلة فيها متجاذبة، وإن كانت الكفة تميل قليلًا إلى مذهب الشافعية، إلا أن مذهب الجمهور غير مدفوع من النظر، وإن كان الخلاف في بعض المسائل أضعف من بعض، فالقول بمنع قضاء الفوائت في وقت النهي قول ضعيف جدًّا، والقول بمنع تحية المسجد وقت الخطبة قول ضعيف، وقد وافق الحنابلة الشافعية في القول بالجواز، وسوف أفردها بالبحث، والصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح أخف من الصلاة عليها وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، أوحين يقوم قائم الظهيرة، ذلك أن الأوقات الثلاثة يسيرة جدًّا، والنهي فيها معلل بعلل تقشعر منها الأبدان، فالنهي عن الصلاة حين تطلع الشمس أو حين تغرب معلل بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، وحديث النهي عن الصلاة حين يقوم قائم الظهيرة معلل بأن جهنم تسجَّر حينئذٍ، بينما النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر لم يُنَصَّ على علة النهي، وإن كان له حكمة بلا شك، فيكون النهي فيهما أخف من غيرهما، وقد

стр. 213

يكون النهي عنهما من باب سد الذرائع حتى لا يتهاون الناس في الصلاة فيتمادون إلى تحري الصلاة عند اصفرار الشمس، أو عند شروقها وغروبها، ولهذا جاء في مسائل أبي داود: سئل أحمد عن الصلاة على الجنازة عند غروب الشمس فقال: إذا تدلَّت الشمس للغروب فلا يصلَّى عليها. قيل لأحمد: الشمس على الحيطان مصفرة قال: يصلَّى عليها ما لم تدلَّ للغروب (١). ولأن هناك فرقًا بين هذه الأوقات الثلاثة وبين النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، فالأوقات الضيقة ابتداء الوقت وانتهاؤه معلوم من قبل الشارع، وليس من فعل المكلف، والنهي عن الصلاة بعد العصر ابتداؤه معلق بفعل الصلاة، فكان المكلف هو من يحدد ابتداء وقت النهي، فالتنفل إذا دخل العصر جائز ما لم يصلِّ العصر، وكذلك يقال في الصبح على الصحيح مما يجعل الشأن في الصلاة فيه أخف، والله أعلم. * * *

стр. 214

المبحث الثالث عشر في اشتراط النية لتحية المسجد المدخل إلى المسألة: • العبادات التي لا تقصد لذاتها، كتحية المسجد فإنها تسقط بالراتبة وبالفريضة، وبغيرها من الصلوات إذا فعلها قبل أن يجلس، ومثله الجمع بين طواف الوداع والإفاضة على الصحيح. • لا تشترط نية تحية المسجد للجلوس، وهل تشترط النية للثواب؟ • قال ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) مفهومه: أن الشيء إذا لم يَنْوِهِ فليس له ثواب، فلا ثواب إلا بنية. • الثواب أوسع من النية، فقد يثاب الإنسان على عمل غيره إذا كان سببًا فيه. [م-٤٥٩] إذا صلى ركعتين مطلقًا كان له أن يجلس، ولا يشترط أن ينوي بالركعتين تحية المسجد، لأن تحية المسجد من النوافل المطلقة، فإذا صلى ركعتين نفلًا مطلقًا، أو راتبة، أو صلاة فريضة مؤداة، أو مقضية، أو منذورة أجزأه ذلك؛ لتحقق الامتثال حيث يصدق عليه أنه لم يجلس حتى صلى، ولحصول تعظيم المسجد (١). قال النووي: ولا خلاف في هذا (٢). [م-٤٦٠] وهل يحصل ثوابها ولو لم ينوها؟ في ذلك قولان، هما وجهان في

стр. 215

مذهب الشافعية: قال الخطيب في مغني المحتاج: «ويحصل فضلها، ولو لم تُنْوَ كما صرح به ابن الوردي في بهجته» (١). •وجه هذا القول: بأن الامتثال قد تحقق فلم يجلس حتى صلى، ولأن الثواب أوسع من النية، فقد يثاب الإنسان على عمل غيره إذا كان سببًا فيه، ولو لم يَنْوِهِ، والمسلم قد لا يستحضر النية، لا زهدًا في الثواب، ولكن قد يذهل عنها. وقيل: لا يحصل الثواب إلا بالنية؛ لقوله ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) (٢). فهذا الرجل لم يَنْوِ إلا الراتبة، أو الفريضة، فليس له إلا ما نوى، ولم يَنْوِ في عمله أن يستبيح الجلوس، ولا ثواب إلا بنية. [م-٤٦١] ولو نوى الفريضة وتحية المسجد، أو الراتبة وتحية المسجد. قال النووي: حصلا جميعًا بلا خلاف .... فالمراد بها ألا ينتهك المسجد بالجلوس بغير صلاة (٣). وقيل: إذا نوى تحية المسجد والفريضة لا يكون داخلًا في الصلاة، واختاره محمد بن الحسن الشيباني؛ لأن الفرض مع النفل جنسان مختلفان، لا رجحان لأحدهما على الآخر في التحريمة، فمتى نواهما تعارضت النيتان، فلغيتا (٤). وقال بعض المالكية: إذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ثم صلى راتبة الوقت، وقد استظهره ابن عبد السلام بحجة أن العبادة الواحدة لا تقوم مقام اثنتين، وهو قول ضعيف جدًّا، ومخالف للمعتمد من مذهب المالكية (٥). • ويتعقب: بأن القول: إن العبادة الواحدة لا تقوم مقام اثنتين إنما يصح هذا إذا كانت

стр. 216

كل واحدة من العبادتين مقصودة للشارع بذاتها، كالتشريك بين الظهر والعصر، وبين الفرض وراتبته، وبين الراتبة القبلية والبعدية، وأما العبادات التي لا تقصد لذاتها، كتحية المسجد فإنها تسقط بالراتبة وبالفريضة، وبغيرها من الصلوات إذا فعلها قبل أن يجلس، ومثله الجمع بين طواف الوداع والإفاضة على الصحيح، وكذلك طواف العمرة يغني عن طواف القدوم، ولا تغني تحية المسجد عن الراتبة؛ لأن الراتبة أعلى منها، وهي مقصودة لذاتها، بل لا يستحب إذا دخل المسجد أن يخص تحية المسجد بنية، وراتبة الصلاة بنية مستقلة، فإذا صلى الراتبة أغناه ذلك عن تحية المسجد، وإنما جاء الإشكال عند بعض الفقهاء المتأخرين من غلبة اسم تحية المسجد على هاتين الركعتين قبل الجلوس، حتى ظن أنها مقصودة بهذه النية، لا يقوم غيرها مقامها، وهي تسمية اصطلاحية، واللبس غالبًا ما يأتي من التسميات غير الشرعية. * * *

стр. 217

المبحث الرابع عشر في حصول تحية المسجد في أقل من ركعتين المدخل إلى المسألة: • لا يعرف نفل مطلق يتكون من ركعة واحدة. • التطوع بركعة واحدة لا يتصور إلا في الوتر، شريطة أن يقع ذلك في الليل، على خلاف بين الفقهاء في صحة الإيتار بركعة. • قال ﷺ (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) مفهومه: أن من صلى أقل من ركعتين فلا يجلس. • المفهوم حجة عند الجمهور خلافًا للحنفية بشرط أن يكون المفهوم مقصودًا، فإن خرج مخرج الغالب لم يكن المفهوم حجة بالإجماع. • لا يفهم من قوله: (فلا يجلس) وجوب التحريمة لها قائمًا؛ لصحة النافلة جالسًا، فالجلوس خرج مخرج الغالب. • عدد الركعتين في تحية المسجد لا مفهوم لأكثره، فلو صلى أربع ركعات كان له الجلوس. [م-٤٦٢] ذهب الشافعية في الأصح: أن تحية المسجد لا تحصل بأقل من ركعتين، فلو صلى على جنازة، أو سجد لتلاوة، أو شكر، أو جاء بعد العشاء فأوتر بركعة لم تحصل التحية؛ لظاهر حديث أبي قتادة: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) (١). وقد سبق لك الخلاف في سجدة التلاوة والشكر، أتعد صلاة، فتشترط لهما ما تشترط للصلاة من طهارة ونحوها، أم لا تعتبر صلاة، وهو الصحيح؛ لأن الصلاة

стр. 218

تطلق على ما كان تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فلا تغني سجدة التلاوة والشكر عن تحية المسجد؟ وقيل: تحصل بأقل من ركعتين، كما لو أوتر بركعة، وهو وجه في مذهب الشافعية في مقابل الأصح (١). • وحجة هذا القول: أن حديث أبي قتادة: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، له منطوق، ومفهوم: فالمنطوق: أن من صلى ركعتين جلس. ومفهومه: أن من صلى أقل من ركعتين فلا يجلس. والمفهوم حجة عند الجمهور خلافًا للحنفية بشرط أن يكون المفهوم مقصودًا، فإن خرج مخرج الغالب لم يكن المفهوم حجة بالإجماع (٢). وضابطه: أن يكون الوصف الذي خرج مخرج الغالب موجودًا في أكثر صورها، ولا شك أن أغلب النفل المطلق يكون على صورة ركعتين، فهو في صلاة الليل نصًّا: لقوله ﷺ (صلاة الليل مثنى مثنى)، وكذلك النفل في النهار يأتي أغلبه على صورة ركعتين كالسنن الرواتب، وسنة الضحى، وركعتي الاستخارة، وسنة الوضوء، وغيرها من النفل المطلق، ولا يعرف نفل مطلق من ركعة واحدة، وأما حديث: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فزيادة (والنهار) غير محفوظة. فإذا كان النفل المطلق كله أو أغلبه على صورة ركعتين كان القول بأن ذكر الركعتين في تحية المسجد خرج مخرج الغالب فيه قوة، فلا يكون مفهومه حجة. فإن قيل: إن الرسول ﷺ أمر من دخل يوم الجمعة، والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، ولو كانت تجزئ ركعة واحدة لاقتصر على الأمر بها مراعاة لسماع الخطبة. فالجواب: أن التطوع بركعة واحدة لا يتصور إلا في الوتر شرط أن يقع في الليل، على خلاف بين الفقهاء في صحة الإيتار بركعة، فليس متصورًا أن يقع التطوع

стр. 219

بركعة واحدة في النهار، فالمسألة متصورة في رجل دخل المسجد بعد العشاء، فأوتر بركعة، أيحصل المقصود بذلك، فيجلس، أم لا بد من الركعتين؟ [م-٤٦٣] لو صلى أكثر من ركعتين بنية تحية المسجد، فإن كان في الليل فقد أخطأ؛ لأن تحية المسجد على الصحيح من النفل المطلق، وصلاة الليل مثنى مثنى. وإن كان ذلك في النهار، فذهب أكثر أهل العلم إلى حصول تحية المسجد؛ لأن عدد الركعتين في تحية المسجد لا مفهوم لأكثره، وحكاه في فيض القدير اتفاقًا (١). قال بعض الحنفية: وصلاة أربع ركعات أفضل من ركعتين إن صلى الأربع بسلام واحد، فإن حصلت الزيادة على الركعتين بعد السلام فلا تنعقد الثانية تحية (٢). وقال الشافعية: الزيادة غير مطلوبة، وإن أثيب فاعلها (٣)، والله أعلم. * * *

стр. 220

المبحث الخامس عشر في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب المدخل إلى المسألة: • إذا خرج إمام الجمعة على الناس وهو يصلي أتمها خفيفة بلا خلاف. • دخول الإمام يمنع التنفل ممن صلى تحية المسجد، وحكي إجماعًا. • قول النبي ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس) يشمل بعمومه كل مسجد، سواء أكان ذلك في الجمعة أم في غيرها، وسواء أكان الإمام يخطب أم لا، وسواء أكان الوقت وقت نهي أم لا، والعام على عمومه حتى يَرِدَ من النصوص ما يخصصه. • تواطأ العام والخاص على الأمر بتحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب. • الأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ الاستماع واجبًا في حق الداخل. [م-٤٦٤] قبل عرض الخلاف أبين محل الوفاق في المسألة. فيجوز استدامة تحية المسجد بلا خلاف، فلو خرج الإمام، وهو في تحية المسجد لم يقطعها، بل يتمها خفيفة، وحكي الإجماع على ذلك. قال النووي: «فإن خرج الإمام، وهو في صلاة استحب له أن يخففها بلا خلاف ولا تبطل ... » (١). إذا أدرك الإمام في آخر الخطبة، وخشي إن صلى تحية المسجد أن تفوته تكبيرة الإحرام، أو تفوته الركعة الأولى لم يصلها في أصح القولين.

стр. 221

قال النووي: «وإن دخل والإمام في آخر الخطبة، وغلب على ظنه أنه إن صلى التحية فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام، لم يُصَلِّ التحية، بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يقعد؛ لئلا يكون جالسًا في المسجد قبل التحية، وإن أمكنه الصلاة، وإدراك تكبيرة الإحرام صلى التحية، قال النووي: هكذا فصله المحققون» (١). دخول الإمام يمنع التنفل ممن صلى تحية المسجد، وقد ساق الماوردي والنووي الإجماع على التحريم. وإن دخل الرجل، والإمام يخطب، فاختلف العلماء هل يصلي تحية المسجد؟ فقيل: لا تشرع تحية المسجد حال الخطبة، وهو مذهب الحنفية، والأصح في مذهب المالكية وبه قال الثوري، والليث (٢). جاء في التجريد للقدوري: «قال أصحابنا: إذا دخل الرجل، والإمام يخطب يوم الجمعة لم يصل تحية المسجد» (٣). قال خليل: «لا يبتدئ الداخل التحية بعد خروج الإمام على الأصح» (٤). وقال المازري: «قال مالك: تسقط تحية المسجد على الداخل، والإمام يخطب» (٥). وخالف في ذلك الشافعي، وأحمد، وداود، فقالوا: إذا دخل، والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين، وبه قال أئمة فقهاء أهل الحديث (٦).

стр. 222

قال ابن الملقن الشافعي: «يكره له تركها، وبه قال الحسن البصري، ومكحول، وعبد الله بن يزيد، وابن عيينة، وأبو ثور، والحميدي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وداود وآخرون» (١). • دليل من قال: لا يجلس حتى يصلي ركعتين: استدلوا بدليل عام، ودليل خاص: أما الدليل العام: (ح-١١٣٠) فهو فيما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس. هكذا رواه مالك بلفظ: الأمر، وهو في الموطأ (٢). ورواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، بلفظ النهي: قال النبي ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٣). وتوبع عامر بن عبد الله بن الزبير على سياقه بلفظ النهي: (ح-١١٣١) فقد رواه مسلم من طريق محمد بن يحيى بن حبان، عن عمرو ابن سليم بن خلدة الأنصاري، عن أبي قتادة -صاحب رسول الله ﷺ قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله ﷺ : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسًا، والناس جلوس، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين (٤). فقول النبي ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد) يشمل بعمومه كل مسجد، سواء

стр. 223

أكان ذلك في الجمعة أم في غيرها، وسواء أكان الإمام يخطب أم لا، وسواء أكان الوقت وقت نهي أم لا، والعام على عمومه حتى يرد من النصوص ما يخصصه. وأما الدليل الخاص: (ح-١١٣٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (١). • وأجيب: تأول الحنفية والمالكية بأن الحديث واقعة عين خاص بهذا الرجل، لا عموم لها. • ورد هذا الجواب: بأن البخاري قد رواه من طريق آدم، قال: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن دينار به، بلفظ: (إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب، أو قد خرج .. ) (٢).

стр. 224

وهذا لفظ عام، وهو نص في موضع النزاع. • وأجاب الحنفية والمالكية بأجوبة منها: الجواب الأول: بأن الحديث قد رواه حماد بن زيد، وابن عيينة، وابن جريج، وأيوب، وورقاء، وحبيب بن يحيى، كلهم عن عمرو بن دينار، بلفظ: (أن رجلًا دخل المسجد، فقال له النبي ﷺ : صليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين) (١). وخالف شعبة كل هؤلاء، فجعله حكمًا عامًّا، فقال: إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب فَلْيُصَلِّ ركعتين.

стр. 225

فهذا لفظ شاذ، انفرد به شعبة عن عمرو بن دينار، وأصحاب عمرو بن دينار لا يذكرون ما يذكره شعبة. الجواب الثاني: أن دخول الرجل كان وقت قعود النبي ﷺ على المنبر، (ح-١١٣٣) واستدلوا بما رواه مسلم من طريقين عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له النبي ﷺ : أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما (١). وجه الاستدلال: قوله: (والنبي ﷺ قاعد على المنبر)، فلو كان دخوله في أثناء الخطبة لم يكن النبي ﷺ قاعدًا. وقد ترجم له النسائي في السنن الكبرى: الصلاة قبل الخطبة. • ونوقش هذا: بأن أبا سفيان طلحة بن نافع، وعمرو بن دينار روياه عن جابر، ولم يذكرا أن النبي ﷺ كان قاعدًا، بل نصًّا على أن النبي ﷺ كان يخطب، وهما أرجح من أبي الزبير. وقد تقدمت رواية عمرو بن دينار، وأما رواية طلحة بن نافع. فقد رواها مسلم من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: يا سليك، قم فاركع ركعتين، وتجوز بهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما (٢). • دليل من قال: لا يصلي تحية المسجد إذا حضر الإمام: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 226

وجه الاستدلال: جاءت آثار عن السلف بأن الآية نزلت في شأن الخطبة (١)، وآثار أخرى أنها نزلت في شأن الصلاة (٢)، وثالثة أنها نزلت فيهما معًا، فتحمل الآية عليهما (٣).

стр. 227

وسميت الخطبة قرآنًا؛ لاشتمالها عليه، ولا يقال: إنه يجمع بين الصلاة والاستماع؛ لأن الاشتغال بالصلاة، والقراءة فيها تنفي الاستماع (١). وقد نقل ابن رجب في شرح البخاري عن الإمام أحمد أنه قال: أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة (٢). وقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة. وقد قيل: في الخطبة، والصحيح أنها نزلت في ذلك كله (٣). •ويجاب بأجوبة منها: الجواب الأول: لعل مراد الإمام أحمد أن الأقوال في نزول الآية عند السلف بعضهم قال: نزلت في الصلاة، وبعضهم قال: نزلت في الخطبة، فإحداث قول ثالث يخالف اتفاقهم، ولا يقصد أن الإجماع حصل على الصلاة والخطبة، يبين ذلك عبارة ابن المنذر في الأوسط بعد أن ساق الآثار في نزول الآية عن ابن عباس وأبي هريرة أنها نزلت في الصلاة، قال: «وقال آخرون: في الخطبة، وقد ذكرت أسانيدها في غير هذا الموضع، فقال بعض من يقول بهذا القول: لولا أنهم اتفقوا على أن الآية نزلت في الصلاة، أو في الصلاة والخطبة لوجب بظاهر الكتاب على كل من سمع قارئًا يقرأ أن يستمع لقراءته؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ

стр. 228

تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فلما أجمعوا على إسقاط وجوب الاستماع عن كل سامع قارئًا يقرأ إلا عن السامع لقراءة الإمام، وهو خلفه، والسامع لخطبة الإمام خرج ذلك عن عموم الكتاب وظاهره بالاتفاق» (١). فحكى الاختلاف هل نزلت في الصلاة أو في الصلاة والخطبة، وجعل الاتفاق هو في إسقاط وجوب الاستماع لمن سمع قارئًا، ولم يكن إمامًا، ولا خطيبًا، وأما وجوب الاستماع للإمام إذا قرأ، أو الخطيب إذا قرأ فهو محل نزاع، وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا في سقوط الفاتحة عن المأموم إذا قرأ الإمام، فالخلاف في سقوط استماع الخطيب حال تحية المسجد من باب أولى، هذا معنى حكاية الاتفاق والاختلاف، والله أعلم. الجواب الثاني: بأن الآية عامة، تشمل الصلاة، وتشمل كل من كان يستمع الخطبة، وحديث جابر خاص في حق رجل دخل والإمام يخطب، والخاص مقدم على العام عند أهل الأصول؛ لأن العام ظني الدلالة على عموم أفراده؛ لكونه مظنة التخصيص، والخاص قطعي الدلالة؛ لأنه لا يحتمل ذلك، فإن كان في الخطبة قرآن يجب الاستماع له فهو مخصوص بالسنة الصحيحة، ولا مانع من تخصيص عموم القرآن وتقييد مطلقه بالسنة، كما أوجب بعض الفقهاء قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية، ولو قرأ الإمام تقييدًا للآية بحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. الدليل الثاني: (ح-١١٣٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة، أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت (٢). وجه الاستدلال: قال ابن العربي: «إذا منعه بحرمة الخطبة عن الأمر بالمعروف، والنهي عن

стр. 229

المنكر، وهو فرض، فأولى وأحرى أن يمنعه عن تحية المسجد، وهي فضل» (١). • وأجيب: تحية المسجد في وجوبها نزاع، وعلى التسليم بأنها سنة فلا يمنع أن تقدم السنة على الواجب إذا كانت السنة يسيرة جدًّا لا يؤدي تقديمها إلى فوات الواجب، وقد ينازع في وقت وجوب سماع الخطبة، أيجب الاستماع بمجرد سماعها ولو قبل دخول المسجد، أم يجب الاستماع بعد الدخول وقبل تحية المسجد، أم لا يجب الاستماع إلا بعد أن يصلي تحية المسجد، وكلها احتمالات، والأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يبق الاستماع واجبًا في حق الداخل. وأما حديث النهي عن إنكار المنكر فالمراد من الحديث الحض على الإنصات وترك الكلام، ولو فتح الباب للمصلين لينصح بعضهم بعضًا لربما أفسدوا على الإمام خطبته بظهور اللغو بين المصلين في أثناء الخطبة، بخلاف تحية المسجد فهي لا تؤثر على سماع الناس الخطبة، وقد أمر المصلي بتخفيفها، لهذا فالصحيح أن حديث الأمر بصلاة تحية المسجد مقيد لإطلاق هذا الحديث. الدليل الثالث: (ح-١١٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية يعني ابن صالح، عن أبي الزاهرية، قال: كنت جالسًا مع عبد الله بن بسر يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسِول الله ﷺ يخطب، فقال: اجلس، فقد آذيت، وآنيت (٢). [إسناده جيد إن كان حفظه معاوية بن صالح، فقد تفرد به عن أبي الزاهرية] (٣). • وقد رده ابن حزم من أربعة وجوه: أحدها: أنه لا يصح، لأنه من طريق معاوية بن صالح، لم يَرْوِهِ غيره، وهو ضعيف.

стр. 230

الوجه الثاني: أن الحديث لو صح ليس فيه أنه لم يكن ركعهما. الوجه الثالث: لو سلمنا صحة الخبر، وأنه لم يكن ركع لكان ممكنًا أن يكون قبل أمر النبي ﷺ من جاء، والإمام يخطب بالركوع، وممكنًا أن يكون بعده، ومع عدم القطع لا يكون لهم فيه حجة، ولا عليهم. الوجه الرابع: أنه لو صح الخبر، وصح فيه أنه لم يكن ركع، وصح أن ذلك كان بعد أمره ﵇ من جاء والإمام يخطب بأن يركع، وكل ذلك لا يصح منه شيء، لما كانت لهم فيه حجة، لأننا لم نقل: إنهما فرض، وإنما قلنا: إنهما سنة يكره تركها، وليس فيه نهي عن صلاتهما، فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة وتفصيلًا (١). وكلام ابن حزم متين، ويضاف إليه أن ظاهر حديث معاوية بن صالح، معارض لحديث عمرو بن دينار، وأبي الزبير، عن جابر، والأول في الصحيحين، والثاني في صحيح مسلم، حيث أقام النبي ﷺ الرجل بعد أن جلس ليصلي تحية المسجد، فلا يترك الصريح البين لحديث يتطرق له جملة من الاحتمالات، أقلها أن أمر النبي ﷺ له بالجلوس أراد به منعه من تخطي الرقاب، ولم يرد به إسقاط تحية المسجد، ولم يذكرها لكونها معلومة لهم، فاستغنى بعلمهم لها عن ذكرها، والله أعلم. * * *

стр. 231

المبحث السادس عشر في تحية المسجد إذا أقيمت الصلاة الفرع الأول في ابتداء النافلة بعد إقامة الصلاة المدخل إلى المسألة: • تحية المسجد لا تصلى بالاتفاق بعد إقامة الصلاة. • قوله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) قوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل نافلة. • العام على عمومه، فلا صلاة خارج المسجد، ولا داخله، ولا ركعتي الفجر ولا غيرها. • علة المنع عن التطوع بعد إقامة الصلاة الاشتغال بالنافلة عن الفريضة. قوله ﷺ : (فلا صلاة) نفي بمعنى النهي، والأصل فيه التحريم. • هل يراد بقوله: (فلا صلاة) نفي الصحة؟ لأن نفي الوجود غير ممتنع بإقامة الصلاة؛ ولأن النهي يقتضي الفساد؟ • لم يأمر النبي ﷺ المتنفل بقطع الصلاة، فأنكر عليه، وتركه يتم النافلة. • التحريم لا ينافي الصحة؛ لكون النهي لا يعود لذات النافلة، وإنما لحضور الفريضة. • السعي للصلاة يجب بمجرد سماع النداء إن كان للجمعة، وبالإقامة إن كان لغيرها. • أجمعوا أن من عليه صلاة الظهر، فدخل في المسجد ليصليها فأقيمت عليه العصر أنه لا يقطع صلاته، ويكملها، لقوله ﷺ : (إلا المكتوبة). [م-٤٦٥] إذا أقيمت الصلاة فإن الإقامة تمنع من ابتداء صلاة تحية المسجد بعد الإقامة، وهذا بالإجماع لما رواه مسلم من حديث أبي هريرة: إذا أقيمت الصلاة

стр. 232

فلا صلاة إلا المكتوبة (١). قال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أنه لا يشتغل عنها -أي عن الفريضة- بتحية المسجد» (٢). [م-٤٦٦] واختلفوا في جواز الشروع في راتبة الفجر بعد إقامة الصلاة: فاتفق أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي على أن له أن يصلي ابتداءً ركعتي الفجر، ولو كان الإمام يصلي الفرض، إلا أن منهم من اشترط ألا تفوته الركعة الأولى، وهذا قول مالك، والثوري (٣). ومن الأئمة من اشترط ألا تفوته الركعة الثانية، وهذا قول الإمام أبي حنفية والأوزاعي. ومنهم من اشترط صلاتها خارج المسجد، وهذا قول الإمام مالك والإمام أبي حنيفة (٤)، ومنهم من لم يشترطه كالأوزاعي (٥)،

стр. 233

والثوري (١). قال ابن المنذر: «وممن كان يرى أن يصلي ركعتي الفجر، والإمام في الصلاة: مسروق، ومكحول، والحسن البصري، ومجاهد، وحماد بن أبي سليمان ... » (٢). وقال الشافعية والحنابلة وابن حزم من الظاهرية: إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي ابتداء مطلقًا، لا داخل المسجد، ولا خارجه، وسواء أفرغ المؤذن من الإقامة أم كان في أثنائها، وبه قال إسحاق وابن المبارك، وأبو ثور وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وابن سيرين (٣). • وسبب الخلاف: اختلافهم في مفهوم قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة): فمن حمل هذا على عمومه لم يُجِزْ صلاة ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة، لا خارج المسجد ولا داخله، وعلة المنع عندهم النهي عن الاشتغال بالنافلة عن الفريضة. ومن فرق بين من كان داخل المسجد ومن كان خارجه، رأى أن من كان خارج المسجد لم يلزمه حكم الإمام، بخلاف من كان داخل المسجد فقد لزمه حكم الإمام، فَعِلَّةُ المنع عندهم الاختلاف على الإمام في اجتماع صلاتين معًا في موضع واحد، ويكون هذا من باب تخصيص عموم قوله: (فلا صلاة إلا المكتوبة) بالعلة (٤). ويدخل عليهم في ذلك أن مقتضى تعليلهم يقضي بجواز النافلة مطلقًا خارج المسجد، فلا معنى لتخصيصهم الجواز في ركعتي الفجر.

стр. 234

• دليل من قال: لا يصلي بعد إقامة الصلاة: الدليل الأول: (ح-١١٣٦) ما رواه مسلم من طريق شعبة وشبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. ورواه مسلم من طريق زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار به. ورواه مسلم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به. قال حماد: ثم لقيت عَمْرًا، فحدثني به ولم يرفعه (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة) لفظ: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة نافلة لقوله: (إلا المكتوبة)، فيشمل المكتوبة التي أقيمت، ويشمل ما لو كان المصلي يقضي مكتوبة كانت عليه، وشرع في قضائها، فلا يخرج منها بالإقامة، وأما رواية (فلا صلاة إلا التي أقيمت) فهذا اللفظ ضعيف (٢).

стр. 235

قال ابن بطال: «أجمعوا أن من عليه صلاة الظهر فدخل في المسجد ليصليها فأقيمت عليه العصر أنه لا يقطع صلاته ويكملها» (١). وهو نفي بمعنى النهي، فيكون معنى الحديث: إذا أقيمت الصلاة فلا تُصَلِّ إلا المكتوبة، والأصل فيه التحريم، وهل يراد به نفي الصحة؟ لأن نفي الوجود غير ممتنع بإقامة الصلاة، ولأن النهي يقتضي الفساد، ولعموم قوله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، أم أن التحريم لا يمنع من الصحة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر المتنفل بقطع الصلاة، فأنكر عليه، وتركه يتم النافلة؟ قولان هما وجهان في مذهب الحنابلة، وقال المالكية: تحرم، وتصح (٢). وقيل: النهي للكراهة، ويكون النفي (لا صلاة) أي كاملة، ورجحه ابن حجر. قال ابن حجر: «قوله (فلا صلاة) أي صحيحة، أو كاملة، والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال» (٣). يقصد ابن حجر قصة الرجل الذي كان يصلي بعد ما أقيمت الصلاة، فأنكر عليه النبي ﷺ ، وكون النبي ﷺ لم يقطع عليه صلاته، يحتمل ما ذكره ابن حجر، وأن النبي ﷺ لما تركه ليتم صلاته كان ذلك دليلًا على كراهة الفعل. ويحتمل أن النبي ﷺ تركه؛ لأنه دخل بالصلاة جاهلًا، ولا تكليف قبل العلم. واحتمال ثالث لم يتطرق إليه ابن حجر، أن تكون الصلاة صحيحة مع التحريم، والله أعلم. وأما حديث ابن عباس بأن النبي ﷺ جذبه فلا يصح، وسوف يأتي تخريجه إن

стр. 236

شاء الله تعالى في الأدلة. • ونوقش الاستدلال بالحديث: بأن الحديث مداره على عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وكان عمرو بن دينار تارة يرفعه، وتارة يوقفه، ولو كان الاختلاف من الرواة عن عمرو بن دينار لأمكن الترجيح بين الرواة، فيحكم للأكثر والأحفظ، أما إذا كان مرد الاختلاف من الرجل الذي عليه مدار الحديث، فهو دليل على عدم ضبطه، فيكون ذلك علة في الحديث، فليس قبول المرفوع منه بأولى من قبول الموقوف عنه، والمتيقن الوقف، والموقوف ليس بحجة، وقد قال حماد بن زيد كما في صحيح مسلم بأنه سمعه من أيوب، عن عمرو دينار مرفوعًا، ثم سمعه من عمرو نفسه موقوفًا، فهذه شهادة من حماد أن مصدر الاختلاف جاء من عمرو بن دينار، وليس من الرواة عنه، وقد تجنب البخاري تخريجه في صحيحه، قال الحافظ ابن رجب: وإنما لم يخرجه البخاري؛ لتوقفه، أو لترجيحه وقفه (١). قال أبو زرعة: الموقوف أصح (٢).

стр. 237

فإن قيل: لعل الرفع كان هو الأول، فيقدم الحفظ القديم، فقد روى الخليلي بإسناده عن حماد بن زيد، قال: قال علي بن الحكم: حدثنا عمرو فرفعه، ثم شك في الرفع، فجعل لا يجاوز أبا هريرة (١). فالجواب: أن السراج في حديثه والبيهقي في سننه رويا بإسنادهما عن زكريا بن عدي عن حماد بن زيد أنه قال: قال علي بن الحكم: حدث بهذا عمرو مرة فرفعه، فقال له رجل: إنك لم تكن ترفعه قال: بلى، قال: لا والله، قال: فسكت (٢). فقد تشير هذه الرواية إلى أن الرفع طارئ على رواية الوقف، والله أعلم، والذي لا سبيل إلى الشك فيه أن الاختلاف جاء من عمرو بن دينار نفسه، لا من الرواة عنه، فالذهاب إلى الترجيح بين من رواه مرفوعًا ومن رواه موقوفًا إنما يكون سديدًا لو كان هذا الاختلاف جاء من الرواة عن عمرو، فيكون الترجيح في الموازنة بينهما عددًا وحفظًا، أما إذا كان الاختلاف من شيخهم فكيف تكون العهدة عليهم؟ ولهذا لم يرجح الدارقطني في علله بين روايتي الوقف والرفع، وكذلك فعل يحيى بن معين، فقال: «يرفعه قوم، ويوقفه قوم، جميع الذين رووه ليس بهم بأس» (٣). وكان ابن عيينة لا يرويه إلا موقوفًا، ولما قيل له: إنهم يروونه مرفوعًا، قال: اسكت قد عرفت ذلك، فلم يعبأ بالرواية المرفوعة حين رأى أن الاختلاف ليس من الرواة، وإنما من شيخه عمرو بن دينار، وسوف أوثق لك النقل عن ابن عيينة في تخريج الحديث إن شاء الله تعالى. ولو قيل بالترجيح بين الرواة مع أني لا أذهب إليه فإن حماد بن زيد وابن عيينة، وابن جريج قد رووه عن عمرو بن دينار موقوفًا، وهم من أثبت أصحاب

стр. 238

عمرو بن دينار، يضاف إليهم الإمام الثوري، فلا يعدل بهؤلاء أحد من الرواة مهما يكثر عددهم، وقد اختلف على أيوب، وحماد بن سلمة، والأخير كثير الخطأ في روايته عن عمرو بن دينار كما سوف أوثق لك ذلك بالتخريج. وإليك تخريج أهم الطرق إلى عمرو بن دينار، والله أعلم (١).

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 244

الدليل الثاني: يجب السعي إلى الصلاة لمن كان خارج المسجد، إن كان للجمعة فبمجرد سماع النداء، لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] حتى حرم البيع، وإن كان للصلوات الخمس فعند سماع الإقامة. (ح-١١٣٧) لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما

стр. 245

فاتكم فأتموا (١). وإن كان المصلي حين الإقامة داخل المسجد كان مأمورًا أن يقوم إليها، ويتابع إمامه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا ... الحديث، وهو من الأحاديث المتواترة (٢). فمن تنفل بعد سماع الإقامة فقد خالف الأمر الشرعي من وجوب السعي إلى الصلاة إن كان خارج المسجد، أو من وجوب القيام إليها ومتابعة إمامه إن كان داخل المسجد، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١١٣٨) ما رواه الشيخان من طريق سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن ابن بحينة، قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ هذا لفظ مسلم (٣). وفي رواية لمسلم: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا (٤). • ونوقش: قال الطحاوي: «يجوز أن يكون رسول الله ﷺ إنما كره ذلك؛ لأنه صلى الركعتين، ثم وصلهما بصلاة الصبح من غير أن يكون تقدم أو تكلم ... فالذي كرهه رسول الله ﷺ في حديث ابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة في مكان واحد لم يفصل بينهما بشيء، وليس لأنه كره له أن يصليها في المسجد إذا كان فرغ منها تقدم إلى الصفوف، فصلى الفريضة مع الناس» (٥). (ح-١١٣٩) ثم استدل على ذلك بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال:

стр. 246

أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أن نافع بن جبير، أرسله إلى السائب -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصِلْهَا بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، ألا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج (١). • وتعقب: قال ابن عبد البر: «ليس هذا عندي بشيء؛ لأن النهي إنما ورد أن تُصَلِّيَا معًا» (٢). قلت: مع بعد كلام الطحاوي ﵀ فإن قوله: (ألا توصل صلاة بصلاة) ليس يراد منه العموم، بدليل أن وصل الفريضة بالفريضة كما في الصلاة المجموعة لا تدخل في النهي، وكذلك وصل النافلة بالنافلة كما في صلاة التراويح لا تدخل فيه أيضًا، وكذلك لا يدخل فيه وصل الفريضة بالنافلة كما لو صلى الراتبة القبلية ثم أقيمت الصلاة، فقام يصلي الفريضة في مكانه لم يدخل في النهي، وإنما حديث معاوية في وصل النافلة بالفريضة، وهي مسألة خلافية بين الصحابة ﵃، ومن أخذ بحديث معاوية فلا يتجاوز فيه سببه، وهو النهي إما عن وصل النافلة بالفريضة حتى لا يدخل الفريضة ما ليس منها ومسألتنا عكسها، وإما في الصلاة بعد الجمعة خاصة، وإما في وصل الإمام دون المأموم، هذه هي الأقوال في المسألة» (٣).

стр. 247

الدليل الرابع: (ح-١١٤٠) رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﷺ ، فلما سلم رسول الله ﷺ ، قال: يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ (١). الدليل الخامس: ركعتا الفجر كغيرها من السنن القبلية لها وقت يبدأ وينتهي، قال ابن حزم: «ووقت ركعتي الفجر من حين طلوع الفجر الثاني إلى أن تقام صلاة الصبح، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الأمة» (٢).

стр. 248

ولأن الإقامة مختصة بعين الفريضة، فصار ذلك الوقت وقتها المقدر، لا يسع لغيرها، فلا يفعل فيه غيرها، ولا تزاحم النافلة فريضة. الدليل السادس: (ح-١١٤١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ (١). ورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد (يعني: ابن هارون)، حدثنا صالح بن رستم (أبو عامر الخزاز) به بنحوه، وفيه: فجذب رسول الله ﷺ بثوبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا (٢). [المحفوظ أنه مرسل] (٣).

стр. 249

الدليل السابع: (ح-١١٤٢) ما رواه البخاري من طريق عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِلَيِّ عبدي بشيء أحب إِلَيِّ مما افترضته عليه ... الحديث، رواه البخاري (١). فإدراك المصلي لما فاته من الفريضة أحب إلى الله من صلاته النافلة، فمن الغبن أن يشتغل العبد بالمفضول عن الفاضل، وإذا ترك العبد النافلة لا زهدًا فيها، وإنما رغبة بالفريضة، وامتثالًا لأمر الله كتبت له؛ لأنه تركها لعذر، وبإمكانه أن يقضي النافلة بعد فراغه من الفريضة، دون أن يجعل النافلة تزاحم الفريضة في وقتها، والأجر الفاضل في راتبة الفجر لم يعلق على إدراكها في وقتها، والله أعلم. • دليل من قال: يصلي الراتبة خارج المسجد ما لم يَخْشَ فوات الركعة الثانية: الدليل الأول: (ح-١١٤٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٢). •ونوقش: مقتضى الاستدلال جواز فعل ذلك مع سائر النوافل، فلا معنى لتخصيص الجواز بركعتي الفجر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو جاز ترك تأخير الدخول مع الإمام في الفريضة من القادر عليها إذا كان يدرك منها ركعة، لجاز تأخير الصلاة حتى لا يبقى من وقتها إلا مقدار ركعة، لحديث أبي هريرة المتفق عليه: من أدرك

стр. 250

ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، فإذا كان لا يجوز تأخير الصلاة إلى أن يبقى من وقتها مقدار ركعة، فكذلك لا يجوز تأخير الفريضة عن الدخول مع الإمام مع القدرة، ولو أدرك منها ركعة. الدليل الثاني: (ح-١١٤٤) ما رواه ابن خزيمة، قال: حدثنا علي بن حجر السعدي بخبر غريب غريب قال: ثنا محمد بن عمار يعني الأنصاري، عن شريك بن عبد الله وهو ابن أبي نمر، عن أنس قال: خرج النبي ﷺ حين أقيمت الصلاة، فرأى ناسًا يصلون ركعتين بالعجلة، فقال: أصلاتان معًا؟ فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة (١). وجه الاستدلال: قوله: (فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة)، فمفهومه أن صلاة الركعتين خارج المسجد لا يدخل في النهي. • وأجيب: [بأن الحديث اختلف في وصله وإرساله، كما اختلف في قوله: (فنهى أن يصلى في المسجد) والراجح أنها ليست محفوظة] (٢).
следующие страницы →