ذراعيه افتراش الكلب (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-١٨٣٢) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن إياد، عن إياد، عن
البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك (٣).
стр. 2102
وفي الباب أحاديث أخرى، وأكتفي بما ذكرت اقتصارًا واختصارًا.
•دليل من قال: يستحب رفع الذراعين ويكره تنزيهًا بسطهما:
حملوا أحاديث النهي على الكراهة، والصارف لهم ما يلي، أن القول بالكراهة هو قول عامة أهل العلم، بما فيهم أهل الحديث.
قال الترمذي بعد أن ساق حديث جابر السابق: «حديث جابر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع» (١).
إلا أن ابن نجيم في البحر الرائق قد حمل الكراهة في المذهب على التحريم، فإن كان قد سبق إلى هذا في المذهب، فالخلاف في النهي يكون قديمًا، وظاهر الأدلة على التحريم، وإلا فكتب الحنفية ابتداءً من كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني إلى آخر كتب الشروح في المذهب يطلقون الكراهة بلا تفسير.
وإن كان تفسير ابن نجيم انفرد به، ولم يوافق عليه في المذهب لم يقبل منه؛ لتأخره، وكان التحريم من مفردات ابن حزم، ولا عبرة بما يتفرد به؛ لا لكونه من أهل الظاهر، ولكن لتأخره، فيكون محجوجًا باتفاق العلماء قبله، حتى ولو عُدَّ هذا الاتفاق من الإجماع السكوتي، والله أعلم.
* * *
стр. 2103
المبحث الثاني في صفة السجود الكاملة
الفرع الأول في السنن القولية
المسألة الأولى في مشروعية التكبير للسجود
المدخل إلى المسألة:
• كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام فهي سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء.
• ذكر الرسول ﷺ للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها.
• القول بأن الرسول ﷺ ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.
• الأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص.
•التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة.
• فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ، وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق.
стр. 2104
[م-٦٦١] اختلف العلماء في حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للسجود:
فقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
قال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث» (١).
وقال ابن الملقن: «قال بسنية تكبير الانتقالات الخلفاء الأربعة ... » (٢).
وقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الإحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم» (٣).
وقيل: جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (٥).
قال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض» (٦).
وقد سبق لي ذكر أدلة المسألة ومناقشتها عند بحث حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للسجود، فارجع إليها في هذا المجلد، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 2105
المسألة الثانية في صفة التكبير للسجود
المدخل إلى المسألة:
• السنة أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
• التكبيرات التي يشرع معها رفع اليدين كتكبيرة الركوع فإنه يرفع يديه، وهو قائم؛ لأن الرفع حال الانحناء متعسر.
• لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الانتقال، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي ﷺ لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص.
• الأصل في أفعال الرسول ﷺ الاستحباب.
• إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.
• إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، وفعله مخالف للسنة، وصلاته صحيحة؛ لأن تكبيرات الانتقال سنة.
[م-٦٦٢] يسن أن يبتدئ تكبيرات الانتقال كلها حال الشروع، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والمالكية، ونص عليه الرافعي في فتح العزيز، والنووي في الروضة، قال المالكية: إلا في القيام من الركعتين فيندب أن يؤخر التكبير حتى يستوي قائمًا (١).
стр. 2106
جاء في تهذيب المدونة: «ويكبر في حال انحطاطه لركوع أو سجود» (١).
وقيل: يجب أن يبتدئ التكبير حين يهوي للركوع، وكذا سائر الانتقالات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فإن خالف، فشرع فيه قبله، أو أكمله بعده، فقياس المذهب بطلان صلاته، وهو من المفردات.
وقيل: يحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، والسجود له مشقة (٢).
وقد سبق لي بحث هذه المسألة في مبحث وقت ابتداء التكبير عند الكلام على أحكام الركوع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولكن أعدت التذكير بالأقوال حتى يعلم أن هذه المسألة لم تهمل من البحث.
* * *
стр. 2107
المسألة الثالثة في حكم التسبيح في السجود
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم وجوب التسبيح.
• الأدلة في التسبيح في الركوع والسجود إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة في الوجوب وليست صحيحة.
• كل حديث ورد فيه الأمر بالتسبيح في الركوع أو في السجود فهو معلول.
• لم يُعَلِّم النبي ﷺ المسيء في صلاته التسبيح، ولو كان واجبًا لعلمه.
• القول بأن الرسول ﷺ علم المسيء ما أساء فيه بعيد جدًا؛ لأن من لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما، مع خفاء التسبيح.
• يلزم من الإخلال بالطمأنينة التقصير بالتسبيح؛ لأن مقدار الطمأنينة أقل من مقدار التسبيحة الواحدة.
• القول بأن التسبيح؛ لم يكن واجبًا ثم وجب ضعيف جدًّا، فلوكان التسبيح مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب لقامت الأدلة التي تبين للصحابة أن الحكم الأول قد رفع، ووجب الانتقال عنه إلى الوجوب كما في سائر الأحكام التي تتغير.
• لا يحفظ القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة، ولاعن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، فيما أعلم، وكل قول قديم عارٍ عن أصحاب القرون المفضلة فهو أمارة على ضعفه.
• إطلاق التسبيح على الصلاة لا يدل على وجوبه في الصلاة.
• سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص بالركوع والسجود.
стр. 2108
• لو كان المراد بالتسبيح التسبيح الخاص بالركوع والسجود لكان التسبيح ركنًا في الصلاة؛ لأن التعبير بالجزء عن الكل يدل على ركنية ذلك الجزء.
• لو كان التسبيح واجبًا لحفظ في النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق كيف والأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين؟.
[م-٦٦٣] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم.
وقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاء موقوتًا (١).
وتأوله أصحابه بأن معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة،
[م-٦٦٤] واختلف العلماء في وجوب التسبيح:
فقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٢).
стр. 2109
وقيل: التسبيح واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعُدَّ من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره بعض الشيوخ، وخرجه على قواعد المذهب للأمر به، والمواظبة عليه، واختاره داود الظاهري، على خلاف بينهم في صفة الواجب:
فقيل: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك، وهو مذهب الحنابلة (١).
وقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي ﷺ من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء (٢).
ولعل هذا ما قصده مالك عندما روي عنه بأنه لا يحد فيه حدًّا، أي لا يعين فيه تسبيحًا بعينه، ولا عددًا بعينه، فكل تسبيح لله تحصل به السنة، كسبوح قدوس رب الملائكة والروح، وسبحانك اللهم وبحمدك، ونحو ذلك (٣).
وقيل: التسبيح ركن، وهو قول أبي مطيع البلخي من الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم ونسبه ابن بطال للظاهرية (٤).
стр. 2110
وقد سبق أن ذكرت أدلة المسألة في حكم التسبيح في الركوع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد، وإنما اقتضى الإشارة إلى المسألة للتذكير بها، وربما طلب الباحث حكمها في مظانها فلم يجدها، فيظن أن البحث أغفلها، والحمد لله.
* * *
стр. 2111
مطلب
في بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة
[م-٦٦٥] ورد في السجود أذكار وأدعية متنوعة، منها:
(ح-١٨٣٣) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين ... وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (١).
(ح-١٨٣٤) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم هو ابن صبيح أبي الضحى، عن مسروق،
عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (٢).
(ح-١٨٣٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،
أن عائشة نبأته أن رسول الله ﷺ كان يقول: في ركوعه وسجوده: سبوح
стр. 2112
قدوس، رب الملائكة والروح (١).
(ح-١٨٣٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: قلت لعطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فأخبرني ابن أبي مليكة،
عن عائشة قالت: افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن، وإنك لفي آخر (٢).
(ح-١٨٣٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (٣).
(ح-١٨٣٨) ومنها ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، حدثنا معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد،
عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة (٤).
[حسن] (٥).
стр. 2113
(ح-١٨٣٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول: في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه، وجله، وأوله وآخره وعلانيته وسره (١).
فيستحب للمصلي أن ينوع من هذه الأذكار، ليأتي بجميع ما ورد في السنة.
قال ابن المنذر بعد أن ذكر هذه الآثار: «للمرء أن يقول بأي خبر شاء من هذه الأخبار؛ إذ الاختلاف في ذلك من جهة المباح، فأي تسبيح، أو تعظيم، أو ذكر أتى به مما ذكرناه في هذه الأخبار فصلاته مجزية» (٢).
* * *
стр. 2114
الفرع الثاني في سنن السجود الفعلية
المسألة الأولى في صفة الهوي للسجود
المدخل إلى المسألة:
• الإسناد ولو كان من ابتدائه إلى منتهاه ثقة عن ثقة، فلا يعتبر به إذا كان شاذًّا، لأنه من قبيل الوهم، فكيف إذا كان الإسناد منكرًا، كرواية شريك، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل بن حجر.
• لا يصح حديث في صفة الهوي إلى السجود، وقلة الأحاديث الواردة في الباب مع ضعفها دليل على أن الأمر واسع، وأن المصلي يعمل ما هو أهون عليه، فالكبير والثقيل يحتاج إلى تقديم اليدين، والشاب عكسه.
• أصح أثر ورد في الباب أثر عمر، وقد اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى.
• على افتراض صحة أثر عمر فإنه حكاية فعل، لا ندري أكان فعله تعبدًا، أم لكونها أهون عليه؛ لأن المصلي لا بد له في هويه إما أن يقدم يديه أو يقدم ركبتيه، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على قصد الصفة ونفي الاستحباب عن غيرها.
• الهوي يتعلق بأحكام الصلاة، والصحابة لهم عناية بأحكامها، فإذا لم توجد سنة صحيحة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة إلا عن عمر، وهو حكاية فعل مختلف في وصلها وإرسالها، وعن ابنه ولا يثبت، فالاحتياط للعبادة ألا نجزم باستحباب صفة معينة إلا بدليل صريح.
[م-٦٦٦] اختلف العلماء في صفة الهوي للسجود،
فقيل: يقدم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، وهذا مذهب الجمهور من
стр. 2115
الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ورواية عن مالك (١).
قال الترمذي والخطابي وبهذا قال أكثر العلماء، وحكاه أيضًا القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء (٢).
وقيل: يقدم يديه، ثم ركبتيه، وهو المعتمد في مذهب المالكية، قال ابن رشد: هو أولى الأقوال بالصواب، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الأوزاعي، ونقله الشوكاني عن العترة (٣).
وقال الأوزاعي: «أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم» (٤).
وقيل: تقديم اليدين على الركبتين فرض، وهو قول شاذ (٥).
وروى ابن عبد الحكم، عن مالك: يقدم أيهما شاء، وروى ابن حبيب:
стр. 2116
لا تحديد (١).
وأما الجبهة والأنف:
فقيل: يضعهما دفعة واحدة، وهو قول في مذهب الحنفية، وبه صرح الرافعي في المحرر، ونقله في المجموع عن الْبَنْدَنِيجِي، وهو ظاهر مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يقدم الجبهة على الأنف وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية (٣).
قال في البدائع: «ومنها أن يضع جبهته ثم أنفه، وقال بعضهم: أنفه ثم جبهته» (٤).
وقيل: يقدم أيهما شاء، اختاره أبو حامد من الشافعية (٥).
وقيل: يقدم أنفه، ثم جبهته، اختاره بعض الحنفية (٦).
ولا ترتيب بينهما؛ لأنه عضو واحد.
• دليل من قال: يقدم ركبتيه، ثم يديه.
الدليل الأول:
(ح-١٨٤٠) ما رواه أبو داود من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،
عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه (٧).
стр. 2117
[منكر، تفرد به شريك، عن عاصم، وقد رواه عشرون نفسًا فلم يقل أحد منهم ما قاله شريك، وقد اضطرب في إسناده، وفي متنه، وشريك ليس له عن عاصم غير هذا الحديث، فجمع في حديثه بين النكارة والاضطراب والتفرد] (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٤١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا همام، حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه، أن النبي ﷺ ، فذكر حديث الصلاة، قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه (١).
[إسناده منقطع عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وقد رواه عفان وعبد الوارث عن همام، عن عبد الجبار، عن علقمة، عن وائل فوصلاه، وليس فيه قوله: (فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض)، وهو المعروف] (٢).
وإذا كانت رواية شريك، لا تصلح للاعتبار، فكذلك رواية حجاج بن منهال، وأبي عمر الحوضي، عن همام، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، لا تصلح للاعتبار؛ ليس لأنها فقط منقطعة، فالضعيف غير مدفوع عن الاعتبار، وإنما لأنها خالفت رواية عفان بن مسلم، وعبد الوارث، عن همام، وهي رواية موصولة، وفي صحيح مسلم، والمنكر والشاذ لا يصلحان للاعتبار.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٤٢) ما رواه البيهقي من طريق أبي كريب، حدثنا محمد بن حجر، ثنا
стр. 2124
سعيد بن عبد الجبار، عن عبد الجبار بن وائل، عن أمه،
عن وائل بن حجر قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ، ثم سجد وكان أول ما وصل إلى الأرض ركبتاه (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٨٤٣) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى ابن سلمة بن كهيل، حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد،
عن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين (٣).
[منكر] (٤).
• ونوقش هذا:
قال البيهقي: «هذا إن كان محفوظًا دل على النسخ، غير أن المحفوظ عن
стр. 2125
مصعب، عن أبيه: حديث نسخ التطبيق» (١).
وقال الحازمي وابن القيم بمثل ما قال البيهقي (٢).
(ح-١٨٤٤) يريد البيهقي الإشارة إلى ما رواه البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن أبي يعفور، قال:
سمعت مصعب بن سعد، يقول: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله، فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب (٣).
الدليل الخامس:
(ح-١٨٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق العلاء بن إسماعيل العطار، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول،
عن أنس، قال: رأيت رسول الله ﷺ كبر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم رفع رأسه حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه (٤).
[منكر] (٥).
стр. 2126
الدليل السادس:
(ث-٤٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يعلى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أن عمر، كان يقع على ركبتيه (١).
[اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى] (٢).
ويناقش:
هذا أصح أثر نقل في المسألة، مع الاختلاف في وصله وإرساله، وهو حكاية فعل، لا ندري أكان عمر ﵁ فعله تعبدًا أم لكونه أهون عليه؛ لأن المصلي لابد له إما أن يقدم يديه، أو يقدم ركبتيه إذا هوى للسجود، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على قصد الصفة ونفي الاستحباب عن غيرها.
стр. 2127
الدليل السابع:
(ث-٤٤٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أبي ليلى، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه (١).
[منكر، وروي عن ابن عمر خلافه، وهو المعروف] (٢).
الدليل الثامن:
(ث-٤٤٤) ما رواه الطحاوي من طريق الحجاج بن أرطاة، أخبرهم، قال:
قال إبراهيم النخعي: حفظ عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن ركبتيه كانتا تقعان إلى الأرض قبل يديه (٣).
[ضعيف، لانقطاعه، ولضعف حجاج] (٤).
الدليل التاسع:
استدل الطحاوي من جهة النظر، فقال: «العلماء متفقون على أنه إذا سجد، فإن الرأس يضعها بعد الركبتين واليدين، لا قبلهما، وفي الرفع من السجود يقدم الرأس، ثم اليدين، ثم الركبتين، فما كان الرأس مؤخرًا عند السجود، مقدمًا في الرفع، فالنظر أن تكون اليدان في السجود مؤخرتين كذلك؛ لأنهما مقدمتان في الرفع» (٥).
وقال نحوه ابن القيم، ولكن بلفظ آخر، فقال: «المصلي في انحطاطه ينحط منه إلى الأرض الأقرب إليها أولًا، ثم الذي من فوقه، ثم الذي من فوقه حتى ينتهي
стр. 2128
إلى أعلى ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السجود ارتفع أعلى ما فيه أولًا، ثم الذي دونه حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه» (١).
• دليل من قال: يضع يديه قبل ركبتيه:
الدليل الأول:
(ح-١٨٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، وليضع يديه، ثم ركبتيه (٢).
[معلول، تفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن وليس له رواية عن أبي الزناد إلا هذا الحديث] (٣).
الدليل الثاني:
(ث-٤٤٥) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه (١).
[روي مرفوعًا وموقوفًا، ولا يصح أي منهما] (٢).
....................................................
• دليل من قال: الأمر واسع:
لا يصح في الباب سنة مرفوعة، والأصل عدم الاستحباب احتياطًا للعبادة، ولو كان هناك سنة في صفة الهوي لحفظها الله لنا، ولسخر من الصحابة من يعتني بنقل هذه الصفة بما يحفظ لنا سنة نبينا،
قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
فالله قد تكفل بحفظ شريعته، فإذا لم يوجد في السنة المرفوعة إلا حديثان:
أحدهما: حديث شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل.
وهذا الحديث قد جمع أربع علل كل واحدة تسقط حديثه، منها:
الأولى: أن شريكًا لا يعرف بالرواية عن عاصم، وليس له إلا هذا الحديث.
والثاني: أنه سيئ الحفظ.
والثالث: أن حديث عاصم قد رواه عشرون نفسًا، منهم أئمة وثقات، كسفيان ابن عيينة، والثوري، وزائدة، وقد ذكرتهم في التخريج، وخرجت ألفاظهم، فلا يذكر أحد منهم ما ذكره شريك، وأي نكارة أشنع من هذا، أن يخالف الضعيف أئمة الحديث، فينفرد عنهم وهو لا يعرف بالرواية عن عاصم، وليس له إلا هذا الحديث.
والرابع: أن شريكًا قد اضطرب في حديث عاصم اضطرابًا كثيرًا، لا في لفظه، ولا في إسناده ما لو اضطرب فيه الإمام مالك لرد حديثه، كيف وهذا الاضطراب جاء من رجل سيئ الحفظ، ثم تجد بعد ذلك من يقول: حديث وائل أرجح من حديث أبي هريرة، أو يحاول أن يعتبر به.
стр. 2135
والحديث الثاني: حديث أبي هريرة، وهو حديث غريب تفرد به محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية، عن أبي الزناد، ولا يعرف بالرواية عنه، وليس له عنه إلا هذا الحديث، فكيف يكون لأبي الزناد عبد الله بن ذكوان حديث في الصلاة، محل عناية الرواة، ثم لا يعرف ذلك أصحابه المكثرون عنه، والمهتمون بجمع حديثه، وينفرد عنهم رجل لا يعرف بالرواية عنه، ولو كان الحديث في الآداب لقيل ربما قاله أبو الزناد مرة، ثم لم يحدث به، أما أن يكون الحديث في الصلاة، محل عناية العلماء، وفي مسألة ليس فيها كثير أحاديث لو علم بها أحد من الأئمة لسافر يقطع الأرض ليسمع هذا الحديث، فلقد كانوا يضربون أكباد الإبل في طلب ما هو أقل أهمية من هذا الحديث، وكل أحاديث الرسول ﷺ مهمة، ثم لا يحدث به أبو الزناد أصحابه، ولا يعرفون هذا من حديثه، حتى ابنه عبد الرحمن ابن أبي الزناد، ومن أهل بيته لا يعرف هذا عنه، ويرويه رجل يحب العزلة والبادية، ولا يعرف بطلب الحديث، وليس له عن أبي الزناد إلا هذا الحديث اليتيم، فلا يمكن قبول مثل ذلك، ولا تصور وقوعه.
هذا من جهة السنة المرفوعة، وقل مثل ذلك من جهة الآثار، كيف لم يَعْتَن الصحابة بحكم المسألة، ولا يوجد أثر واحد قولي، يهدينا إلى سنة نبينا في الهُوِيِّ، وكل الموجود حكاية فعل عن عمر ﵁، وقد اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى وأكثر، وعلى افتراض صحته لا ندري أكان عمر فعل هذا لكونه أهون عليه؛ لأن المصلي لابد له في هويه: إما أن يقدم يديه أو يقدم ركبتيه، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على تعيين الصفة، ونفي الاستحباب عن غيرها.
وأما أثر ابن عمر فمداره على الدراوردي، وقد اختلف عليه فيه في رفعه ووقفه، واختلط عليه من حديث نافع في سجود اليدين مع الوجه، فظنه في تقديم اليدين على الركبتين.
أتظن أن صفة الهوي من أحكام الصلاة، ويقصر الصحابة في نقل هذه السنة مع عنايتهم الشديدة بأحكام الصلاة، فهل الاحتياط أن نجزم بالاستحباب، أو الاحتياط في العبادة ألا نجزم به إلا بدليل صريح، ونقول: الأمر واسع، اعمل
стр. 2136
ما هو أسهل عليك، دون أن تعتقد أن هناك صفة مستحبة للهوي، والله أعلم.
• الراجح:
هذه المسألة مثلها مثل بعض المسائل في الصلاة وغيرها، تجد أن النصوص فيها قليلة ضعيفة، والآثار ليست حاسمة، وتجد أقوال الفقهاء فيها متكاثرة، كالمسح على الجبيرة، وقد مرت معنا في الطهارة.
فالجمهور على تقديم الركبتين، خلافًا لمالك، وبعض أهل الحديث، والعترة، فإن كنت تريد في الترجيح أن تتشدد وتطلب دليلًا صحيحًا صريحًا ستجد أقوى الأقوال بأن الأمر واسع هو الأحظ، لكون النصوص ليست كاشفة عن حكم المسألة.
وإن كنت تريد أقوال الفقهاء فستجد أن قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية على تقديم الركبتين فإنه يسعك ما وسع القوم، وأَكْرِمْ بهم سلفًا وفقهًا، ومن اقتدى بهم فقد اقتدى بأهل هدى، وليست كل مسألة خلافية يتكشف بعد البحث خيطها الأبيض من خيطها الأسود، وحسبك أنك بذلت وسعك، وأثرت نقاطًا يتأملها القارئ من بعدك فقد ترزق المسألة بشخص يسد الثغرات، ويتجاوز العثرات، وما التوفيق إلا من الله العليم الحكيم.
* * *
стр. 2137
المسألة الثانية في رفع الأيدي إذا كبر للسجود أو رفع منه
المدخل إلى المسألة:
• رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.
• لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.
• قال الإمام البخاري يروى عن سبع عشرة نفسًا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ثم ذكرهم.
• لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.
• يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.
• سئل أحمد عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي، قال: لا.
[م-٦٦٧] اختلف العلماء في حكم رفع اليدين إذا كبر للسجود أو رفع منه،
فقيل: لا يرفع يديه مع التكبير للسجود، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
стр. 2138
وقيل: يستحب رفع اليدين للسجود، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الحديث، كالقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول مرجوح عن الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (١).
وحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب (٢).
ونقل المروذي عن أحمد أنه قال: لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز» (٣).
стр. 2139
وقد تكلمت عن أدلة المسألة عند الكلام على حكم رفع الأيدي مع تكبيرات الانتقال، والسجود فرد منها، فارجع إليه إن شئت.
* * *
стр. 2140
المسألة الثالثة السنة في موضع الكفين حال السجود
المدخل إلى المسألة:
• وضع اليدين في السجود صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية.
• لم يثبت في السنة القولية موضع اليدين في السجود، أيضعهما حذو منكبيه، أو حذو أذنيه، وما ورد كله من السنة الفعلية.
• لم يثبت حديث في وضع اليدين في السجود حذاء المنكبين.
• أحسن ما ورد في الباب حديث وائل وأنه سجد بين كفيه.
[م-٦٦٨] اختلف العلماء في موضع الكفين حال السجود:
فقال الحنفية والمالكية: يضع كفيه حذاء أذنيه، زاد المالكية: أو دون ذلك (١).
وجاء في المدونة: قال مالك: يوجه بيديه إلى القبلة، قال: ولم يَحُدَّ لنا أين يضعهما (٢).
وقال ابن شاس في الجواهر: «واستحب المتأخرون أن يسجد بين كفيه، ولم