الوهم؛ لاعتيادهم عليه، وإنما ينسب إلى الوهم إذا فعل فعلًا على خلاف العادة.
قال الطحاوي: قوله: «(حتى نقول قد أوهم) يوهم أن العادة جرت على خلافه؛ لأنه يحتمل أنه كان يفعله مرة ويتركه مرة».
ولأن أدلة القول الأول هي أدلة فعلية، وهي نص بأن النبي ﷺ ربما اقتصر على قول ربنا ولك الحمد في اعتداله من الركوع.
وإذا كان قيام النبي ﷺ في الصلوات متفاوتًا، فكذلك قيامه من الركوع والسجود، فقد نقل في السنة أنه يصلي الظهر حتى يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ويعود إلى أهله فيتوضأ، ويدرك الركعة الأولى، ونقل أيضًا أنه قرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل مثل ذلك في سائر صلاته، فالمغرب ربما قرأ فيها من الطوال، وربما قرأ فيها من قصار المفصل، وإذا كان هذا شأنه في القيام، فقل مثل ذلك في الاعتدال من الركوع والسجود.
قال النووي: «كله يدل على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات» (١).
وهو محمول على صلاة الفريضة جماعة؛ لأنه قارن بين فعل النبي ﷺ وفعل خليفتيه، وقد حمله بعضهم على النافلة، وهو خلاف إطلاق الحديث.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٨٨) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر،
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتَعَوُّذٍ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده،
стр. 2032
ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (١).
هذا وإن كان في صلاة النافلة، فإذا كان لا يبطل النافلة لم يبطل الفريضة، وأما استحباب التطويل في الجماعة فهو مقيد بما لا يشق على المأمومين؛ لحديث: إذا أم أحدكم في الناس فليخفف.
الدليل الثالث:
(ح-١٧٨٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الحكم، عن ابن أبي ليلى،
عن البراء، قال: كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء. هذا لفظ البخاري (٢).
فكان النبي ﷺ يسوي بين المواضع الأربعة: الركوع، والاعتدال منه والسجود، والجلسة بين السجدتين فيمكث فيها زمنًا قريبًا من السواء، وظاهره في الفرض والنفل ما لم يشق ذلك على المأمومين؛ لأن الأمور المستحبة لا يلزم بها المأموم.
• الراجح:
أن الاعتدال من الركوع والسجود تبع لمقدار الركوع والسجود، والركوع والسجود يسن إطالتهما أوتخفيفهما تبعًا لتخفيف القيام وطوله، فإذا كانت السنة في الصلاة تخفيف القيام فإنه يخفف الركوع والسجود، والاعتدال تبع لهما، وإذا كانت السنة في الصلاة إطالة القيام فإن الركوع والسجود يشرع تطويلهما، والاعتدال تبع لهما. فسنة الفجر وركعتا الطواف، ونحوهما السنة تخفيفها، وصلاة الفجر وقيام الليل السنة تطويل القيام، فيطيل الركوع والسجود والاعتدال على ما جاء في حديث البراء، وحديث حذيفة، والله أعلم.
* * *
стр. 2033
الباب العشر في أحكام السجود
تمهيد
المبحث الأول في تعريف السجود
تعريف السجود اصطلاحًا (١):
يختلف تعريف السجود في الصلاة عند الفقهاء بحسب اختلافهم في الأعضاء التي يجب السجود عليها، فالجمهور خلافًا لأبي حنيفة يتفقون على وجوب وضع الجبهة على الأرض، ويختلفون في وجوب السجود على الباقي كالأنف واليدين والركبتين والقدمين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فتعريف السجود على مذهب أبي حنيفة: وضع بعض الجبهة أو الأنف على الأرض أو ما يقوم مقامها.
وتعريف السجود بحسب مذهب الجمهور: وضع بعض الجبهة على الأرض أو ما يقوم مقامها (٢).
стр. 2034
وتعريفه بحسب مذهب الحنابلة: وضع بعض الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين على الأرض أو ما في حكمها.
وإذا أحببنا أن نضع تعريفًا يطوي الخلاف بين الجمهور والحنابلة يمكن أن نقول:
السجود: هو التعبد لله بوضع ما يجب وضعه في السجود على الأرض أو ما في حكمها تعبدًا لله تعالى (١).
ولمعرفة ما يجب وضعه في السجود راجع حكم صفة السجود المجزئة، فقد خصصت مبحثًا خاصًّا يكشف لك اختلاف الفقهاء.
* * *
стр. 2035
المبحث الثاني في مقام السجود من العبادة
الفرع الأول في فضل السجود
[م-٦٥١] السجود هو الخضوع لله، وهو على نوعين:
خضوع كوني لحكم الله وقهره وإرادته القدرية، وهذا يقع من جميع المخلوقات قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَال﴾ [الرعد: ١٥].
وخضوع شرعي، وهو التذلل لله والخضوع له بوضع أعلى ما في الإنسان على الأرض تعبدًا له سبحانه، عند وجود أسبابه الشرعية، كالصلاة، ومواضع سجود التلاوة والشكر وذلك لتجدد النعم واندفاع النقم.
والساجد أذل ما يكون لربه، وأخضع له، وذلك أشرف حالات العبد، فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحالة، وبأن السجود هو سر العبودية، فإن العبودية هي غاية الذل مع كمال الحب، يقال: طريق معبد، أي ذللته الأقدام ووطأته، وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا (١).
وقد ورد فضل السجود في الكتاب والسنة، من ذلك:
أن الله أطلق السجود على كامل الصلاة، لأهميته منها.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَأَىئِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والمعنى: إذا سجدوا: أي إذا أكمل الذين معك صلاتهم وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها (٢).
стр. 2036
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ﴾ [السجدة: ١٥].
قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ [الزمر: ٩].
(ح-١٧٩٠) وروى الشيخان من طريق عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة من حديث طويل في صفة البعث والشفاعة، وفيه: ( ... كل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود ... ). الحديث (١).
(ح-١٧٩١) ومنها ما رواه مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة،
حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود (٢).
فهذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي ﷺ إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود.
(ح-١٧٩٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: عليك بكثرة
стр. 2037
السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (١).
فدل على أن السجود من أعظم أسباب نيل المطلوب وهو رفع الدرجات، وفي زوال المرهوب، وهو تكفير السيئات.
الدليل الثالث:
(ح-١٧٩٣) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (٢).
فالمصلي قريبٌ من الله في كل حالاته وأقرب (أفعل التفضيل) ما يكون، وهو ساجد، وفي هذا دليل على فضل السجود لله .
* * *
стр. 2038
الفرع الثاني في تفضيل كثرة السجود على طول القيام
المدخل إلى المسألة:
• خص القيام بالقراءة، والركوع بتعظيم الرب، والسجود بكثرة الدعاء.
• القيام أفضل من السجود بذكره، والسجود أفضل بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة المنفكة عن الفاعل.
• يختار الفاعل من طول القيام أو كثرة السجود ما كان أنفع لقلبه، وأنشط على العبادة، فإن الله لا يمل حتى تملوا.
• كون السجود لا يقع إلا عبادة، بخلاف القيام فمنه العادة، ومنه العبادة لا يقتضي تفضيل السجود؛ فإن التسبيح والتهليل والذكر لا يقع إلا عبادة، والقيام بالصلاة أفضل منه.
• أفضل الصلاة طول القنوت، أي دوام الطاعة، فهو بمعنى حديث عائشة: أحب الأعمال إلى الله أدومها.
[م-٦٥٢] قال ابن رشد: «لا اختلاف في أن الكثير من الصلاة أفضل من القليل، وإنما اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء مدة الصلاة» (١).
فقيل: طول القيام أفضل، وهو قول الإمام أبي حنفية، وأحد القولين عن محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، وأحد القولين عند المالكية، واستظهره ابن رشد في التحصيل، وهو رواية عن أحمد (٢).
стр. 2039
قال الكاساني: «قال أصحابنا: طول القيام أفضل» (١).
وجاء في كنز الدقائق: «وطول القيام أحب من كثرة السجود» (٢).
وقيل: كثرة السجود أفضل، وهو أحد القولين عن محمد بن الحسن، وأحد القولين في مذهب المالكية، واستظهره الدردير في الشرح الكبير، وهو رواية عن أحمد، قال في الإنصاف: والصحيح من المذهب: أن كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام (٣).
جاء في مختصر خليل: «وهل الأفضل كثرة السجود، أو طول القيام، قولان» (٤)، فأطلق الخلاف، قال الدردير في شرحه: «ولعل الأظهر الأول» (٥).
وقال أبو يوسف من الحنفية: إذا كان له ورد من الليل بقراءة من القرآن
стр. 2040
فالأفضل أن يكثر عدد الركعات، وإلا فطول القيام أفضل (١).
وقيل: كثرة الركوع والسجود أفضل في النهار، وطول القيام أفضل في الليل، اختاره بعض المالكية، وبعض الحنابلة، وبه قال إسحاق بن راهويه واستثنى رجلًا له جزء يحييه بالليل يأتي عليه بالليل، فكثرة الركوع والسجود أحب إِلَيَّ؛ لأنه يأتي على جزئه، وقد ربح الركوع والسجود (٢).
وقيل: هما سواء، وبه قال أشهب من المالكية، وهو رواية عن أحمد (٣).
وتوقف الإمام أحمد في رواية، فقد سئل، فقال: فيه حديثان، ولم يَقْضِ فيه بشيء، يشير إلى حديث جابر، وحديث كعب، وسيأتي الاستدلال بهما (٤).
والتوقف ليس من أحكام الشرع، فالمتوقف هو ملتبس عليه الأمر، فلم يحرر في المسألة قولًا، وله أسباب كثيرة، وفي هذه المسألة قد يكون التوقف لتعارض الأدلة.
وقيل: يتبع المصلي ما كان أنفع لقلبه، وهو يختلف من شخص لآخر، اختاره بعض شيوخ المالكية (٥).
هذه مجمل الأقوال في المسألة:
• دليل من قال: طول القيام أفضل:
الدليل الأول:
(ح-١٧٩٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،
стр. 2041
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : أفضل الصلاة طول القنوت (١).
ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (٢).
وجه الاستدلال:
قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (٣).
فهو نص في محل النزاع، حيث دل أفعل التفضيل على تفضيل القيام على غيره من أركان الصلاة.
• ونوقش:
بأن القيام هو أحد الأقوال في تفسير القنوت، ولم يتفق العلماء على هذا التفسير، وأصل القنوت دوام الطاعة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]. فتناول القنوت حال السجود كما تناول حال القيام.
فيكون حديث جابر بمعنى حديث عائشة: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل (٤).
قال تعالى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون﴾ [البقرة: ١١٦]: أي مطيعون، سواء، أكانت طاعة اختيار كالطاعة الشرعية أم كانت طاعة كونية قدرية، بمعنى الخضوع لحكمه وقهره.
وقال تعالى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون﴾ [البقرة: ٢٣٨]، لا يصح أن يفسر القنوت بالقيام؛ لأن التقدير سيكون، وقوموا لله قائمين.
وقد قيل في تفسيرها: قوموا لله في صلاتكم مطيعين له فيما أمركم به فيها، ونهاكم عنه، وممن قال ذلك مجاهد والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء ومقاتل (٥).
ونظيرها، قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين﴾ [التحريم: ١٢]، يعني من المطيعين (٦).
قال تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، أي الطائعين والطائعات.
стр. 2042
وقيل: القنوت: السكوت، لحديث زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت (١).
• ورد هذا:
(ح-١٧٩٥) بأن أبا داود روى في سننه، فقال: حدثنا ابن حنبل يعني أحمد، حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج أخبرني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير،
عن عبد الله بن حبشي الخثعمي، أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام (٢).
[المحفوظ مرسلًا، بلفظ (طول القنوت)] (٣).
الدليل الثاني:
ولأن طول القيام هو فعل النبي ﷺ ، حيث كان يقوم من الليل حتى تتورم
стр. 2045
قدماه، ولا يزيد على إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة (١).
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: «في الأخبار المروية في صفة صلاة النبي ﷺ بالليل دليل على اختياره طول القيام، وتطويل الركوع والسجود، لا على كثرة الركوع والسجود، وذلك أن أكثر ما صح عن النبي ﷺ أنه صلى من الليل ثلاث عشرة ركعة بالوتر، وقد صلى إحدى عشرة ركعة، وتسع ركعات وسبعًا فطول فيها القراءة والركوع والسجود جميعًا، فذلك دليل على تفضيل التطويل على كثرة الركوع والسجود» (٢).
الدليل الثالث:
ولأن قراءة القرآن تكثر بطول القيام، وله بكل حرف عشر حسنات، وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح، ولأن القيام ركن، والقراءة ركن، فيجتمع في طول القيام ركنان، وفي الركوع والسجود ركن وسنة.
الدليل الرابع:
أن الله خص القيام بأشرف الأذكار وهو قراءة القرآن، فكان ركنه أفضل الأركان، وخص السجود بالتسبيح والدعاء، ولا مقارنة بينهما.
• ونوقش:
بأن هذا التفضيل راجع إلى الأذكار، فالسجود في نفسه أفضل من القيام وإن كان ذكر القيام أفضل.
• دليل من قال: كثرة السجود أفضل من طول القيام:
الدليل الأول:
(ح-١٧٩٦) ما رواه مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة،
حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال:
стр. 2046
أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود (١).
وجه الاستدلال:
بأن هذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي ﷺ إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود.
• ويناقش:
بأن كثرة السجود كناية عن كثرة الصلاة ولا يلزم منه تقصير القيام، جمعًا بينه وبين ما اختاره النبي ﷺ لنفسه حيث كان يطيل القيام، ولا يتجاوز إحدى عشرة ركعة، كما في حديث عائشة ﵂، وجمعًا بينه وبين حديث جابر ﵁، أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت.
الدليل الثاني:
(ح-١٧٩٧) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (٢).
• ويناقش:
ترتب هذا الثواب على السجود لا يلزم منه أن يكون أفضل من القيام، فإن هذا الثواب قد ترتب على من خرج إلى المسجد متطهرًا لا يخرجه إلا الصلاة، علمًا أن المشي إلى الصلاة من الوسائل وليس مقصودًا لذاته:
ففي حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال رسول الله ﷺ : إذا توضأ، فأحسن
стр. 2047
الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (١).
وفي رواية للبخاري: لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (٢).
ولا شك أن أجر القيام في الصلاة أعظم من أجر المشي إليها.
الدليل الثالث:
(ح-١٧٩٨) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (٣).
• ونوقش:
بأن هذا الفضل للسجود من حيث سماع الدعاء، ولهذا قال: فأكثروا من الدعاء، فالقيام خص بالقرآن، والركوع خص بكثرة التعظيم للرب، والسجود خص بكثرة الدعاء لحظ العبد، وليس تخصيصه بالدعاء بأشرف من تخصيص القيام بقراءة القرآن، ومناجاة الرب بكلامه.
الدليل الرابع:
أن السجود لا يقع إلا عبادة، فلا يباح بحال إلا لله، ويجب في الفرض والنفل، والقيام منه ما هو عبادة، ومنه ما ليس كذلك، فيباح في غير الصلاة للوالدين وللعالم، ويسقط في النفل مع القدرة عليه، فما تمحض للعبادة كان أشرف.
• ونوقش:
كون السجود لا يقع إلا عبادة، لا يعني تفضيله على عبادة القيام، فالتسبيح
стр. 2048
والتهليل وسائر الأذكار لا يقع إلا عبادة، ولا يعني تفضيلها على القيام في الصلاة.
• دليل من قال: تفضيل طول القيام بالليل وكثرة السجود بالنهار.
الدليل الأول:
أن صلاة الليل قد خصت باسم القيام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [المزمل: ٢].
(ح-١٧٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن زياد هو ابن علاقة،
أنه سمع المغيرة، يقول: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا (٢).
الدليل الثالث:
(ح-١٨٠١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه أخبره،
أنه سأل عائشة ﵂، كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا (٣).
стр. 2049
فذكرت عائشة محافظة النبي ﷺ على العدد، وكان القيام يتفاوت، فربما قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة كما في حديث حذيفة في مسلم (١).
وربما قرن بين النظائر من المفصل، عشرين سورة، سورتين في كل ركعة كما في حديث ابن مسعود ﵁ (٢).
مما يدل على أن النبي ﷺ كان يتطلب طول القيام في صلاة الليل، تبعًا لنشاطه، وحافظ على العدد، فلم يتطلب كثرة السجود، وأما في النهار فكان يخفف السنن.
• دليل من قال: القيام أفضل إلا لمن كان له ورد من الليل:
قالوا: لأن القيام في صلاته لا يختلف إذا قدره في ورد معين، ويربح كثرة الركوع والسجود.
• دليل من قال: هما سواء:
في كل منهما فضيلة تخصه، فالقيام أفضل بذكره، والسجود أفضل بهيئته، فاستويا في الفضيلة.
• دليل من قال: يتبع المصلي ما هو أنفع لقلبه:
كُلٌّ من طول القيام وكثرة السجود عمل حسن، فإذا كان المصلي يرى في طول القيام أنه أنفع لقلبه، وذلك بتلذذه بترتيل القرآن، وتدبره، والوقوف عند آية الرحمة، ليسأل، وعند آية العذاب ليستعيذ، فطول القيام في حقه أفضل، وإذا كان ما معه من القرآن قليلًا، ويتلذذ بإظهار التذلل والافتقار، وكثرة الإلحاح بالدعاء فالسجود في حقه أفضل، والله أعلم.
• الراجح:
القيام أفضل من السجود من حيث الذكر، والسجود أفضل من القيام بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة، وأما من حيث ما يفعله المتنفل ويختاره لنفسه،
стр. 2050
فأرى أن يتبع ما هو أنفع لقلبه، وأنشط على العبادة؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن كانت السنة جارية بأنه إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، والله أعلم.
* * *
стр. 2051
الفصل الأول في حكم السجود
المدخل إلى المسألة:
• الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية، وقد اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانًا.
• كل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة.
• قال ﷺ : ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فأمره بالسجود، والأصل في الأمر الوجوب.
• لا يختلف العلماء أن السجود ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه.
• السجود قربة داخل الصلاة مطلقًا، وقربة خارج الصلاة إن كان له سبب شرعي صحيح، من سهو، أو تلاوة، أو شكر، ولا يتقرب به إلى الله بلا سبب.
[م-٦٥٣] السجود إن كان في الصلاة فهو ركن بالاتفاق لا تتم الصلاة إلا به، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، والآية دليل على أن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وقد سبق الكلام على مثل هذا في حكم الركوع.
وأما السنة، فأحاديث كثيرة، منها
(ح-١٨٠٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
стр. 2052
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها (١).
وجه الاستدلال من أكثر من وجه:
الأول: قوله: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فأمره بالسجود، وبالطمأنينة فيه. والأصل في الأمر الوجوب.
وقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فكان التقصير بالسجود وبالطمأنينة فيه موجبًا لإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد العبادة، وقد نفى عنه الصلاة الشرعية، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل أركانها.
وأما السجود خارج الصلاة فإن كان له سبب، من سهو، أو تلاوة، أو شكر لحصول نعمة أو دفع نقمة، فهذا سجود مشروع.
[م-٦٥٤] وأما التقرب بالسجود خارج الصلاة من غير سبب، ففيه وجهان للشافعية،:
أحدهما: يجوز، وصححه المحب الطبري الشافعي (٢)، ويمكن أن يستدل له بما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فأمرهم بالسجود، فدل على أنه عبادة مستقلة، وإن كان جزءًا من الصلاة.
• ونوقش:
الأمر بالسجود: أمر بالصلاة، وأطلق السجود على الصلاة لكونه ركنًا فيه، كما
стр. 2053
تقدم مثل ذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فإنه لا يوجد ركوع مستقل عن الصلاة، فكذلك السجود، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٣) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة؟ أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (١).
ويجاب عنه بما أجيب به الآية الكريمة، فالعلماء فهموا منه كثرة السجود في الصلاة، ولهذا تكلموا في أيهما أفضل، طول القيام في الصلاة أم كثرة السجود، كما سيأتي بحث ذلك في مسألة تالية إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
إذا جاز التقرب بالسجود على وجه الاستقلال عن الصلاة بسبب جاز التقرب بالسجود بغير سبب كالركعة، وبه فارق السجود الركوع فإنه لم يشرع استقلالًا مطلقًا، لا بسبب، ولا بغيره.
• ونوقش:
بأن القُرَبَ يشترط لفعلها إما إذن من الشارع بالفعل مطلقًا، أو سبب شرعي صحيح يُجَوِّز فعلها، فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى
стр. 2054
بسجدة منفردة، وإن كانت قربة.
والوجه الثاني:
لا يجوز السجود بلا سبب، وهو مذهب الحنفية، وبه قال إمام الحرمين والغزالي ورجحه الرافعي، وهو الصحيح عندهم، ويمكن تخريجه على مذهب كراهة الإمام مالك سجود الشكر لانفراده عن الصلاة بحجة أن النبي ﷺ لم يفعله، ولم يأذن بفعله، فالسجدة التي لا سبب لها أولى بالمنع (١).
واستدلوا على التحريم:
بأن العبادات توقيفية، تفتقر إلى إذن من الشارع، والأصل فيها الحظر إلا بدليل، ولا دليل على جواز التعبد بالسجود دون سبب شرعي.
وقياسًا على الركوع، فإنه لو تطوع بركوع مفرد، كان حرامًا بالاتفاق، فكذلك السجود، والله أعلم.
* * *
стр. 2055
الفصل الثاني في صفة السجود
المبحث الأول في صفة التجزئة
السجود ركن من أركان الصلاة، له أقلُّ، وله أكمل.
أما أقلُّه فهو ما اشتمل على أمرين، واختلف في الثالث:
الأول: أن يسجد على الأعضاء التي يجب السجود عليها.
وهذا موضع قد اختلف الفقهاء فيه اختلافًا كبيرًا، حتى تجد في المذهب الواحد أقوالًا وروايات مختلفة، لهذا سيكون ذكر أقل ما يجزئ ينبني على تحرير الخلاف في هذه المسألة، واختيار الراجح منها، وهو اجتهاد يخطئ الباحث فيه ويصيب، ويكفي القارئ أن يقف على أقوال الأئمة في هذه المسألة، وأما اختياري فهو يعنيني أنا بالدرجة الأولى، وكونه صوابًا أو خطأ فالأجر من الله على الحالين، وهو بين يدي القارئ ليمحصه، ويتفحصه، ويختار منه ما يراه صوابًا، وقد بذلت وسعي، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
الثاني: أن يطمئن في السجود، فما لم يطمئن في سجوده فكأنه لم يسجد، كما قال ﷺ للمسيء (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فإذا سجدت على ما يجب عليك السجود عليه، وحققت الطمأنينة كما قال ﷺ : (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فقد فعلت أقل ما يجزئ في السجود.
الثالث: التسبيح فيه إما مطلقًا أو بلفظ: (سبحان ربي الأعلى) وهذا على مذهب الحنابلة، وهو مذهب مرجوح، والجمهور على استحباب التسبيح.
стр. 2056
إذا عرفت ذلك نأتي لبيان هذين الأمرين، وسوف أقدم الخلاف في الطمأنينة في السجود؛ لأن البحث فيها لن يتفرع، ثم أنتقل إلى مسألة بيان الأعضاء التي يجب السجود عليها في أقوال أئمتنا وفقهائنا، أسأل الله وحده العون والتوفيق
* * *
стр. 2057
الفرع الأول في وجوب الطمأنينة في السجود
المدخل إلى المسألة
• الصلاة الشرعية: ما جمعت شيئين: القيام بالأركان، والطمأنينة فيها، وترك أحدهما مبطل مطلقًا، بخلاف الواجب فسهوه لا يبطل بالاتفاق، وفي إبطال الصلاة بتعمد تركه خلاف.
• الطمأنينة وصف زائد على مجرد الركوع والسجود والاعتدال منهما.
• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته.
• حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة.
• قال ﷺ للمسيء صلاته: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، وحين طلب منه التعليم، قال فيما قال له: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، فدل على أن الاطمئنان في السجود تنتفي الصلاة بانتفائه، وهذا دليل على ركنيته.
[م-٦٥٥] اختلف العلماء في حكم الطمأنينة في السجود:
فقيل: الطمأنينة سنة في الصلاة كلها، وهو تخريج ضعيف في مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية (١).
стр. 2058
وقيل: الطمأنينة فرض فيها كلها، وبه يقول أبو يوسف من الحنفية، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة، وقال خليل في التوضح: على الأصح، واختاره ابن الحاجب والجلاب واللخمي من المالكية (١).
стр. 2059
والمقصود بالفرض الركنية، وهذان قولان متقابلان.
جاء في مجمع الأنهر: «وعند أبي يوسف والأئمة الثلاثة ... فرض في الكل» (١).
وقيل: الطمأنينة واجبة، وليست بفرض، وهو المشهور من مذهب الحنفية (٢).
قال في البحر الرائق: «تسكين الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن مفاصله .... واجب على تخريج الكرخي، وهو الصحيح كما في شرح المنية، والذي نقله الجَمُّ الغفير أنه واجب عند أبي حنيفة ومحمد، فرض عند أبي يوسف» (٣).
هذا هو ملخص الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى قولين:
القول الأول: أن الطمأنينة من أركان الصلاة.
стр. 2060
الثاني: أن الطمأنينة ليست من الأركان على خلاف بينهم: أتلحق بالواجبات أم بالسنن؟
وقد سبق بحث هذه المسألة في هذا المجلد عند الكلام على حكم الطمأنينة في الصلاة، فأغنى ذلك عن ذكر الأدلة، وإنما اقتضى التذكير بها في هذا الموضع حتى لا يظن القارئ أن حكم الطمأنينة في السجود قد أغفل من البحث.
• والراجح:
أن الطمأنينة ركن في القيام والركوع والسجود والاعتدال منهما، والله أعلم.
* * *
стр. 2061
الفرع الثاني في الأعضاء التي يجب السجود عليها
المسألة الأولى في حكم السجود على الجبهة
المدخل إلى المسألة:
• ثبت الأمر بالسجود على الجبهة، والأصل في الأمر الوجوب.
• الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ .
• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف، والسجود عليه ثابت بالسنة الفعلية، والفعل لا يدل على الوجوب.
• استيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع.
• الأنف تابع للجبهة، في السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لم يجزئه.
[م-٦٥٦] اتفق الفقهاء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء،
(ح-١٨٠٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ... الحديث (١).
[م-٦٥٧] واختلف العلماء في هذا الأمر، أهو للوجوب أم للندب؟
стр. 2062
وعلى القول بأنه للوجوب، أهو شامل لجميع الأعضاء، أم يختص ببعضها دون بعض؟
أما الخلاف في الجبهة:
فقيل: السجود على الجبهة ركن من أركان الصلاة على التعيين، فلو ترك السجود عليها في حال الاختيار لا يجزئه، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه وزفر، وإليه صح رجوع الإمام إليه، وعليه الفتوى، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال ابن عابدين: «وأما جواز الاقتصار على الأنف فشرطه العذر على الراجح» (٢).
وقال النووي: «أما الجبهة فجمهور العلماء على وجوبها، وأن الأنف لا يجزي عنها» (٣).
وقال أبو حنيفة: الفرض: الجبهة، أو الأنف من غير تعيين، فإن اقتصر على
стр. 2063
الأنف وحده جاز مع الكراهة، وإن اقتصر على الجبهة فقولان عن أبي حنيفة:
ففي التحفة والبدائع: لا يكره عنده.
وفي المفيد والمزيد والدر المختار يكره الاقتصار على أحدهما (١).
قال ابن المنذر عن قول أبي حنيفة: «وهو قول لا أحسب أن أحدًا سبقه إليه، ولا تبعه عليه» (٢).
وأبو حنيفة عاصر التابعين، ومع ذلك انظر كيف تعقبه ابن المنذر في كون هذا القول لم يسبق إليه، فماذا يقول ابن المنذر فيما يتفرد به ابن حزم مع تأخره، ويخالف فيه الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم.
ولم ينفرد به أبو حنفية، قال ابن رجب: «ولو اقتصر على أنفه دون جبهته لم
стр. 2064
يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسان بن إبراهيم» (١).
وعند أبي الفرج المالكي في الحاوي أن من اقتصر على الأنف دون الجبهة تجزئه صلاته ويعيد في الوقت (٢).
• دليل الجمهور على أن السجود على الجبهة فرض:
الدليل الأول:
(ح-١٨٠٥) ما رواه أبو داود من طريق أبي عامر العَقَدِيِّ، قال: حدثنا فليح ابن سليمان، عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ... الحديث (٣).
[حسن في الجملة، وسبق تخريجه] (٤).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٦) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ... الحديث (٥).
وجه الاستدلال:
أنه ذكر الجبهة بالنص، وأشار إلى الأنف فدل على أن الأنف تابع للجبهة، في
стр. 2065
السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لا يجزئه.
• دليل أبي حنيفة القائل بأن الفرض: الجبهة أو الأنف من غير تعيين:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وجه الاستدلال:
أن الأمر في الآية تعلق بالسجود مطلقًا من غيرتعيين، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، والأنف بعض الوجه كالجبهة، ولا إجماع على تعيين الجبهة، فلا يجوز تعيينها، فيبقى الأمر على التخيير بين الجبهة والأنف.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
إن كان المقصود بالإجماع إجماع الأمة فلا يصح؛ لأن الحنابلة يقولون بوجوب السجود على جميع الأعضاء بما فيها الأنف.
وإن كان المقصود بالإجماع إجماع الحنفية، فغير مسلم أيضًا فهذا زفر يقول بوجوب السجود على جميع الأعضاء عدا الأنف، ومحمد بن الحسن وأبو يوسف يقولان بوجوب السجود على الجبهة على وجه التعيين، فلا يصح دعوى الإجماع لا في مذهب الحنفية، ولا في أقوال الأئمة.
الوجه الثاني:
أن الأمر بالسجود في الآية مجمل، وقد بينه النبي ﷺ في حديث ابن عباس: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، فأشار إلى الأنف، وسبق ذكره، وتخريجه.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٧) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف
стр. 2066
القدمين ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف، وفيه إشارة إلى أنهما في حكم العضو الواحد، واستيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع، كما لو سجد على كفه دون أصابعه، أو سجد على بعض أصابع رجليه فلا تتعين الجبهة دون الأنف.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وسوف أبين ذلك عند البحث على حكم السجود على الأنف.
الوجه الثاني:
أن الأنف تابع للجبهة وليس العكس، ولهذا نص على الجبهة بالذكر، وأشار إلى الأنف، والتابع تابع، لا يستقل بنفسه، فالسجود عليه وحده إسقاط لما هو فرض أصالة، واستغناء بالتابع عن الأصل.
الدليل الثالث:
أن الأنف محل للسجود بالإجماع، بدليل جواز السجود عليه عند العذر، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
جواز السجود على الأنف عند العذر مسألة خلافية، فالمالكية والحنابلة ذهبوا إلى أنه إذا عجز بالجبهة أومأ ما أمكنه، فلا يصح الإلزام.
الوجه الثاني:
على فرض جواز الاكتفاء بالأنف عند العذر، فلا يصح القياس عليه في غير المعذور،
стр. 2067
فقياس الصحيح على المعذور قياس مع الفارق، فالضرورة لها أحكامها، والعذر يسقط به القيام والركوع وغيرهما من الفرائض المجمع عليها، فلا يصح القياس عليه.
الوجه الثالث:
لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة، القول بجواز الاقتصار على الأنف، والمقصود بالسجود التذلل والخشوع، ولا يقوم الأنف مقام الجبهة في ذلك.
الدليل الرابع:
أن الأنف أحد محلي سجود الوجه، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش:
الأنف محل لكمال السجود، وما كان كذلك لا يجوز الاقتصار عليه، ألا ترى أن الكفين والركبتين وأصابع القدمين محل لكمال السجود، ولا يجوز الاقتصار عليها دون الجبهة، وكذلك الأذنان محل لكمال المسح على الرأس، ولو اقتصر على مسحهما لم يجزه (١).
• الراجح:
أن السجود على الأنف وحده لا يجزئ، وكراهة أبي حنيفة الاقتصار على الأنف وحده قد اختلف أصحابه في تفسيرها، فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تحريمية، وعليه يكون السجود على الأنف واجبًا، والقول بأنها كراهة تنزيهية ليس هو المعتمد في مذهب الحنفية، فالفتوى في المذهب على أنه لا يجزئ السجود على الأنف، والله أعلم.
* * *
стр. 2068
المسألة الثانية حكم السجود على الأنف
المدخل إلى المسألة:
• لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية السجود على الأنف.
• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف.
• ذكر الأنف في حديث ابن عباس إن كان بالعبارة فهو مدرج في الحديث، أخطأ فيه عبد الله بن وهب،، وإن كان بالإشارة فهو من فعل طاوس مقطوعًا عليه.
• السجود إن كانت حقيقته لغوية، فلا تتوقف على السجود على الأنف، وإن كانت شرعية فالمحفوظ من حديث ابن عباس أمرت بالسجود على سبعة أعظم، ليس منها الأنف، وهو في الصحيحين.
• استيعاب العضو بالسجود لا يجب إجماعًا.
• إن جعل الأنف والجبهة كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ، وإن جعل الأنف عضوًا مستقلًّا كان السجود على ثمانية أعضاء، وهو خلاف حديث ابن عباس.
• المواظبة على السجود على الأنف لا يكفي في الدلالة على الوجوب فقد واظب النبي ﷺ على الوتر، وسنة الفجر، ولم يدل ذلك على وجوبهما.
[م-٦٥٨] الأنف من أعضاء السجود، لا يختلف العلماء على ذلك، ومستندهم حديث ابن عباس المتفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في وجوب السجود عليه:
فقيل: السجود على الأنف سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وصححها أبو يعلى من الحنابلة، وكره أبو حنيفة في أحد
стр. 2069
القولين والشافعية الاقتصار على الجبهة، واستحب المالكية إعادة الصلاة في الوقت (١).
قال النووي: «إن اقتصر على الجبهة أجزأه. قال الشافعي في الأم كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور» (٢).
قال في ملتقى الأبحر: «ويسجد بأنفه وجبهته، فإن اقتصر على أحدهما ... جاز مع الكراهة» (٣).
وقيل: السجود على الأنف واجب وليس بفرض، وهو قول في مذهب
стр. 2070
الحنفية (١).
وقيل: السجود على الأنف ركن، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، اختاره الأوزاعي وابن حبيب من المالكية، وقواه النووي، وبه قال جماعة من المحدثين (٢).
قال النووي في المجموع: «وحكى صاحب البيان عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولًا للشافعي: إنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا، وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًّا في الدليل» (٣).
وقال الحافظ في الفتح: «وعن الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم يجب أن يجمعهما، وهو قول للشافعي أيضًا» (٤).
فتحصل الخلاف في السجود على الأنف مع الجبهة ثلاثة أقوال:
سنة، وواجب، وركن. فإذا انتهيت من الأقوال، فلننزل إلى معرض الحجة والبرهان.
• دليل الجمهور على أن السجود على الأنف سنة:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل صحيح يأمر بالسجود على الأنف، وما جاء في السنة الصحيحة فهو إما مجرد فعل من النبي ﷺ ، وهو لا يقتضي الوجوب، وإما من كلام طاوس، رواه ابنه عنه، وأدرجه بعض الرواة عن ابنه في الحديث فظن أنه مرفوع كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند تخريج حديث ابن عباس.