← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

على وتر، نُسِب هذا القول لابن عمر، ورجحه ابن الملقن كما سيأتي معنا. (ح-١٧٠٦) فقد روى أحمد من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إن الله وتر يحب الوتر، قال نافع: وكان ابن عمر لا يصنع شيئًا إلا وترًا (١). وأثر ابن عمر في إسناده عبد الله بن عمر العمري ضعيف. وإذا كان الشرع راعى الوتر حتى في باب الأذى، فغيره من القربات من باب أولى. (ح-١٧٠٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ... ومن استجمر فليوتر (٢). ولهذا بنى هؤلاء الفقهاء استحباب الوتر في أعلى كمال التسبيح فقالوا: يسبح خمسًا، وسبعًا، وتسعًا، وإحدى عشرة. قال في ملتقى الأبحر: «ويقول ثلاثًا سبحان ربي العظيم وهو أدناه وتستحب الزيادة مع الإيتار للمنفرد» (٣). (ح-١٧٠٨) وروى البخاري مسندًا في صحيحه عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. ثم أتبعه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال البخاري: وقال مرجا بن رجاء حدثني عبيد الله، قال: حدثني أنس، عن النبي ﷺ ويأكلهن وترًا (٤). قال ابن الملقن في التوضيح: فإن قلت: فما الحكمة في كونها وترًا؟ قلت: لأنه ﷺ كان يحب الوتر في كل شيء استشعارًا بالوحدانية، فإنه وتر يحب الوتر (٥).

стр. 1857

فقول ابن الملقن: «يحب الوتر في كل شيء، أي سواء مما نص الشارع على استحباب إيتاره، أو لم يعلم فيه نص من الشارع، فقطعه على وتر محبوب.» القول الثاني: حملوا حديث (إن الله وتر يحب الوتر) على محبة الوتر في أشياء استحب الشارع قطعها على وتر، ويكون العموم في الحديث نسبيًّا، وذلك مثل أكل التمرات حين الخروج إلى صلاة العيد، ومثله تغسيل الموتى: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)، ومثله قطع الاستجمار على وتر، ومثله صلاة الوتر. ويكون معنى محبة الله له: أنه أمر به، وأثاب على فعله، وما لم يرد في الشرع استحباب إيتاره فلا يتقصد فعله على وتر. قال فضيلة الشيخ عبد الله البسام: «ليس المراد بقوله: (إن الله وتر يحب الوتر) أنه يقصد الإيتار في كل شيء، فلا يأكل إلا وترًا، ولا يشرب إلا وترًا، ولا يلبس إلا وترًا، لأن الإيتار من أمور العبادة، والعبادة تتوقف على ورود الشرع بها، فما ورد من العبادات وقصد الشارع أن يقطعه على وتر، فهذا القصد داخل في مسمى العبادة، كأكله تمرات وترًا عند ذهابه لصلاة عيد الفطر ... والشرع مبني على التوقيف، فلا يشرع منه إلا ما شرعه الله ورسوله» (١). * دليل من قال: لا تقدير للتسبيح بعدد معين: الدليل الأول: المقادير تقوم على التوقيف، ولا يوجد في الشرع دليل يقضي باستحباب حَدٍّ معين لعدد التسبيح في الركوع والسجود، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي. الدليل الثاني: (ح-١٧٠٩) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة،

стр. 1858

يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بتعظيم الرب في الركوع، ولم يعلق ذلك بعدد معين. الدليل الثالث: (ح-١٧١٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، قال: كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء. هذا لفظ البخاري (٢). فكان النبي ﷺ يسوي بين المواضع الأربعة: الركوع، والاعتدال منه والسجود، والجلسة بين السجدتين فيمكث فيها زمنًا قريبًا من السواء، ولم يقدر في الركوع والسجود حدًّا معينًا وإنما كان يطيل القيام للقراءة والقعود للتشهد. الدليل الرابع: (ح-١٧١١) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بِتَعَوُّذٍ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (٣).

стр. 1859

وجه الاستدلال: قوله: (فكان ركوعه نحوًا من قيامه) ولم يقدر في ذلك حدًّا معينًا. الدليل الخامس: (ح-١٧١٢) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة النبي ﷺ ، وذاك في غير وقت صلاة، فقام، فأمكن القيام، ثم ركع، فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فأنصب هُنَيَّةً (١). وجه الاستدلال: قوله: (ركع فأمكن الركوع)، إشارة إلى الطمأنينة فيه، ولم يقدر في ذلك قدرًا معيَّنًا. * الراجح: أن قطع الشيء على وتر يحتاج إلى توقيف، لأنه صفة في العبادة، والقول في صفة العبادة كالقول في العبادة الأصل فيه المنع إلا بتوقيف، ولو سلمنا أنه يستحب قطع التسبيح على وتر، فما الدليل على استحباب أن يكون الوتر خمسًا، أو سبعًا، أو تسعًا، أو إحدى عشرة، فهذا الاختلاف كله دليل على أنه لم يرد في العدد تقدير معين، وأن صلاة النبي ﷺ كان فيها نوع من التناسب بين طول القيام وطول المواضع الأربعة، فإذا أطال القيام كما في صلاة الليل، وصلاة الفذ فإنه يطيل تبعًا لذلك مقدار الركوع والسجود والاعتدال منهما، وإذا خفف القيام خفف في إتمام هذه المواضع الأربعة دون أن يُسْتَحب لذلك عدد معين، وأن الإمام مأمور بالتخفيف، فلا يطيل الركوع والسجود بما يشق على المأموم، دون أن يُحَدَّ في ذلك حَدٌّ معينٌ، والله أعلم.

стр. 1860

المبحث السادس أقل الكمال في التسبيح المدخل إلى المسألة: • لم يرد في النصوص تقدير في أقل الكمال ولا في أعلاه. • من قدرها بثلاث تسبيحات إن كان المقصود به مقدارها من الوقت فالأمر قريب، وإن كان المقصود استحباب العدد فلا دليل عليه. • المقادير تحتاج إلى توقيف. [م-٦٣١] ذهب جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية والحنابلة، إلى أن أقل الكمال ثلاث تسبيحات (١). ورواه أبو مصعب، عن مالك، وهو مخالف لما في المدونة (٢). وقال مالك في المشهور عنه: لا توقيت بعدد، ولا يخص التسبيح بلفظ معين (٣). ... جاء في لوامع الدرر: «التسبيح غير محدود بواحدة أو بثلاث، ولا مخصوص

стр. 1861

بلفظ معين، خلافًا لمن يقول: إن أقله ثلاث» (١). • دليل من قال: أدنى الكمال ثلاث: الدليل الأول: (ح-١٧١٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (٢). [منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (٣). الدليل الثاني: (ح-١٧١٤) ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا حفص بن غياث، عن محمد بن أبي ليلى، عن الشعبي، عن صلة، عن حذيفة أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا (٤). [ضعيف] (٥). الدليل الثالث: (ح-١٧١٥) ما رواه أحمد من طريق عبد الحميد بن بهرام الفزاري، عن شهر ابن حوشب، حدثنا عبد الرحمن بن غنم، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه فقال: يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم، وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي ﷺ التي صلى لنا بالمدينة

стр. 1862

فاجتمعوا، وجمعوا نساءهم وأبناءهم ... وفيه: ثم أقام الصلاة، فتقدم فرفع يديه وكبَّر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، ثم كبر فركع فقال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرار .... الحديث (١). [ضعيف] (٢). الدليل الرابع: (ح-١٧١٦) ما رواه أبو داود من طريق ابن المبارك، عن موسى بن أيوب: عن عمه (إياس بن عامر)، سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (٣). ورواه أبو داود من طريق الليث، حدثني موسى بن أيوب الغافقي من أهل مصر، عن رجل من قومه قد سماه، عن عقبة بن عامر به، وزاد: فكان رسول الله ﷺ إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا (٤). [منكر، والزيادة أشد نكارة] (٥). فهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة إلا أن مجموعها قد يفيد استحباب الثلاث. وقد يقال: إن انفراد الضعفة بهذا العدد يجعل في النفس شيئًا من قبوله، والله أعلم. الدليل الخامس: قال الترمذي في السنن: «والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون ألا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات» (٦).

стр. 1863

قوله: عند أهل العلم أي أكثرهم، وإلا فالمالكية لا يرون تقدير ذلك بعدد معين. • دليل من قال: لا تقدير فيه بعدد معين: توقيت الركوع بعدد معين يحتاج إلى توقيف، ولم يصح فيه شيء، فكل ما زاد على الطمأنينة فهو داخل في الكمال، والوارد قوله ﷺ : أما الركوع فعظموا فيه الرب، ولم يعلق ذلك بحد، وصيغ التسبيح الواردة في الركوع والسجود كثيرة، كلها تدل على أنه ليس للتسبيح صيغة معينة يقدر فيها أعلى الكمال وأدناه، وتنوعها يدل على منع التحديد. • الراجح: أن الطمأنينة فرض، والزيادة عليها داخل في حد الكمال، ومن قدرها بثلاث تسبيحات إن كان المقصودُ به مقدارَها فالأمر قريب، وإن كان المقصودُ استحبابَ العدد فلا دليل عليه. والله أعلم. * * *

стр. 1864

المبحث السابع كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود المدخل إلى المسألة: • ورد النهي عن القراءة في الركوع والسجود في حديثين لابن عباس وعليٍّ ﵄. • الأصل في النهي التحريم، وهو قول الأكثر، إلا أنه ينبغي ألا يتشدد في الصوارف. • تعامل الفقهاء مع الصوارف يختلف من مسألة إلى أخرى. • قد يتساهل الفقهاء في الصارف فيصرفون النهي لقرينة لفظية، أو معنوية أو لعمل كثير من الصحابة، أو لكون النهي يتعلق بالآداب، أو لكونه يتعلق بالصحة. • يتساهل بعض الفقهاء في الصارف إذا كانت أحاديث النهي قد تكلم فيها. • حديث ابن عباس تكلم في إسناده الإمام أحمد، وحديث علي ضعفه البخاري. • قد تكون علة النهي صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة. • الراجح في علة النهي عن القراءة في الركوع والسجود كون الركوع والسجود موضع ذلة وخضوع للعبد ينزه عنه كلام الرب. • إذا كان الراكع والساجد يذكر الله بأسمائه وصفاته، ولا ينزه أسماء الرب ولا صفاته في الركوع والسجود، فكلامه صفة من صفاته، وإن وجد فرق بينهما فهو ما يجعل النهي للكراهة، لا للتحريم، وهو قول الأئمة الأربعة. • الركوع والسجود موضع للذكر، ومحل لتعظيم الرب، والقرآن أعظم الذكر، ولولا النهي لقيل: إن قراءة كتاب الله من تعظيم الله. • القراءة مشروعة في القيام بالإجماع، فإذا ذكر المصلي ما كان مشروعًا في القيام في محل الركوع والسجود أو في أي موضع في الصلاة لم يَأْتِ بما ينافي صلاته، فلا يكون مبطلًا، وإذا لم يكن مبطلًا كان مكروهًا.

стр. 1865

[م-٦٣٢] اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال: فقيل: تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد، وهو قول جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة (١).

стр. 1866

جاء في تحفة المحتاج: «وتكره القراءة في غير القيام للنهي عنها» (١). وقال القرطبي في المفهم: مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع (٢). وقال ابن رجب: أكثر العلماء على كراهة القرآن في الركوع والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا (٣). إلا أن يأتي بالقرآن بقصد الدعاء والثناء فلا يكره (٤). وقيل: تجوز القراءة في الركوع والسجود، وروي عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ البقرة في سجوده (٥)، واختاره جماعة من التابعين، ونسبه ابن رشد للإمام البخاري (٦).

стр. 1867

وقيل بتحريم القراءة على خلاف بين القائلين بالتحريم: فقيل: تحرم قراءة القرآن مطلقًا في الركوع والسجود، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم، ورجحه الشوكاني (١). وقيل: تحرم قراءة الفاتحة خاصة وتكره قراءة غيرها. وهو قول لبعض المالكية، وقول عند الشافعية، حكاه الخراسانيون وجهًا في مذهب الشافعية، وصاحب الحاوي (٢). وقيل: تحرم القراءة في الركوع، وتجوز في السجود، حكاه ابن رشد عن الإمام مالك (٣). قال ابن رشد في البيان: «ولا اختلاف في أنه لا تجوز قراءة القرآن في الركوع،

стр. 1868

واختلف في قراءته في السجود، فروي عن مالك إجازة ذلك» (١). ولو عبر بالمنع لكان أدق؛ لأن حكاية الاتفاق في أن القراءة في الركوع لا تجوز مخالف للمعتمد من المذهب، ولقول الجمهور بأنه مكروه. ورخص بعضهم في قراءة النفل في الركوع دون الفرض، ولا أعلم وجهًا للتفريق بين الفرض والنفل (٢). • واختلفوا في علة النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: فقيل: إن الركوع والسجود علامة على غاية الذل والخضوع، فناسبهما الدعاء والتسبيح، وهما وإن كانا سببًا في عزة العبدورفعته؛ إلا أنه ينزه عنه كلام الرب. وقيل: بأنه موطن دعاء، ورد هذا بأن الوقوف في عرفات وعند المشعر الحرام موطن للدعاء، ولا تكره القراءة فيه، ثم القول بأنه موطن دعاء يصدق على السجود دون الركوع (٣). فهذه ستة أقوال هي المأثورة عن فقهائنا، من القول بالكراهة مطلقًا، إلى القول بالتحريم مطلقًا، إلى القول بالجواز مطلقًا، إلى تحريم قراءة الفاتحة وكراهة غيرها، إلى تحريم القراءة في الركوع دون السجود، إلى التفريق بين الفرض والنفل. والله أعلم. • دليل من قال: بالتحريم: الدليل الأول: (ح-١٧١٧) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرَى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن

стр. 1869

أن يستجاب لكم (١). [أعله الإمام أحمد فيما نقله الحافظ ابن رجب] (٢).

стр. 1870

الدليل الثاني: (ح-١٧١٨) ما رواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني إبراهيم ابن عبد الله بن حنين، أن أباه، حدثه، أنه سمع علي بن أبي طالب، قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا (١). [اختلف في إسناده على إبراهيم بن عبد الله بن حنين] (٢).

стр. 1871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1881

• دليل من قال: تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود: استدلوا بأدلة القائلين بالتحريم وهما حديثان: حديث ابن عباس، وحديث علي بن أبي طالب ﵄، وسبق ذكرهما. بقي البحث في الصارف للنهي من التحريم إلى الكراهة. وهذا مبحث أصولي يرجع فيه إلى الاختلاف في دلالة النهي المجرد، هل الأصل فيه التحريم، أم الكراهة، أم هو مشترك بينهما، كاختلافهم في الأمر، هل الأصل فيه الوجوب، أو الاستحباب، أو أنه مشترك بينهما والقرينة هي التي تحدد دلالة الأمر، وإذا رجحنا أن الأصل في النهي التحريم، وهو قول الأكثر، فإنه لا ينبغي أن يتشدد في الصارف، ومن ذلك، فقد يكون الصارف قرينة لفظية، أو عمل الصحابة، أو قرينة معنوية كأن يكون الأمر والنهي من الآداب، أو يتعلق في الصحة، وقد تكون علة الأمر والنهي صارفة لهما من الوجوب والكراهة، وقد ناقشت هذا عند الكلام على حكم تحية المسجد، فارجع إليه. إذا عرفت ذلك فما هو الصارف للنهي في مسألتنا؟ فالراجح في العلة أن الركوع والسجود هو موضع خضوع وذل للعبد ينزه عنه كلام الرب. هذه العلة المستنبطة لا تجعل النهي للتحريم، لأن تذلل العبد لربه قربة وعزة له. قال الشاعر: وإذا تذللتْ الرقابُ تواضعًا ... منا إليك فعزها في ذلها. وتذلل العبد في عمل القلب وفي خضوع البدن، وكلاهما لا يلحق القرآن، وإلا كان ذكر الله في الركوع والسجود لا يليق، فإذا كان الراكع والساجد يذكر الله بأسمائه وصفاته، ولا ينزه أسماء الرب ولا صفاته في الركوع والسجود، فكلامه صفة من صفاته، وإن وجد فرق بينهما فهو ما يجعل النهي للكراهة، لا للتحريم، فالركوع والسجود موضع للذكر، ومحل لتعظيم الرب، والقرآن أعظم الذكر، ولولا النهي لقيل: إن قراءة كتاب الله من تعظيم الله، وهو مشروع في القيام بالإجماع، فإذا ذكر المصلي ما كان مشروعًا في القيام في محل الركوع والسجود أو في أي موضع في الصلاة لم يَأْتِ بما ينافي صلاته،

стр. 1882

فلا يكون مبطلًا، وإذا لم يكن مبطلًا كان مكروهًا. وربما أيضًا يُلْحَظ أن الأحاديث الواردة في الباب قد تكلم فيها بعض العلماء، فلا يتشدد في موجبها. فحديث ابن عباس: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ... ) قد تكلم في إسناده الإمام أحمد، فقال: إسناده ليس بذاك، ولعله لتفرد إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، وتكلمت على هذا حين تخريج الحديث. وحديث علي بن أبي طالب قد تكلم فيه الإمام البخاري، ولم يخرجه في صحيحه، وفي أسانيده اختلاف كثير، وكان بعض الصحابة وبعض التابعين يقرؤون القرآن في السجود، وإن كان هذا ليس بحجة، حيث لا يعارض المرفوع بالموقوف لكن إذا أضيف ذلك مع قلة من قال بالتحريم كان ذلك مراعًى في الترجيح، فربما لهذا ولما سبق ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بكراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود. • دليل من قال: تحرم قراءة الفاتحة وتكره قراءة غيرها: أما كراهة غير الفاتحة: فقد استدلوا بما استدل به الجمهور، وسبق ذكر دليلهم، وتوجيهه. وأما وجه التفريق بين قراءة الفاتحة وغيرها: فذكروا أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، وقراءتها في الركوع والسجود نقل لهذا الركن إلى غير موضعه، وهذا محرم تبطل به الصلاة، كما لو ركع أو سجد في غير موضعيهما. • ويناقش: بأن الأحاديث لم تفرق بين الفاتحة وغيرها، فالنص لا يخصصه إلا نص مثله، أو إجماع، والفاتحة إنما تكون ركنًا في الصلاة في موضعها، وأما إذا قرئت في غير موضعها فهي سورة من القرآن لا غير، ولذلك لو كرر الفاتحة في القيام لم تبطل صلاته على الصحيح؛ لأن قراءتها في المرة الثانية ليست ركنًا، لأنه قد أدى الركن في القراءة الأولى، والله أعلم.

стр. 1883

• دليل من قال: تحرم القراءة في الركوع دون السجود: (ح-١٧١٩) ما رواه مسلم من طريق مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القسي، والمعصفر، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع (١). ورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين، أن أباه، حدثه، أنه سمع علي بن أبي طالب، يقول: نهاني النبي ﷺ عن القراءة، وأنا راكع، وعن لبس الذهب والمعصفر (٢). ورواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن حنين، عن علي ولم يذكر في السجود (٣). (ح-١٧٢٠) وروى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس أنه قال: نهيت أن أقرأ وأنا راكع (٤). • ونوقش: بأن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، قد اختلف عليه في ذكر السجود، ومن زاد السجود عددًا لا بأس به، وعلى رأسهم الإمام الزهري، فهي زيادة من ثقة، ولو فرض أن ذكر السجود غير محفوظ من حديث علي بن أبي طالب، فهو محفوظ من حديث إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه عن ابن عباس، رواه مسلم، وسبق تخريجه (٥).

стр. 1884

• دليل من قال: تجوز القراءة في الركوع والسجود: الدليل الأول: لعل أصحاب هذا القول رأوا أنه لم يصح في الباب حديث يمنع من القراءة في الركوع والسجود، فحديث ابن عباس تكلم في إسناده الإمام أحمد،. وأما حديث علي ﵁ فربما نظروا إلى كثرة الاختلاف في إسناده ولفظه، فقيل: عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس. وقيل: عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي.

стр. 1885

وقيل: عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي. وقيل: عن إبراهيم، عن علي. وقيل: عن حنين، عن علي. وأحيانًا يذكر النهي عن القراءة في الركوع والسجود، وأحيانًا يذكر النهي عن القراءة في الركوع فقط. فنظر إلى أن هذا الاختلاف نوع من الاضطراب يوجب رد الحديث. وإذا لم يصح في الباب شيء، فالأصل أن قراءة القرآن جائزة؛ لأن الركوع والسجود محل للذكر، والقرآن أفضل الذكر، والفرق بين القرآن وسائر الأذكار كالفرق بين الخالق والمخلوق، وما ذكر العبد ربه بشيء أفضل من التقرب إليه بكلامه. • الراجح من الخلاف: أرى أن القول بالكراهة وسط بين القائلين بالتحريم على قلتهم، وبين القائلين بالجواز على قلتهم، والقلة والكثرة ليست من وسائل الترجيح مع قوة الأدلة، وأما إذا كانت علة النهي لا تبلغ التحريم، وأحاديث الباب قد تُكُلِّم فيها، كان القول بالكراهة لم يهمل النهي في هذه الأحاديث، ولم يبلغ بالنهي أعلاه، وهو التحريم، ويكفي أن القول بالكراهة هو قول الأئمة الأربعة في المعتمد من مذاهبهم، والله أعلم. * * *

стр. 1886

المبحث الثامن حكم الدعاء في الركوع والسجود المدخل إلى المسألة: • الدعاء في الركوع كتعظيم الرب في السجود لا يكرهان، وإن استحب الإكثار من الدعاء في السجود، والتعظيم في الركوع. • لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. • الشرط في حديث ابن عباس (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء) إذا قصد به التكثير فلا مفهوم له، فلا يكره التعظيم في السجود، ولا الدعاء في الركوع. • منطوق حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) مقدم على مفهوم حديث ابن عباس؛ لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع. • علة الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود كونه أقرب للإجابة، وهذه العلة لا تقتضي تخصيصًا، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة. [م-٦٣٣] اختلف العلماء في حكم الدعاء في الركوع والسجود، فقيل: يكره مطلقًا، وهو قول مالك (١). وقيل: يكره الدعاء في الركوع والسجود زيادة على التسبيح في الفريضة

стр. 1887

دون النافلة، وهو رواية عن أحمد (١). وحملها بعض الحنابلة في حق الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين، أونقص بدعائه عن التسبيح عن أدنى الكمال، أما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه (٢). وقيل: الدعاء في الركوع لا يشرع إلا ما ورد به النص، من قول: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، اختاره الشيخ ابن باز من المعاصرين، وقول شيخنا ابن عثيمين قريب منه (٣). وهو قول ملفق من قول مالك وقول البخاري ومن وافقه الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. وقيل: يستحب، وهو مروي عن ابن مسعود، وظاهر اختيار البخاري في صحيحه، وقال ابن رجب: وهو قول أكثر العلماء، واختاره الخطيب من الشافعية (٤). قال ابن رجب في فتح الباري: «وأما الدعاء في الركوع، فقد دل حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا على استحبابه، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا، وهو قول أكثر العلماء، وروي عن ابن مسعود» (٥). وقال القرطبي في المفهم عكس قول ابن رجب، فقال: «مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع» (٦).

стр. 1888

وهو أقرب من قول ابن رجب، فلم أجد في مذهب الجمهور نصًّا على استحباب الدعاء في الركوع، فلعله يقصد به استحباب سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي. وقيل: يجوز الدعاء في الركوع، اختاره بعض المالكية، وابن دقيق العيد، والحافظ ابن حجر (١). • دليل مالك على كراهة الدعاء في الركوع: (ح-١٧٢١) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (٢). [سبق تخريجه في المسألة السابقة]. وجه الاستدلال: قال أبو الوليد الباجي: «وجه الدليل منه أنه أمر بتعظيم الله تعالى في الركوع وهذا يقتضي إفراده لذلك. ووجه ثانٍ: وهو أنه خص كل حالة من الحالتين بنوع من العمل، فالظاهر اختصاصه به، وإلا بطلت فائدة التخصيص، فلا يعدل عن هذا» (٣). • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: الأمر بتعظيم الله في الركوع إما أن يكون للوجوب، فيكون الدعاء في الركوع

стр. 1889

محرمًا، ولم يقل أحد بتحريم الدعاء في الركوع، وإما أن يدل على استحباب تعظيم الرب في الركوع، فلا يقتضي كراهة الدعاء، لأن ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه من حيث القواعد الأصولية، فلو أن المصلي سجد وعظم الله في السجود، ولم يدع لم يكن ذلك مكروهًا، فكذلك إذا دعا في الركوع لم يفعل ما يقتضي الكراهة، فلا يترتب على ترك المستحب الوقوع في المكروه، فلا تلازم بين ترك المستحب والوقوع في المكروه، ذلك لأن المكروه عند الفقهاء قسمان: القسم الأول: متفق على كراهته، وهو ما نهى الشارع عنه، لا على سبيل الإلزام، والدعاء في الركوع ليس منه؛ لأنه لا يحفظ في النصوص نهي صريح عن الدعاء في الركوع، كما لم يحفظ فيها نهي صريح عن التعظيم في السجود. القسم الثاني من المكروه: وهو مختلف في كراهته، وهو ترك السنن المؤكدة، ويعبر عنه بعض الأصوليين بخلاف الأولى، والأذكار في الركوع والسجود لا تعد عند المالكية من السنن المؤكدة حتى يقتضي تركها الكراهة عندهم. إذا تقرر هذا علم أن ترتب كراهة الدعاء في الركوع على الأمر بتعظيم الله في الركوع، أو على الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود، لا تساعد عليه القواعد الأصولية. الوجه الثاني: أن قوله: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب ... إلخ). منطوقه: الأمر بتعظيم الله في الركوع، والإكثار من الدعاء في السجود. ومفهوم الشرط: الامتناع عن الدعاء في الركوع، والامتناع عن تعظيم الله في السجود، والجمهور القائلون بجواز الاحتجاج بالمفهوم، ومنه مفهوم الشرط لا يقولون: إن كل مفهوم حجة، بل يضعون لذلك شروطًا إذا تخلف شرط منها لم يكن حجة، ويرجع إليها في كتب الأصول. فقد يأتي المنطوق، ولا مفهوم له إذا ذكر للترغيب أو للتنفير. قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] فَوَصْفُ الربا بكونه أضعافًا مضاعفة جاء للتنفير، وليس لتقييد الحكم بهذا الوصف، فلا يفهم منه جواز القليل من الربا، وهذا المثال في مفهوم الصفة.

стр. 1890

ومثال مفهوم الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، فالشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لا مفهوم له، فالتحريم ثابت مطلقًا. والشرط بتعظيم الرب في الركوع والاجتهاد في الدعاء في السجود لا مفهوم له؛ لأنه جاء بقصد الترغيب في الإكثار من التعظيم في الركوع، فلا ينافي ذلك جواز التعظيم في السجود، وكذلك الشرط في السجود جاء بقصد الترغيب من الإكثار من الدعاء في السجود المفهوم من قوله: (فاجتهدوا فيه)، فلا ينافي ذلك جواز القليل منه في الركوع، كما ورد ذلك في السنة، فالمصلي إذا لم يمنع من التعظيم في السجود، لم يمنع من الدعاء في الركوع، فالمستحب أن تكون وظيفة الركوع إظهار التعظيم فيه أكثر من السجود، وفي السجود أن يكون الدعاء فيه أكثر من الركوع. قال ابن حجر: «لا مفهوم له فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود» (١). • ورد هذا الوجه: لا يصح حمل الاجتهاد في الدعاء في السجود على جواز القليل منه في الركوع؛ لأن حديث عائشة ﵂ في الصحيحين، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي (٢). فقد صرحت عائشة بوقوع الكثير بقولها: (كان يكثر أن يقول في ركوعه) فلا يصح الجمع بين حديث ابن عباس وحديث عائشة، بحمل حديث عائشة على جواز القليل منه في الركوع اختار ذلك الفاكهاني (٣). • وتعقب هذا الرد: قال ابن حجر: «وهو عجيب؛ فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله: (اللهم اغفر لي) في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء، المشعر بتكثير الدعاء ولم يرد أنه كان يقول ذلك في بعض

стр. 1891

الصلوات دون بعض حتى يعترض عليه بقول عائشة كان يكثر» (١). الوجه الثالث: أن الدعاء في الركوع لا ينافي التعظيم، والتعظيم في السجود لا ينافي الدعاء، ولذلك قال الزهري: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب دعاء (٢). أتى أمية بن أبي الصلت ابن جدعان يطلب نائلة، فقال: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياءُ إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضك الثناءُ فهذا مخلوق اكتفى بالثناء عليه عن المسألة، فكيف بالخالق . الوجه الرابع: إذا ثبت أن النبي ﷺ كان يدعو في الركوع فلا يعارض هذا المنطوق بالمفهوم لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع، وسوف نذكر الأدلة على أن النبي ﷺ كان يدعو في الركوع إن شاء الله عند ذكر أدلة القائلين بالاستحباب. الوجه الخامس: أن الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود دون الركوع، ليس لأن الركوع ليس موضعًا للدعاء؛ فالدعاء من جملة الذكر، وإنما معلل بأنه أقرب في إجابة الدعاء من غيره، ومنه الركوع، لقوله: (فقمن أن يستجاب لكم). (ح-١٧٢٢) وروى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو، ساجد، فأكثروا الدعاء (٣). وكونه أقرب لإجابة الدعاء لا يقتضي التخصيص، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة، فالصلاة كلها موضع للدعاء، وقد جاء الأذن

стр. 1892

بالدعاء في آخر التشهد، في قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه) (١)، فإذا كان الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود لا يقتضي قصر الدعاء عليه، لم يمنع المصلي من الدعاء في الركوع، لأن الدعاء في ذاته قربة، وذكر لله. وقد اشترك الركوع والسجود بالتسبيح، وهو من جملة تعظيم الرب؛ لأن تنزيه الله سبحانه يستلزم تعظيمه، واشتركا في النهي عن قراءة القرآن فيهما، فلا مانع من الاشتراك في الدعاء، وإن خص السجود بكثرة الدعاء تَحَرِّيًا للإجابة. قال القرطبي: «والصلاة كلها عند علمائنا محل للدعاء، غير أنه يكره الدعاء في الركوع» (٢). • دليل من قال: يستحب الدعاء في الركوع: (ح-١٧٢٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (٣). (ح-١٧٢٤) ورواه مسلم من طريق مفضل، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ... [النصر: ١] يصلي صلاة إلا دعا، أو قال فيها: «سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي (٤). (ح-١٧٢٥) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك. قالت: قلت يا رسول الله، ما هذه

стр. 1893

الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [لنصر: ١] إلى آخر السورة. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ طلب منه إذا رأى علامة في أمته أن يستغفر الله مسبوقًا بالتسبيح والتحميد، والثناء إذا سبق الدعاء فهو مسوق من أجله، لكونه من آدابه وسببًا في الإجابة، فالجملة كلها دعاء، والثناء جزء منه، كما في حديث: (سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : عَجِلَ هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم لِيُصَلِّ على النبي ﷺ ، ثم ليدعُ بعد بما شاء). فقوله: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه) فقوله: (إذا صلى) أي إذا دعا، فيكون التسبيح والتحميد من آداب الدعاء وجزءًا من الدعاء، سيق من أجله. وقد طلب من النبي ﷺ هذا الدعاء إذا رأى نصر الله والفتح، وهو مطلق، يشمل داخل الصلاة وخارجها، فكان النبي ﷺ يقوله خارج صلاته، كما يقوله في صلاته، وقد تحرى النبي ﷺ أن يدعو به في ركوعه وسجوده، ولم يفرق بين الركوع والسجود؛ فعلم أنهما موضع للدعاء. وكونه قليلًا فهذا لأنه هو المطلوب من النبي ﷺ ، فلم يتجاوز ما طلب منه، ومن السنة أن يختم العمل بالاستغفار جبرًا للنقص، فالصلاة إذا انتهى منها المصلي استغفر الله ثلاثًا، وفي الحج، لما كان الحج عرفة، فإذا فرغ الإنسان من عرفة، ثم أفاض منها، طلب منه الاستغفار، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله. فالرسول ﷺ لما طُلِبَ منه إذا رأى الفتح أن يستغفر الله كان ذلك إيذانًا بقرب أجله، وعلامة على قيام الرسول ﷺ برسالته، وقد تحرى النبي ﷺ في استغفاره في صلاته أن يجعله في الركوع والسجود، ولو لم يكن الركوع مَحلًّا للاستغفار لخصص ذلك الاستغفار في السجود. • دليل من قال: يجوز الدعاء في الركوع: هؤلاء حاولوا الجمع بين حديث ابن عباس: (أما الركوع فعظموا فيه الرب،

стр. 1894

وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء). وبين حديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي). فحملوا حديث ابن عباس على استحباب الدعاء في السجود. وحملوا حديث عائشة على الجواز. • دليل من قال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا فيما ورد في حديث عائشة: هؤلاء جمعوا بين حديث ابن عباس وحديث عائشة. فحملوا حديث ابن عباس على منع الدعاء في الركوع. واستثنوا منه الدعاء الوارد بحديث عائشة: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي). فالعموم الذي في حديث ابن عباس خص منه ما ورد في حديث عائشة. • وتعقب هذا: يبدو لك من النظرة الأولى أن هذا القول هو الأقوى، لأن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، لكنه في الحقيقة نزعة ظاهرية، فالذي شرع في الركوع (اللهم اغفر لي)، كيف يقال: لا يشرع قول: (اللهم ارحمني)، وأي فرق بينهما، إلا أن ذاك دعاء بالمغفرة، وهذا دعاء بالرحمة، والرحمة جنس والمغفرة نوع، ولو قيل بأن المنصوص أولى، وتفضيل الدعاء بالاستغفار بالركوع على غيره لكان له وجه، أما أن يقال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا بهذه الصيغة، فهذا محل نظر. ولو فتح هذا لكان لقائل أن يقول: إن هذا الدعاء كان خاصًّا بالنبي ﷺ ، ومشروطًا برؤية علامة في حياته إذا رآها، فالأمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار ليس مأمورًا به قبل رؤية هذه العلامة، وما كان خاصًا ومشروطًا بعلامة لا يصح القول به مطلقًا على العموم ودون شرطه، لو قيل هذا لكان أسعد من القول بأنه خاص بهذه الصيغة، فلا يشرع الدعاء بغيرها في الركوع. ولم أقف على أحد من الأئمة الأربعة خصص الجواز بالاستغفار، ولولا أنه قول ملفق من قولين لقلت: إنه قول محدث، ولو سلكنا بالاستدلال هذا الطريق لجعلنا

стр. 1895

المطلوب من المصلي أن يقتصر في أدعية الركوع والسجود على الوارد فحسب، والصواب أن الركوع والسجود مأذون للعبد أن يزيد على المقدار الوارد في السنة إذا كان من جنس الوارد، ما لم يكن إمامًا يشق على المأمومين، والله أعلم. • الراجح: يستحب القليل من الدعاء بالركوع، والوارد أولى من غيره، كما أن الأولى أن يكثر الدعاء بالسجود، فهو أحرى بالإجابة، والله أعلم. * * *
следующие страницы →