الصلوات دون بعض حتى يعترض عليه بقول عائشة كان يكثر» (١).
الوجه الثالث:
أن الدعاء في الركوع لا ينافي التعظيم، والتعظيم في السجود لا ينافي الدعاء، ولذلك قال الزهري: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب دعاء (٢).
أتى أمية بن أبي الصلت ابن جدعان يطلب نائلة، فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضك الثناءُ
فهذا مخلوق اكتفى بالثناء عليه عن المسألة، فكيف بالخالق .
الوجه الرابع:
إذا ثبت أن النبي ﷺ كان يدعو في الركوع فلا يعارض هذا المنطوق بالمفهوم لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع، وسوف نذكر الأدلة على أن النبي ﷺ كان يدعو في الركوع إن شاء الله عند ذكر أدلة القائلين بالاستحباب.
الوجه الخامس:
أن الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود دون الركوع، ليس لأن الركوع ليس موضعًا للدعاء؛ فالدعاء من جملة الذكر، وإنما معلل بأنه أقرب في إجابة الدعاء من غيره، ومنه الركوع، لقوله: (فقمن أن يستجاب لكم).
(ح-١٧٢٢) وروى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو، ساجد، فأكثروا الدعاء (٣).
وكونه أقرب لإجابة الدعاء لا يقتضي التخصيص، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة، فالصلاة كلها موضع للدعاء، وقد جاء الأذن
стр. 1892
بالدعاء في آخر التشهد، في قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه) (١)، فإذا كان الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود لا يقتضي قصر الدعاء عليه، لم يمنع المصلي من الدعاء في الركوع، لأن الدعاء في ذاته قربة، وذكر لله.
وقد اشترك الركوع والسجود بالتسبيح، وهو من جملة تعظيم الرب؛ لأن تنزيه الله سبحانه يستلزم تعظيمه، واشتركا في النهي عن قراءة القرآن فيهما، فلا مانع من الاشتراك في الدعاء، وإن خص السجود بكثرة الدعاء تَحَرِّيًا للإجابة.
قال القرطبي: «والصلاة كلها عند علمائنا محل للدعاء، غير أنه يكره الدعاء في الركوع» (٢).
• دليل من قال: يستحب الدعاء في الركوع:
(ح-١٧٢٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق،
عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (٣).
(ح-١٧٢٤) ورواه مسلم من طريق مفضل، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق،
عن عائشة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ... [النصر: ١] يصلي صلاة إلا دعا، أو قال فيها: «سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي (٤).
(ح-١٧٢٥) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك. قالت: قلت يا رسول الله، ما هذه
стр. 1893
الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [لنصر: ١] إلى آخر السورة.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ طلب منه إذا رأى علامة في أمته أن يستغفر الله مسبوقًا بالتسبيح والتحميد، والثناء إذا سبق الدعاء فهو مسوق من أجله، لكونه من آدابه وسببًا في الإجابة، فالجملة كلها دعاء، والثناء جزء منه، كما في حديث: (سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : عَجِلَ هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم لِيُصَلِّ على النبي ﷺ ، ثم ليدعُ بعد بما شاء).
فقوله: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه) فقوله: (إذا صلى) أي إذا دعا، فيكون التسبيح والتحميد من آداب الدعاء وجزءًا من الدعاء، سيق من أجله.
وقد طلب من النبي ﷺ هذا الدعاء إذا رأى نصر الله والفتح، وهو مطلق، يشمل داخل الصلاة وخارجها، فكان النبي ﷺ يقوله خارج صلاته، كما يقوله في صلاته، وقد تحرى النبي ﷺ أن يدعو به في ركوعه وسجوده، ولم يفرق بين الركوع والسجود؛ فعلم أنهما موضع للدعاء.
وكونه قليلًا فهذا لأنه هو المطلوب من النبي ﷺ ، فلم يتجاوز ما طلب منه، ومن السنة أن يختم العمل بالاستغفار جبرًا للنقص، فالصلاة إذا انتهى منها المصلي استغفر الله ثلاثًا، وفي الحج، لما كان الحج عرفة، فإذا فرغ الإنسان من عرفة، ثم أفاض منها، طلب منه الاستغفار، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله.
فالرسول ﷺ لما طُلِبَ منه إذا رأى الفتح أن يستغفر الله كان ذلك إيذانًا بقرب أجله، وعلامة على قيام الرسول ﷺ برسالته، وقد تحرى النبي ﷺ في استغفاره في صلاته أن يجعله في الركوع والسجود، ولو لم يكن الركوع مَحلًّا للاستغفار لخصص ذلك الاستغفار في السجود.
• دليل من قال: يجوز الدعاء في الركوع:
هؤلاء حاولوا الجمع بين حديث ابن عباس: (أما الركوع فعظموا فيه الرب،
стр. 1894
وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء).
وبين حديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي).
فحملوا حديث ابن عباس على استحباب الدعاء في السجود.
وحملوا حديث عائشة على الجواز.
• دليل من قال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا فيما ورد في حديث عائشة:
هؤلاء جمعوا بين حديث ابن عباس وحديث عائشة.
فحملوا حديث ابن عباس على منع الدعاء في الركوع.
واستثنوا منه الدعاء الوارد بحديث عائشة: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).
فالعموم الذي في حديث ابن عباس خص منه ما ورد في حديث عائشة.
• وتعقب هذا:
يبدو لك من النظرة الأولى أن هذا القول هو الأقوى، لأن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، لكنه في الحقيقة نزعة ظاهرية، فالذي شرع في الركوع (اللهم اغفر لي)، كيف يقال: لا يشرع قول: (اللهم ارحمني)، وأي فرق بينهما، إلا أن ذاك دعاء بالمغفرة، وهذا دعاء بالرحمة، والرحمة جنس والمغفرة نوع، ولو قيل بأن المنصوص أولى، وتفضيل الدعاء بالاستغفار بالركوع على غيره لكان له وجه، أما أن يقال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا بهذه الصيغة، فهذا محل نظر.
ولو فتح هذا لكان لقائل أن يقول: إن هذا الدعاء كان خاصًّا بالنبي ﷺ ، ومشروطًا برؤية علامة في حياته إذا رآها، فالأمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار ليس مأمورًا به قبل رؤية هذه العلامة، وما كان خاصًا ومشروطًا بعلامة لا يصح القول به مطلقًا على العموم ودون شرطه، لو قيل هذا لكان أسعد من القول بأنه خاص بهذه الصيغة، فلا يشرع الدعاء بغيرها في الركوع.
ولم أقف على أحد من الأئمة الأربعة خصص الجواز بالاستغفار، ولولا أنه قول ملفق من قولين لقلت: إنه قول محدث، ولو سلكنا بالاستدلال هذا الطريق لجعلنا
стр. 1895
المطلوب من المصلي أن يقتصر في أدعية الركوع والسجود على الوارد فحسب، والصواب أن الركوع والسجود مأذون للعبد أن يزيد على المقدار الوارد في السنة إذا كان من جنس الوارد، ما لم يكن إمامًا يشق على المأمومين، والله أعلم.
• الراجح:
يستحب القليل من الدعاء بالركوع، والوارد أولى من غيره، كما أن الأولى أن يكثر الدعاء بالسجود، فهو أحرى بالإجابة، والله أعلم.
* * *
стр. 1896
الباب الثامن في أحكام الرفع من الركوع
الفصل الأول حكم الرفع من الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• الرفع من الركوع مقصود لغيره.
• كونه مقصودًا لغيره لا ينافي ركنيته.
• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته.
• القول بأن الرفع يأخذ حكم الاعتدال؛ لأنه وسيلة إليه، يجعل الرفع ملحقًا بالأركان كالاعتدال.
• جاء الأمر بالرفع من الركوع حتى الاعتدال قائمًا، ومن السجود حتى الاطمئنان جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته.
• حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خُرِّجَ مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة.
• لا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي في حكم من لم يُصَلِّ؛ لقوله ﷺ : ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ.
[م-٦٣٤] علمنا في مسألة سابقة حكم الركوع والسجود والاعتدال قائمًا من الركوع، والاعتدال جالسًا من السجود، ونريد أن نقف في هذا البحث على حكم الرفع من الركوع وحكم الرفع من السجود، هل يعطى حكم الركوع والاعتدال، أو هو حركة للانتقال ليس مقصودًا لذاته؟
стр. 1897
[م-٦٣٥] في هذه المسألة اختلف الفقهاء إلى أقوال بل حتى أصحاب المذهب الواحد تجد عندهم اختلافًا في حكمه، وإليك تفصيلها بحسب كل مذهب.
القول الأول: مذهب الحنفية. وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الرفع من الركوع سنة، نص عليه من أصحاب المتون صاحب كنز الدقائق، فلو انحط من ركوعه ساجدًا صحت صلاته.
وأما الرفع من السجود فلا بد منه؛ لأنه لا يتصور أن يقوم بسجدتين دون أن يرفع من الأولى، والواجب من الرفع قيل: أن يكون إلى الجلوس أقرب منه إلى السجود، وقيل: يكفي القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين، وعلى كلا القولين، لا يجب الاعتدال، لا من الركوع، ولا من السجود في الأصح عند الحنفية.
فإن تمكن من الفصل بين السجدتين بلا رفع لم يجب الرفع على أحد القولين (١).
قال القدوري في التجريد: «فإن سجد على وسادة، ثم أزيلت، فَانْحَطَّ إلى الأرض جاز ذلك عن السجدة الثانية من غير رفع» (٢).
وقال الزيلعي: «وتكبير السجود والرفع منه ... لأن التكبير عند الرفع منه سنة، وكذا الرفع نفسه .... فالمقصود الانتقال، وقد يتحقق بدونه، بأن يسجد على الوسادة، ثم تنزع ويسجد على الأرض ثانيًا، ولكن لا يتصور هذا إلا عند من لا يشترط الرفع حتى يكون أقرب إلى الجلوس» (٣).
وقال أبو البركات في كنز الدقائق: وسننها -أي الصلاة- رفع اليدين للتحريمة ... وتكبير الركوع والرفع منه ... » (٤).
قال في مراقي الفلاح: «ويسن الرفع من الركوع على الصحيح» (٥).
стр. 1898
• حجة هذا القول:
أن الرفع من الركوع ومن السجدة الأولى الغرض منه تحصيل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين، والراجح في المذهب أن الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين سنة (١)، فكذلك الانتقال إليهما، لأن الرفع وسيلة، وليس مقصودًا بذاته، والوسائل لها حكم الغايات، وإنما يكون الرفع ركنًا إذا كان الانتقال إلى ركن، وكذلك يكون واجبًا إذا كان الانتقال إلى واجب.
• ونوقش هذا:
هذا الكلام يصح لو كان الاعتدال سنة، فيكون للوسيلة حكم الغاية، إلا أننا لا نسلم أن الاعتدال من الركوع ومن السجود سنة، لقيام أدلة نقلية في غاية الصحة، تبين أنهما من أركان الصلاة، وإذا كانا من أركان الصلاة كان الانتقال يأخذ حكم الانتقال من ركن إلى ركن، فهو جزء من الأركان لأنه وسيلة إليه، ولا يحصل إلا به.
الثاني من الأقوال في مذهب الحنفية:
أن الرفع من الركوع واجب، وإذا تركه سهوًا جبره بسجود السهو، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، ورجحه ابن الهمام وابن نجيم (٢).
جاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى القاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو» (٣).
فَتَرَتُّبُ السهو على تركه ساهيًا دليل على الوجوب؛ لأن الموجب لسجود السهو عند الحنفية ترك الواجب سهوًا لا ترك المسنون (٤).
стр. 1899
وفي وجوب السهو، أهو لترك الرفع، أم من أجل ترك الاعتدال من الركوع، وهو ما يسميه الحنفية (القومة)؟
وللجواب على ذلك نقول: إن الرفع يأخذ حكم الاعتدال من الركوع والسجود، وقد ذهب المتأخرون من الحنفية كابن الهمام وابن نجيم إلى القول بوجوب القومة والجلسة.
قال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما (أي الطمأنينة فيهما) فالمشهور من المذهب السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال وَمَنْ بَعْدَهُ من المتأخرين» (١).
وإذا كان الاعتدال من الركوع والسجود واجبًا، فالرفع واجب تبعًا؛ لأنه وسيلة إليه، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٢).
قال ابن نجيم: «ومقتضى الدليل وجوب الطمأنينة في الأربعة (يعني: الركوع والسجود، والاعتدال من الركوع ومن السجود) ووجوب نفس الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين للمواظبة على ذلك كله، وللأمر في حديث المسيء صلاته .... والقول بوجوب الكل هو مختار المحقق ابن الهمام، وتلميذه ابن أمير حاج، حتى قال: إنه الصواب، والله الموفق للصواب» (٣).
إذا عرفنا كيف تخرج القول بوجوب الرفع من الركوع ومن السجود، نأتي إلى دليل القائلين بالوجوب من الحنفية.
стр. 1900
• دليل القول بالوجوب:
الدليل الأول:
أن الركوع والسجود فرض (ركن) لأنه ثبت بدليل قطعي، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وأما الاعتدال من الركوع والجلسة من السجود فثبتت بدليلي ظني، وهو حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته، قال ﷺ : ( ... ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (١).
الدليل الظني لا يفيد الركنية، وإنما يفيد الوجوب.
• ورد هذا:
بأنه سبق لي مناقشة الحنفية على هذا التفريق عند الكلام على ركنية الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال منهما، فارجع إليه إن شئت منعًا لتكرار الكلام.
الدليل الثاني:
جاء الأمر بالرفع من الركوع حتى الاعتدال قائمًا، ومن السجود حتى الاطمئنان جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)، وتقدم تخريجه، واقترن ذلك بمواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل، وعدم الإخلال به، ولو مرة واحدة، مما يدل أن الاعتدال من الركوع والاعتدال من السجود ملحقان بالواجبات، لا بالسنن، وإذا كان الاعتدال واجبًا كان الرفع واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• وأجيب:
بأن الرسول ﷺ قال للمسيء: (ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ) دليل على أن ترك ذلك ليس من باب الواجبات، لأنه يجبرها سجود السهو، ولا من باب السنن، لأن تركها لا يلحق بالعدم، فالحكم بالعدم لا يكون إلا بانعدامها أصلًا، وذلك
стр. 1901
لا يكون إلا بترك الركن.
الثالث من الأقوال في مذهب الحنفية:
أن الرفع من الركوع والسجود فرض (أي ركن) وروي ذلك عن أبي حنيفة، وحكاه الطحاوي عن الأئمة الثلاثة، وقال أبو يوسف: الركوع والسجود والاعتدال منهما كلها فرائض (أركان) (١).
قال الزيلعي في تبيين الحقائق: «روي عن أبي حنيفة أن الرفع منه فرض، والصحيح الأول (يعني أنه سنة)؛ لأن المقصود الانتقال، وهو يتحقق بدونه، بأن ينحط من ركوعه» (٢).
فإن قيل: كيف يكون الرفع والاعتدال من الركوع، والاعتدال من السجود من أركان الصلاة، وهذه لم تثبت إلا بدليل ظني؟ فإن هذا مخالف لأصول المذهب عند الحنفية.
• أجيب:
بأن الحنفية قد اختلفوا في المراد بالركوع والسجود في الآية في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فذهب أبو حنيفة ومحمد أن معناهما لغوي، وهو معلوم، فلا يحتاج إلى بيان، وعليه فلو قالوا بركنية الرفع منهما والاعتدال لزم منه الزيادة على النص بخبر الواحد، وهذا لا يجوز؛ لأن الظني لا ينسخ القطعي، وقد ناقشته عند الكلام على حكم الطمأنينة، فارجع إليه.
وعند أبي يوسف معنى الركوع والسجود شرعي، وهو غير معلوم، فيحتاج إلى البيان، وقد جاء حديث المسيء في صلاته فخرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (إنك لم تُصَلِّ) فأبان بذلك أن الصفة التي أرادها الله سبحانه بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، أن يكون على هذه الصفة، وعلى هذا يكون خبر الواحد، والمواظبة بيانًا للآية، وخبر الواحد يجوز أن يأتي مبينًا لما أجمل في الدليل القطعي، وعليه يكون الاعتدال من الركوع والسجود من جملة فرائض
стр. 1902
الصلاة؛ لكونها وقعت بيانًا للآية، وإذا كان الاعتدال من الركوع ومن السجود من جملة الفروض (أي الأركان) كان الرفع من الركوع ومن السجود انتقالًا من ركن إلى ركن، فيأخذ الرفع حكم الركن؛ لأنه وسيلة إليه.
يقول الكاساني في بدائع الصنائع: «الانتقال من ركن إلى ركن فرض؛ لأنه وسيلة إلى الركن» (١).
وعلى هذا اختلفت أحكام الحنفية في الرفع من الركوع ومن السجود تبعًا لاختلافهم في حكم الاعتدال منهما.
فمن قال: الاعتدال منهما سنة، جعل الرفع سنة؛ لكونها انتقالًا من ركن إلى سنة، ومن جعل الاعتدال منهما واجبًا، جعل الرفع واجبًا؛ لكونه انتقالًا من ركن إلى واجب فالانتقال وسيلة، يأخذ حكمه من حكم الموضع الذي ينتقل إليه.
هذه أقوال المسألة في مذهب السادة الحنفية، وأدلتهم على كل قول، مع مناقشتها، والله أعلم.
القول الثاني: مذهب المالكية وفيه قولان:
الأول: يرى أن الرفع من فروض الصلاة (أي من أركانها)، وتبطل بتعمد تركه، وإن تركه سهوًا رجع محدودبًا حتى يصل إلى حالة الركوع، ثم يرفع، ويسجد لسهوه، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال ابن القاسم (٢).
قال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل: «من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد؛ ومن خر من ركعته ساجدًا، فلا يعتد بتلك الركعة ... وأحب إليَّ للذي خر من الركعة ساجدًا قبل أن يرفع رأسه، أن يتمادى في صلاته ويعتد بها، ثم يعيد الصلاة» (٣).
стр. 1903
جاء في الجامع لابن يونس: والصواب أن الرفع فرض (١).
وقال ابن رشد في المقدمات: «أما الرفع من الركوع فالاختلاف فيه في المذهب، روى عيسى عن ابن القاسم أنه لا يعتد بتلك الركعة التي لم يرفع منها رأسه، واستحب أن يتمادى ثم يعيد ... » (٢).
فالرفع من الركوع عند فقهاء المالكية فرض، والاعتدال منه سنة على المشهور من المذهب -وسبق تحرير الخلاف في الطمأنينة- فصار الرفع أوكد عندهم من الاعتدال علمًا أن الرفع وسيلة للاعتدال.
وقد قال المالكية: إذا قرأ آية سجدة، فانحط لها بنية السجود، فلما وصل إلى حد الركوع ذُهِلَ عنها ونوى الركوع:
فقال مالك: يعتد بالركوع، بناء على أن الحركة للركن غير مقصودة، ولا سهو عليه لنقص الحركة، ولا لزيادتها خلافًا لابن القاسم فهو يرى أن الحركة للركن مقصودة تابعة للركن، فإذا قصد بالحركة غير الركن لم يعتد بالركن (٣).
وهذا إنما يضعف القول بأن الاعتدال سنة، ولا يعود بالضعف على القول بركنية الرفع فهو الأقوى؛ لأنه وسيلة إلى الاعتدال، فيأخذ حكمه، وإذا كنت قد رجحت أن الاعتدال ركن، فالرفع ركن مثله، والله أعلم.
• دليل المالكية على ركنية الرفع من الركوع:
جاء الأمر بالرفع من الركوع في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته معللًا الأمر له بالإعادة بقوله: (ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ)، ولا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي وكأنه لم يفعل، وصلاته في حكم العدم، وقد قال له النبي ﷺ حين طلب التعليم بما أخل به، قال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)، وتقدم تخريجه،
стр. 1904
وقد اقترن ذلك بمواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل، وعدم الإخلال به، ولو مرة واحدة، كل ذلك يدل على ركنية الرفع من الركوع.
القول الثاني في المذهب المالكي:
أن الرفع سنة، فلو خَرَّ من ركعته ساجدًا فإن كان ساهيًا سجد قبل السلام؛ لتركه السنة، وإن كان متعمدًا استغفر الله، ولا إعادة عليه، وهي رواية علي بن زياد عن مالك، وهو في مقابل المشهور (١).
قال ابن ناجي في شرح الرسالة: «اختلف المذهب في الرفع من الركوع فقيل فرض وهو نقل الأكثر وقيل سنة حكاه ابن رشد» (٢).
• حجة هذا القول:
الدليل الأول:
أن القرآن ذكر الركوع والسجود ولم يذكر الرفع. قال تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
فالذي تضمنه القرآن ما يقع عليه اسم الركوع والسجود، والزائد عليه تطوع.
قال خليل في التوضيح: «ومقابل الأشهر رواية عن مالك يرى أن الرفع سنة، ووجهه: التمسك بظاهر القرآن في الأمر بالركوع والسجود، ولم يذكر الرفع، وهو بعيد» (٣).
• ويناقش:
بأن حديث المسيء في صلاته قد أمره النبي ﷺ بالرفع من الركوع والسجود، وقد خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة لما تقدم من قوله: (إنك لم تُصَلِّ)، فكان الأمر بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ مجملًا، وحديث المسيء في صلاته مبينًا لما يجب فعله في الصلاة (٤).
стр. 1905
الدليل الثاني:
أن الرفع وسيلة، والركوع متميز عن السجود فلا حاجة إلى الرفع بخلاف الرفع من السجود فهو للفصل بين السجدتين، فلو ذهب صارت السجدتان واحدة.
• ويناقش:
بأن الوسائل لها أحكام الغايات، فإذا كان الاعتدال ركنًا على الصحيح، فالرفع وسيلة إليه، وكونه وسيلة لا يعني عدم وجوبه، فالوضوء وسيلة لفعل الصلاة، وهو شرط فيها.
القول الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة وفيه قولان:
الأول: أن الرفع والاعتدال ركنان، ذكره الحاوي من الشافعية، ونص عليه ابن قدامة، والزركشي في شرح الخرقي، وابن مفلح في الفروع وابن النجار في منتهى الإرادات (١).
قال الماوردي في الحاوي في بيان فرائض الصلاة: « .... الخامس: الركوع. السادس: الطمأنينة فيه. السابع: الرفع من الركوع. الثامن: الاعتدال فيه ... » (٢).
وقال ابن قدامة في الكافي: «الرفع والاعتدال الركن السادس والسابع» (٣).
وقال الزركشي في شرح الخرقي: «أما الرفع من الركوع والاعتدال عنه ففرضان» (٤).
وقد صرح الشافعية بأن الرفع من الركوع مقصود، ولهذا اشترطوا ألا يقصد بالرفع شيئًا آخر، فلو قصد بالرفع شيئًا آخر غيره حتى إذا بلغ الاعتدال نواه لم يصح عندهم، وليس هذا خاصًّا بالرفع من الركوع، بل يشمل كل حركات الانتقال، سواء أكانت الحركة في الرفع من الركوع، أم في الهُوِيِّ إلى الركوع أم إلى السجود، أم في
стр. 1906
الرفع من السجود، فالحركة للركن مقصودة (١).
قال النووي: «الرفع إلى الاعتدال من الركوع مقصود، ولهذا قال الأصحاب: يشترط ألا يقصد صرفه عن ذلك» (٢).
أي لا ينوي غيره.
وعلى القول بأن الرفع مقصود فإن ذلك يعني أن غيره لا يقوم مقامه، فهو مقصود ليس لذاته، بل لغيره، للفصل بين الأركان (٣).
وحتى على القول بأن الرفع غير مقصود، فهو لا ينافي الركنية، فقد صرح الشافعية بأن الاعتدال غير مقصود لنفسه، وفي الوقت نفسه هو ركن عندهم بلا خلاف.
قال النووي في الروضة في الاعتدال عن الركوع: «وهو ركن لكنه غير مقصود لنفسه» (٤). لعلهم يقصدون أنه مقصود لغيره.
وقال في شرح المهذب: «الاعتدال من الركوع فرض وركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به بلا خلاف عندنا» (٥).
стр. 1907
والذي يترتب على القول بأن الاعتدال غير مقصود، اعتباره وهو في الاعتدال كأنه لم يفرغ من الركوع؛ لأن الذي هو فيه تبع له (١).
الثاني من القولين:
أن الرفع داخل في الاعتدال، وواجب له، اختاره الرافعي، وبعض الحنابلة.
قال في فتح العزيز: «واعلم أن واجب الاعتدال لا ينحصر في الأمرين المذكورين (يقصد الرفع والطمأنينة)، بل له واجب ثالث: أن لا يقصد بالارتفاع شيئًا آخر، حتى لو رأى حية في ركوعه، فاعتدل فزعًا منها لم يعتد به» (٢).
فأدخل الارتفاع من الركوع من واجبات الاعتدال، واشترط ألا يقصد بالرفع غيره، فأما نية الرفع نفسه فليست بشرط؛ لأن نية الصلاة كافية.
وفي منهاج الطالبين ذكر من الفروض: الركوع والاعتدال، ولم يذكر الرفع (٣)، فلماذا أهمله؟ هل لأن الرفع داخل في الاعتدال لاستلزامه له، كما يفهم من كلام الرافعي السابق؟
وقد راجعت شراح المنهاج كتحفة المحتاج، ونهاية المحتاج، ومغني المحتاج فلم يذكر أحد منهم النص على ركنية الرفع من الركوع.
ولم يذكر أبو الخطاب الحنبلي في الهداية، ولا ابن قدامة في المقنع، ولا أبو البركات في المحرر، ولا الحجاوي في الزاد، ولا البلباني في أخصر المختصرات لم يذكروا الرفع من الركوع.
قال في الهداية: «وأركانها خمسة عشر: وذكر منها: الركوع والطمأنينة فيه، والاعتدال عنه» (٤).
стр. 1908
وقال أبو البركات في المحرر: «والفرض من ذلك: القيام ... والركوع، والاعتدال عنه» (١).
وقد نص في الإقناع على أن الرفع داخل في الاعتدال، قال الحجاوي في الإقناع: «والركوع ... والاعتدال بعده، فدخل فيه الرفع» (٢).
وقال البهوتي في كشاف القناع شارحًا: «(فدخل فيه) أي في الاعتدال عن الركوع (الرفع منه) لاستلزامه له، هكذا فعل أكثر الأصحاب، وفرق في الفروع والمنتهى وغيرهما بينهما، فعدوا كُلًّا منهما ركنًا؛ لتحقق الخلاف في كل منهما» (٣).
فصار الخلاف عند الحنابلة كالخلاف عند الشافعية، منهم من يرى أن الرفع ركن مستقل بنفسه، ومنهم من يرى أن الرفع داخل في الاعتدال، وكونه داخلًا في الاعتدال فإنه يأخذ حكمه، وهو الركنية.
• الدليل على ركنية الرفع من الركوع:
سبق لنا الاستدلال على ركنية الرفع عند الاستدلال للقول الثالث في مذهب الحنفية، وما يرد عليه من نقاش، فأغنى ذلك عن إعادته.
فصارت الأقوال في الرفع من الركوع ثلاثة: قيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: ركن، وهو أرجحها.
* * *
стр. 1909
الفصل الثاني في مشروعية التسميع والتحميد
المبحث الأول في وقت ابتداء التسميع والتحميد
المدخل إلى المسألة:
• السنة أن تكون أذكار الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
• لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون أذكار الانتقال في أثنائه، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي ﷺ لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة الصلاة من الخلل.
• الأصل في أفعال الرسول ﷺ الاستحباب.
• إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.
• إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، فكان كما لو تشهد قائمًا، أو قرأ الفاتحة جالسًا.
• إيقاع التكبير في غير محله كتركه، والراجح أنه من ترك السنن، لا مِنْ تَرْكِ الواجبات.
[م-٦٣٦] المقصود بالتسميع قول: سمع الله لمن حمده.
وقيل: سمع بمعنى قَبِلَ واستجاب الله لمن حمده، كما يستعاذ من دعاء لا يسمع، أي: لا يستجاب، فهي جملة خبرية يراد منها الدعاء باستجابة التحميد، جاء في الحديث: وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد
стр. 1910
يسمع الله لكم، رواه مسلم: أي يستجيب لكم (١).
وقيل: خبر يراد به الحث على الحمد.
قال ابن العربي في المسالك شرح الموطأ: قوله: «سمع الله لمن حمده، يحتمل أن يكون خبرًا عن فضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون دعاء إلى الله وإن جاء بلفظ الخبر، وهو أظهر» (٢).
[م-٦٣٧] السنة في موضع التسميع أن يقول هذا الذكر من حين يرفع رأسه من الركوع، فلا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه.
فإن كمله في جزء من الرفع أجزأ؛ لأنه لم يخرج به عن محله بلا نزاع.
وإن خَرَجَ جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتمَّ جزءًا منه بعد الاعتدال فالجمهور على صحته، ويعطى الأكثر حكم الكل، وهو قول في مذهب الحنابلة لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، خاصة في الرفع من الركوع لقصره.
وقيل: لا يجزئه، كمن كمل قراءته راكعًا، أو أتى بالتشهد قبل قعوده، وهو قياس مذهب الحنابلة.
وإن أوقع التسميع كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد ذكر الذكر في غير موضعه، فكان كما لو أتى بالتشهد قائمًا، فالخلاف فيه يرجع إلى حكم من ترك التسميع.
فالجمهور على أن التسميع سنة، فإذا فعله في غير موضعه لم يؤثر ذلك على صحة صلاته.
والحنابلة: التسميع واجب، فكان فعله في غير موضعه في حكم من ترك واجبًا، إن تركه سهوًا جبره بسجود السهو، وإن تركه عمدًا بطلت صلاته.
وأدلة هذه المسألة سبق ذكرها في مسألة سابقة عند الكلام على وقت ابتداء التكبير للركوع، فقد فصلت القول فيه هناك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وأغنى عن إعادته المسألة في سائر أذكار الانتقالات، فليتنبه لذلك، ولله الحمد، وأما حكم
стр. 1911
التسميع فسوف أفرد له المباحث التالية في حق الإمام والمنفرد والمأموم إن شاء الله تعالى أسأل الله عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 1912
المبحث الثاني في مشروعية التسميع للإمام
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم وجوب التسميع.
•لا يوجد في الأدلة دليل صحيح يقتضي وجوب التسميع، والأصل البراءة وعدم التأثيم.
• لم يذكر التسميع في حديث المسيء صلاته، ولو كان واجبًا لعلمه؛ لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
• القول بأن النبي ﷺ علم المسيء ما أخَلَّ به بعيد جدًّا؛ فإذا كان الرفع من الركوع لا يعلمه مع ظهوره، فالتسميع أولى أن يجهله؛ لظهور الأول، وخفاء الثاني.
• المواظبة على التسميع لا تكفي دليلًا على وجوبه، وإنما تدل على توكيد الاستحباب.
• واظب النبي ﷺ على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كقراءة ما تيسر من القرآن في الركعة الأولى والثانية من الفرائض.
[م-٦٣٨] اختلف العلماء في حكم التسميع للإمام بعد اتفاقهم على مشروعيته:
فقيل: سنة، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).
стр. 1913
قال النووي في شرح المهذب: «وقول سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كل ذلك سنة ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم، وصلاته صحيحة، سواء تركه عمدًا أو سهوًا، لكن يكره تركه عمدًا.
هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء.
قال الشيخ أبو حامد: وهو قول عامة الفقهاء.
قال صاحب الحاوي: وهو مذهب الفقهاء كافة» (١).
وقيل: واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعدها المرداوي وناظم المفردات وغيرهما من مفردات مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق وداود (٢).
قال ابن قدامة: «والمشهور عن أحمد: أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي -بين السجدتين- والتشهد الأول، واجب. وهو قول إسحاق، وداود. وعن أحمد: أنه غير واجب» (٣).
وقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم (٤).
هذه مجمل الأقوال، وأما أدلتها فإليك ما وقفت على ذلك منها:
• دليل من قال: التسميع سنة:
الدليل الأول:
الأصل عدم وجوب التسميع، ولا يوجد في الأدلة دليل صحيح يقتضي
стр. 1914
وجوب التسميع، والأصل البراءة وعدم تأثيم المصلي.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٢٦) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) ولم يذكر له التسميع، ولو كان واجبًا لعلمه، لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد اقتصر النبي ﷺ على إرشاد المسيء في صلاته إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه.
قال ابن دقيق العيد: «وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه ﵇ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به من واجبات الصلاة» (٢).
ولا يعترض على الحديث في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إذا ورد
стр. 1915
حديث صحيح صريح في الوجوب، ولم يَأْتِ دليل يقضي بوجوب التسميع على الإمام، وكون النبي ﷺ يفعله في أحاديث صحيحة، فهذا يدل على مشروعيته، ولا نزاع فيه، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، وأما القول بأنه علمه ما أخَلَّ به فهذا بعيد؛ فإذا كان الرفع من الركوع لا يعلمه مع ظهوره فالتسميع أولى؛ لظهور الأول، وخفاء الثاني.
الدليل الثالث:
كل الأدلة التي ساقها الجمهور مستدلين بها على عدم وجوب تكبيرات الانتقال، عند الكلام على حكم التكبير للركوع، يستدل بها على عدم وجوب التسميع، فإذا كان الراجح في تكبيرات الانتقال عدم الوجوب، فكذلك التسميع قياسًا عليها، بجامع أنه ذكر من أذكار الانتقال، إلا أنه خاص بالانتقال من الركوع إلى الاعتدال وهذا لا يشكل فرقًا، فارجع إليها، فذكرها هناك يغني عن إعادتها هنا.
• دليل من قال بوجوب التسميع:
الدليل الأول:
(ح-١٧٢٧) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،
عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي ﷺ : إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته (١).
[ذكر التسميع في حديث رفاعة ليس بمحفوظ] (٢).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: شذوذ زيادة (التسميع) في حديث رفاعة.
الوجه الثاني: لو صحت زيادة إسحاق بذكر التسميع في حديث المسيء في صلاته لكان التسميع وما ذكر معه ركنًا من أركان الصلاة، لقوله في الحديث: (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ... ثم يقول: سمع الله لمن حمده).
فالحنابلة لما رأوا الحديث ضعيفًا عاد ذلك بالضعف على مأخذ الحكم، فهم لا يذهبون إلى القول بالركنية مع أن دلالة اللفظ تقتضيه؛ وذلك لضعف الحديث، ولا يقولون بالاستحباب؛ لأنه يقتضي إهدار الحديث الضعيف، فيتوسطون إلى القول بالوجوب، وهذا لا يساعد عليه لفظ الحديث.
ومثل هذا صنعوا مع حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، فكانت دلالة الحديث تقتضي شرطية التسمية للوضوء، فلما كان الحديث ضعيفًا، نزل الحنابلة في أحد القولين إلى القول بوجوب التسمية وهو نزول عن دلالة اللفظ، ثم قالوا بسقوط التسمية مع النسيان مع أنها من المأمورات، والمأمورات لا تسقط بالنسيان بخلاف المنهيات، ولكن لضعف مأخذ الوجوب لم يرتبوا الحكم عليه بما تقتضيه دلالة اللفظ، وذلك لما اعتراه من ضعف في أسانيده، فكذلك صنعوا مع حديث رافع بن رفاعة ﵁، فقالوا بوجوب التسميع مع أن دلالة اللفظ تقتضي الركنية، ومن عيوب الدليل كونه لا يطابق المدلول.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٢٨) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد ابن الحسن،
عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا رفع ظهره من الركوع،
стр. 1918
قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (١).
وفي الباب حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين (٢)، وحديث البراء
فيهما (٣)، وحديث ابن عمر في البخاري (٤)،
وحديث رفاعة بن رافع في البخاري (٥).
وغيرها من الأحاديث الكثيرة، كلها تدل على أن النبي ﷺ كان يقول في
стр. 1919
صلاته: سمع الله لمن حمده، ويواظب على ذلك، ولم ينقل أنه أخل به ولو مرة واحدة لبيان الجواز.
فإن قيل: أفعال الرسول ﷺ لا تدل على الوجوب؟
فالجواب: أن دلالة الوجوب مركبة من أمرين:
أحدهما: المواظبة من النبي ﷺ على هذا الفعل، ولم ينقل أنه أخل به ولو مرة واحدة.
الثاني: قوله ﷺ في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فكان هذا الفعل بيانًا لهذا المجمل، فالأمر (صلوا) الأصل فيه الوجوب، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم هذا المجمل.
• ونوقش:
سبق لي مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب في مسألة حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع فارجع إليه إن شئت.
وأما الاستدلال بالمواظبة على الوجوب فالمواظبة لا تكفي دليلًا على الوجوب، وإنما تدل على توكيد الاستحباب، فالنبي ﷺ واظب على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كقراءة ما تيسر من القرآن في الركعة الأولى والثانية من الفرائض، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، وكما واظب على راتبة الفجر، وسنة الوتر، فلم يكن يدعهما حضرًا، ولا سفرًا، ولم يكن ذلك كافيًا للقول بوجوبهما.
• دليل من قال: بركنية قول سمع الله لمن حمده:
استدل ابن حزم بحديث رفاعة السابق، (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ... ثم يقول: سمع الله لمن حمده).
وإذا كانت الصلاة لا تصح بلا وضوء، فكذلك لا تصح من غير قول المصلي: سمع الله لمن حمده، إلا أن الوضوء لما كان متقدمًا على الصلاة اقتضى الحديث شرطيته، ولما كان التسميع جزءًا من الصلاة اقتضى الحديث ركنيته.
стр. 1920
وقوله: (لأحد من الناس) عام دخل فيه الإمام والمنفرد.
• ونوقش من وجهين:
الأول: أن ذكر التسميع في الحديث شاذ.
الثاني: أن لفظ: (لا تتم صلاة أحدكم) نفي التمام يأتي على معنيين:
تارة يراد بنفي التمام أي لم تبلغ رتبة الكمال، وهذا لا يكون إلا في ترك السنن.
وتارة يراد به إثبات النقص، والنقص قد يكون لترك ركن، أو لترك واجب، وإذا احتمل أمرين أخذنا بالمتيقن، وهو الوجوب، وهذا يصح تخريجًا للحنابلة للاستدلال بحديث رفاعة على الوجوب.
وفي الحديث ما يدل على أن المراد نقص الواجبات، وليس الأركان:
(ح-١٧٢٩) فقد روى أبو داود من طريق يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده،
عن رفاعة بن رافع، أن رسول الله ﷺ فقص هذا الحديث قال فيه: فتوضأ كما أمرك الله جل وعز، ثم تشهد، فأقم ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله»، وقال فيه: «وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك (١).
وجه الاستدلال:
فقوله: (انتقصت من صلاتك) فأثبت الصلاة مع قيام النقص، فلو كان النقص من قبيل نقص الأركان لم تبق صلاته، ولكانت في حكم العدم، ولو كان من نقص المستحبات لم ينسب النقص إلى الصلاة.
• ورد هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن حديث رفاعة وإن كان حسنًا في الجملة إلا أن فيه حروفًا قد اختلف رواة حديث رفاعة في ذكرها، ومنها قوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، فالصحيح أنه حرف شاذ، لا يصلح للحجة، والله أعلم] (٢).
стр. 1921
الجواب الثاني:
أن النبي ﷺ لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه.
الجواب الثالث:
أنه قد ذكر مع التسميع ما لا يختلف في ركنيته، كتكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، فالتفريق بينها وبين التسميع في الحكم لا يساعد عليه اللفظ.
الجواب الرابع:
على فرض صحة الزيادة في حديث رفاعة، فإن النبي ﷺ إنما سمى فعله صلاة بحسب ما يعتقده المصلي، بدليل أن النبي ﷺ أمره بالركوع والسجود، فيلزم على هذا
стр. 1922
الفهم أن تسمي ما لا ركوع ولا سجود فيها صلاة أيضًا؛ لأنه من جملة ما انتقصه من صلاته.
• الراجح:
الذي يتعين قول الجمهور، وهو أن التسميع للإمام من السنن، وليس من الواجبات، ولا من الأركان، والله أعلم.
* * *
стр. 1923
المبحث الثالث حكم التحميد للإمام
المدخل إلى المسألة:
• حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) سيق لبيان تحميد المأموم وموضعه، ولم يتعرض لتحميد الإمام لا نفيًا ولا إثباتًا، والسكوت لا يصلح دليلًا على نفيه إذا ثبت بأدلة أخرى.
• منطوق الأحاديث الصحيحة الصريحة المتكاثرة بتحميد الإمام مقدم على الأحاديث التي لم تتعرض لتحميد الإمام.
• إذا كان المنفرد يأتي بالتحميد على الصحيح فالإمام مثله؛ لأن أحكامهما واحدة.
• حديث: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) الأمر للمأموم بالتحميد لا يقتضي الوجوب؛ لأن الأمر سيق لبيان وقت تحميد المأموم، كالأمر بالتأمين في حديث: (إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا: آمين).
• إذا لم يجب التسميع على الإمام على الصحيح، وقد سبق بحثه، لم يجب التحميد على الإمام؛ لأنه فرع عنه.
• الفرق بين تحميد الإمام وتحميد المأموم أن تحميد الإمام من أذكار الاعتدال، وتحميد المأموم من أذكار الرفع من الركوع.
[م-٦٣٩] اختلف العلماء في مشروعية التحميد للإمام:
فقيل: لا يشرع التحميد للإمام، وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من مذهب المالكية (١).
стр. 1924
قال مالك كما في المدونة: «وإذا قال (يعني الإمام): سمع الله لمن حمده فلا يقل هو: اللهم ربنا لك الحمد، ولكن يقول ذلك من خلفه» (١).
وقيل: يشرع له التحميد، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، واختاره عيسى بن دينار وابن نافع من المالكية، وحكي رواية شاذة عن مالك، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وبه قال صاحبا أبي حنفية: أبو يوسف ومحمد، والإمام ابن راهويه على خلاف في حكمه:
فقيل: سنة، وهو قول الشافعية، وصاحبي أبي حنيفة، وقال بمشروعيته بعض المالكية.
وقيل: واجب، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقيل: فرض، وبه قال ابن حزم، كالخلاف السابق في التسميع (٢).
قال ابن قدامة: «يشرع قول (ربنا ولك الحمد) في حق كل مُصَلٍّ، في المشهور عن أحمد، وهذا قول أكثر أهل العلم» (٣).
• دليل من قال: يشرع للإمام التحميد:
(ح-١٧٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال:
стр. 1925
أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد ....
هذا لفظ البخاري، ورواه مسلم بالإسناد نفسه إلا أنه أحال في لفظه على رواية ابن جريج، عن الزهري، ولفظه مطابق للفظ عقيل (١).
ورواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد، وكان النبي ﷺ إذا ركع، وإذا رفع رأسه يكبر، وإذا قام من السجدتين، قال: الله أكبر (٢).
الدليل الثاني:
(ح-١٧٣١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (٣).
الدليل الثالث:
(ح-١٧٣٢) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد ابن الحسن،
عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (٤).
стр. 1926
الدليل الرابع:
(ح-١٧٣٣) روى البخاري من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن نمر، سمع ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة ﵂، جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر، فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد .... الحديث (١).
الدليل الخامس:
(ح-١٧٣٤) روى البخاري عن معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه،
أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله - ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٢).
وله شاهد من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (٣).
وثانٍ: من حديث حذيفة في مسلم (٤).
وثالث: من حديث علي بن أبي طالب في مسلم (٥).
стр. 1927
ورابع: من حديث أبي سعيد الخدري في مسلم (١).
• وأجيب عن هذه الأحاديث:
بأن هذه الأحاديث محمولة على المنفرد توفيقًا بينها وبين الأحاديث الدالة على أن الإمام لا يأتي بالتحميد كما سيأتي في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
• ورد هذا بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
لا يوجد ما يعارض هذه الأحاديث حتى تحمل على المنفرد، وسكوت بعض الأحاديث عن تحميد الإمام لا يعد معارضًا.
الجواب الثاني:
بعض هذه الأحاديث صريح أن النبي ﷺ قال ذلك، وهو إمام، كما في حديث الكسوف، والقنوت.
الجواب الثالث:
الأحاديث التي لم يصرح فيه بأن النبي ﷺ كان إمامًا محمولة عليه.
إما لأن الأحاديث إنما تحمل على الغالب من فعل النبي ﷺ ، وليس على النادر، والغالب من صلاة النبي ﷺ كونه إمامًا، وما يصليه النبي ﷺ من النوافل فغالبه يكون في البيت، وقد قال النبي ﷺ : أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، متفق عليه (٢).
فحملُ الأحاديث على الظاهر خير من حَمْلِها على النادر، ولأن هذا الحكم لو كان خاصًّا بالمنفرد لبينه الراوي منعًا للبس.
стр. 1928
وإما لأن إطلاق الأحاديث يقتضيه، فالمطلق على إطلاقه، فيدخل الإمام كما يدخل المنفرد، فلما أطلق الراوي الأحاديث كان تخصيصها بالمنفرد تخصيصًا بلا مخصص ومخالفًا لإطلاق هذه الأحاديث، فيكون دخول الإمام لشمول اللفظ.
وعلى التنزل أن هذه الأحاديث نص في المنفرد، فيدخل الإمام بمقتضى القياس؛ لأن أحكامهما واحدة كما سأبينه في دليل مستقل إن شاء الله تعالى.
فكان دخول الإمام، إما لكون الأحاديث محمولة على الإمام، لكونه الغالب من فعل النبي ﷺ ، أو لشمول اللفظ، أو بمقتضى القياس.
قال ابن دقيق العيد تعليقًا على حديث ابن عمر: «فإن الظاهر أن ابن عمر إنما حكى وروى عن حالة الإمامة، فإنها الحالة الغالبة على النبي ﷺ في الفرائض، وغيرها نادر جدًّا فيها، وإن حمل اللفظ على العموم دخل فيه المنفرد والإمام» (١).
الدليل السادس:
(ح-١٧٣٥) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا عمرو ابن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة،
عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد.
ورواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب حدثنا، سعيد بن عثمان الخزاز به (٢).
[ضعيف جدًّا] (٣).
стр. 1929
الدليل السابع:
القياس على المنفرد، فإذا كان المنفرد يأتي بالتحميد على الصحيح فالإمام مثله؛ لأن أحكامهما واحدة، فالإمام منفرد في حق نفسه، ونية الإمامة ليست شرطًا لصحة إمامته، فلو صلى منفردًا ولم يَنْوِ الإمامة فائتم به جماعة صح الاقتداء على الصحيح، فكان ما يصدق على المنفرد يصدق على الإمام، بخلاف المأموم فلا بد من نية الائتمام.
قال الطحاوي: «قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك،، فأردنا أن ننظر في الإمام، هل حكمه حكم من يصلى وحده أم لا؟ فوجدنا الإمام يفعل في صلاته كلها من التكبير، والقراءة، والقيام، والقعود، والتشهد مثل ما يفعله من يصلي وحده، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه في صلاته كأحكامه من الأشياء التي توجب فسادها .... وكان الإمام ومن يصلي وحده في ذلك سواءً بخلاف المأموم فلما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها» (١).
• ويناقش:
لا تصح حكاية الإجماع في تحميد المنفرد، وكيف غفل الطحاوي عليه رحمة الله عن الرواية الأخرى عن أبي حنيفة والتي يرى فيها أن المنفرد لا يأتي بالتحميد.
الدليل الثامن:
أن التسميع حَثٌّ على التحميد، وتحريضٌ عليه، فلا ينبغي أن يأمر بالبر، وينسى نفسه حتى لا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
ولا حاجة في الحقيقة إلى استدعاء هذه الآية للاحتجاج بها في هذا الموضع، ولولا أن الكاساني من الحنفية استدل بها لم أذكرها؛ فالاستدلال بدليل في غير
стр. 1930
سياقه في شأن الصلاة التي تتكرر كل يوم، دليل على ضعف الاستدلال، وفي المسألة نصوص متفق على صحتها، ودلالتها صريحة، وهي نص في محل النزاع، تنقل لنا أن النبي ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد، وإذا فتح الاستدلال بهذه الآية فتح مجالًا للاعتراض على القول الذي لا ينبغي الخلاف فيه مع كثرة الأحاديث في الصحيحين، ولذلك اعترض بعضهم على هذا الاستدلال، فقال: إن الإمام إذا أتى بالتسميع فقد صار دالًّا على التحميد، والدال على الخير كفاعله، فلا حاجة إلى تحميد الإمام لفظًا، فانتقلنا من دلالة النص التي لا تحتمل إلا معنًى واحدًا، إلى استدعاء آية في غير ما سيقت له، وهذا إنما يلجأ له بعض الفقهاء إذا أعوزه الدليل في المسألة، أما مع هذه النصوص الكثيرة المتفق عليها فلا حاجة إلى هذا النوع من الاستدلال، والمصلي إذا ترك التسميع والتحميد فقد ترك سنة، فكيف يكون الترك منافيًا للعقل، والذي ختمت به الآية.
• دليل من قال: لا يشرع التحميد للإمام:
الدليل الأول:
(ح-١٧٣٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (١).
ورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢).
ورواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (٣).
ورواه مسلم من طريق شعبة، عن يعلى هو ابن عطاء، سمع أبا علقمة سمع