← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

توقيفية، ولم يَأْتِ نص خاص في وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا رفع رأسه من الركوع. والقياس على قيام ما قبل الركوع لا يصح؛ لأن القياس إن كان من قياس الشبه بأن هذا قيام يشبه قيام ما قبل الركوع، فهذا من أضعف أنواع القياس عند الأصوليين. وإن كان من قياس العلة، فلا تعلم علة منصوصة حتى يمكن للمجتهد التماس العلة؛ لتعدية الحكم. وهناك فرق بين القيام الأول والثاني يمنع من الإلحاق: من ذلك: أن قيام ما قبل الركوع طويل، ومتفق على ركنيته، ويشتمل على قراءة طويلة ومنها قراءة الفاتحة، وهي ركن آخر، فاجتمع في القيام ركنان، ويسبق القراءة دعاء الاستفتاح، وقد قال بعض العلماء: إن القبض فيه نوع من الاعتماد لطول القيام. وأما قيام ما بعد الركوع، فهو قيام قصير، ويجوز فيه الاقتصار على قول: (ربنا ولك الحمد)، والذكر فيه مسنون على الصحيح، والغاية منه الاعتدال، والقيام فيه مقدار لطيف جدًّا من أجل الطمأنينة، لا من أجل تحصيل القيام، فإذا اعتدل قائمًا أجزأه ذلك بالإجماع، لقوله ﷺ في حديث المسيء في صلاته: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، وقال في الحديث المتفق عليه: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وهذا الاعتدال مختلف في ركنيته، كما أنه مختلف في وجوب الطمأنينة فيه، فلا يقاس الأدنى على الأعلى. ثم الاحتجاج بالقياس دليل على ضعف القول؛ إذ لو كان القبض مشروعًا لحفظ في النصوص ما يدل على مشروعيته، ولما احتجنا إلى باب القياس في عبادة تتكرر في اليوم خمس مرات، فالقياس دليل على غياب النص، لأن حقيقة القياس: قياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه نص، وغياب النص دليل على عدم المشروعية، ويبعد أن يكون مشروعًا ثم يهمل نَقَلَةُ الشريعةِ النصوصَ القاضية بمشروعيته، ولو وجد نص لحفظ للأمة لأن حفظه من حفظ الدين، وحفظ الدين قد تعهد الله به. ولهذا إذا عجز عن القيام فصلى جالسًا، أيقبض يديه اعتبارًا بأنه بدل عن القيام أم يرسلهما اعتبارًا بالهيئة، فهيئة الجلوس لا يشرع فيها القبض ولأن الحكم تعبدي، جاء النص في قبض اليدين قائمًا، وثبوتها في البدل يفتقر إلى نص، والبدل

стр. 1997

لا يأخذ صفة المبدل من كل وجه؟ فيه تأمل. • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الاستدلال في القبض ليس قائمًا على القياس، وإنما هو من قبيل الاستدلال بالعام على بعض أفراده، وبينهما فرق. • وأجيب: سوف أبين في مناقشة أدلة القول الثاني أن القيام في الصلاة إذا أطلق حُمِلَ على قيام ما قبل الركوع، ولا يُحْمَلُ على غيره إلا بدليل، فانظره هناك. الوجه الثاني: أن إرسال اليدين في الصلاة صفة في العبادة، فيحتاج القول به إلى توقيف؛ لأن النبي ﷺ إما أن يكون قد قبض يديه، أو أن يكون قد أرسلهما، وإما أن يكون قد فعل هذا مرة، وهذا مرة، فما اعترض به على عدم وجود النقل في القبض، يعترض به على عدم وجود النقل في الإرسال. • ورد هذا النقاش: بأن الإرسال لا نقول به باعتباره صفة مطلوبة في العبادة، وإنما باعتبار أن الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، فالذي يريد أن ينقل الإنسان عن طبيعته هو المطالب بالنص، كما قلت ذلك في المسافة بين القدمين إذا قام في الصلاة، وقلت ذلك في موضع نظر المصلي وهو قائم، وسوف أجلي هذه النقطة وضوحًا إن شاء الله تعالى في الدليل الثالث. الدليل الثاني: (ح-١٧٦٣) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه، عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع،

стр. 1998

فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه (١). وجه الاستدلال: ذكر وائل بن حجر ﵁ في قيام ما قبل الركوع أن النبي ﷺ رفع يديه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، وذكر في قيام ما بعد الركوع الرفع فقط، ولم يذكر القبض، فلو عاد إلى القبض لنقله كما نقل رفع اليدين حين عاد إليه للركوع وللرفع منه، وهذا كالنص في نقل عدم القبض، ويلزم منه الإرسال. الدليل الثالث: قال ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (٢)، وسكت الشارع من غير نسيان عن القبض، وما سكت عنه فهو عفو، فالسدل لا يحتاج القول به إلى دليل إثبات، لأن إرسال اليدين بمقتضى الأصل، فالقاعدة الشرعية: أن مقتضى الامتثال فيما لم يرد في صفته نص أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف، فمن قال بالإرسال لا يطالب بالدليل؛ لأنه لا يقول بالإرسال باعتباره صفة في العبادة مطلوبة، وإنما باعتبار أنه لم يقم دليل يقتضي تغيير وضع اليدين عن طبيعتها، والله أعلم. الدليل الرابع: (ث-٤٤١) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، حدثنا عبد السلام ابن شداد الحريري أبو طالوت، أخبرنا غزوان بن جرير الضبي، عن أبيه، قال: كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أن يصلح ثوبه، أو يحك جسده (٣). [حسنه البيهقي وعلقه البخاري عن علي بصيغة الجزم، وليس فيه حتى يركع] (٤).

стр. 1999

وجه الاستدلال: قوله: (وضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، حيث جعل منتهى القبض الركوع وما بعد حتى مخالف لما قبلها. • دليل من قال: السنة قبض اليسرى باليمنى إذا رفع من الركوع: الدليل الأول: (ح-١٧٦٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ . قال البخاري: قال إسماعيل: يُنْمَى ذلك، ولم ينقل: يَنْمِي (١). وإسماعيل: هو ابن أبي أويس. • ويناقش: بأن قوله (في الصلاة) فيه إجمال، لأننا لو قلنا: بظاهره لكان مقتضاه أنه يقبض في كل صلاته، وهذا غير ممكن، والقاعدة في المجمل أن يحمل على المبين، هذه قاعدة الراسخين في العلم، والنصوص الأخرى التي فَصَّلت وضع اليد اليمنى على اليسرى كحديث وائل بن حجر قد نص على أنه لما دخل في الصلاة كبر،

стр. 2000

ورفع يديه ووضع اليمنى على اليسرى، وحين أراد الركوع رفع يديه وكبر، وحين رفع من الركوع ذكر أنه رفع يديه، ولم يذكر القبض، فتعين وضع اليد اليمنى على اليسرى في قيام ما قبل الركوع؛ لأنه هو المبين في الأحاديث، ولا يصح الاستدلال بالمجمل على المبين. الدليل الثاني: (ح-١٧٦٥) روى النسائي من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى ابن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله (١). • ويجاب بأجوبة منها: الجواب الأول: حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، رواه قيس بن سليم العنبري وموسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل به بلفظ (إذا كان قائمًا في الصلاة قبض ... )، ورواه وكيع عن موسى بن عمير العنبري بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة)، وليس فيه إطلاق القيام، موضع الاحتجاج، واللفظان فيهما إجمال (٢). ورواه عبد الجبار بن وائل، عن علقمة في مسلم مفصلًا، فذكر في القيام الأول: التكبير، ورفع اليدين، وقبضهما، وذكر في الاعتدال من الركوع: رفع اليدين فقط، فلو كان في هذا الرفع قبض لذكره (٣).

стр. 2001

كما رواه كليب بن شهاب الجرمي، عن وائل بن حجر، بمثل ما رواه عبد الجبار، عن علقمة، عن وائل (١).

стр. 2002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2004

فهذان الطريقان قد فَصَّلَا ما أُجْمِلَ في رواية قيس بن سليم وموسى بن عمير، والمفسِّر قاضٍ على المُجْمَل ومقدم عليه في الاستدلال. ولا يصح في الاستدلال أن يستدل بالمجمل على المفسر، كما لا يصح أن يستدل بالعام على الخاص، ولا بالمطلق على المقيد، هذا الجواب من حيث الصنعة الحديثية، وهناك جواب آخر من حيث الفقه. الجواب الثاني: لو فرضنا أن الحديث محفوظ بلفظ: (إذا كان قائمًا في الصلاة قبض ... )، فالقيام إذا أطلق في الصلاة لا يحمل إلا على القيام المعهود والمتبادر عند الإطلاق وهو قيام ما قبل الركوع، والألفاظ تحمل على المتبادر والمعهود عند الإطلاق على الصحيح، فإذا أريد به الاعتدال من الركوع جاء مقيدًا، كما أنه إذا أطلق الجلوس في الصلاة لم يطلق إلا على جلوس التشهد، فإذا أريد به الجلوس بين السجدتين جاء مقيدًا، ولذلك لما قال ابن عمر عن النبي ﷺ : (كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام .. ). الحديث رواه مسلم (١). فحمل الفقهاء قوله: (إذا جلس) على التشهد؛ لأنه هو المتبادر عند الإطلاق ولم يحملوه على عمومه، فيشمل حتى جلوس ما بين السجدتين، فكذلك قوله: (إذا كان قائمًا في الصلاة) يحمل على القيام المعهود.

стр. 2005

وقد تكلم أهل الأصول، في العام أيدخل فيه الصور النادرة، وغير المعهودة على قولين، وإذا كان هذا الخلاف في ألفاظ الشارع، وهي ألفاظ محكمة، ومفهومها حجة كمنطوقها، بخلاف ألفاظ الرواة، فإن ألفاظها يدخلها ما يدخلها، ومفهومها ليس بحجة، وحديث: (رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله) ليس لفظًا نبويًّا، فيجب أن يحمل على المتبادر والمعهود من ألفاظهم. وإطلاق القيام في الصلاة على قيام الرفع من الركوع فيه نظر، فالمطلوب هو الاعتدال من الركوع، (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) متفق عليه، فإذا اعتدل قائمًا فقد حصل الفرض المطلوب، فالقيام فيه لتحصيل الطمأنينة، لا من أجل تحصيل القيام، ومقداره لطيف جدًّا فإذا اعتدل وأقام صلبه، ورجع كل عظم إلى مفصله فقد أجزأه ذلك، وما زاد فهو من القدر المسنون، وليس في هذا القيام ذكر واجب، فالتحميد للمأموم من أذكار الرفع، وقد نص أحمد على أن المأموم لا يزيد عليه، وعلى اختيار الإمام أحمد لا يشرع للمأموم ذكر إذا رفع من الركوع. والتحميد في حق الإمام من أذكار الاعتدال، ولا يجب عليه؛ لأن ذِكْرَ الانتقال في حقه هو التسميع، فكان هذا القيام خلوًا من ذكر واجب، وكل ذكر يقال بعد الرفع من الركوع فهو مسنون، وكون النبي ﷺ أحيانًا قد يطيل القيام فيه تبعًا لإطالة الركوع فهذا كما قلت مسنون. وقد اختلف الفقهاء في الاعتدال أهو مقصود لذاته، أم لا، وسبق مناقشة هذا عند الكلام على حكم الاعتدال. الدليل الثالث: لا نعلم أحدًا ذكر عن النبي ﷺ أنه أرسل يديه في الصلاة بعد الركوع، ولا عن الصحابة ﵃ وأرضاهم، فالأصل في هذا الضم كما يضم قبل الركوع، ومن زعم أنه يرسلهما فعليه الدليل، ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان إبقاء للسنة على حالها. • ويجاب عن هذا الدليل: الوجه الأول: القول بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أرسل يديه بعد الركوع، إن كان المقصود

стр. 2006

لم ينقل بهذا اللفظ فمسلَّم، ولا يلزم أن يكون الدليل بلفظ الإرسال، وإن كان المقصود لم ينقل ترك القبض فلا يسلم، (ح-١٧٦٦) فقد روى علقمة بن وائل، وكليب الجرمي عن وائل بن حجر، أنه قال: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ ، كيف يصلي قال: فنظرت إليه، قام، فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، ثم لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها ... ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم سجد ... الحديث. فذكر في القيام الأول: التكبير، والرفع والقبض، وذكر للركوع الرفع، وذكر للاعتدال من الركوع الرفع فقط، فلما كرر النبي ﷺ رفع اليدين في ثلاثة مواضع نقل ذلك وائل بن حجر، ولما لم يكرر القبض لم ينقله، واكتفى بنقل الرفع، ويلزم من ترك القبض الإرسال. الوجه الثاني: القول بأن الأصل في الصلاة ضم اليدين غير مسلم، فإن الأصل بقاء الإنسان على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بسنة، ولا توجد سنة محفوظة في قبض اليدين بعد الرفع من الركوع، قد شرحت هذا فيما سبق. الوجه الثالث: القول بأنه لا يعلم عن أحد من الصحابة ﵃ إرسال اليدين، غير مسلم، فقد نقلت في أدلة القول السابق أثر علي ﵁، أنه كان إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أن يصلح ثوبه، أو يحكَّ جسده (١). [حسنه البيهقي وعلقه البخاري عن علي بصيغة الجزم، وليس فيه حتى يركع] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (وضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، حيث جعل

стр. 2007

منتهى القبض الركوع إلا أن يحك جسده، أويصلح ثوبه، وما بعد حتى مخالف لما قبلها، وعلى فرض أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك، فإنه يعكس، فيقال: لم ينقل عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم القبض فيما بعد الركوع، والإرسال هو الأصل كما بينت في أدلة القول السابق، فلا حاجة فيه إلى دليل فكل شيء لم يرد فيه سنة، فإن الإنسان يبقى على طبيعته، والإرسال هو الوقوف الطبيعي للإنسان، فإذا أراد أن ينتقل عنه إلى صفة أخرى كان مطالبًا بالدليل. • الراجح: في كلا القولين قوة، والأمر واسع ولا ينبغي أن تكون المسألة محل تنازع وتبديع، ولعل غياب النصوص الحاسمة في هذا الموضع يراد منه شرعًا التوسعة على العباد، وإن كنت أميل إلى أن الإرسال أقوى من القبض، والله أعلم. * * *

стр. 2008

الفصل الرابع في صيغ التحميد المشروعه المدخل إلى المسألة: • تنوع الأدعية من كمال الشريعة، وله حكمه وفوائده وأسراره البليغة. •الصفات المتنوعة في العبادة إذا صحت لا يكره شيء منها، ومنها صيغ التحميد، وأدعية الاستفتاح، وتنوع الأذان، والتشهد في الصلاة. •الصفات المتنوعة يشرع الأخذ بكل ما ورد، بشرط ثبوتها، وعدم قيام مانع يمنع من القول بالتنوع، كما لو كانت الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة، واختلفت الروايات في صفتها، فلا سبيل إلى إثبات التنوع فيها. • يلزم من التزام نوع واحد هجر السنن الباقية، وفيه ذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات والتشهد، بخلاف التنوع فإن فيه إحياءً لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابةً للسنة من جميع وجوهها. • تفضيل بعض الصيغ على بعض إذا لم يكن مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول ﷺ لبعضها على بعض، أو لأنه ثبت أن بعضها كان أكثر استعمالًا، أو كان التفضيل عائدًا لكمال المعنى، أو لأن الآخر إنما فعل في حالات قليلة، أو لداعي الحاجة، أو لبيان الجواز، فالأصل التسوية بينها. [م-٦٤٩] ورد للتحميد أربع صيغ. الأولى: ربنا لك الحمد وردت في أحاديث، منها. الحديث الأول: (ح-١٧٦٧) رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به،

стр. 2009

فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث (١). الحديث الثاني: (ح-١٧٦٨) رواه البخاري حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد (٢).

стр. 2010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2012

فأنت ترى طريق ابن شهاب، مع اتحاد مخرجه، قد اختلف أصحابه عليه، ولا تستطيع الترجيح، وأصحابه المختلفون من الطبقة الأولى، بل الواحد منهم يرويه تارة بزيادة الواو، وتارة بحذفها. الحديث الثالث: (ح-١٧٦٩) روى البخاري، حدثنا قتيبة بن سعيد، من طريق ليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أنه قال: خَرَّ رسول الله ﷺ عن فرس، فَجُحِشَ، فصلى لنا قاعدًا فصلينا معه قعودًا، ثم انصرف، فقال: إنما الإمام - أو إنما جعل الإمام - ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث. (١).

стр. 2013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2015

فهذا حديث ابن شهاب عن أنس، رواه الليث في إحدى روايتيه عن ابن شهاب بلفظ: ربنا لك الحمد. ورواه مالك وشعيب، ومعمر، ويونس، عن ابن شهاب، بزيادة الواو. ورواه سفيان بن عيينة، عن الزهري بالصيغ الأربع، والحديث مخرجه واحد، والخلاف بين كبار أصحاب الزهري، فلعل المحفوظ من لفظه رواية الأكثر: (ربنا ولك الحمد)، بزيادة الواو، والله أعلم. الحديث الرابع: (ح-١٧٧٠) رواه مسلم من طريق جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة .... وفيه: ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ... الحديث (١). • الصيغة الثانية: ربنا ولك الحمد، جاءت بأحاديث منها: الحديث الأول: (ح-١٧٧١) روى البخاري من طريق شعيب، قال: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد ... الحديث (٢).

стр. 2016

وقد سبق لك الاختلاف فيه على الزهري، من حديثه عن أنس. ومن حديثه عن أبي بكر بن الحارث، وأبي سلمة، عن أبي هريرة.

стр. 2017

الحديث الثاني: (ح-١٧٧٢) رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (١). الحديث الثالث: (ح-١٧٧٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول (٢). • الصيغة الثالثة: اللهم ربنا لك الحمد دون زيادة الواو، جاءت بأحاديث منها. الحديث الأول: (ح-١٧٧٤) رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه (٣).

стр. 2018

الحديث الثاني: (ح-١٧٧٥) رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، فربما قال: إذا قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد .... الحديث (١). الحديث الثالث: (ح-١٧٧٦) روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاةً ... فذكر قصة، وفيه: ... قال أبو موسى: إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنَّتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: ﷺ : إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فقال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله ﵎، قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمن حمده .... الحديث (٢).

стр. 2019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2021

الحديث الرابع: (ح-١٧٧٧) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد (١). ورواه مسلم، من طريق شعبة، عن يعلى وهو ابن عطاء، سمع أبا علقمة، سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما الإمام جُنَّةٌ، فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودًا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه (٢).

стр. 2022

ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس مولى أبي هريرة، حدثه قال: سمعت أبا هريرة يقول، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد ... الحديث (١). الحديث الخامس: (ح-١٧٧٨) روى مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (٢). الحديث السادس: (ح-١٧٧٩) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (٣). الحديث السابع: (ح-١٧٨٠) ما رواه مسلم من طريق يوسف الماجشون، حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من

стр. 2023

المشركين ... وذكر دعاء الاستفتاح وفيه: وإذا رفع، قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد .... الحديث (١). الصيغة الرابعة: اللهم ربنا ولك الحمد. (ح-١٧٨٢) رواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد (٢). الحديث الثاني: (ح-١٧٨٣) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول في صلاة الفجر، ورفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا ولك الحمد في الأخيرة، ثم قال: اللهم العن فلانًا وفلانًا، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٣). فهذه أربع صيغ في التحميد مأثورة، وأكثر الأحاديث على صيغتين: إحداهما: ربنا ولك الحمد، بزيادة الواو وحذف اللهم، والثانية: اللهم ربنا لك الحمد بزيادة اللهم وحذف الواو. واتفق الفقهاء على جواز هذه الصيغ الأربع، واختلفوا في الأفضل: فالحنابلة اعتمدوا في التفضيل على كثرة الرواية. ولهذا قال ابن رجب: «قال أصحابنا: فإن قال: (ربنا ولك الحمد) فالأفضل إثبات الواو، وإن زاد في أولها: (اللهم) فالأفضل إسقاطها، ونص عليه أحمد في رواية حرب؛ لأن أكثر أحاديثها كذلك» (٤).

стр. 2024

واختار الشافعية التخيير بلا تفضيل بينها، استنادًا على ثبوتها كلها. فكل ما صح عن النبي ﷺ ، فالمصلي مخير بين الصيغ الأربع. واختلف الحنفية في الأفضل. فقال ابن نجيم: «المراد بالتحميد واحد من أربعة ألفاظ: أفضلها: اللهم ربنا ولك الحمد كما في المجتبى، ويليه: اللهم ربنا لك الحمد، ويليه: ربنا ولك الحمد، ويليه المعروف: ربنا لك الحمد، فما في المحيط من أفضلية الثاني فمحمول على أفضليته على ما بعده لا على الكل كما لا يخفى؛ لما صرحوا به من أن زيادة الواو توجب الأفضلية» (١). واختار بعض الحنفية: الأفضل ربنا لك الحمد دون الواو (٢). جاء في العناية: «ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد، وهو أظهر الروايات، وروي: ربنا ولك الحمد، وروي: اللهم ربنا لك الحمد» (٣). وفي شرح الطحاوي نقلًا من البناية شرح الهداية: «اختلفت الأخبار في التحميد، في بعضها يقول: ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا ولك الحمد، والأول أظهر» (٤). ومتون الحنفية تذكر (ربنا لك الحمد) فهل يكون هذا دليلًا على ترجيح القول الثاني، وأنه هو المختار عندهم؟ (٥). وقيل: الأشهر: ربنا ولك الحمد، بالواو. جاء في بدائع الصنائع، قال: «واختلفت الأخبار في لفظ التحميد، في بعضها: ربنا ولك الحمد، وفي بعضها: ربنا لك الحمد، والأشهر الأول» (٦).

стр. 2025

وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوي من الحنفية: أنه لا فرق بين قوله ربنا لك الحمد، وبين قوله: ربنا ولك الحمد (١). فهل أراد أنه لا فرق من حيث المعنى، أم أراد من حيث التفضيل، يحتمل، لكن صاحب تبيين الحقائق وصاحب المحيط ساقوا كلامه في الاختلاف ما هو الأفضل. • الراجح: أرى أن الأمر واسع، والتنوع أكمل، فيعمل هذا تارة، وهذا تارة، إصابة للسنة من جميع وجوهها، والله أعلم. * * *

стр. 2026

الفصل الخامس في تطويل مقدار الاعتدال من الركوع المدخل إلى المسألة: • الخير والبركة والثواب كله في اتباع السنة تطويلًا أو تخفيفًا، فما ورد عن النبي ﷺ تخفيفه أو تطويله فالأفضل اتباعه فيه؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل إلا الأفضل. • السنة في الركوع والسجود والاعتدال منهما أن تكون قريبًا من السواء. • كان النبي ﷺ أحيانًا يخفف قيامه وأحيانًا يطيله بحسب اختلاف الأحوال والأوقات، والركوع والسجود والاعتدال تبع لذلك. • إطالة ما ورد فيه التخفيف، أو تخفيف ما ورد فيه الإطالة مخالف للسنة ومنقص لبركة العبادة، ولا يبطل الصلاة إذا لم يؤثر ذلك على الأركان والواجبات. • مصلحة مراعاة أحوال المأموم أولى من مصلحة مراعاة بعض السنن، قال ﷺ : اقتد بأضعفهم، وذم الرسول ﷺ المنفرين عن الجماعة. [م-٦٥٠] اختلف الفقهاء في حكم تطويل مقدار الاعتدال من الركوع بالذكر: فقيل: لا يشرع طول القيام بعد رفع الرأس من الركوع، هذا مذهب الحنفية والمالكية، وعبر الدسوقي من المالكية: فقال: يسن ترك التطويل في الرفع من الركوع ومن السجود زيادة على الطمأنينة وعلى الزائد عليها استنانًا (١). وقيل: يحرم التطويل، وهذا مذهب الشافعية، واختلفوا في بطلان صلاته إذا فعله عمدًا على ثلاثة أقوال، أصحها بطلان صلاته إلا حيث ورد الشرع بالتطويل

стр. 2027

كالقنوت في موضعه، والتسبيح في صلاة التسابيح، وهذا مذهب الشافعية (١). ومقدار التطويل المحرم عندهم أن يزيد على الذكر المشروع فيه قدر الفاتحة في الاعتدال، ويزيد على أقل التشهد في الجلوس (٢). جاء في روضة الطالبين: «الاعتدال عن الركوع ركن قصير، أُمِر المصلي بتخفيفه، فلو أطاله عمدًا بالسكوت أو القنوت أو بذكر آخر ليس بركن، فثلاثة أوجه: أصحها عند إمام الحرمين وقطع به صاحب التهذيب: تبطل صلاته إلا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت، أو في صلاة التسبيح. والثاني: لا تبطل. والثالث: إن قنت عمدًا في اعتداله في غير موضعه بطلت. وإن طول بذكر آخر لا يقصد القنوت لم تبطل» (٣). وقيل: يشرع له تطويله بما ليس ركنًا في الصلاة كالفاتحة والتشهد، رجحه النووي والأذرعي من الشافعية (٤). قال الأذرعي: إنه الصحيح مذهبًا ودليلًا، ونقله عن نص الشافعي (٥). واستحب ابن القيم تطويل هذين الركنين (٦). • دليل من قال: يسن ترك التطويل في الاعتدال من الركوع: الدليل الأول: (ح-١٧٨٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال:

стр. 2028

أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد .... هذا لفظ البخاري، ورواه مسلم بالإسناد نفسه إلا أنه أحال في لفظه على رواية ابن جريج، عن الزهري، ولفظه مطابق للفظ عقيل (١). ورواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد ... الحديث (٢). الدليل الثاني: (ح-١٧٨٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (٣). الدليل الثالث: (ح-١٧٨٦) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (٤).

стр. 2029

فظاهر هذه الأحاديث أن كان يكتفي بذلك، وهو دليل على أنه ركن قصير. • دليل من قال: يحرم تطويل الاعتدال من الركوع على القدر المسنون: قالوا: المصلي مأمور بتخفيف هذا الركن، ولهذا لا يسن فيه تكرار الذكر المشروع، بخلاف التسبيح في الركوع والسجود، وكأنه ليس مقصودًا لنفسه، بل للفصل بين الركوع والسجود، وإنما وجبت فيه الطمأنينة ليكون المصلي على سكينة، فإذا كان مأمورًا بالتخفيف فإن تطويله تغيير لوضعه كما لو قصر الطويل فلم يتم الواجب. ولأن تطويله يخل بالموالاة بين أركان الصلاة، سواء طوله بسكوت، أوقنوت في غير موضعه، أو ذكر آخر (١). قال ابن دقيق العيد: «وفائدة الخلاف فيه: أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة. ومن هذا قال بعض أصحاب الشافعي: إنه إذا طوله بطلت الصلاة، وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركنًا، كقراءة الفاتحة أو التشهد» (٢). وخرج بعض الشافعية البطلان على تطويل جلسة الاستراحة عمدًا (٣). • ويناقش: لا نسلم أن المصلي مأمور بالتخفيف، انظر أدلة من قال: يشرع التطويل. كما أن تكرار الذكر في القيام مختلف فيه، فيرى بعضهم أنه يستحب تكرار التحميد إذا أطال الركوع والسجود حتى يقرب قيامه من ركوعه وسجوده، ويحتج بحديث حذيفة عند أحمد، وأن النبي ﷺ كان يقول: لربي الحمد (٤)، وسبق تخريجه في المسألة السابقة. ولو سلمنا أنه مأمور بالتخفيف، فإن التخفيف يكون سنة، لا واجبًا، ومخالفة

стр. 2030

السنة تنقص من ثواب الطاعة، ولا تبطل الصلاة، ولذلك فالسنة في قراءة الفجر أن تكون من الطوال، ولو خففها لم تبطل بالاتفاق، فكذلك العكس. والقول بأنه يخل بالموالاة بين أفعال الصلاة غير مسلم، لأن معنى الموالاة ألا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها، فلا يلزم من تطويل الأركان فوات الموالاة، فالزائد على المشروع إذا كان متصلًا به أخذ حكمه كما لو طول القيام والركوع والسجود عن القدر الواجب. كما أن القول بأنه يخل بالموالاة مبني على أنه ركن قصير، وأن تقصيره ملحق بالواجبات، وكلاهما غير مسلم. ولا يصح القياس على تطويل جلسة الاستراحة؛ لأن تسميتها جلسة اصطلاح فقهي، فالجلوس فيها هي صفة في النهوض، لا يقصد فيها الجلوس، فإذا طولها عمدًا أحدث جلسة في صلاته، وخرجت عن كونها صفة في النهوض. • دليل من قال: يشرع التطويل الدليل الأول: (ح-١٧٨٧) ما رواه مسلم من طريق حماد (يعني ابن سلمة)، أخبرنا ثابت، عن أنس، قال: ما صليت خلف أحدٍ أوجز صلاةً من صلاة رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ ، إذا قال: سمع الله لمن حمده قام، حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم (١). قوله: (أوهم في صلاته): أي وقع في الوهم، بأن نسي أنه في الاعتدال من الركوع، وليس في القيام. قال بعضهم: هذا يفعله على الدوام لقوله: (كان) الدالة على المواظبة. ويحتمل أنه يفعله أحيانًا؛ لأنه لو كان هذا دأبه في الصلاة لم ينسب إذا فعله إلى

стр. 2031

الوهم؛ لاعتيادهم عليه، وإنما ينسب إلى الوهم إذا فعل فعلًا على خلاف العادة. قال الطحاوي: قوله: «(حتى نقول قد أوهم) يوهم أن العادة جرت على خلافه؛ لأنه يحتمل أنه كان يفعله مرة ويتركه مرة». ولأن أدلة القول الأول هي أدلة فعلية، وهي نص بأن النبي ﷺ ربما اقتصر على قول ربنا ولك الحمد في اعتداله من الركوع. وإذا كان قيام النبي ﷺ في الصلوات متفاوتًا، فكذلك قيامه من الركوع والسجود، فقد نقل في السنة أنه يصلي الظهر حتى يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ويعود إلى أهله فيتوضأ، ويدرك الركعة الأولى، ونقل أيضًا أنه قرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل مثل ذلك في سائر صلاته، فالمغرب ربما قرأ فيها من الطوال، وربما قرأ فيها من قصار المفصل، وإذا كان هذا شأنه في القيام، فقل مثل ذلك في الاعتدال من الركوع والسجود. قال النووي: «كله يدل على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات» (١). وهو محمول على صلاة الفريضة جماعة؛ لأنه قارن بين فعل النبي ﷺ وفعل خليفتيه، وقد حمله بعضهم على النافلة، وهو خلاف إطلاق الحديث. الدليل الثاني: (ح-١٧٨٨) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتَعَوُّذٍ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده،

стр. 2032

ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (١). هذا وإن كان في صلاة النافلة، فإذا كان لا يبطل النافلة لم يبطل الفريضة، وأما استحباب التطويل في الجماعة فهو مقيد بما لا يشق على المأمومين؛ لحديث: إذا أم أحدكم في الناس فليخفف. الدليل الثالث: (ح-١٧٨٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، قال: كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء. هذا لفظ البخاري (٢). فكان النبي ﷺ يسوي بين المواضع الأربعة: الركوع، والاعتدال منه والسجود، والجلسة بين السجدتين فيمكث فيها زمنًا قريبًا من السواء، وظاهره في الفرض والنفل ما لم يشق ذلك على المأمومين؛ لأن الأمور المستحبة لا يلزم بها المأموم. • الراجح: أن الاعتدال من الركوع والسجود تبع لمقدار الركوع والسجود، والركوع والسجود يسن إطالتهما أوتخفيفهما تبعًا لتخفيف القيام وطوله، فإذا كانت السنة في الصلاة تخفيف القيام فإنه يخفف الركوع والسجود، والاعتدال تبع لهما، وإذا كانت السنة في الصلاة إطالة القيام فإن الركوع والسجود يشرع تطويلهما، والاعتدال تبع لهما. فسنة الفجر وركعتا الطواف، ونحوهما السنة تخفيفها، وصلاة الفجر وقيام الليل السنة تطويل القيام، فيطيل الركوع والسجود والاعتدال على ما جاء في حديث البراء، وحديث حذيفة، والله أعلم. * * *

стр. 2033

الباب العشر في أحكام السجود تمهيد المبحث الأول في تعريف السجود تعريف السجود اصطلاحًا (١): يختلف تعريف السجود في الصلاة عند الفقهاء بحسب اختلافهم في الأعضاء التي يجب السجود عليها، فالجمهور خلافًا لأبي حنيفة يتفقون على وجوب وضع الجبهة على الأرض، ويختلفون في وجوب السجود على الباقي كالأنف واليدين والركبتين والقدمين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فتعريف السجود على مذهب أبي حنيفة: وضع بعض الجبهة أو الأنف على الأرض أو ما يقوم مقامها. وتعريف السجود بحسب مذهب الجمهور: وضع بعض الجبهة على الأرض أو ما يقوم مقامها (٢).

стр. 2034

وتعريفه بحسب مذهب الحنابلة: وضع بعض الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين على الأرض أو ما في حكمها. وإذا أحببنا أن نضع تعريفًا يطوي الخلاف بين الجمهور والحنابلة يمكن أن نقول: السجود: هو التعبد لله بوضع ما يجب وضعه في السجود على الأرض أو ما في حكمها تعبدًا لله تعالى (١). ولمعرفة ما يجب وضعه في السجود راجع حكم صفة السجود المجزئة، فقد خصصت مبحثًا خاصًّا يكشف لك اختلاف الفقهاء. * * *

стр. 2035

المبحث الثاني في مقام السجود من العبادة الفرع الأول في فضل السجود [م-٦٥١] السجود هو الخضوع لله، وهو على نوعين: خضوع كوني لحكم الله وقهره وإرادته القدرية، وهذا يقع من جميع المخلوقات قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَال﴾ [الرعد: ١٥]. وخضوع شرعي، وهو التذلل لله والخضوع له بوضع أعلى ما في الإنسان على الأرض تعبدًا له سبحانه، عند وجود أسبابه الشرعية، كالصلاة، ومواضع سجود التلاوة والشكر وذلك لتجدد النعم واندفاع النقم. والساجد أذل ما يكون لربه، وأخضع له، وذلك أشرف حالات العبد، فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحالة، وبأن السجود هو سر العبودية، فإن العبودية هي غاية الذل مع كمال الحب، يقال: طريق معبد، أي ذللته الأقدام ووطأته، وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا (١). وقد ورد فضل السجود في الكتاب والسنة، من ذلك: أن الله أطلق السجود على كامل الصلاة، لأهميته منها. قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَأَىئِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والمعنى: إذا سجدوا: أي إذا أكمل الذين معك صلاتهم وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها (٢).
следующие страницы →