الدليل الثالث:
(ح-١٧٤٨) رواه ابن ماجه حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا فليح بن سليمان قال: حدثنا عباس بن سهل الساعدي، قال:
اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قام، فكبر، ورفع يديه، ثم رفع حين كبر للركوع، ثم قام فرفع يديه، واستوى حتى رجع كل عظم إلى موضعه .... الحديث (١).
[اختلف على فليح بن سليمان في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم ذكر موضع رفع اليدين في الرفع من الركوع] (٢).
стр. 1963
وجه الاستدلال:
قوله: (قام فرفع يديه واستوى) فذكر القيام أولًا، وجاء بعده رفع اليدين بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، وأما الاستواء فذكر مع رفع اليدين بالواو الدالة على الاشتراك بلا ترتيب بين الاستواء ورفع اليدين.
• ويجاب:
بأن الحديث قد اختلف في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم الرفع، وفي إسناده فليح صدوق كثير الخطأ، فلا يمكن به إثبات صفة في الرفع معارضة لحديث ابن عمر في الصحيحين، والله أعلم.
وقيل: يرفع المأموم يديه مع رفع رأسه رواية واحدة؛ وكذا المنفرد إن قلنا: لا يشرع له التحميد، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
قال ابن قدامة: ولا تختلف الرواية في أن المأموم يبتدئ الرفع عند رفع رأسه؛
стр. 1964
لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال، والرفع إنما جعل هيئة للذكر، بخلاف الإمام.
يعني أن له ذكرًاًحال قيامه وذكرًا وهو قائم.
• الراجح:
أن المشروع في رفع اليدين أن يكون مع التسميع إن كان المصلي إمامًا أو فَذًّا، ومع التحميد إن كان المصلي مأمومًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1965
المبحث الثالث في منتهى رفع اليدين
المدخل إلى المسألة:
• الرفع إلى المنكبين مما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره.
• رجح البخاري رواية الرفع إلى المنكبين؛ لأنه لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، واختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، أهو إلى الأذنين، أم هو إلى فروع الأذنين، أم هو قريب من الأذنين.
• رواية الرفع إلى المنكبين هو قول أكثر السلف، قاله ابن رجب.
• السنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي ﷺ من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي ﷺ ، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.
[م-٦٤٥] اختلف القائلون بمشروعية رفع اليدين في الرفع من الركوع في منتهى الرفع.
فقيل: يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث لا يجاوز بأصابعه منكبيه، وهذا مذهب أكثر أهل العلم.
وقيل: يرفع يديه إلى أن تحاذي رؤوس أصابعه أذنيه، والمراد من الأذن هو شحمتها وأسفلها، لا أعلاها حتى لا يكون تكرارًا مع القول التالي.
وقيل: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، وبهذا جمع الشافعي رحمه
стр. 1966
الله بين الروايات المختلفة.
وقيل: يرفع يديه في تكبيرة الإحرام حذو منكبيه، وفي غير الإحرام دون ذلك قليلًا، رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وقيل: يرفع يديه حيال صدره، وهو رواية أشهب عن مالك.
وقيل: بالتخيير، إن شاء رفع يديه حذو منكبيه، وإن شاء حذاء أذنيه، قال حرب الكرماني: «ربما رأيت أحمد يرفع يديه إلى فروع أذنيه، وربما رفعهما إلى منكبيه، وربما رفعهما إلى صدره، ورأيت الأمر عنده واسعًا» (١).
والقول في منتهى رفع اليدين هنا كالقول في منتهى الرفع في تكبيرة الإحرام، فقد فصلت الأقوال هناك، ووثقتها، وذكرت أدلتها مع تخريجها، وذكر ما يرد عليها من مناقشة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 1967
الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة
الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية.
• القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل.
• الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي.
• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول ﷺ : (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
• حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
[م-٦٤٦] سبق لنا الخلاف في الرفع من الركوع، وأن الأقوال فيه ثلاثة: سنة، وواجب، وفرض، فمن قال: إنه سنة لم يوجب الاعتدال لأنه فرع عنه (١)
стр. 1968
ومن قال: إن الرفع فرض، أو واجب، وهو قول الجمهور، فقد اختلفوا في حكم الاعتدال، والخلاف فيه كالتالي:
قيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد (١).
قال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين،
стр. 1969
وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف» (١).
وقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها ... » (٢).
وقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣).
قال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض ... ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال» (٤).
وقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة
стр. 1970
الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض» (١).
وقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا (٢).
وهذا في الحقيقة ليس قولًا مستقلًّا، وإنما يبين متى يتحقق الاعتدال من الركوع، فإذا رفع حتى كان إلى القيام أقرب، حكم له بحكم القيام لمقاربته إياه، وإن كان إلى الركوع أقرب كان في حكم الراكع الذي لم يرفع، ولم يوجد منه فصل بين الركوع والسجود، بناء على قاعدة: ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو (٣).
قال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب» (٤).
وقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور من المذهب السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال (يعني ابن الهمام) وَمَنْ بَعْدَهُ من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: إنه الصواب» (٥).
وجاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى قاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو» (٦).
فَتَرتُّبُ السهو على تركه ساهيًا دليل على الوجوب؛ لأن الموجب لسجود السهو
стр. 1971
عند الحنفية ترك الواجب سهوًا لا ترك المسنون (١).
فتبين من عرض الأقوال، أن الأقوال ثلاثة، قيل: سنة، وقيل: فرض (ركن)، وقيل: واجب.
إذا علمت الأقوال فلننتقل إلى معرض الأدلة، ومناقشتها أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
• دليل من قال: الاعتدال سنة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وجه الاستدلال:
أن الله أمر بالركوع والسجود مطلقًا، والركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، وهذا هو الركن، ولم يأمر الله بالآية بالاعتدال منهما، فدل ذلك على أنه ليس بفرض، فالركن هو الركوع والسجود، فأما رفع الرأس حتى يعتدل قائمًا فليس بفرض، إلا أنه في السجود لابد من رفع الرأس؛ لأنه لا يمكن الانتقال من سجدة إلى سجدة أخرى دون رفع الرأس، والواجب من الرفع القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين، فلا يشترط الاعتدال جالسًا من السجود.
ولو ركع المصلي، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو.
فتبين أن الحنفية لا يرون ركنية الاعتدال من الركوع، والسجود (٢).
стр. 1972
• ونوقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن الآية ذكرت الركوع والسجود، وأرادت حقيقة الصلاة، لا مسمى الركوع والسجود، وإطلاق الجزء على الكل إذا كان الجزء ركنًا أساسيًّا في الكل معروفًا في لغة العرب، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولا يقال: المقصود بالرقبة العضو الخاص، بل قصد العبد كله، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله ﷺ : (من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، ولم يقصد بالحديث إدراك السجود، ومنه إطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فالمقصود بالقراءة صلاة الفجر، لا القراءة نفسها، ومنه إطلاق التسبيح على الصلاة، فلا يراد به لفظ (سبحان الله)، فأطلق الركوع والسجود، وأراد به كامل الصلاة، والله أعلم.
الوجه الثاني:
لو حملنا الآية على الركوع والسجود الخاص فإن الآية أفادت ركنية الركوع والسجود، ولكنها لا تنفي ركنية غيرهما بدليل آخر، فالقيام والقراءة من جملة الأركان المتفق عليها، فكذلك الاعتدال، وقد دلت السنة على ركنية الاعتدال.
(ح-١٧٤٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن
стр. 1973
جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١).
فلما انتفت الصلاة بانتفاء الاعتدال بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ) دل ذلك على ركنية الاعتدال في الصلاة.
• واعترض الحنفية على الاستدلال بالحديث:
بأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، وحديث أبي هريرة ظني الثبوت، فلا يفيد الركنية.
• ورد هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي. وقد سبق لي مناقشة الحنفية في هذا الأصل عند بحث حكم الطمأنينة في الصلاة، فانظره هناك.
الوجه الثاني:
لو تنزلنا أن الركنية لا تثبت بالدليل الظني، فإنه لا يمنع من إثبات الركنية بالدليل الظني إذا كان ذلك من قبيل بيان المجمل.
فالخلاف بين أبي يوسف وصاحبيه في حقيقة الركوع والسجود في الآية في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
فأبو حنفية ومحمد بن الحسن يذهبان إلى أن حقيقة الركوع والسجود لغوية، وهي معلومة باللغة، فلا يحتاجان إلى بيان، وعليه فلو قالوا بركنية الاعتدال لزم منه الزيادة على النص بخبر الواحد، وهذا لا يجوز على أصلهم؛ لأنه يؤدي إلى نسخ القطعي بالظني، وقد ناقشته عند الكلام على حكم الطمأنينة، فارجع إليه.
ويرى أبو يوسف أن حقيقة الركوع والسجود شرعية، وهي غير معلومة إلا من قبل الشرع، فيحتاج إلى البيان، وقد خرج حديث المسيء في صلاته مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فأبان بذلك
стр. 1974
أن الصفة التي أرادها الله سبحانه بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، أن يكون على هذه الصفة، وعلى هذا يكون خبر الواحد، والمواظبة بيانًا لما أجمل في الآية، وخبر الواحد يجوز أن يأتي مبينًا لما أجمل في الدليل القطعي، وعليه يكون الاعتدال من الركوع والسجود من جملة فرائض الصلاة حتى على أصول الحنفية.
الدليل الثاني للحنفية:
الاعتدال ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو وسيلة للفصل بين الأركان، فلا يكون ركنًا.
• ورد هذا من وجهين:
الوجه الأول:
بأن هذا نظر في مقابل النص فيكون نظرًا فاسدًا، ولا تعارض النصوص الشرعية بالنظر، فالعقل مجاله في فهم النص والقياس عليه، فإذا ورد النص الشرعي وكانت دلالته نصية فلا يمكن معارضته بالدليل النظري.
الوجه الثاني:
كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية، فالركنية تستفاد من انتفاء الصلاة بانتفاء الفعل، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول ﷺ : (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، وحين طلب منه التعليم فيما أساء فيه، قال له: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، هذا في الاعتدال من الركوع، وقال في الاعتدال من السجود: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).
فإذا أمر الشارع بشيء، وحكم على الصلاة بالعدم عند الإخلال به كان ذلك الشيء ركنًا بصرف النظر، أكان الاعتدال مقصودًا في نفسه أم غير مقصود.
الوجه الثالث:
لو كان الاعتدال غير مقصود، لاكتفى الشارع من الرفع بمقدار يسير، لا ينتهي حتى يعتدل قائمًا ويطمئن جالسًا، فلما أمر بالرفع من الركوع حتى يعتدل قائمًا، وبالرفع من السجود حتى يطمئن جالسًا، دل ذلك على أن الاعتدال مقصود في نفسه، فالقيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فَرَّقَ بين قيام وقيام
стр. 1975
وقعود وآخر فعليه الدليل.
• دليل من قال: الاعتدال واجب:
الركن لا يثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، ولهذا قلنا بركنية الركوع والسجود للأمر بهما في الآية الكريمة.
وأما الأمر بالاعتدال فلم يثبت إلا في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، حيث أمره بالاعتدال في الركوع، فقال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) وقال في السجود: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).
وقد واظب النبي ﷺ على الاعتدال فيهما، ولم يخل به ولا مرة واحدة، فدل ذلك على وجوبهما، ولم نقل بركنيتهما؛ لأن الحديث ظني الثبوت، والفرضية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، من آية كريمة، أو حديث متواتر، أو إجماع، وهذا ما لم يوجد هنا، فلو قلنا بركنية الاعتدال لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية فإن إطلاقها يفيد صحة الصلاة بمطلق الركوع والسجود، ولو لم يعتدل منهما، فأفاد الحديث أن الصلاة لا تصح بالركوع والسجود حتى يعتدل منهما، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهو ما يسميه الحنفية في الأصول: الزيادة على النص نسخ، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد؛ لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله.
• وأجيب:
سبق لي مناقشة هذا الدليل عند الكلام على حكم الطمأنينة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فلله الحمد.
• دليل من قال: الاعتدال فرض:
(ح-١٧٥٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى
стр. 1976
الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١).
• الاستدلال به من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أمره بإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد الصلاة.
الوجه الثاني: نفى عنه الصلاة الشرعية، لانعدام الاعتدال في الركوع، والسجود، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل في أركانها.
• واعْتُرِضَ:
بأن الأمر بإعادة الصلاة ليس دليلًا على الخلل في الأركان، وإنما هو لجبر النقص الحاصل بترك الواجب، وترك الواجب لا يبطل الصلاة، ويجبر بالسجود إن كان ساهيًا.
(ح-١٧٥١) ويدل على ذلك ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه،
عن عمه وكان بدريًّا في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه: .... قال: إذا أردت الصلاة فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك (٢).
(ح-١٧٥٢) وروى أبو داود في السنن من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله ابن عمر، عن سعيد المقبري،
عن أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته، وقال في آخره: فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئًا فإنما انتقصته من صلاتك ... (٣).
стр. 1977
وجه الاستدلال من الحديث من وجهين:
الوجه الأول:
قوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك) فلو كان ترك الاعتدال مفسدًا لما سماها صلاة، فإن الباطلة لا تسمى صلاة.
الوجه الثاني:
لأن النبي ﷺ تركه يتم صلاته، ولو كان ترك الاعتدال مفسدًا لفسدت الصلاة من أول ركعة، ولما أقره النبي ﷺ على الاستمرار فيها بعد فسادها.
• ورد هذا الجواب من ثلاثة أوجه:
الجواب الأول:
أن النبي ﷺ لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه.
الجواب الثاني:
ترديده في الصلاة مع فسادها أبلغ في التعليم، حتى إذا اشتدت حاجته لمعرفة الصواب، قال: علمني، فعلمه النبي ﷺ ، فلا ينسى ذلك.
الجواب الثالث:
أن حديث: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، لا يصح (١).
الراجح:
أن الاعتدال من الركوع ومن السجود من أركان الصلاة، والله أعلم.
* * *
стр. 1978
الفصل الثاني في حكم الزياده على التسميع والتحميد
المدخل إلى المسألة:
• كل ذكر استُحِبَّ للإمام فهو مستحب للمأموم أصله سائر الأذكار إلا بدليل كالتسميع، فهو خاص للإمام والمنفرد دون المأموم.
• زيادة (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، قاله رجل من الصحابة، وأقره النبي ﷺ .
• اختلف في الباعث على الحمد بهذه الصفة: أهو من أجل الرفع من الركوع، أم كان بسبب العطاس، وكل من العطاس والاعتدال من الركوع مقتضٍ للحمد.
• حمله على العطاس آكد؛ لأنه لم ينقل أن الرسول ﷺ قال في صلاته ولو مرة واحدة، (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولا حث أحدًا من الصحابة على فعله، ولم يُعِدَّ الأئمة الأربعة هذه الصفة من صيغ التحميد.
• لا تثبت زيادة (لربي الحمد) من صيغ التحميد.
[م-٦٤٧] اختلف الفقهاء في استحباب الزيادة على التسميع والتحميد:
القول الأول:
لا تستحب الزيادة على قول: ربنا ولك الحمد، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وبه قال الحنابلة في حق المأموم فقط (١).
سئل أبو حنيفة في الرجل يرفع رأسه من الركوع: قال: «يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت» (٢).
стр. 1979
وكره مالك قول: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه؛ لئلا يعتقد أنها من فرائض الصلاة، أو من فضائلها (١).
وقال ابن شعبان: تبطل صلاة قائله، وهو ضعيف جدًّا (٢).
القول الثاني: مذهب الشافعية:
اتفق الشافعية على استحباب زيادة: أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، للمنفرد وللإمام إذا صلى بجماعة محصورة ورضوا التطويل.
قال النووي في الروضة: «ويستحب لغير الإمام، وله إذا رضي القوم أن يزيد، فيقول: أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد (٣)، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ويكره للإمام هذه الزيادة إلا برضاهم» (٤).
واختلفوا في زيادة: (ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)، وفي زيادة (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه).
فقيل: تستحب زيادة (ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، وهو المعتمد في مذهب الشافعية،
стр. 1980
ونص عليه النووي في المنهاج والروضة، والشيرازي في التنبيه (١).
قال النووي في الروضة: «فإذا استوى قائمًا، قال: ربنا لك الحمد، أو: ربنا ولك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، يستوي في استحباب هذين الذكرين الإمام والمأموم والمنفرد» (٢).
ولم يذكر في الاستحباب (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) وعليه جمهور الشافعية (٣).
وذكر النووي في التحقيق مثل ما في الروضة، وزاد عليه: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، قال العراقي: وهو غريب (٤).
وقال الخطيب في المغني والرملي في النهاية: «زاد في التحقيق بعده: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ولم يذكره الجمهور» (٥).
وقيل: لا تستحب الزيادة على ربنا ولك الحمد إلا برضا الجماعة المحصورة، مال إليه إمام الحرمين، ونص عليه النووي في المجموع، واستغربه الخطيب والرملي لمخالفته ما في الروضة والتحقيق (٦).
قال في المجموع: «إنما يأتي بهذا كله إذا رضي المأمومون بالتطويل، وكانوا محصورين، فإن لم يكونوا كذلك اقتصر على: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد) (٧).
стр. 1981
فهذه ثلاثة نقول عن النووي مختلفة، قال الإسنوي في المهمات: وما ذكره -يعني النووي- في هذه المسألة غريب جدًّا، فإنه ذكر ثلاث مقالات متخالفة، وجزم بكل منها» (١).
وقال إمام الحرمين: «وقد روي أنه ﷺ يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما يقول العبد، كلنا لك عبد ... إلخ.
ولعل هذه الدعوات تليق بالمنفرد، فأما الإمام فيقتصر على قوله: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد) فإنه مأمور بالتخفيف» (٢).
ولم يذكر إمام الحرمين استحباب حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
وجزم بذلك العز بن عبد السلام في اختصاره للنهاية (٣).
القول الثالث: مذهب الحنابلة:
استحب الإمام أحمد للإمام والمنفرد: أن يقول: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، ولا يسن ذلك للمأموم (٤).
стр. 1982
قال في الإنصاف: وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب (١).
واختلف الحنابلة: في زيادة (أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد .. إلخ) أو غيرها مما ورد؟ على روايتين عن الإمام أحمد ﵀:
فقيل: لا تستحب الزيادة على قول: (وملء ما شئت من شيء بعد)، وهي رواية الفضل بن زياد عن الإمام أحمد، واختاره الخرقي، وهي ظاهر عبارة المنتهى، والتنقيح (٢).
قال في المنتهى: «فإذا قام قال: ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، ويحمد فقط مأموم» (٣).
وقيل: يستحب للإمام والمنفرد أن يزيد مع قوله: (وملء ما شئت من شيء بعد) أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد ... إلخ أو غيرها مما ورد. وصحح ذلك في الإنصاف تبعًا للمغني والشرح، ونص عليه في الإقناع (٤).
ونقل أبو الحارث كما في كتاب الروايتين لأبي يعلى: سألت أحمد، إذ قال: سمع الله لمن حمده، فليقل ربنا ولك الحمد، وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد، ويقول: ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، وإن شاء قال بعدها: أهل الثناء والمجد. قال أبو عبد الله: وأنا أقول ذلك. قلت: إن صلى وحده أو كان إماماً يقول ذلك؟ قال: نعم إن كان إمامًا، أو صلى وحده» (٥).
وعلى كلتا الروايتين: لم يذكر الحنابلة استحباب زيادة حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
стр. 1983
قال ابن قدامة: «ظاهر المذهب أنه لا يسن للمأموم، نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره، وهو قول أكثر الأصحاب» (١).
وقيل: يستحب للمأموم أن يزيد (ملء السموات وملء الأرض ... إلخ)، اختاره أبو الخطاب، وصاحب النصيحة، والمجد في شرحه، وصاحب الحاوي الكبير، والشيخ تقي الدين (٢).
هذه مجمل الأقوال، وملخصها كالتالي:
قيل: لا يستحب الزيادة على التحميد مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وقال به الحنابلة في حق المأموم، في الصحيح من المذهب.
وقيل: لا تستحب الزيادة على ربنا ولك الحمد، إلا أن يكون فذًّا أو إمامًا لجماعة محصورة، ورَضِيَتْ بالإطالة،، حكاه النووي في المجموع جازمًا به.
وقيل: تستحب الزيادة على التحميد بقول: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، للإمام والمنفرد والمأموم، وهو المعتمد في مذهب الشافعية، وبه قال الحنابلة لغير المأموم.
وقيل: تستحب زيادة حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ذكره النووي في التحقيق، وهو خلاف ما عليه جمهور الشافعية.
وقيل: تستحب زيادة: أهل الثناء والمجد ... إلخ مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، وصححه في الإنصاف والشرح الكبير، والإقناع، وقال به الشافعية بشرط أن يكون فذًّا أو إمامًا لجماعة محصورة ورضوا بهذا.
وقيل: يستحب للإمام والمأموم والمنفرد مطلقًا زيادة: ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، وهو رواية عن أحمد.
فهذه ستة أقوال محفوظة لفقهائنا عليهم رحمة الله، ونستطيع أن نلفق منها القول الصحيح فيما ظهر لي، وهو أنه يستحب زيادة على ا لتحميد: ملء السموات
стр. 1984
وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، فإن زاد عليها: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد .... إلخ فهذا أكمل.
ولا تستحب زيادة (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولا زيادة (لربي الحمد) فإن قال ذلك باعتبار أن المقام مقام يحمد فيه الرب، واعتقد أن الحمد المطلق يجوز في هذا المقام فأرجو أنه لا بأس به، وإن كان الاقتصار على الثابت أحب إليَّ. والله أعلم.
• دليل من قال: لا تشرع الزيادة على قول ربنا لك الحمد:
(ح-١٧٥٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد ... (١).
وفي الباب حديث أنس في الصحيحين (٢).
وحديث أبي موسى الأشعري في مسلم (٣).
الدليل الثاني:
(ح-١٧٥٤) ما رواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله صلى ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد الله بن صالح، عن
стр. 1985
الليث: ولك الحمد- ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
وجه الاستدلال من الحديثين:
الحديث الأول بَيَّن بالسنة القولية الاقتصار على التسميع والتحميد، والحديث الثاني بَيَّن بالسنة الفعلية الاقتصار عليهما، فلا تشرع الزيادة عليهما.
• ويناقش:
بأن الحديث دليل على جواز الاقتصار على التسميع والتحميد، وهذا ليس موضع خلاف، وليس في دلالة الحديثين ما يمنع من الزيادة عليهما، وقد ثبتت الزيادة بأحاديث متفق على صحتها.
• دليل من قال: لا تشرع الزيادة على التحميد إلا للمنفرد، أو برضا الجماعة المحصورة:
(ح-١٧٥٥) الإمام مأمور بالتخفيف لما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء.
ورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (١).
ودلَّ حديث أبي هريرة وأنس وأبي موسى على الاقتصار على التسميع والتحميد، وأن من اقتصر على التحميد والتسميع، فصلاته تامة.
فيكره للإمام الزيادة على تمام صلاته إلا أن يكون منفردًا، أو إمامًا لجماعة محصورة ورضوا الإطالة.
وحملوا الأحاديث الواردة في الزيادة على التسميع والتحميد بأنه قد علم من جماعته القوة والرغبة في الزيادة، جمعًا بين الأحاديث.
стр. 1986
• ويجاب على ذلك:
بأنه لو عكس الأمر لكان أحق، فالمنفرد يصلي لنفسه، فإذا خفف فلا حرج عليه ما دام التخفيف لا يؤثر على صحة صلاته.
وأما الإمام فإن صلاة الجماعة مرتبطة بصلاته، فهو مأمور بأن يطلب لهم الكمال، وكل من تصرف لغيره فهو مطلوب منه الكمال، والزيادة يسيرة جدًّا، لا تلحق المأمومَ منها مشقةٌ حتى يكلف الإمام موافقة جماعته، بخلاف الإطالة في القراءة فإن القيام فيها طويل، ويلحق الناس مشقة في الإطالة، وقد يصلي خلف الإمام الضعيف، والسقيم وذو الحاجة، فاعتبرت مراعاتهم، والتماس رغبتهم؛ لقوله ﷺ : اقتد بأضعفهم.
• دليل من قال: لا تستحب زيادة أهل الثناء والمجد إلا برضا الجماعة أو للمنفرد:
استدلوا بما استدل به القول السابق، بأن الإمام مأمور بالتخفيف.
• دليل من قال: تشرع زيادة (ملء السموات) إلى قوله (من شيء بعد) مطلقًا:
(ح-١٧٥٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن عبيد بن الحسن،
عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (١).
• دليل من قال: تستحب زيادة حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
(ح-١٧٥٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه،
عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يوما نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: من المتكلم، قال: أنا، قال:
стр. 1987
رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول (١).
• ويناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
هذا الحديث تفرد به علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة ولم يخرج البخاري لعلي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة إلا هذا الحديث، وأحاديث علي بن يحيى بن خلاد قليلة جدًّا، لا تتجاوز تسعة أحاديث أو عشرة، جلها عن أبيه، عن عمه رفاعة، منها حديث المسيء في صلاته، وفيه اختلاف كثير عليه في إسناده، ومتنه، وتفرد بزيادات كثيرة لم تذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته، وقد سبق تخريجه، والتفرد يعتبر علة عند المتقدمين في الجملة، والله أعلم.
الوجه الثاني:
الاختلاف هل كان الحمد بسبب العطاس، أو كان الحمد بسبب الصلاة، أو كان الحمد في موضع الاستفتاح، فإن كان الحمد بسبب العطاس لم تُسْتَحَبَّ هذه الصيغة داخل الصلاة.
(ح-١٧٥٨) فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من طريق رفاعة ابن يحيى بن عبد الله بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع،
عن أبيه قال: صليت خلف النبي ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فقال: «من المتكلم في الصلاة؟» فلم يكلمه أحد، ثم قالها الثانية: من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع ابن عفراء: أنا يا رسول الله. قال: كيف قلت؟ قال: قلت الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا أيهم يصعد بها.
стр. 1988
[حسن] (١).
وقد ذهب الحافظ ابن حجر على اعتبار الحديثين لقصة واحدة.
قال في الفتح: «لا تعارض بينهما، بل يحمل على أن عطاسه وقع عند رفع رأسه، ولا مانع أن يكني عن نفسه؛ لقصد إخفاء عمله، أو كُنِّيَ عنه لنسيان بعض الرواة لاسمه، وأما ما عدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمن إلا زيادة لعل الراوي اختصرها» (٢).
(ح-١٧٥٩) وروى مسلم من طريق عفان، حدثنا حماد، أخبرنا قتادة، وثابت، وحميد،
عن أنس، أن رجلًا جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم، فقال: أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا. فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس، فقلتها، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها (٣).
فإن لم يحمل حديث أنس ﵁ على تعدد القصة وإلا كان
стр. 1989
هذا من الاختلاف في موضع الحمد.
الوجه الثالث:
كون الأئمة الأربعة لم يذهبوا إلى استحباب هذا الذكر، إلا وجهًا قال به النووي في التحقيق، وهو خلاف ما عليه جمهور الشافعية، مع إقرار النبي ﷺ على هذا الفعل، وترتب هذا الفضل العظيم، ولعل ذلك يرجع إلى أحد أمور:
الأول: الاختلاف في الحديث أقال الصحابي ذلك من أجل موضع التحميد، أم كان من أجل العطاس.
الأمر الثاني: كون النبي ﷺ لم ينقل، ولا مرة واحدة أنه فعل هذا في صلاته، ولم يأمر به، فالسنة القولية والفعلية في صفة التحميد مقدمة على السنة التقريرية والتي جاءت بمبادرة من الصحابي ولم يكن هذا الذكر معهودًا في الصلاة، ولو كان هو الأفضل لعلمه النبي ﷺ صحابته، وهو أحرص الناس على تعليم أمته ما ينفعهم، فلماذا لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعله، ولو مرة واحدة، أو حث على فعله بعد ذلك؟ وأما الثواب الذي ذكره النبي ﷺ على افتراض أن الحديث محفوظ، فهو إما دليل على أن الحمد في الرفع من الركوع من الحمد المطلق، وللعبد أن يحمد ربه بما يراه مناسبًا للمقام؛ لأن الصحابي فعل ذلك من عند نفسه، لا بتوجيه من النبي ﷺ ، وإقرار النبي ﷺ يدل على جواز الحمد بما يراه الإنسان مناسبًا، وهو لا يدل على تفضيل هذه الصيغة على غيرها، فيكون الأجر مرتبًا على الحمد، لا على تعيين الصيغة، وإلا لفعلها النبي ﷺ ، أو حث على فعلها.
قال ابن حجر: «يستدل بهذا الحديث على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور» (١).
وإما أن يكون هذا الثواب دليلًا على الجواز، مثله مثل ذلك الرجل الذي كان يكرر سورة الإخلاص، في كل ركعة، لكونها صفة الرحمن، فكان يحبها، فأحبه الله لذلك، وأي ثواب أعظم من أن ينال العبد مقام محبة الله له، ومع ذلك لم يكن
стр. 1990
هذا الثواب دليلًا على المشروعية، وإنما هو من العبادة الجائزة؛ لكون النبي ﷺ لم يفعلها، ولم يأمر بفعلها، فلم يتجاوز الإقرار والثواب حكم الإباحة.
• دليل من قال: تستحب كل زيادة ثبتت بها السنة مطلقًا:
سبق لنا الاستدلال على مشروعية زيادة (ملء السموات وملء الأرض ... ) بحديث عبد الله بن أبي أوفى في مسلم.
وسبق لنا الاستدلال على مشروعية زيادة: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) من حديث رفاعة بن رافع، عند الإمام البخاري.
(ح-١٧٦٠) ومنها: ما رواه مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية ابن قيس، عن قزعة،
عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٧٦١) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء،
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (٢).
(ح-١٧٦٢) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس،
عن حذيفة، أنه صلى مع رسول الله ﷺ من الليل، فلما دخل في الصلاة
стр. 1991
قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، قال: ثم قرأ البقرة، ثم ركع وكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فكان قيامه نحوًا من ركوعه، وكان يقول: لربي الحمد لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه .... حتى قرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام، شعبة الذي يشك في المائدة والأنعام (١).
[زيادة (لربي الحمد) وزيادة قراءة المائدة أو الأنعام تفرد بها أبو حمزة طلحة ابن يزيد، فإن كان الرجل المبهم صلة بن زفر كما ظن النسائي وشعبة، فهي ليست محفوظة، وإلا كانت زيادة منكرة] (٢).
• الراجح:
استحباب زيادة: ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الْجَدُّ منك لجد للإمام والمنفرد والمأموم، وأما زيادة: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا وزيادة لربي الحمد فلا أراها محفوظة، والله أعلم.
* * *
стр. 1994
الفصل الثالث في قبض اليسرى باليمنى بعد الرفع من الركوع
المدخل إلى المسألة:
• غياب النصوص الشرعية الكاشفة عن حكم مسألة ما يراد منه شرعًا التوسعة على الخلق، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
• الأصل عدم مشروعية قبض اليدين إلا بدليل.
• الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل.
• القبض صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية، ولم يَأْتِ نص خاص في وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا رفع رأسه من الركوع.
• إذا أطلق القيام في الصلاة فالمراد منه قيام ما قبل الركوع؛ لأن الألفاظ تحمل على المتبادر المعهود، خاصة إذا كان اللفظ من الراوي، فكلام الراوي ليس محكمًا ككلام الشارع، منطوقه ومفهومه حجة.
• نقل وائل بن حجر في صفة صلاة النبي ﷺ في قيامه الأول: التكبير، والرفع والقبض، وذكر للركوع الرفع فقط، وذكر للاعتدال من الركوع الرفع فقط، فلو عاد النبي ﷺ إلى القبض لنقله كما نقل رفع اليدين في ثلاثة مواضع، فلما اكتفى بنقل الرفع دون القبض علم أنه تركه، ويلزم من ترك القبض الإرسال.
• كان علي ﵁ يضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، فما بعد حتى مخالف لما قبلها.
[م-٦٤٨] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: إذا قام من الركوع أرسل يديه، ولا يقبض اليسرى باليمنى، وهو مذهب
стр. 1995
الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول عند الحنابلة (١).
قال في منح الجليل: «وكره قبضهما بفرض بأي هيئة كان» (٢).
وقيل: يسن وضع اليمنى على اليسرى كما في القيام قبل الركوع، وهو قول في مذهب الحنفية، والهيتمي من الشافعية، ورجحه ابن قاسم في حاشيته على الروض، واختاره ابن حزم من الظاهرية، ورجحه محمد بن إبراهيم، وشيخنا ابن عثيمين والشيخ ابن باز (٣).
قال ابن حزم في المحلى: ويستحب أن يضع المصلي يده اليمنى على كوع يده اليسرى في الصلاة، في وقوفه كله فيها» (٤).
وقيل: إن شاء أرسل يديه، وإن شاء وضع يمينه على شماله، نص عليه الإمام أحمد، وهو المذهب (٥).
هذا مجمل الأقوال في المسألة:
• دليل من قال: يرسل يديه:
الدليل الأول:
الأصل عدم المشروعية إلا بدليل؛ ولأن القبض صفة في العبادة، وصفات العبادة
стр. 1996
توقيفية، ولم يَأْتِ نص خاص في وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا رفع رأسه من الركوع. والقياس على قيام ما قبل الركوع لا يصح؛ لأن القياس إن كان من قياس الشبه بأن هذا قيام يشبه قيام ما قبل الركوع، فهذا من أضعف أنواع القياس عند الأصوليين.
وإن كان من قياس العلة، فلا تعلم علة منصوصة حتى يمكن للمجتهد التماس العلة؛ لتعدية الحكم.
وهناك فرق بين القيام الأول والثاني يمنع من الإلحاق:
من ذلك: أن قيام ما قبل الركوع طويل، ومتفق على ركنيته، ويشتمل على قراءة طويلة ومنها قراءة الفاتحة، وهي ركن آخر، فاجتمع في القيام ركنان، ويسبق القراءة دعاء الاستفتاح، وقد قال بعض العلماء: إن القبض فيه نوع من الاعتماد لطول القيام.
وأما قيام ما بعد الركوع، فهو قيام قصير، ويجوز فيه الاقتصار على قول: (ربنا ولك الحمد)، والذكر فيه مسنون على الصحيح، والغاية منه الاعتدال، والقيام فيه مقدار لطيف جدًّا من أجل الطمأنينة، لا من أجل تحصيل القيام، فإذا اعتدل قائمًا أجزأه ذلك بالإجماع، لقوله ﷺ في حديث المسيء في صلاته: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، وقال في الحديث المتفق عليه: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وهذا الاعتدال مختلف في ركنيته، كما أنه مختلف في وجوب الطمأنينة فيه، فلا يقاس الأدنى على الأعلى.
ثم الاحتجاج بالقياس دليل على ضعف القول؛ إذ لو كان القبض مشروعًا لحفظ في النصوص ما يدل على مشروعيته، ولما احتجنا إلى باب القياس في عبادة تتكرر في اليوم خمس مرات، فالقياس دليل على غياب النص، لأن حقيقة القياس: قياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه نص، وغياب النص دليل على عدم المشروعية، ويبعد أن يكون مشروعًا ثم يهمل نَقَلَةُ الشريعةِ النصوصَ القاضية بمشروعيته، ولو وجد نص لحفظ للأمة لأن حفظه من حفظ الدين، وحفظ الدين قد تعهد الله به.
ولهذا إذا عجز عن القيام فصلى جالسًا، أيقبض يديه اعتبارًا بأنه بدل عن القيام أم يرسلهما اعتبارًا بالهيئة، فهيئة الجلوس لا يشرع فيها القبض ولأن الحكم تعبدي، جاء النص في قبض اليدين قائمًا، وثبوتها في البدل يفتقر إلى نص، والبدل
стр. 1997
لا يأخذ صفة المبدل من كل وجه؟ فيه تأمل.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الاستدلال في القبض ليس قائمًا على القياس، وإنما هو من قبيل الاستدلال بالعام على بعض أفراده، وبينهما فرق.
• وأجيب:
سوف أبين في مناقشة أدلة القول الثاني أن القيام في الصلاة إذا أطلق حُمِلَ على قيام ما قبل الركوع، ولا يُحْمَلُ على غيره إلا بدليل، فانظره هناك.
الوجه الثاني:
أن إرسال اليدين في الصلاة صفة في العبادة، فيحتاج القول به إلى توقيف؛ لأن النبي ﷺ إما أن يكون قد قبض يديه، أو أن يكون قد أرسلهما، وإما أن يكون قد فعل هذا مرة، وهذا مرة، فما اعترض به على عدم وجود النقل في القبض، يعترض به على عدم وجود النقل في الإرسال.
• ورد هذا النقاش:
بأن الإرسال لا نقول به باعتباره صفة مطلوبة في العبادة، وإنما باعتبار أن الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، فالذي يريد أن ينقل الإنسان عن طبيعته هو المطالب بالنص، كما قلت ذلك في المسافة بين القدمين إذا قام في الصلاة، وقلت ذلك في موضع نظر المصلي وهو قائم، وسوف أجلي هذه النقطة وضوحًا إن شاء الله تعالى في الدليل الثالث.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٦٣) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه،
عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع،
стр. 1998
فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه (١).
وجه الاستدلال:
ذكر وائل بن حجر ﵁ في قيام ما قبل الركوع أن النبي ﷺ رفع يديه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، وذكر في قيام ما بعد الركوع الرفع فقط، ولم يذكر القبض، فلو عاد إلى القبض لنقله كما نقل رفع اليدين حين عاد إليه للركوع وللرفع منه، وهذا كالنص في نقل عدم القبض، ويلزم منه الإرسال.
الدليل الثالث:
قال ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (٢)، وسكت الشارع من غير نسيان عن القبض، وما سكت عنه فهو عفو، فالسدل لا يحتاج القول به إلى دليل إثبات، لأن إرسال اليدين بمقتضى الأصل، فالقاعدة الشرعية: أن مقتضى الامتثال فيما لم يرد في صفته نص أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف، فمن قال بالإرسال لا يطالب بالدليل؛ لأنه لا يقول بالإرسال باعتباره صفة في العبادة مطلوبة، وإنما باعتبار أنه لم يقم دليل يقتضي تغيير وضع اليدين عن طبيعتها، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ث-٤٤١) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، حدثنا عبد السلام ابن شداد الحريري أبو طالوت، أخبرنا غزوان بن جرير الضبي، عن أبيه، قال:
كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أن يصلح ثوبه، أو يحك جسده (٣).
[حسنه البيهقي وعلقه البخاري عن علي بصيغة الجزم، وليس فيه حتى يركع] (٤).
стр. 1999
وجه الاستدلال:
قوله: (وضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، حيث جعل منتهى القبض الركوع وما بعد حتى مخالف لما قبلها.
• دليل من قال: السنة قبض اليسرى باليمنى إذا رفع من الركوع:
الدليل الأول:
(ح-١٧٦٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم،
عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ . قال البخاري: قال إسماعيل: يُنْمَى ذلك، ولم ينقل: يَنْمِي (١).
وإسماعيل: هو ابن أبي أويس.
• ويناقش:
بأن قوله (في الصلاة) فيه إجمال، لأننا لو قلنا: بظاهره لكان مقتضاه أنه يقبض في كل صلاته، وهذا غير ممكن، والقاعدة في المجمل أن يحمل على المبين، هذه قاعدة الراسخين في العلم، والنصوص الأخرى التي فَصَّلت وضع اليد اليمنى على اليسرى كحديث وائل بن حجر قد نص على أنه لما دخل في الصلاة كبر،
стр. 2000
ورفع يديه ووضع اليمنى على اليسرى، وحين أراد الركوع رفع يديه وكبر، وحين رفع من الركوع ذكر أنه رفع يديه، ولم يذكر القبض، فتعين وضع اليد اليمنى على اليسرى في قيام ما قبل الركوع؛ لأنه هو المبين في الأحاديث، ولا يصح الاستدلال بالمجمل على المبين.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٦٥) روى النسائي من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى ابن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري، عن علقمة بن وائل،
عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله (١).
• ويجاب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، رواه قيس بن سليم العنبري وموسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل به بلفظ (إذا كان قائمًا في الصلاة قبض ... )،
ورواه وكيع عن موسى بن عمير العنبري بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة)، وليس فيه إطلاق القيام، موضع الاحتجاج، واللفظان فيهما إجمال (٢).
ورواه عبد الجبار بن وائل، عن علقمة في مسلم مفصلًا، فذكر في القيام الأول: التكبير، ورفع اليدين، وقبضهما، وذكر في الاعتدال من الركوع: رفع اليدين فقط، فلو كان في هذا الرفع قبض لذكره (٣).