القدمين ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف، وفيه إشارة إلى أنهما في حكم العضو الواحد، واستيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع، كما لو سجد على كفه دون أصابعه، أو سجد على بعض أصابع رجليه فلا تتعين الجبهة دون الأنف.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وسوف أبين ذلك عند البحث على حكم السجود على الأنف.
الوجه الثاني:
أن الأنف تابع للجبهة وليس العكس، ولهذا نص على الجبهة بالذكر، وأشار إلى الأنف، والتابع تابع، لا يستقل بنفسه، فالسجود عليه وحده إسقاط لما هو فرض أصالة، واستغناء بالتابع عن الأصل.
الدليل الثالث:
أن الأنف محل للسجود بالإجماع، بدليل جواز السجود عليه عند العذر، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
جواز السجود على الأنف عند العذر مسألة خلافية، فالمالكية والحنابلة ذهبوا إلى أنه إذا عجز بالجبهة أومأ ما أمكنه، فلا يصح الإلزام.
الوجه الثاني:
على فرض جواز الاكتفاء بالأنف عند العذر، فلا يصح القياس عليه في غير المعذور،
стр. 2067
فقياس الصحيح على المعذور قياس مع الفارق، فالضرورة لها أحكامها، والعذر يسقط به القيام والركوع وغيرهما من الفرائض المجمع عليها، فلا يصح القياس عليه.
الوجه الثالث:
لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة، القول بجواز الاقتصار على الأنف، والمقصود بالسجود التذلل والخشوع، ولا يقوم الأنف مقام الجبهة في ذلك.
الدليل الرابع:
أن الأنف أحد محلي سجود الوجه، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.
• ونوقش:
الأنف محل لكمال السجود، وما كان كذلك لا يجوز الاقتصار عليه، ألا ترى أن الكفين والركبتين وأصابع القدمين محل لكمال السجود، ولا يجوز الاقتصار عليها دون الجبهة، وكذلك الأذنان محل لكمال المسح على الرأس، ولو اقتصر على مسحهما لم يجزه (١).
• الراجح:
أن السجود على الأنف وحده لا يجزئ، وكراهة أبي حنيفة الاقتصار على الأنف وحده قد اختلف أصحابه في تفسيرها، فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تحريمية، وعليه يكون السجود على الأنف واجبًا، والقول بأنها كراهة تنزيهية ليس هو المعتمد في مذهب الحنفية، فالفتوى في المذهب على أنه لا يجزئ السجود على الأنف، والله أعلم.
* * *
стр. 2068
المسألة الثانية حكم السجود على الأنف
المدخل إلى المسألة:
• لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية السجود على الأنف.
• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف.
• ذكر الأنف في حديث ابن عباس إن كان بالعبارة فهو مدرج في الحديث، أخطأ فيه عبد الله بن وهب،، وإن كان بالإشارة فهو من فعل طاوس مقطوعًا عليه.
• السجود إن كانت حقيقته لغوية، فلا تتوقف على السجود على الأنف، وإن كانت شرعية فالمحفوظ من حديث ابن عباس أمرت بالسجود على سبعة أعظم، ليس منها الأنف، وهو في الصحيحين.
• استيعاب العضو بالسجود لا يجب إجماعًا.
• إن جعل الأنف والجبهة كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ، وإن جعل الأنف عضوًا مستقلًّا كان السجود على ثمانية أعضاء، وهو خلاف حديث ابن عباس.
• المواظبة على السجود على الأنف لا يكفي في الدلالة على الوجوب فقد واظب النبي ﷺ على الوتر، وسنة الفجر، ولم يدل ذلك على وجوبهما.
[م-٦٥٨] الأنف من أعضاء السجود، لا يختلف العلماء على ذلك، ومستندهم حديث ابن عباس المتفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في وجوب السجود عليه:
فقيل: السجود على الأنف سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وصححها أبو يعلى من الحنابلة، وكره أبو حنيفة في أحد
стр. 2069
القولين والشافعية الاقتصار على الجبهة، واستحب المالكية إعادة الصلاة في الوقت (١).
قال النووي: «إن اقتصر على الجبهة أجزأه. قال الشافعي في الأم كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور» (٢).
قال في ملتقى الأبحر: «ويسجد بأنفه وجبهته، فإن اقتصر على أحدهما ... جاز مع الكراهة» (٣).
وقيل: السجود على الأنف واجب وليس بفرض، وهو قول في مذهب
стр. 2070
الحنفية (١).
وقيل: السجود على الأنف ركن، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، اختاره الأوزاعي وابن حبيب من المالكية، وقواه النووي، وبه قال جماعة من المحدثين (٢).
قال النووي في المجموع: «وحكى صاحب البيان عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولًا للشافعي: إنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا، وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًّا في الدليل» (٣).
وقال الحافظ في الفتح: «وعن الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم يجب أن يجمعهما، وهو قول للشافعي أيضًا» (٤).
فتحصل الخلاف في السجود على الأنف مع الجبهة ثلاثة أقوال:
سنة، وواجب، وركن. فإذا انتهيت من الأقوال، فلننزل إلى معرض الحجة والبرهان.
• دليل الجمهور على أن السجود على الأنف سنة:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل صحيح يأمر بالسجود على الأنف، وما جاء في السنة الصحيحة فهو إما مجرد فعل من النبي ﷺ ، وهو لا يقتضي الوجوب، وإما من كلام طاوس، رواه ابنه عنه، وأدرجه بعض الرواة عن ابنه في الحديث فظن أنه مرفوع كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند تخريج حديث ابن عباس.
стр. 2071
الدليل الثاني:
(ح-١٨٠٨) روى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،
عن ابن عباس، أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (١).
ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،
عن ابن عباس، قال: أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (٢).
وجه الاستدلال:
أن حديث ابن عباس ذكر أن السجود على سبعة أعظم، ثم فصلها: الجبهة، والكفان، والركبتان والقدمان، وكون الأنف يدخل معها فهذا من باب الكمال، لا من باب الشرط؛ لأن اشتراط الأنف في السجود سيجعل الأعضاء ثمانية، والقول إن الأنف من الجبهة ليس صحيحًا، فالأنف من الوجه، ولا يسمى جبهة، لا لغة، ولا شرعًا، فلو حلف أن يقبل جبهته فقبل أنفه لم يصح.
• وأجيب:
بأن الحديث مداره على طاوس، عن ابن عباس، رواه عمرو بن دينار في الصحيحين، عن طاوس، عن ابن عباس فلم يذكر الأنف.
ورواه عبد الله بن طاوس في الصحيحين، عن أبيه، وأشار إلى الأنف حين ذكر الجبهة، وهذه زيادة من ثقة فتكون مقبولة، وليس الأنف من الجبهة من جهة التسمية، ولكنهما عضو واحد من حيث الحكم الشرعي، والمستفاد من الإشارة إلى الأنف فكان تابعًا للجبهة في الحكم، لا عضوًا مستقلًّا عنها، ولا أن الأنف يسمى جبهة.
(ح-١٨٠٩) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : أمرت أن أسجد على
стр. 2072
سبعة أعظم على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر (١).
ورواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين (٢).
• ورد هذا:
بأن ذكر الأنف بالعبارة مدرج في الحديث، والصحيح أن الأنف ذكر بالإشارة من فعل طاوس مقطوعًا عليه (٣).
الدليل الثالث:
(ح-١٨١٠) ما رواه مسلم من طريق ابن الهاد (يزيد بن عبد الله)، عن محمد ابن إبراهيم، عن عامر بن سعد،
عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه (١).
الدليل الرابع
(ح-١٨١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن
стр. 2075
عبد العزيز بن عبيد الله، قال: قلت لوهب بن كيسان: يا أبا نعيم، ما لك لا تمكن جبهتك وأنفك من الأرض؟ قال: ذلك إني سمعت جابر بن عبد الله، يقول: «رأيت رسول الله ﷺ يسجد في أعلى جبهته على قصاص الشعر (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 2076
وجه الاستدلال:
أن من سجد بأعلى الجبهة لا يكون أنفه على الأرض.
• ويناقش:
الحديث لا يصح، ولو صح لم يكن نصًّا في السجود على الجبهة وحدها؛ لأن قصاصة الشعر إن كانت على مقدم رأسه فالسجود عليها يمنع من السجود على الجبهة، والسجود عليها فرض، وإن كانت قصاصة الشعر على الجبهة، كما كان الرسول ﷺ له شعر كثير يبلغ شحمة أذنيه فإذا كان هذا طوله في جانب الوجه، فإنه قد يضرب على جبهته من مقدم رأسه، فالسجود عليها لا ينفي السجود على الأنف، ولأن الحديث: يقول: ما لك لا تمكن جبهتك وأنفك؟ فلم ينف السجود على الأنف، وإنما نفى تمكين السجود عليهما معًا على الجبهة وعلى الأنف، وتمكين السجود إن قصد به الاستيعاب فهو ليس واجبًا، وإن قصد به الطمأنينة فهي ركن، لا يصح السجود إلا به، وعلى كل حال فالحديث شديد الضعف، لا يمكن أن يعارض به حديث ابن عباس المتفق عليه لو كان ذكر الأنف محفوظًا في الحديث، والله أعلم.
الدليل الخامس:
إن اعتبرنا الأنف عضوًا مستقلًّا كان السجود على ثمانية أعضاء، وإن اعتبرنا الأنف مع الجبهة عضوًا واحدًا، لم يجب السجود على الأنف؛ لأن استيعاب العضو بالسجود لا يجب إجماعًا، ولأنهما إذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، وربما استنتج من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه؛ لأنهما إذا جعلا كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ، وقد تبين من المسألة السابقة شذوذ القول بجواز الاقتصار في
стр. 2077
السجود على الأنف.
• ونوقش:
بأن استيعاب العضو ليس واجبًا بالإجماع هذا في الجملة، لكنه لما ذكر الجبهة وأشار على الأنف دل على أن السجود لا يتحقق بأحدهما، فلو استوعب جبهته بالسجود، ولم يسجد على أنفه لم يتم سجوده، ولو سجد على بعض جبهته وبعض أنفه أجزأه.
• ورد هذا:
هذا الجواب صحيح لو صح الأمر بالسجود على الأنف سواء أكان على وجه الاستقلال أم كان على وجه التبع للجبهة، لكنه لم يصح، وقد بينت في كلام سابق أن ذكر الأنف جاء مدرجًا في الحديث، وأن الصحيح أنه من كلام طاوس، ليس من كلام ابن عباس فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، هذا هو الدليل الذي يمكن التعويل عليه في سقوط وجوب السجود على الأنف، وكل ما يذكر من الأدلة غير هذا فلا يسلم من الاعتراض عليه، ولولا أنه ذكر من أدلة المسألة لم أعرج عليه.
الدليل السادس:
أن الوجه عضو واحد في السجود، فيجزئ عنه جزء منه كاليدين، وأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة على الأرض، وإن لم يضع الأنف على الأرض.
• دليل من قال: السجود على الأنف فرض (ركن):
الدليل الأول:
(ح-١٨١٢) رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين (١).
[أدرج عبد الله بن وهب ذكر الأنف بالعبارة، والصحيح أن الأنف ذكر
стр. 2078
بالإشارة من فعل طاوس مقطوعًا عليه، وسبق بيان ذلك].
الدليل الثاني:
(ح-١٨١٣) ما رواه مسلم من طريق أبي ضمرة، حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد،
عن عبد الله بن أنيس، أن رسول الله ﷺ ، قال: أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين. قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ ، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين (١).
• وجه الاستدلال على الوجوب من وجهين:
الوجه الأول:
أن الله أمرنا بالصلاة بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦]، وهذا الأمر فيه إجمال، وقد بين لنا النبي ﷺ كيفية إقامة الصلاة، فكان إذا سجد سجد على جبهته وأنفه، وقد واظب النبي ﷺ على هذا الفعل، فلم يُخِلَّ به، ولا مرة واحدة، فكان فعله ﵊ بيانًا لذلك المجمل في الآية الكريمة، فيأخذ الفعل حكم الأمر في الآية، فيكون واجبًا، وهذا الاستدلال أقوى من الاستدلال بحديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والذي سبق أن بينت أكثر من مرة بأنه لا يصح الاستدلال به على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة.
الوجه الثاني:
أن سجود النبي ﷺ على أنفه مع وجود الطين دليل على وجوب السجود على الأنف، فلو لم يكن واجبًا لصانه عن التلوث بالطين.
• ورد هذا الاستدلال من جوابين:
الجواب الأول:
لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، من اللفظ المجمل؛ ذلك أنه
стр. 2079
لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج صلى جبريل بالنبي ﷺ صبيحة ذلك اليوم، وبين لهم كيفية الصلاة ومواقيتها فإذا قيل لهم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦]، بعد ذلك كان لفظ الصلاة منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، فلم يؤمروا بها إلا ومسماها معلوم عندهم، فلا إجمال.
الجواب الثاني:
سلمنا أن قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، من اللفظ المجمل، فإن هذا المجمل لا يمنع من قيام دليل مستقل يبين أن بعض أفعال الصلاة ليست واجبة، كدعاء الاستفتاح، وجلسة الاستراحة، ونحوهما، فحديث ابن عباس نص في محل النزاع وقد بين أن النبي ﷺ أمر بالسجود على سبعة أعظم، الجبهة، والكفين، والركبتين والقدمين، هذا منطوقه، ومفهومه: أن السجود على الأنف ليس واجبًا، أما كون النبي ﷺ لم يصنه عن التلوث بالطين، فهذا يدل على أن تحصيل سنة السجود على الأنف أكبر من صيانته من الطين، لكن دلالته على الوجوب ضعيفة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-١٨١٤) ما رواه الدارقطني من طريق سليمان بن عبد الرحمن، أخبرنا ناشب بن عمرو الشيباني، حدثنا مقاتل بن حيان، عن عروة،
عن عائشة، قالت: أبصر رسول الله ﷺ امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض، فقال: ما هذه؟ ضعي أنفك بالأرض؛ فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في السجود.
قال الدارقطني: «ناشب ضعيف، ولا يصح مقاتل، عن عروة» (١).
[ضعيف جدًّا، تفرد به ناشب، وهو منكر الحديث] (٢).
стр. 2080
الدليل الرابع:
(ح-١٨١٥) ما رواه الترمذي في العلل من طريق حرب بن ميمون، عن خالد الحذاء، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: أتى النبي ﷺ على رجل يسجد على جبهته، ولا يضع أنفه على الأرض قال: ضع أنفك يسجد معك.
قال أبو عيسى: وحديث عكرمة عن النبي ﷺ أصح (١).
[الصحيح عن عكرمة مرسلًا] (٢).
وهو مرسل حسن، فيكون حجة على الجمهور ممن يرى المرسل حجة، كالحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد.
الدليل الخامس:
(ح-١٨١٦) ما رواه الطبراني من طريق سليمان القافلاني، عن محمد ابن سيرين،
عن أم عطية، قالت: قال رسول الله ﷺ : إن الله لا يقبل صلاة مَن لا يصيب أنفُه الأرضَ (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل السادس:
(ح-١٨١٧) ما رواه أبو داود من طريق أبي عامر العَقَدِيِّ، قال: حدثنا فليح
стр. 2084
ابن سليمان،
عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه .... الحديث (١).
[حسن في الجملة، وسبق تخريجه] (٢).
الدليل السابع:
(ح-١٨١٨) ما رواه أحمد، من طريق الأعمش، عن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده (٣).
[ضعيف، والمعروف أن عبد الجبار يرويه عن أخيه علقمة، عن وائل بن حجر] (٤).
стр. 2085
• ونوقش:
بأن الحديث فيه دليل على مشروعية السجود على الأنف، وليس هذا محل خلاف، ولا دلالة فيه على الوجوب.
الدليل الثامن:
(ح-١٨١٩) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: السجود على الجبهة فريضة، وعلى الأنف تطوع (١).
[موضوع] (٢).
• دليل من قال: السجود على الأنف واجب، وليس بفرض:
هذا القول لا يأتي إلا على أصول الحنفية، وتوجيه الدليل كالتالي:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
فالأمر بالسجود ثبت بالآية الكريمة، فأفادت الآية فرضية السجود؛ لأن الدليل قطعي الثبوت، والفرض يثبت بالدليل القطعي.
وحديث الأمر بالسجود على الأنف ثبت من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة،
стр. 2086
والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين. رواه مسلم (١).
وهو ظني الثبوت؛ لأنه من أحاديث الآحاد، فإذا أنْضَمَّ إليه مواظبة النبي ﷺ على السجود على الأنف، أفاد ذلك الوجوب دون الركنية؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي، من كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع.
فإن قيل: لماذا لا يفيد الركنية؟
أجابوا: لو قلنا: إنه يفيد الركنية لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية، حيث أصبح حكم الآية -والذي هو مطلق السجود لا يكفي لصحته إلا إذا سجد على أنفه، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد، لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله من كتاب أو سنة متواترة، أما الآحاد فلا يرفع حكم القطعي عندنا، ومع ذلك لا نهمل هذا الخبر، وإنما يصلح خبر الآحاد أن يكون مكملًا للقرآن، لهذا قلنا: الأمر بالسجود على الأنف، والمواظبة على ذلك يجعل السجود على الأنف واجبًا فقط، وليس بفرض
ومثل هذا القول قال الحنفية بحكم قراءة الفاتحة، فالقرآن طلب قراءة ما تيسر من القرآن بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهو عام في الفاتحة وغيرها، وهذا دليل قطعي، فثبت أن الفرض (الركن) هو مطلق القراءة.
وخبر الآحاد جاء بقراءة فاتحة الكتاب، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وهذا دليل ظني، فحملوا قراءتها على الوجوب لا على الركنية، أي حتى لا يؤدي ذلك إلى تغيير حكم الكتاب بخبر الآحاد، وقد اصطلح الحنفية على إطلاقهم على هذا المسألة في كتب الأصول بما يسمى (الزيادة على النص) نسخًا.
• وأجيب:
سبق لي مناقشة هذا القول بتوسع عند الكلام على ركنية الطمأنينة، فارجع إليه إن شئت منعًا للتكرار، ويزاد عليه:
بأن السجود في الآية مطلق لم يذكر جبهة ولا أنفًا، وحقيقة السجود إن كانت لغوية: فهو يطلق على الخضوع والتطامن والانحناء إلى الأرض تقول سجدت النخلة: إذا مالت.
стр. 2087
وقال بعض الحنفية: وضع بعض الوجه مما لا سخرية فيه. اهـ
ووضع بعض الوجه يتحقق بالأنف كما يتحقق في الجبهة.
فاعتبارُ السجود على الجبهة فرضًا والسجود على الأنف واجبًا مع أن ذكر الجبهة في السجود لم يثبت إلا بدليل ظني تَحَكُّمٌ، فيجب أن يقال: السجود على الجبهة واجب كالأنف؛ لأن ذكر الجبهة والأنف متلقى من أحاديث الآحاد، والمواظبة على الفعل تعمهما، فلا فرق فيه بين الأنف والجبهة.
وإن كان السجود له حقيقة شرعية، وهو وضع الوجه واليدين والركبتين والقدمين على الأرض فهو يشمل الجبهة كما يشمل الأنف، لأننا تلقينا حقيقته الشرعية من فعل النبي ﷺ ، ومواظبته على هذا الفعل، فالتفريق بين الجبهة والأنف في الحكم، ليس دقيقًا بالنسبة إلى دلالة اللفظ، والله أعلم (١).
• الراجح:
استحباب السجود على الأنف، حيث لم يثبت لي الأمر بالسجود على الأنف، ومفهوم حديث ابن عباس في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، أمرت بالسجود على سبعة أعظم، فذكرها، ولم يذكر الأنف، فدل على أن السجود على الأنف من سنن السجود، والله أعلم.
* * *
стр. 2088
المسألة الثالثة حكم السجود على الكفين والركبتين والقدمين
المدخل إلى المسألة:
• السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين واجب، سواء أقلنا: يسجد عليها أصالة، أم قلنا: يسجد عليها تبعًا للوجه، فقد أمر الشارع بالسجود عليها، والأصل في الأمر الوجوب.
• التفريق بين الجبهة وغيرها في الحكم تفريق لا يقوم على حجة.
• قال ابن عمر: اليدان تسجدان كما يسجد الوجه. اهـ وكذا يقال في الركبتين والقدمين.
[م-٦٥٩] اختلف الفقهاء في حكم السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين:
فقيل: السجود عليها سنة، وهو ظاهر مذهب المالكية، وأشهر القولين عند الشافعية (١).
стр. 2089
قال الشيرازي في المهذب: «وأما السجود على اليدين والركبتين والقدمين ففيه قولان أشهرهما: أنه لا يجب» (١).
وقيل: السجود عليها فرض، اختاره زفر من الحنفية، وهو أحد القولين عند المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، قال النووي: وهذا هو الأصح، والراجح في الدليل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يجب السجود على اليدين، وهو قول في مقابل الأصح عند المالكية (٣).
وقال الحنفية: السجود على اليدين والركبتين سنة، وأما القدمان، ففيهما ثلاث روايات:
الأولى: أن السجود عليهما معًا فرض فإن رفعهما أو إحداهما لم يصح؛ لأن
стр. 2090
السجود مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال، وهو موافق لمذهب الحنابلة.
الرواية الثانية: الفرض وضع إحدى القدمين، كما لو قام على قدم واحدة في الصلاة صح قيامه، فكذلك سجوده.
الرواية الثالثة: عدم الفرضية، وظاهره أن وضعهما سنة كاليدين، ورجحه التُّمُرْتَاشِيُّ والبابرتي، وهو موافق لمذهب الجمهور (١).
فخلصت الأقوال إلى أربعة أقوال:
السجود عليها سنة، وقيل: فرض، وقيل: يجب السجود على اليدين فقط، وقيل: السجود على إحدى القدمين فرض.
• دليل من قال: السجود عليها سنة:
الدليل الأول:
(ح-١٨٢٠) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (سجد وجهي) فإن النبي ﷺ لم يذكر غير الوجه، فدل على أنه هو المقصود بالسجود، وبه يسمى ساجدًا، فلو وضع على الأرض يديه وركبتيه وقدميه ولم يضع وجهه لم يُسَمَّ ساجدًا، بخلاف ما إذا سجد وجهه، فدل على أن غيره من الأعضاء تبع للوجه.
стр. 2091
• ونوقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الوجه يطلق ويراد به الذات، قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
فلو كان المراد به هو الوجه الاصطلاحي لما أضاف السمع إلى الوجه، في قوله: (وشق سمعه) فإن السمع من الرأس، ولو كان من الوجه لوجب غسل الأذنين.
وقد يقال: لما ذكر السمع والبصر دل على أن المقصود بالوجه حقيقته، وليس الذات، والله أعلم.
الوجه الثاني:
منطوق حديث عليٍّ ﵁: أن الوجه يسجد، ومفهومه أن غير الوجه لا يسجد.
وحديث ابن عباس ﵄: منطوقه: أمرت بالسجود على سبعة أعضاء.
ومن شروط الاستدلال بالمفهوم ألا يعارض منطوقًا، فإن عارض منطوقًا لم يكن حجة بإجماع الأصوليين، فكيف يقدم مفهوم حديث عليٍّ على منطوق حديث ابن عباس رضي الله عن الجميع.
الوجه الثالث:
لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه، فتخصيص الوجه بالذكر لكون الوجه أشرف وأعظم مافيه الإنسان.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قال:
سمعت ابن عباس، يقول: سأل رجل النبي ﷺ عن شيء من أمر الصلاة؟ فقال له رسول الله ﷺ : خلل أصابع يديك ورجليك -يعني إسباغ الوضوء- وكان فيما قال له: إذا ركعت، فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن -وقال الهاشمي مرة: حتى تطمئنا- وإذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى
стр. 2092
تجد حجم الأرض (١).
[معلول] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-١٨٢٢) ما رواه أبو داود من طريق همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه،
عن عمه رفاعة بن رافع، في قصة الرجل المسيء صلاته، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ... وذكر له صفة الوضوء، وكان مما قال له: ... ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه - قال همام: وربما قال: جبهته من الأرض- حتى تطمئن مفاصله وتسترخي وفي آخره قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك (٣).
[حسن في الجملة إلا حروفًا انفرد بها واختلف في ذكرها على راوي الحديث علي بن يحيى بن خلاد، ومنه لفظ (فيمكن جبهته من الأرض) فإنه حرف شاذ] (٤).
الدليل الرابع:
(ح-١٨٢٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن مجاهد، عن أبيه،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال لرجل: إذا قمت إلى الصلاة فركعت فضع يديك على ركبتيك، وافرج بين أصابعك، ثم ارفع رأسك حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، وإذا سجدت فأمكن جبينك من الأرض ولا تنقر (٥).
[ضعيف].
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث الثلاثة:
أن النبي ﷺ قال: إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، فأفرد الجبهة بالذكر،
стр. 2093
فدل على مخالفتها لغيرها في الحكم.
• ويجاب عن الاستدلال بهذا الأحاديث الثلاثة:
الجواب الأول:
أن هذه الأحاديث ضعيفة.
الجواب الثاني:
أن المراد بتمكين الجبهة إشارة إلى الاطمئنان بالسجود، ولذلك قابله بالنقر في حديث ابن عمر: (فأمكن جبينك من الأرض ولا تنقر)، فأمره بتمكين الجبهة، ونهاه عن النقر.
وقال في حديث رفاعة في قصة المسيء: (ثم يسجد فيمكن جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله)، فالغاية من التمكين تحصيل الطمأنينة، كقوله في حديث أبي هريرة المتفق عليه (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فإذا لم يمكن جبهته لم تطمئن مفاصله، ولذلك قال في رواية محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع عند أبي داود وغيره: (إذا سجدت فمكن لسجودك)، فذكر التمكين للسجود وأطلق، فلم يخص به عضوًا دون غيره، ففهم منه العموم، وأن المراد من التمكين الطمأنينة، وذكر الجبهة في بعض ألفاظه لا يقتضي التخصيص، كما هو معلوم من القاعدة الأصولية التي تقرر: أن ذكر فرد من أفراد العموم بحكم يوافق العموم لا يقتضي التخصيص كقوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، فذكر الوسطى لا يخصص العام.
الجواب الثالث:
سلمنا أن هذا الأمر يدل على وجوب السجود على الجبهة، فأين الدليل على سقوط السجود عن الأعضاء الباقية، فالاستدلال بهذه الأحاديث على عدم وجوب السجود على اليدين والركبتين والقدمين استدلال بالمفهوم، والاستدلال بحديث ابن عباس استدلال بالمنطوق، ولا حجة بالمفهوم إذا عارض المنطوق كما بينت في الجواب على الدليل الأول.
قال ابن دقيق العيد: «استدل لعدم الوجوب بقوله ﷺ في حديث رفاعة (ثم يسجد فيمكن جبهته) وهذا غايته: أن تكون دلالته دلالة مفهوم وهو مفهوم لقب،
стр. 2094
أو غاية. والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه» (١).
الدليل الخامس:
(ح-١٨٢٤) ما رواه مسلم من طريق بكير، أن كريبًا مولى ابن عباس حدثه،
عن عبد الله بن عباس أنه رأى عبدالله بن الحارث يصلي، ورأسه معقوص من ورائه، فقام، فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس، فقال: مالك، ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي، وهو مكتوف (٢).
وجه الاستدلال:
أجمع العلماء على أن المصلي لو صلى وشعره معقوص فصلاته صحيحة، فكذلك المكتوف، وهو يدل على أن السجود على غير الجبهة ليس بواجب.
الدليل السادس:
لو وجب السجود على غير الجبهة لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها على الأرض كما وجب الإيماء بالرأس عند العجز عن السجود على الوجه، وإذا كان الإيماء بها لا يجب فلا يجب وضعها، وأما أمره ﷺ بالسجود على الأعضاء السبعة فلا يمتنع أن يؤمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضًا، وبعضه مسنونًا، ولا يكون وجوب بعضه دليلًا على وجوب باقيه.
• ويناقش:
الاستدلال بعدم الوجوب بالقول بأنه إذا عجز عن السجود على الوجه سقط السجود على بقية الأعضاء، فيه خلاف بين الفقهاء، فلا يصح الإلزام، وسوف يأتينا البحث فيه في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
الدليل السابع:
إن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، وهو المقصود منه بحيث يضع أشرف الأعضاء على الأرض تعبدًا وخضوعًا لله.
стр. 2095
• ويناقش:
بأن حديث ابن عباس دل على إثبات زيادة على المسمى، وكون الجبهة أشرف الأعضاء، ومقصودة بالسجود لا يعني عدم وجوب السجود على بقية الأعضاء، فهذه العلة المستنبطة التي ذكرت لا تكفي لصرف الأمر الوارد في حديث ابن عباس من الوجوب إلى الاستحباب، كيف وقد جمع الأمر الشرعي بين الجبهة وبين بقية الأعضاء بالسجود عليها، فإذا أفاد حديث ابن عباس وجوب السجود على الجبهة فإنه يفيد بالدرجة نفسها وجوب السجود على بقية الأعضاء المذكورة معها، وإلا كان هذا تفريقًا في دلالة نص واحد بلا دليل من الشرع.
• دليل من قال: يجب السجود على اليدين والركبتين والقدمين:
(ح-١٨٢٥) روى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،
عن ابن عباس، أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (١).
ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،
عن ابن عباس، قال: أُمِرَ النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم، ونُهِيَ أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (٢).
فهذا حديث في غاية الصحة، اتفق عليه الشيخان، والأمر للنبي ﷺ أمر لأمته إلا بدليل، ونص في محل النزاع، لا يمكن دفعه، لا فرق فيه بين الجبهة وسائر الأعضاء، وإذا ورد النص بطل النظر إلا في فهمه والقياس عليه.
• دليل من قال: يجب السجود على اليدين دون الركبتين والقدمين:
الدليل الأول:
(ح-١٨٢٦) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن إياد، عن إياد، عن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك (٣)
стр. 2096
وردَّ: بأن اليد فرد من أفراد العام، وذكرها في حكم يوافق العام لا يقتضي تخصيصًا.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٢٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، رفعه قال: إن اليدين تسجدان، كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه، فليضع يديه، وإذا رفعه، فليرفعهما (١).
[رفعه شاذ، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الحديث لم يذكر في السجود مع الوجه إلا اليدين، فدل على وجوب
стр. 2097
السجود عليهما مع الوجه.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأثر المحفوظ موقوف على ابن عمر، فلا يعارض به حديث ابن عباس المرفوع إلى النبي ﷺ .
الوجه الثاني:
أن الحديث غايته أنه يثبت السجود لليدين، وهذا لا يقتضي تخصيصًا؛ لأن ذكر فرد من أفراد العموم يوافق العام في حكمه لا يقتضي تخصيصًا؛ فاليدان فرد من أفراد العموم في حديث ابن عباس.
• دليل من قال: يكفي السجود على أحد القدمين:
هذا القول قاسه على قيام الرجل في الصلاة على إحدى القدمين، فإذا كان ركن القيام يحصل بإحدى القدمين، فكذلك ركن السجود يحصل بالسجود على إحدى القدمين.
ولا أدري هذا القياس، أهو من قياس العلة، فلا أذكر علة منصوصة ولا مستنبطة في تخصيص هذه الأعضاء دون غيرها، أم هو من قياس الشبه، وذلك أضعف أنواع القياس وجمهور الأصوليين على عدم الاحتجاج به.
وقد أمر النبي ﷺ بالسجود على سبعة أعضاء، والتفريق بين القدمين والركبتين واليدين مخالف للسنة، فما جمع بينها في الأمر لا يفرق بينها في الحكم.
* * *
стр. 2098
المسألة الرابعة في حكم رفع الذراعين عن الأرض في السجود
المدخل إلى المسألة:
• نهى النبي ﷺ عن بسط الذراعين انبساط الكلب، والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة.
• ليس لنا مثل السوء، فالتشبيه بالحيوان لا يأتي إلا ويقصد به الذم الشديد. • أغلب نصوص الشريعة تشبه الكافر بالحيوان، وقد يشبه المسلم بالحيوان كما شبه الشارع العائد في هبته بالكلب، وهو يدل على تحريم الرجوع بالهبة بعد لزومها.
[م-٦٦٠] اختلف العلماء في رفع الذراعين عن الأرض إذا سجد:
فقيل: يكره أن يفترش ذارعيه في السجود، وحمله ابن نجيم على كراهة التحريم، ونقله ابن عابدين ولم يتعقبه، ولم أجده لغيره، وكل كتب الحنفية أطلقت الكراهة دون تفسير (١).
وقال ابن حزم: لا يحل للمصلي أن يفترش ذراعيه في السجود (٢).
وقيل: يستحب رفع ذراعيه، ويكره تنزيهًا افتراشهما حال السجود، وهو
стр. 2099
مذهب الجمهور، من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال ابن القاسم كما في المدونة: «قال مالك: كره أن يفترش الرجل ذراعيه في السجود» (٢).
• دليل من قال بالتحريم:
الدليل الأول:
(ح-١٨٢٨) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب (٣).
قال ابن رجب: «قوله: (اعتدلوا في السجود) يريد به: اعتدال الظهر فيه، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين، إنما يكون مع التجافي (٤).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ نهى عن بسط الذراعين انبساط الكلب، ودلالته على التحريم من وجهين:
الأول: أن الأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة.
الثاني: ليس لنا مثل السوء، فالتشبيه بالحيوان لا يأتي إلا ويحمل على الذم الشديد، ولم يشبه في الحيوان في كتاب الله إلا في الأمور المحرمة،
قال تعالى عن الكفار: ﴿إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: ٤٤].
стр. 2100
وقال تعالى عن العالم الذي انسلخ من آيات الله، ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: ١٧٦].
وقال عن علماء بني إسرائيل ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ومرتكب المكروه لا يستحق الذم حتى يشبه بالحيوان، وإن استحق تارك المكروه الثواب.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٢٩) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء،
أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظَكم لصلاة رسول الله ﷺ ، ... فذكر الحديث بطوله، وفيه: فإذا سجد وضع يديه غيرَ مُفترِشٍ ولا قابِضِهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ... الحديث (١).
الدليل الثالث:
(ح-١٨٣٠) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، ﴿بالحمد لله رب العالمين﴾، ... فذكر الحديث بطوله، وفيه: وكان ينهى عن عقبة الشيطان. وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم (٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٨٣١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش
стр. 2101
ذراعيه افتراش الكلب (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-١٨٣٢) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن إياد، عن إياد، عن
البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك (٣).
стр. 2102
وفي الباب أحاديث أخرى، وأكتفي بما ذكرت اقتصارًا واختصارًا.
•دليل من قال: يستحب رفع الذراعين ويكره تنزيهًا بسطهما:
حملوا أحاديث النهي على الكراهة، والصارف لهم ما يلي، أن القول بالكراهة هو قول عامة أهل العلم، بما فيهم أهل الحديث.
قال الترمذي بعد أن ساق حديث جابر السابق: «حديث جابر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع» (١).
إلا أن ابن نجيم في البحر الرائق قد حمل الكراهة في المذهب على التحريم، فإن كان قد سبق إلى هذا في المذهب، فالخلاف في النهي يكون قديمًا، وظاهر الأدلة على التحريم، وإلا فكتب الحنفية ابتداءً من كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني إلى آخر كتب الشروح في المذهب يطلقون الكراهة بلا تفسير.
وإن كان تفسير ابن نجيم انفرد به، ولم يوافق عليه في المذهب لم يقبل منه؛ لتأخره، وكان التحريم من مفردات ابن حزم، ولا عبرة بما يتفرد به؛ لا لكونه من أهل الظاهر، ولكن لتأخره، فيكون محجوجًا باتفاق العلماء قبله، حتى ولو عُدَّ هذا الاتفاق من الإجماع السكوتي، والله أعلم.
* * *
стр. 2103
المبحث الثاني في صفة السجود الكاملة
الفرع الأول في السنن القولية
المسألة الأولى في مشروعية التكبير للسجود
المدخل إلى المسألة:
• كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام فهي سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء.
• ذكر الرسول ﷺ للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها.
• القول بأن الرسول ﷺ ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.
• الأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص.
•التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة.
• فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ، وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق.
стр. 2104
[م-٦٦١] اختلف العلماء في حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للسجود:
فقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
قال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث» (١).
وقال ابن الملقن: «قال بسنية تكبير الانتقالات الخلفاء الأربعة ... » (٢).
وقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الإحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم» (٣).
وقيل: جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (٥).
قال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض» (٦).
وقد سبق لي ذكر أدلة المسألة ومناقشتها عند بحث حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للسجود، فارجع إليها في هذا المجلد، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 2105
المسألة الثانية في صفة التكبير للسجود
المدخل إلى المسألة:
• السنة أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
• التكبيرات التي يشرع معها رفع اليدين كتكبيرة الركوع فإنه يرفع يديه، وهو قائم؛ لأن الرفع حال الانحناء متعسر.
• لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الانتقال، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي ﷺ لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص.
• الأصل في أفعال الرسول ﷺ الاستحباب.
• إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.
• إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، وفعله مخالف للسنة، وصلاته صحيحة؛ لأن تكبيرات الانتقال سنة.
[م-٦٦٢] يسن أن يبتدئ تكبيرات الانتقال كلها حال الشروع، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والمالكية، ونص عليه الرافعي في فتح العزيز، والنووي في الروضة، قال المالكية: إلا في القيام من الركعتين فيندب أن يؤخر التكبير حتى يستوي قائمًا (١).