← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الدليل الرابع: (ح-١٧٣٣) روى البخاري من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن نمر، سمع ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر، فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد .... الحديث (١). الدليل الخامس: (ح-١٧٣٤) روى البخاري عن معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله - ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٢). وله شاهد من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (٣). وثانٍ: من حديث حذيفة في مسلم (٤). وثالث: من حديث علي بن أبي طالب في مسلم (٥).

стр. 1927

ورابع: من حديث أبي سعيد الخدري في مسلم (١). • وأجيب عن هذه الأحاديث: بأن هذه الأحاديث محمولة على المنفرد توفيقًا بينها وبين الأحاديث الدالة على أن الإمام لا يأتي بالتحميد كما سيأتي في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. • ورد هذا بأكثر من جواب: الجواب الأول: لا يوجد ما يعارض هذه الأحاديث حتى تحمل على المنفرد، وسكوت بعض الأحاديث عن تحميد الإمام لا يعد معارضًا. الجواب الثاني: بعض هذه الأحاديث صريح أن النبي ﷺ قال ذلك، وهو إمام، كما في حديث الكسوف، والقنوت. الجواب الثالث: الأحاديث التي لم يصرح فيه بأن النبي ﷺ كان إمامًا محمولة عليه. إما لأن الأحاديث إنما تحمل على الغالب من فعل النبي ﷺ ، وليس على النادر، والغالب من صلاة النبي ﷺ كونه إمامًا، وما يصليه النبي ﷺ من النوافل فغالبه يكون في البيت، وقد قال النبي ﷺ : أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، متفق عليه (٢). فحملُ الأحاديث على الظاهر خير من حَمْلِها على النادر، ولأن هذا الحكم لو كان خاصًّا بالمنفرد لبينه الراوي منعًا للبس.

стр. 1928

وإما لأن إطلاق الأحاديث يقتضيه، فالمطلق على إطلاقه، فيدخل الإمام كما يدخل المنفرد، فلما أطلق الراوي الأحاديث كان تخصيصها بالمنفرد تخصيصًا بلا مخصص ومخالفًا لإطلاق هذه الأحاديث، فيكون دخول الإمام لشمول اللفظ. وعلى التنزل أن هذه الأحاديث نص في المنفرد، فيدخل الإمام بمقتضى القياس؛ لأن أحكامهما واحدة كما سأبينه في دليل مستقل إن شاء الله تعالى. فكان دخول الإمام، إما لكون الأحاديث محمولة على الإمام، لكونه الغالب من فعل النبي ﷺ ، أو لشمول اللفظ، أو بمقتضى القياس. قال ابن دقيق العيد تعليقًا على حديث ابن عمر: «فإن الظاهر أن ابن عمر إنما حكى وروى عن حالة الإمامة، فإنها الحالة الغالبة على النبي ﷺ في الفرائض، وغيرها نادر جدًّا فيها، وإن حمل اللفظ على العموم دخل فيه المنفرد والإمام» (١). الدليل السادس: (ح-١٧٣٥) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا عمرو ابن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد. ورواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب حدثنا، سعيد بن عثمان الخزاز به (٢). [ضعيف جدًّا] (٣).

стр. 1929

الدليل السابع: القياس على المنفرد، فإذا كان المنفرد يأتي بالتحميد على الصحيح فالإمام مثله؛ لأن أحكامهما واحدة، فالإمام منفرد في حق نفسه، ونية الإمامة ليست شرطًا لصحة إمامته، فلو صلى منفردًا ولم يَنْوِ الإمامة فائتم به جماعة صح الاقتداء على الصحيح، فكان ما يصدق على المنفرد يصدق على الإمام، بخلاف المأموم فلا بد من نية الائتمام. قال الطحاوي: «قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك،، فأردنا أن ننظر في الإمام، هل حكمه حكم من يصلى وحده أم لا؟ فوجدنا الإمام يفعل في صلاته كلها من التكبير، والقراءة، والقيام، والقعود، والتشهد مثل ما يفعله من يصلي وحده، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه في صلاته كأحكامه من الأشياء التي توجب فسادها .... وكان الإمام ومن يصلي وحده في ذلك سواءً بخلاف المأموم فلما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها» (١). • ويناقش: لا تصح حكاية الإجماع في تحميد المنفرد، وكيف غفل الطحاوي عليه رحمة الله عن الرواية الأخرى عن أبي حنيفة والتي يرى فيها أن المنفرد لا يأتي بالتحميد. الدليل الثامن: أن التسميع حَثٌّ على التحميد، وتحريضٌ عليه، فلا ينبغي أن يأمر بالبر، وينسى نفسه حتى لا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. ولا حاجة في الحقيقة إلى استدعاء هذه الآية للاحتجاج بها في هذا الموضع، ولولا أن الكاساني من الحنفية استدل بها لم أذكرها؛ فالاستدلال بدليل في غير

стр. 1930

سياقه في شأن الصلاة التي تتكرر كل يوم، دليل على ضعف الاستدلال، وفي المسألة نصوص متفق على صحتها، ودلالتها صريحة، وهي نص في محل النزاع، تنقل لنا أن النبي ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد، وإذا فتح الاستدلال بهذه الآية فتح مجالًا للاعتراض على القول الذي لا ينبغي الخلاف فيه مع كثرة الأحاديث في الصحيحين، ولذلك اعترض بعضهم على هذا الاستدلال، فقال: إن الإمام إذا أتى بالتسميع فقد صار دالًّا على التحميد، والدال على الخير كفاعله، فلا حاجة إلى تحميد الإمام لفظًا، فانتقلنا من دلالة النص التي لا تحتمل إلا معنًى واحدًا، إلى استدعاء آية في غير ما سيقت له، وهذا إنما يلجأ له بعض الفقهاء إذا أعوزه الدليل في المسألة، أما مع هذه النصوص الكثيرة المتفق عليها فلا حاجة إلى هذا النوع من الاستدلال، والمصلي إذا ترك التسميع والتحميد فقد ترك سنة، فكيف يكون الترك منافيًا للعقل، والذي ختمت به الآية. • دليل من قال: لا يشرع التحميد للإمام: الدليل الأول: (ح-١٧٣٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (١). ورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢). ورواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (٣). ورواه مسلم من طريق شعبة، عن يعلى هو ابن عطاء، سمع أبا علقمة سمع

стр. 1931

أبا هريرة بنحوه (١). ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس مولى أبي هريرة، حدثه، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ بمثله (٢). وفي الباب حديث أنس في الصحيحين (٣). وحديث أبي موسى الأشعري في مسلم (٤). وجه الاستدلال: أن الحديث أفرد الإمام بالتسميع، وأفرد المأموم بالتحميد على وجه المقابلة، وإذا كان المأموم لا يشرع له التسميع على الصحيح، لم يشرع التحميد للإمام (٥). ولأن هذه الأحاديث أحاديث قولية، والقول مقدم على الفعل. • ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: بأن الاستدلال بحديث: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) من الاستدلال بالمفهوم؛ لأنه جعل حكم المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به، ويسميه بعضهم دليل الخطاب، وعلماء الأصول متفقون على أن المفهوم ليس بحجة إذا عارض المنطوق، فالمنطوق مقدم عليه، وقد ثبت المنطوق

стр. 1932

بأدلة صحيحة صريحة بأسانيد كالشمس، منها حديث ابن عمر في الصحيحين، وحديث أبي هريرة فيهما، وحديث حذيفة، وابن أبي أوفى وعلي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري وكلها في مسلم، فلا يترك منطوق هذه الأحاديث الصريحة، ودلالتها نصية لمفهوم المخالفة في بعض الأحاديث. فالاحتجاج بالمفهوم مختلف فيه من حيث الأصل، والمنطوق أقوى من المفهوم بالاتفاق فتقديم المفهوم إهدار لمنطوق هذه الأحاديث بلا مسوغ. يقول ابن رشد الحفيد: «والحق في ذلك أن حديث أنس يقتضي بدليل الخطاب أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. وحديث ابن عمر يقتضي نصًّا أن الإمام يقول ربنا ولك الحمد، فلا يجب أن يترك النص بدليل الخطاب فإن النص أقوى من دليل الخطاب» (١). الوجه الثاني: حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) ليس لبيان القسمة بين قول الإمام وقول المأموم، وإنما سيق لبيان وقت تحميد المأموم وأن قول المأموم (ربنا لك الحمد) يكون عقب قول الإمام: (سمع الله لمن حمده) وسكت الحديث عن تحميد الإمام، والسكوت عن تحميد الإمام لا ينفيه، كما أن حديث: (إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين)، لم يمنع من تأمين الإمام بأدلة أخرى (إذا أمن الإمام فأمنوا)، فكذلك تحميد الإمام. يقول القاضي عياض عن التعلق بهذا الاستدلال: «وفى هذا التعلق نظر؛ لأن القصد بالحديث تعليم المأموم ما يقول، ومجمل قوله له، ولا يعتمد على إسقاط ذكر ما يقول الإمام بذلك، لأنه ليس هو الغرض بالحديث، وعلى هذه الطريقة جرى الأمر في اختلاف قول مالك في الإمام، هل يقول: (آمين) في صلاة الجهر؟ فقال في أحد قوليه: لا يقولها ... (٢). الدليل الثاني: يقول الكاساني: «أن الذكر يقارن الانتقال، فإذا قال الإمام مقارنًا للانتقال:

стр. 1933

سمع الله لمن حمده يقول المقتدي مقارنًا له: ربنا لك الحمد، فلو قال الإمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي، فينقلب المتبوع تابعًا والتابع متبوعًا، ومراعاة التبعية في جميع أجزاء الصلاة واجبة بقدر الإمكان» (١). ولو كان الإمام يجمع الأمرين لقال ﵇: إذا قال الإمام: ربنا ولك الحمد، فقولوا: ربنا ولك الحمد، حتى يكون ابتداء قولهم بعد انتهاء قوله، كما قال: وإذا كبر فكبروا، ولم يكن للفرق بينهما معنى. • وأجيب: أن القول بأن الإمام إذا شرع له التحميد وقع تحميده بعد المأموم، وهذا مخالف لسنة الإمامة، فيقال: هذا نظر في مقابل النص، والنص مقدم، مع أنه لا يلزم تقدم المأموم على الإمام، لأن ذكر الرفع من الركوع في حق الإمام (سمع الله لمن حمده)، وذكر الرفع في حق المأموم: (ربنا ولك الحمد)، والمأموم يشرع بالرفع بعد فراغ الإمام منه، فيتفق الإمام والمأموم في وقت التحميد، إلا أن الإمام يذكر التحميد من أذكار الاعتدال، والمأموم من أذكار الرفع، واتفاقهما معًا في وقت التحميد لا يخالف سنة الصلاة كما يتفقان في التأمين. ولو فرض اختلافهما فلا إشكال أيضًا؛ لأن السنة في التحميد الإسرار، فلا يجهر به أحد منهما، فلا يظهر أثر للمخالفة، وإنما يكره تقدم المأموم على الإمام فيما يجهر به كل منهما، ولذلك في الصلاة السرية قد يفرغ المأموم قبل الإمام من قراءة الفاتحة، ويؤمن قبله، ولا أثر لهذا السبق. الدليل الثالث: استدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ... ) (٢). قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء. وهذا من غريب الاستدلال، فإنه فرع على هذا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، فخالفوا الحديث.

стр. 1934

الدليل الرابع: قالوا: بأن قول الإمام سمع الله لمن حمده دعاء، وقول المأموم ربنا ولك الحمد تأمين وقد بَيَّنَّا أن من سبيل الدعاء أن يَدْعُوَ واحد، ويؤمن غيره (١). • ويجاب بجوابين: الجواب الأول: أن هذا من قياس الشبه وهو من أضعف أنواع القياس، لا يحتج به جمهور الأصوليين، فكيف يكون حجة إذا كان مصادمًا للنص، والقول بأن التسميع دعاء قد قيل به، وقد قيل إن المعنى حث المأموم على التحميد. وعلى التسليم بأنه دعاء، فليس تحميد المأموم من قبيل التأمين، وإنما هو من قبيل الامتثال، لأن التأمين دعاء بصيغة خاصة، وهو قول: (آمين)، فكل تأمين دعاء، وليس كل دعاء تأمينًا. ومن الدعاء ما لا يشرع له تأمين عقبه، كالصلاة على النبي ﷺ ، فإذا سمع الرجل أحدًا يصلي على النبي ﷺ ، وهي جملة دعائية استحب للسامع أن يصلي على النبي ﷺ ، وليس بالتأمين، فكذلك هنا، فكان التحميد امتثالًا لقول الإمام: سمع الله لمن حمده. وعلى التنزل بأنه بمنزلة التأمين فإنه لا يمنع الداعي من التأمين خاصة إذا جاء النص بذلك كما يشرع للإمام التأمين على دعاء الفاتحة قال ﷺ : إذا أمن الإمام فأمنوا. الجواب الثاني: أن بعض العلماء يرى أن قوله (سمع الله لمن حمده) إخبار عن إجابة الدعاء، وقول: (ربنا لك الحمد) شكر لله على قبول الدعاء فلا يشرع للمأموم أن يجمع بينهما. هذا ما يتعلق بمشروعية التحميد وأما اختلاف القائلين بالمشروعية بين القول بالسنية وهو قول الجمهور وبين القول بالوجوب، وهو مذهب الحنابلة، أو الركنية، وهو قول ابن حزم، فقد ذكرت

стр. 1935

أدلتهم في الخلاف في حكم التسميع فالأدلة واحدة، ومحلهما واحد، وهما من أذكار الانتقال، فإذا كان التسميع قد تبين لنا أنه لا يجب على الإمام فالتحميد من باب أولى لا يجب على المأموم؛ لأنه فرع عنه. وأما القول بأنه وجب على المأموم للأمر به؛ لقوله في الحديث: (إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا وجب على المأموم وجب على الإمام من باب أولى. • فالجواب: أن التحميد لا يجب على المأموم حتى يصح القياس عليه، والأمر في الحديث سيق لبيان وقت تحميد المأموم، ومتى يشرع له التحميد، ولو كان الأمر سيق لوجوب التحميد نفسه لجاء الأمر به على وجه الاستقلال، وهذا الحديث يشبه حديث (إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) فالتأمين ليس واجبًّا مع الأمر به، فكذلك التحميد، والأصل أن يقاس المأموم على الإمام، وليس العكس، فإذا كان التسميع لا يجب على الإمام كما بينت في مسألة سابقة، فالتحميد فرع عنه، لا يجب على المأموم، لأنهما ذكران محلهما واحد، شرعا للانتقال من ركن إلى آخر. وإذا كان التكبير للانتقال للركوع ليس بواجب على الصحيح، فكذلك التسميع والتحميد، لكون التسميع والتحميد بدلًا عن التكبير في غير الرفع من الركوع. انظر الخلاف في حكم التكبير للركوع في مسألة مستقلة، والله أعلم. * * *

стр. 1936

المبحث الرابع حكم التسميع والتحميد للمأموم المدخل إلى المسألة: • لا يختلف العلماء في مشروعية التسميع للإمام والتحميد للمأموم. • قال ﷺ : إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، دل الحديث بالمنطوق أن تحميد المأموم عقب تسميع الإمام مباشرة بلا فاصل، وَدَلَّ بالالتزام أن التسميع لا يشرع في حق المأموم. • قول الإمام: سمع الله لمن حمده إخبار عن إجابة الدعاء في أحد القولين، وقول الإمام والمأموم: ربنا ولك الحمد عقبه شكر لله على ذلك، وإخبار المأموم بالتسميع بعد إخبار الإمام لا معنى له. • ذكر الرفع من الركوع في حق الإمام سمع الله لمن حمده، وفي حق المأموم ربنا ولك الحمد، والانتقال من ركن إلى آخر إنما يُسَنُّ له ذكرٌ واحدٌ لا ذكران كسائر أذكار الانتقال. • عَلَّمَ النبي ﷺ الأعرابي الصلاة، ولم يعلمه تكبيرات الانتقال، ولا التسميع والتحميد، ولو كان واجبًا لعلمه إياه. • إذا لم يجب التسميع على الإمام على الصحيح، وقد سبق بحثه، لم يجب التحميد على المأموم؛ لأنه فرع عنه. [م-٦٤٠] لم أقف على خلاف للعلماء في أن المأموم يشرع له التحميد، على خلاف بينهم في حكمه، فقيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: فرض. على الخلاف في حكم التسميع والتحميد وتكبيرات الانتقال وقد سبق تحرير الخلاف فيها، والأدلة واحدة، والراجح أن التحميد سنة.

стр. 1937

[م-٦٤١] واختلفوا في حكم التسميع للمأموم: فقيل: لا يشرع التسميع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، على خلاف بينهم في حكمه: فقال الحنفية: لا يجوز. وقال بعض المالكية: يكره (١). قال في الفروع: «المأموم يحمد فقط (وهـ م)» (٢): أي وفاقًا لأبي حنيفة ومالك. وقيل: يشرع له التسميع: وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ورجحه من المالكية عيسى بن دينار، وابن نافع، وبه قال عطاء وابن سيرين، وأبو بردة ابن أبي موسى الأشعري، وإسحاق (٣)، على خلاف بينهم في حكمه:

стр. 1938

فقيل: سنة، وهو مذهب الشافعية. وقيل: واجب، كما في قول إسحاق. وقيل: فرض، كما في قول ابن حزم، على الخلاف في حكم التسميع والتحميد وتكبيرات الانتقال وقد سبق تحرير الخلاف فيها. قال ابن قدامة: «لا أعلم في المذهب خلافًا أنه لا يشرع للمأموم قول: (سمع الله لمن حمده) ... وقال ابن سيرين، وأبو بردة، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وإسحاق: يقول ذلك كالإمام» (١). وقال مالك: في مختصر ما ليس في المختصر: «للمأموم أن يجمع بينهما»، نقل ذلك ابن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام (٢). وجاء في المحلى: «وقول (سمع الله لمن حمده) عند القيام من الركوع فرض على كل مُصَلٍّ، من إمامٍ، أو منفردٍ، أو مأموم، لا تجزئ الصلاة إلا به» (٣). على ما سبق تحريره في حكم التسميع، والله أعلم. • دليل من قال: لا يشرع له التسميع: الدليل الأول: (ح-١٧٣٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك

стр. 1939

الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (١). ورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢). ورواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (٣). ورواه مسلم من طريق شعبة، عن يعلى هو ابن عطاء، سمع أبا علقمة سمع أبا هريرة بنحوه (٤). ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس مولى أبي هريرة، حدثه، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ بمثله (٥). وفي الباب حديث أنس في الصحيحين (٦). وحديث أبي موسى الأشعري في مسلم (٧). • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث ليس فيه حصرٌ، وغايةُ ما في الحديث السكوتُ عن إتيان المأموم بالتسميع، والإمام بالتحميد، فإذا كان لا ينفي تحميد الإمام، فلا ينفي تسميع المأموم.

стр. 1940

الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يعلمهم التسميع لعلمهم به فكان النبي ﷺ يجهر به، وكان الصحابة يتابعونه فلم يحتج إلى التنبيه عليه بخلاف (ربنا ولك الحمد) فإن النبي ﷺ لم يكن يجهر به، فاقتصر إخبارهم بما يتوقع أنهم كانوا يجهلونه لهذا أعلمهم به، فيكون معنى الحديث: فقولوا: ربنا ولك الحمد: أي مع ما قد علمتموه من قول: سمع الله لمن حمده (١). • ورد هذا النقاش: بأن الفاء في قوله: (إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) تأتي في اللغة للترتيب والتعقيب، كما في قوله: (إذا كبر فكبروا) فكان مقتضى الحديث أن المأموم يقول: (ربنا ولك الحمد) عقب قول الإمام (سمع الله لمن حمده) بلا فصل، فيفهم منه أن المؤتم لا يقول إلا ذلك، بخلاف الإمام فإنه ليس في الحديث ما يمنع مشروعية التحميد له بدليل آخر، والله أعلم. • دليل من قال: يجمع المأموم بين التسميع والتحميد: (ح-١٧٣٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد .... ورواه مسلم (٢). وفي الباب حديث ابن عمر في البخاري (٣). وحديث عائشة فيه أيضًا (٤)، وحديث حذيفة في مسلم (٥)، وحديث ابن أبي

стр. 1941

أوفى في مسلم (١)، وحديث علي بن أبي طالب في مسلم (٢)، وحديث أبي سعيد الخدري في مسلم (٣). وإذا ثبت بهذه الأحاديث أن النبي ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد، (ح-١٧٣٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال: حدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (٤). ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا فيجمع بين التسميع والتحميد، ولئن كان المخاطب بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) هو مالك بن الحويرث ورفقته في أصل التشريع، فإن الأمة تدخل معه تبعًا باعتبار عموم أحكام الشريعة، والأمر لهم بالصلاة كما كان النبي ﷺ يصلي مطلق، يشمل الإمام، والمأموم والمنفرد، فلزم من الخطاب أن المصلي يجمع بين التسميع والتحميد.

стр. 1942

• ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا العموم أو الإطلاق الذي في حديث مالك بن الحويرث مخصوص ومقيد بالأحاديث الأخرى التي رواها أبو هريرة وأنس وأبو موسى، وغيرهم وقد ذكرتها في أدلة القول الأول، والتي تقول: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)، والخاص مقدم على العام؛ لأن العام دلالته على مسألة النزاع ظنية، والأحاديث الخاصة في موضع النزاع دلالتها على مسألة الخلاف قطعية، فلا يقدم العام على الخاص باتفاق جمهور أهل الأصول. الوجه الثاني: أن أذكار الصلاة التي كان النبي ﷺ لا يجهر بها من التسبيح، والتحميد، والتشهد، لن يدركها مالك بن الحويرث ورفقته بمجرد الرؤية البصرية لأفعال صلاة النبي ﷺ ، فإما أن يكون مالك ورفقته لا يفعلونها، ويكتفون بالأفعال فقط التي وقع عليها بصرهم، ولا أظن ذلك، لأن ذلك نقص في صلاتهم، وصلاة من وراءهم ممن يتعلم منهم. وإما أن يكونوا قد تعلموها عن طريق التفقه خارج الصلاة مدة إقامتهم والتي بلغت عشرين يومًا؛ وهذا هو الراجح، لأنه لا سبيل إلى الوقوف عليها من الرؤية البصرية لصلاة النبي ﷺ ؛ لكونه لا يجهر بها، كما أخذ الصحابة قراءة النبي ﷺ في الصلاة السرية من اضطراب لحيته ﵊، فكذلك يقال: من جملة ما تعلموه خارج الصلاة: أن التسميع من الأحكام الخاصة بالإمام والمنفرد، وأن التحميد من الأفعال المشروعة للجميع، فيكون معنى قوله: (كما رأيتموني) رؤية بصرية فيما يدرك بالرؤية، ورؤية علمية فيما لم يدرك بالرؤية البصرية مما علموه من صلاة النبي ﷺ مدة إقامتهم. الدليل الثاني: (ح-١٧٤٠) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا

стр. 1943

عمرو بن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد. ورواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب حدثنا، سعيد بن عثمان الخزاز به (١). [ضعيف جدًّا، قال الذهبي في التنقيح: رواه الدارقطني بسند ساقط] (٢). وجه الاستدلال: هذا الأمر مطلق، يشمل جميع أحوال الصلاة، ومنه حالة الاقتداء. الدليل الثالث: (ح-١٧٤١) ما رواه الدارقطني في سننه من طريق أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو، حدثنا يحيى بن عمرو بن عمارة بن راشد أبو الخطاب، قال: سمعت عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان، يقول: حدثني عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فليقل من وراءه: سمع الله لمن حمده (٣). [اضطرب فيه ابن ثوبان، وهو صدوق يخطئ]. فقد رواه الدارقطني من طريق يزيد بن محمد بن عبد الصمد، حدثنا يحيى بن عمرو بن عمارة به، بلفظ: أن النبي ﷺ قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فليقل من وراءه: اللهم ربنا ولك الحمد. قال الدارقطني: هذا هو المحفوظ بهذا الإسناد (٤). (ح-١٧٤٢) وقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،

стр. 1944

عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسًا أجمعون (١). هذا هو المحفوظ من حديث الأعرج، عن أبي هريرة، لا ما رواه ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، واضطرب فيه، والله أعلم. • الراجح: أن السنة في حق المأموم التحميد، ولا يشرع له التسميع، والله أعلم. * * *

стр. 1945

المبحث الخامس حكم التسميع والتحميد للمنفرد المدخل إلى المسألة: • كل حديث صح في حق الإمام أنه يجمع بين التسميع والتحميد فهو صالح للاحتجاج به في حق المنفرد. • الإمام منفرد في حق نفسه. • أحكام الإمام وأحكام المنفرد واحدة، ونية الإمامة ليست شرطًا في صحة إمامته. • قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. [م-٦٤٢] اختلفوا في المنفرد: فقيل: المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد، وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورواية الحسن عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو الأصح في المذهب (١).

стр. 1946

قال ابن عابدين: المعتمد «أن المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد ... ». وقيل: المنفرد يكتفي بالتحميد فقط، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، ورجحه السرخسي وغيره من المشايخ، وهو رواية عن أحمد (١). وقيل: المنفرد يأتي بالتسميع فقط، وهو رواية المعلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنفية، ورواية عن أحمد (٢). دليل من قال: يجمع بين التسميع والتحميد: الدليل الأول: كل حديث صح في الإمام أنه يجمع بين التسميع والتحميد فهو صالح للاحتجاج به في حق المنفرد؛ لأن الإمام منفرد في حق نفسه، وأحكام الإمام وأحكام المنفرد واحدة، ونية الإمامة ليست شرطًا في صحة إمامته، والمنفرد يجب عليه أن يتأسى بفعل الرسول ﷺ . (ح-١٧٤٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد .... (٣). وفي الباب حديث ابن عمر في البخاري (٤). وحديث عائشة، في البخاري (٥).

стр. 1947

وحديث ابن أبي أوفى في مسلم (١). وحديث حذيفة في مسلم (٢). وحديث علي بن أبي طالب في مسلم (٣). وحديث أبي سعيد الخدري في مسلم (٤). والظاهر من إطلاق هذه الأحاديث عموم أحوال صلاة النبي ﷺ جماعة ومنفردًا، ولوكان هذا خاصًّا بالإمامة لجاء التنبيه عليه من الرواة. وقد احتج الطحاوي على مشروعية التحميد للإمام بقياسه على المنفرد. قال الطحاوي: «لما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها» (٥). الدليل الثاني: حكى بعض العلماء الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما. قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، أو ولك الحمد» (٦). وقال الطحاوي: «قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك» (٧). يعني الجمع بين التسميع والتحميد. وقال العيني في شرح سنن أبي داود: «وأما المنفرد فيجمع بينهما بلا خلاف» (٨).

стр. 1948

ولا يثبت الإجماع لوجود الخلاف فيه كما هو واضح من عرض الأقوال، ولذلك عبارة العيني في شرح البخاري وفي البناية شرح الهداية أشار إلى الخلاف بقوله: والمنفرد يجمع بينهما في الأصح (١). وهي أدق من عبارته في شرح سنن أبي داود السابقة وقال مثله القسطلاني في إرشاد الساري (٢). ومحمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي في شرح مسلم (٣). • دليل من قال: المنفرد يكتفي بالتحميد: أن قوله: (سمع الله لمن حمده) يراد منها حث المصلين على التحميد، والمنفرد ليس معه غيره ليحثهم عليه، فكانت حاجته إلى التحميد فقط. • ويجاب: بأن جملة (سمع الله لمن حمده) مختلف في تأويلها على قولين: أيراد منها الدعاء أم الخبر؟ وعلى الأول لا يمنع المنفرد من أن يتقدم التحميد الدعاء له بالقبول والإجابة. وعلى التأويل الثاني وأن المراد منه الخبر والحث على التحميد، فلا يمتنع أن يحث المصلي نفسه على ذلك، ولا يستبعد أن تكون ألفاظ العبادة يغلب عليها التوقيف على مراعاة المعنى، ولذلك يقول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ... بكاف المخاطب، مع أن النبي ﷺ ليس شاهدًا لصلاته، ولا سامعًا لسلامه، ويسلم المنفرد، وليس خلفه من يسلم عليهم، ويشرع الرمل في طواف القدوم وليس ثمت مشركون في مكة، ويؤذن المنفرد ويقيم ولولا ينتظر أحدًا يصلي معه، والله أعلم. • دليل من قال: يكتفي بالتسميع: (ح-١٧٤٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزناد، عن الأعرج،

стр. 1949

عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (١). وجه الاستدلال: إذا كان الإمام يقتصر على قول سمع الله لمن حمده، والمأموم على قول: ربنا لك الحمد، فالمنفرد إمام نفسه؛ ويشرع له ما يشرع للإمام، لأن أحكام صلاتهما واحدة، فلا يشرع له التحميد، والله أعلم. • ويناقش: سبق الخلاف في المشروع للإمام، ورجحت أنه يجمع بين التسميع والتحميد، وناقشت دلالة هذا الحديث، فانظر في الخلاف في تحميد الإمام، والله أعلم. • الراجح: أن المنفرد يشرع في حقه التسميع والتحميد، والله أعلم. * * *

стр. 1950

الفصل الثالث في رفع اليدين للرفع من الركوع المبحث الأول في مشروعية الرفع المدخل إلى المسألة: • رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه. • لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك. • لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع. • يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم. [م-٦٤٣] اختلف في مشروعية رفع اليدين مع الرفع من الركوع: فقيل: لا يرفع يديه، وهو مذهب الحنفية، ورواية ابن القاسم عن الإمام مالك، وهي أشهر الروايات عنه، وبه قال الثوري، والحسن بن حَيٍّ (١).

стр. 1951

جاء في المدونة: «وقال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض، ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئًا خفيفًا ... قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيفًا إلا في تكبيرة الإحرام» (١). وقيل: يرفع يديه عند الرفع من الركوع، وهو رواية ابن عبد الحكم عن مالك، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). جاء في البيان والتحصيل: «قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته، فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه حذو منكبيه» (٣). وقال في التلقين: وعنه -أي عن مالك- في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان» (٤). وقد ذكرت أدلة المسألة عند الكلام على رفع اليدين مع تكبيرة الركوع، فارجع إليه، فقد جمعت الخلاف في رفع اليدين في مواضع الصلاة، وذكرت أدلة كل قول، وما يرد عليها من مناقشة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما اقتضى التذكير في المسألة بخصوصها عند موضعها، والحمد لله. * * *

стр. 1952

المبحث الثاني في صفة رفع اليدين المدخل إلى المسألة: • الرفع إلى المنكبين مما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره. • رجح البخاري رواية الرفع إلى المنكبين؛ لأنه لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، واختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، أهو إلى الأذنين، أم هو إلى فروع الأذنين، أم هو قريب من الأذنين. • رواية الرفع إلى المنكبين هو قول أكثر السلف، قاله ابن رجب. • السنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي ﷺ من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي ﷺ ، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته. [م-٦٤٤] اختلف العلماء القائلون بمشروعية رفع اليدين للرفع من الركوع في صفة الرفع: فقيل: يرفع يديه مع ابتداء رفع رأسه قبل أن يَسْتَتِبَّ قائمًا. وهو مذهب الشافعية والحنابلة، زاد الشافعية: ويكون انتهاؤه مع انتهاء رفعه (١).

стр. 1953

ومعلوم أنه يشرع له مع ابتداء رفع رأسه أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ويقول المأموم: ربنا لك الحمد، فيكون الرفع على هذا مقارنًا لرفع الرأس من الركوع، وفي الوقت نفسه مصاحبًا للذكر الخاص بالرفع. وقال القاضي ابن كج من الشافعية: يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين (١). • واستدل من قال: يرفع يديه مقارنًا للرفع والذكر: (ح-١٧٤٥) ما رواه البخاري، حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله (يعني ابن المبارك)، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (٢). فجعل الرفع من اليدين وقول سمع الله لمن حمده إذا رفع رأسه للركوع، وإذا كان وقت التسميع بالاتفاق حين يرفع رأسه، فكذلك رفع اليدين. ورواه النسائي أخبرنا سويد بن نصر، قال: أنبأ عبد الله بن المبارك به، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، قال: وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (٣). وسويد بن نصر راوية ابن المبارك، وإن لم يخرجا عنه في الصحيح. وتابعه عبدان وعلي بن إبراهيم البناني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٤). ورواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،

стр. 1954

أن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر، ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله ﷺ (١). وجه الاستدلال: قوله: (إذا ركع رفع يديه وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه)، فإذا كان قوله: (إذا ركع رفع يديه) لا يحمل على معنى: إذا فرغ من الركوع رفع يديه بالاتفاق، فكذلك قوله: (إذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه) لا يراد منه: إذا فرغ من التسميع، كما في الحديث المتفق عليه: (إذا أمن الإمام فأمنوا) فإذا هنا تفيد المعية أي مع تأمين الإمام، فكذلك يحمل قوله: (إذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه) أي مع الركوع والتسميع، لا قبلُ، ولا بعدُ. ومثله قوله: (إذا دخل في الصلاة كبر) لا يريد أن المعنى إذا فرغ من الدخول في الصلاة كبَّر، بل يريد اقتران الدخول بالتكبير، فكذلك يقال: اقتران الرفع بالتسميع. وقيل: يرفع يديه بعد اعتداله، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وعلى هذا القول يكون الرفع بعد فراغ الإمام من قول: سمع الله لمن حمده، وبعد فراغ المأموم من قول: ربنا ولك الحمد. • واستدلوا على ذلك: الدليل الأول: (ح-١٧٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع -وقال سفيان: مرة، وإذا رفع رأسه- وأكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين (٣).

стр. 1955

[رواه سفيان بلفظ: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) على اختلاف عليه، ورواه غيره بلفظ: (وإذا رفع رأسه من الركوع)، وهو المحفوظ] (١).

стр. 1956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1957

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1959

وجه الاستدلال: قوله: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) صريح أن رفع اليدين بعد رفع الرأس، لا قبله، ولا معه. • وأجيب: بأن المحفوظ من الحديث: (وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما)، كما كشف ذلك تخريج الحديث، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١٧٤٧) ما رواه أبو داود، حدثنا الإمام أحمد، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم

стр. 1960

يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا .... (١). [اضطرب عبد الحميد بن جعفر في موضع رفع اليدين بعد الركوع، فتارة يرويه بلفظ: (يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه) وتارة يرويه بلفظ: (يقول: سمع الله لمن حمده ورفع يديه، بالواو] (٢).

стр. 1961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1962

الدليل الثالث: (ح-١٧٤٨) رواه ابن ماجه حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا فليح بن سليمان قال: حدثنا عباس بن سهل الساعدي، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قام، فكبر، ورفع يديه، ثم رفع حين كبر للركوع، ثم قام فرفع يديه، واستوى حتى رجع كل عظم إلى موضعه .... الحديث (١). [اختلف على فليح بن سليمان في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم ذكر موضع رفع اليدين في الرفع من الركوع] (٢).

стр. 1963

وجه الاستدلال: قوله: (قام فرفع يديه واستوى) فذكر القيام أولًا، وجاء بعده رفع اليدين بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، وأما الاستواء فذكر مع رفع اليدين بالواو الدالة على الاشتراك بلا ترتيب بين الاستواء ورفع اليدين. • ويجاب: بأن الحديث قد اختلف في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم الرفع، وفي إسناده فليح صدوق كثير الخطأ، فلا يمكن به إثبات صفة في الرفع معارضة لحديث ابن عمر في الصحيحين، والله أعلم. وقيل: يرفع المأموم يديه مع رفع رأسه رواية واحدة؛ وكذا المنفرد إن قلنا: لا يشرع له التحميد، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). قال ابن قدامة: ولا تختلف الرواية في أن المأموم يبتدئ الرفع عند رفع رأسه؛

стр. 1964

لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال، والرفع إنما جعل هيئة للذكر، بخلاف الإمام. يعني أن له ذكرًاًحال قيامه وذكرًا وهو قائم. • الراجح: أن المشروع في رفع اليدين أن يكون مع التسميع إن كان المصلي إمامًا أو فَذًّا، ومع التحميد إن كان المصلي مأمومًا، والله أعلم. * * *

стр. 1965

المبحث الثالث في منتهى رفع اليدين المدخل إلى المسألة: • الرفع إلى المنكبين مما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره. • رجح البخاري رواية الرفع إلى المنكبين؛ لأنه لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، واختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، أهو إلى الأذنين، أم هو إلى فروع الأذنين، أم هو قريب من الأذنين. • رواية الرفع إلى المنكبين هو قول أكثر السلف، قاله ابن رجب. • السنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي ﷺ من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي ﷺ ، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته. [م-٦٤٥] اختلف القائلون بمشروعية رفع اليدين في الرفع من الركوع في منتهى الرفع. فقيل: يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث لا يجاوز بأصابعه منكبيه، وهذا مذهب أكثر أهل العلم. وقيل: يرفع يديه إلى أن تحاذي رؤوس أصابعه أذنيه، والمراد من الأذن هو شحمتها وأسفلها، لا أعلاها حتى لا يكون تكرارًا مع القول التالي. وقيل: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، وبهذا جمع الشافعي رحمه
следующие страницы →