أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أن نافع بن جبير، أرسله إلى السائب -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصِلْهَا بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، ألا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج (١).
• وتعقب:
قال ابن عبد البر: «ليس هذا عندي بشيء؛ لأن النهي إنما ورد أن تُصَلِّيَا معًا» (٢).
قلت: مع بعد كلام الطحاوي ﵀ فإن قوله: (ألا توصل صلاة بصلاة) ليس يراد منه العموم، بدليل أن وصل الفريضة بالفريضة كما في الصلاة المجموعة لا تدخل في النهي، وكذلك وصل النافلة بالنافلة كما في صلاة التراويح لا تدخل فيه أيضًا، وكذلك لا يدخل فيه وصل الفريضة بالنافلة كما لو صلى الراتبة القبلية ثم أقيمت الصلاة، فقام يصلي الفريضة في مكانه لم يدخل في النهي، وإنما حديث معاوية في وصل النافلة بالفريضة، وهي مسألة خلافية بين الصحابة ﵃، ومن أخذ بحديث معاوية فلا يتجاوز فيه سببه، وهو النهي إما عن وصل النافلة بالفريضة حتى لا يدخل الفريضة ما ليس منها ومسألتنا عكسها، وإما في الصلاة بعد الجمعة خاصة، وإما في وصل الإمام دون المأموم، هذه هي الأقوال في المسألة» (٣).
стр. 247
الدليل الرابع:
(ح-١١٤٠) رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، عن عاصم الأحول،
عن عبد الله بن سرجس، قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﷺ ، فلما سلم رسول الله ﷺ ، قال: يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ (١).
الدليل الخامس:
ركعتا الفجر كغيرها من السنن القبلية لها وقت يبدأ وينتهي،
قال ابن حزم: «ووقت ركعتي الفجر من حين طلوع الفجر الثاني إلى أن تقام صلاة الصبح، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الأمة» (٢).
стр. 248
ولأن الإقامة مختصة بعين الفريضة، فصار ذلك الوقت وقتها المقدر، لا يسع لغيرها، فلا يفعل فيه غيرها، ولا تزاحم النافلة فريضة.
الدليل السادس:
(ح-١١٤١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ (١).
ورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد (يعني: ابن هارون)، حدثنا صالح بن رستم (أبو عامر الخزاز) به بنحوه، وفيه: فجذب رسول الله ﷺ بثوبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا (٢).
[المحفوظ أنه مرسل] (٣).
стр. 249
الدليل السابع:
(ح-١١٤٢) ما رواه البخاري من طريق عطاء،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِلَيِّ عبدي بشيء أحب إِلَيِّ مما افترضته عليه ... الحديث، رواه البخاري (١).
فإدراك المصلي لما فاته من الفريضة أحب إلى الله من صلاته النافلة، فمن الغبن أن يشتغل العبد بالمفضول عن الفاضل، وإذا ترك العبد النافلة لا زهدًا فيها، وإنما رغبة بالفريضة، وامتثالًا لأمر الله كتبت له؛ لأنه تركها لعذر، وبإمكانه أن يقضي النافلة بعد فراغه من الفريضة، دون أن يجعل النافلة تزاحم الفريضة في وقتها، والأجر الفاضل في راتبة الفجر لم يعلق على إدراكها في وقتها، والله أعلم.
• دليل من قال: يصلي الراتبة خارج المسجد ما لم يَخْشَ فوات الركعة الثانية:
الدليل الأول:
(ح-١١٤٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٢).
•ونوقش:
مقتضى الاستدلال جواز فعل ذلك مع سائر النوافل، فلا معنى لتخصيص الجواز بركعتي الفجر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو جاز ترك تأخير الدخول مع الإمام في الفريضة من القادر عليها إذا كان يدرك منها ركعة، لجاز تأخير الصلاة حتى لا يبقى من وقتها إلا مقدار ركعة، لحديث أبي هريرة المتفق عليه: من أدرك
стр. 250
ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، فإذا كان لا يجوز تأخير الصلاة إلى أن يبقى من وقتها مقدار ركعة، فكذلك لا يجوز تأخير الفريضة عن الدخول مع الإمام مع القدرة، ولو أدرك منها ركعة.
الدليل الثاني:
(ح-١١٤٤) ما رواه ابن خزيمة، قال: حدثنا علي بن حجر السعدي بخبر غريب غريب قال: ثنا محمد بن عمار يعني الأنصاري، عن شريك بن عبد الله وهو ابن أبي نمر،
عن أنس قال: خرج النبي ﷺ حين أقيمت الصلاة، فرأى ناسًا يصلون ركعتين بالعجلة، فقال: أصلاتان معًا؟ فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة)، فمفهومه أن صلاة الركعتين خارج المسجد لا يدخل في النهي.
• وأجيب:
[بأن الحديث اختلف في وصله وإرساله، كما اختلف في قوله: (فنهى أن يصلى في المسجد) والراجح أنها ليست محفوظة] (٢).
стр. 251
الدليل الثالث:
(ث-٢٦٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى، قال:
جاء ابن مسعود، والإمام يصلي الصبح، فصلى ركعتين إلى سارية، ولم يكن صلى ركعتي الفجر (١).
الدليل الرابع:
(ث-٢٦٨) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق أبي نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة (١)، عن نافع، قال:
كان ابن عمر يصلي الركعتين في بيته وهو يسمع الإقامة، ثم يأتي المسجد فيصلي (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 254
• ونوقش:
بأن الاستدلال بفعل الصحابي يقبل بشرط ألا يلزم من قبوله طرح النص المرفوع فإنه لا حجة في موقوف يلزم منه ترك النص المرفوع، أما إذا كان قول الصحابي هو في تفسير النص، وذلك بتقييد مطلق، أو تخصيص عام، ولم يأتِ ما يخالفه من الصحابة فيكون قول الصحابي داخلًا في بيان دلالة النص، والصحابي أولى الناس بتفسير النصوص الشرعية، وقوله في فهم النص مقدم على قول غيره، وقد حفظ إنكار الرسول ﷺ على من شرع في النافلة بعد الإقامة، فلا يعارض هذا باجتهاد الصحابي، كما أنه مخالف لحديث: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا)، والله أعلم.
• دليل من قال: يصلي الراتبة خارج المسجد ما لم يَخْشَ فوات الركعة الأولى:
يرى المالكية أن المصلي إن كان معذورًا أدرك الجماعة بإدراك ركعة كاملة من الصلاة، لحديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
وإن كان غير معذور، بأن فوَّت ركعة من الصلاة اختيارًا وتفريطًا لم يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك ركعات الصلاة كلها (١).
وعلى هذا التفصيل بَنَوْا فِقْهَ هذه المسألة: فإذا وجد المصلي الناس في الصلاة فإن خشي أن تفوته الركعة الأولى لم يُصَلِّ ركعتي الفجر من أجل إدراك فضل الجماعة؛ لأنه إن صلى في هذه الحالة حتى فاتته الركعة الأولى لم يدرك فضل الجماعة؛ لأن فواتها كان باختياره وتفريطه، وإن أمكن المصلي أن يصلي ركعتي الفجر وهي من السنن المؤكدة التي كان رسول الله ﷺ يواظب عليها، ولم تفته الركعة الأولى فقد جمع بين إدراك السنة وبين إدراك فضيلة الجماعة، وهذا أولى
стр. 255
من تفويت إحداهما بإدراك الأخرى، واشترطنا أن يكون ذلك خارج المسجد حتى لا تلزمه أحكام الإمام.
• ويناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
بأن حديث (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) عام يشمل من كان يدرك الركعة الأولى ويشمل غيره، والعلماء على وجوب العمل بالعام حتى يرد ما يخصصه، ولم يرد ما يخصص العام.
وحديث إدراك الركعة بإدراك الركوع، لم يذكر في بيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، بخلاف حديث أبي هريرة: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
وحديث ابن بحينة (آلصبح أربعًا)؟
وحديث عبد الله بن سرجس (بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا) فهي أحاديث خاصة سيقت لبيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي بأن الدلالة الصريحة مقدمة على الدلالة غير الصريحة، والمعنى المقصود بالحكم مقدم على معنى غير مقصود بالحكم، والخاص مقدم على العام، وهذا معروف في أصول الفقه.
الوجه الثاني:
إذا كان لا يجوز تأخير الصلاة إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة، وإن كان مدركًا للوقت، لحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فكذلك لا يجوز ترك الدخول في الصلاة مع قدرته على ذلك احتجاجًا بإدراك الركعة بإدراك الركوع.
الوجه الثالث:
أن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، ويلزم منه ترك قراءة الفاتحة مع القدرة، وهو ركن أو واجب، فإدراك الركعة بإدراك الركوع يكون في حق من لم
стр. 256
يتمكن من إدراك القيام، والله أعلم.
• الراجح:
كل خير يحرص المصلي على تحصيله في النافلة بعد إقامة الصلاة لا يعدل ما فاته من الفريضة، فالنافلة لا ينبغي لها أن تزاحم الفريضة، لهذا أرى أن مذهب السادة الحنفية أضعف الأقوال، يليه مذهب المالكية، وأقواها مذهب الشافعية والحنابلة، والله أعلم.
* * *
стр. 257
الفرع الثاني إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي النافلة
المدخل إلى المسألة:
• إبطال العمل ليس له حكم واحد، منه ما هو محرم، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، انظر الأمثلة في البحث.
• إذا كان النفل لا يلزم ابتداؤه، لم يلزم إتمامه؛ لأن لزوم الإتمام فرع عن لزوم الابتداء، إلا نفل الحج والعمرة فهذا خاص بهما.
• الصحيح أن النفل لا يجب بالشروع فيه، لقول عائشة: أُهْدِيَ لنا حيسٌ، فقال ﷺ : أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا.
• العلة من النهي عن التنفل إذا أقيمت الصلاة: أهو من أجل تحصيل فضل الجماعة؟ وبأي شيء يدرك فضل الجماعة؟ أم هو من أجل الأمر بمتابعة الإمام؛ لقوله ﷺ : إذا كبر فكبروا؟ الراجح الثاني.
• الصلاة إذا أقيمت تعين الوقت للفرض، والنفل لا يزاحم الفرض.
[م-٤٦٧] إذا أقيمت الصلاة، وهو يصلي تحية المسجد، أو الراتبة، أيقطعها أم يتمها خفيفة؟
فقيل: يتمها مطلقًا، ولو خشي فوات الجماعة، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، وبه قال بعض المالكية (١).
وقيل: يقطعها مطلقًا، ولو كان في التشهد، وإليه ذهب بعض الظاهرية (٢)،
стр. 258
هذان قولان متقابلان.
وقيل: إن خشي أن تفوته ركعة قطعها بسلام أو بفعل منافٍ، وإن كان يمكنه أن يتمها قبل أن يركع الإمام أتمها، ولو بقراءة أم القرآن وحدها، وهذا قول مالك (١).
وقيل: يتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة، على اختلافٍ بينهم بماذا تفوت الجماعة.
فقيل: إذا أدرك من الصلاة مقدار تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ وعليه إذا ظن أنه يدرك من التشهد الأخير مقدار تكبيرة الإحرام أتم النافلة، وإلا قطعها، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: تدرك الجماعة بإدراك ركعة، وعليه يقال: إذا كان يدرك من صلاة الجماعة مقدار ركعة أتمها، وإلا قطعها.
стр. 259
قال في الإنصاف: «وقيل: لا يدركها إلا بركعة، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، واختاره الشيخ تقي الدين، وذكره رواية عن أحمد، وقال: اختاره جماعة من أصحابنا» (١).
واختار شيخنا ابن عثيمين ﵀: أنه إن صلى منها ركعة كاملة أتمها خفيفة، وإلا قطعها (٢).
واختار شيخ شيخنا ابن باز عليه رحمة الله: أنه إن بقي من النافلة مقدار ركعة كاملة قطعها، وإن بقي من النافلة أَقَلُّ من ركعة أتمَّها، وبه قال المباركفوري ﵀ (٣).
هذه أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وسبب اختلافهم يرجع إلى اختلافهم في مسألتين:
المسألة الأولى: الاختلاف في وجوب إتمام النفل بعد الشروع فيه.
المسألة الثانية: اختلافهم في العلة من النهي عن التنفل إذا أقيمت الصلاة: أهو من أجل تحصيل فضل الجماعة، وبأي شيء يدرك فضل الجماعة، أم هو من أجل الأمر بمتابعة الإمام؛ لقوله ﷺ : إذا كبر فكبروا، ولأن الصلاة إذا أقيمت تعين الوقت للفرض، والنفل لا يزاحم الفرض.
إذا علم ذلك ننتقل منه إلى ذكر الأدلة:
• دليل من قال: يتمها مطلقًا ولو خشي فوات الجماعة:
هذه المسألة بناها الحنفية على مسألة أخرى، وهي وجوب إتمام النافلة بالشروع فيها، وهي مسألة خلافية (٤).
стр. 260
قال في بدائع الصنائع: «النفل يصير واجبًا عندنا بالشروع، ويلتحق بالواجبات الأصلية في حق الأحكام» (١).
• واستدل الحنفية على مذهبهم بدليلين:
الدليل الأول:
القياس على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة بالشروع فيهما، قال تعالى:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، [البقرة: ١٩٦]، فإذا وجب إتمام نفل الحج والعمرة فغيرهما مقيس عليهما.
ولأن الواجبات نوعان: ما تُلُقِّيَ وجوبه من الشارع أصالة، كالصلاة المفروضة.
وما تُلُقِّيَ وجوبه من التزام العبد كالنذر، والشروع بالنفل، والفرق أن النذر يجب بالقول، وغيره من النوافل يجب بالفعل، وهو الشروع.
• ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز قطع النافلة بعد الشروع فيها، ولا يجب عليه إتمامها بعد الشروع فيها إلا نفل الحج والعمرة، لوجوب المضي في فاسدهما بخلاف غيرهما من العبادات فلا يجب المضي فيها إذا فسدت.
(ح-١١٤٥) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة،
عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول
стр. 261
الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا (١).
الوجه الثاني:
لا يصح القياس على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة، لأن النسك له أحكام ينفرد بها عن سائر العبادات، فلا يقاس عليه غيره، من ذلك وجوب المضي في فاسده، وجواز قلب نية الحج فيه إلى عمرة بعد الفراغ من طواف القدوم والسعي، وجواز إبهام نية إحرامه كما لو قال: أحرمت بما أحرم به فلان، ولا يدري ما ذا أحرم به فلان، إلى غيرها من الأحكام التي تخص المناسك.
الدليل الثاني:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فكل ما يبطل العمل فالمسلم منهيٌّ عنه، وقوله: ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾ نكرة مضافة فيشمل جميع الأعمال واجبًا كان أم نفلًا، وقطع النافلة إبطال لها، والأصل في النهي التحريم.
• ونوقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن الآية القرآنية عامة، وأحاديث النهي عن النافلة بعد إقامة الصلاة خاصة، والخاص مقدم على العام.
الوجه الثاني:
أن إبطال العمل ليس له حكم واحد، منه ما هو محرم، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، وإليك بعض صوره.
الصورة الأولى: إبطال العمل من أصله وذلك يكون إما بالردة والعياذ بالله إذا مات عليها الإنسان، أو بالرياء (الشرك الأصغر).
وقد دل على الأول قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، [البقرة: ٢١٧].
(ح-١١٤٦) ودل على الثاني: ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب، عن أبيه،
стр. 262
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه (١).
الصورة الثانية: إبطال ثواب العمل، وإنْ كان العمل صحيحًا، وذلك يكون بالحرمان من ثوابه لكثرة المعاصي، فالعمل صحيح؛ لاستيفاء شروطه وأركانه، إلا أن إثم المعاصي إذا ما قورن بأجر العمل كان الإثم أكبر، فكأنَّ الإثم قد أحبط الانتفاع بالثواب، وذهب بالأجر.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فالصدقة، وإن كانت صحيحة متقبلة، فإن إثم المن والأذى إذا ما قورن بأجر الصدقة ذهب بالأجر.
(ح-١١٤٧) ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:
كان جرير بن عبد الله، يحدث عن النبي ﷺ قال: إذا أَبَقَ العبد لم تقبل له صلاة (٢).
[سبق تخريجه] (٣).
(ح-١١٤٨) ومنه ما رواه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع، عن صفية،
عن بعض أزواج النبي ﷺ ، قال: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (٤).
فنفي القبول هنا لا يلزم منه إبطال العمل، وعدم صحته، بل الصلاة صحيحة، ونفي القبول متوجه إلى نفي الثواب لعظم الذنب.
الصورة الثالثة: إبطال مباح وذلك بالخروج من النفل قبل إتمامه لسبب من
стр. 263
الأسباب، فهذا إذا لم يكن من نفل الحج أو العمرة فيجوز، لحديث عائشة السابق ( ... أهدي لنا حيس، فقال ﷺ لعائشة: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، رواه مسلم (١).
ومثله إذا أحدث الرجل باختياره، وهو على طهارة، فإنه لا يحرم عليه إبطال الوضوء؛ لأن إخراج الريح فيه مصلحة للبدن.
وإذا كان النفل لا يلزم ابتداؤه، لم يلزم إتمامه؛ لأن لزوم الإتمام فرع عن لزوم الابتداء، إلا نفل الحج والعمرة فهذا خاص بهما.
الصورة الرابعة: إبطال واجب، كأن يقضي الشارع بإبطال العمل، كما لو صام اليوم الثلاثين ظانًّا أنه من رمضان، ثم جاء خبر برؤية الهلال في أثناء اليوم، فإن الصيام يبطل.
الصورة الخامسة: إبطال مكروه، وهو إبطال النفل بعد الشروع فيه بلا سبب، ولا مصلحة، فهذا لا يمنع منه، ولكنه خلاف الأولى.
فهذه صور خمس يختلف فيها حكم إبطال العمل من صورة إلى أخرى، فكان النهي عن إبطال العمل في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، أي لا تبطلوها بمعصية الله ورسوله؛ لأن الآية أمرت بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، ونهت عن المعصية المؤدية إلى إبطال العمل.
جاء في تفسير الطبري بإسناده عن قتادة، قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، من استطاع منكم أن لا يبطل عملًا صالحًا عمله بعمل سيئ فليفعل، ولا قوة إلا بالله، فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها (٢).
الوجه الثالث:
لو سلمنا أن الآية يقصد بها العموم، وأن المسلم منهي عن إبطال النافلة بعد الشروع فيها، فإن النهي يتوجه لمن تعمد إبطال عمله بلا عذرٍ، ولا مسوغٍ شرعيٍّ، ولا يدخل في الآية من عرض له في صلاته ما أوجب له قطع نافلته، فهذا لم يبطلها، بل أبطلها الشرع، وكما تبطل الصلاة بالحدث تبطل بحضور الفريضة، ومن امتثل
стр. 264
الأمر الشرعي بالخروج من النافلة لم يبطل عمله؛، بل يرجو المصلي من الله أن يكتب له أجرها كاملًا لحديث أنس ﵁: إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، رواه البخاري (١).
• دليل من قال: يقطعها مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-١١٤٩) ما رواه مسلم من طريق شعبة وشبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
ورواه مسلم من طريق زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار به.
ورواه مسلم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به.
قال حماد: ثم لقيت عَمْرًا، فحدثني به ولم يرفعه (٢).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أن قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ... ) عام يشمل ابتداء النافلة بعد الإقامة، ويشمل إتمامها بعد الإقامة، لا فرق بين النافلة التي دخل فيها قبل الإقامة والنافلة التي لم يدخل فيها إلا بعد الإقامة، ومن حصر النفي على ابتداء الصلاة فقد خصص العام بلا مخصص.
وقوله (لا صلاة إلا المكتوبة) نفي بمعنى النهي، والنفي إن حملناه على الوجود فالمراد به الوجود الشرعي، فإذا وجدت صورة الصلاة فهي باطلة، فيؤول إلى نفي الصحة، ولا يراد به نفي الكمال إلا بقرينة.
الوجه الثاني:
أن العلة في النهي عن التطوع إذا أقيمت الصلاة هو التفرغ للفريضة، ليشرع
стр. 265
فيها عقب شروع الإمام، ولا ينشغل عن الفريضة بالنافلة، فإذا كانت هذه هي العلة لم يكن هناك فرق بين ابتداء النافلة وبين إتمامها؛ لأن كلًّا منهما قد تشاغل بالتطوع عن الفرض، وفاته قدر من صلاة الفريضة.
• ونوقش هذا الاستدلال من وجهين أيضًا:
الوجه الأول:
بأن الحديث سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه، وقد تردد فيه راويه عمرو بن دينار، فمرة يرويه مرفوعًا، ومرة يرويه موقوفًا، والموقوف هو المتيقن، فلا يحكم برفعه مع تردد راويه، ولا مجال للترجيح بين الرواةٍ والشَّكُّ إنما جاء من الرجل الذي عليه مدار الحديث، فالعهدة عليه، لا من الرواة عنه، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن قوله: (لا صلاة ... ) يحتمل أن يكون النفي للكمال، وليس للصحة، وإلى ذلك مال ابن حجر وجماعة من أهل العلم.
قال ابن حجر: «قوله (فلا صلاة) أي صحيحة، أو كاملة، والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال» (١).
وقد أجبت على هذا الاحتمال في المسألة السابقة، فارجع إليه دفعًا للتكرار، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١١٥٠) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ (٢).
ورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد (يعني: ابن هارون)، حدثنا صالح بن رستم
стр. 266
(أبو عامر الخزاز) به بنحوه، وفيه: فجذب رسول الله ﷺ بثوبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ (١).
[المحفوظ أنه مرسل] (٢).
الدليل الثالث:
الصلاة من الواجبات الموسعة، لكن الوقت يتعين لفعلها بأحد أمرين:
الأول: أن يضيق الوقت حتى لا يبقى إلا مقدار فعلها، فيتعين الوقت لفعل الفريضة،
الثاني: أن يتعين الوقت لفعلها بفعل العبد، بأن يُدعى الناس إلى فعلها جماعة فإذا توجه الأمر إلى الناس بالإقبال على الصلاة وذلك بقول المؤذن في الإقامة: حي على الصلاة، حي على الفلاح تعين الوقت للفعل، لقوله ﷺ (إذا سمعتم الإقامة فامشوا ... )، وهذا لمن كان خارج المسجد.
ولقوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ... فإذا كبر فكبروا، وهذا لمن كان داخل المسجد، وقوله: (فكبروا) الفاء دالة على الترتيب والتعقيب بلا تأخير، فلا يجوز الإعراض عن إجابة المؤذن، ولا التأخر عن متابعة الإمام بالاشتغال عنها بالتطوع، فإذا تعين الوقت للفريضة بطل التطوع.
الدليل الرابع:
(ح-١١٥١) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناسَ؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا
стр. 267
في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة (١).
[صحيح] (٢).
стр. 268
وجه الاستدلال:
إذا كان من صلى الفرض إذا دخل المسجد، وشهد حضور الصلاة كان مأمورًا بإعادتها والدخول مع الإمام، وعدم الاختلاف عليه، فكيف بمن لم يُصَلِّ الفرض؟ فمن باب أولى أن يكون مأمورًا بالدخول فيها مباشرة، والخروج من النافلة، وعدم الاختلاف على الإمام.
الدليل الخامس:
(ح-١١٥٢) ما رواه البخاري من طريق عطاء،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أَحَبَّ إليَّ مما افترضته عليه ... الحديث، رواه البخاري (١).
• دليل من قال: إذا خشي فوات الركعة الأولى قطعها، وإلا أتمها:
المالكية حملوا النهي عن التطوع إذا أقيمت الصلاة من أجل إدراك فضيلة الجماعة، وكيف يدرك فضل الجماعة؟
نقل حفيد ابن رشد من المالكية أن المصلي إن كان معذورًا أدرك الجماعة بإدراك ركعة كاملة من الصلاة، لحديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
وإن كان غير معذور، بأن فوَّت ركعة من الصلاة اختيارًا وتفريطًا لم يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك ركعات الصلاة كلها (٢).
стр. 269
وعلى هذا التفصيل بنوا فقه هذه المسألة: فإذا أقيمت الصلاة، فإن خشي أن تفوته الركعة الأولى قطعها من أجل إدراك فضل الجماعة؛ لأنه إن تمادى في النافلة حتى فاتته الركعة الأولى لم يدرك فضل الجماعة؛ لأنه ترك ذلك باختياره وتفريطه، وإن أمكن المصلي إتمام النافلة وإدراك الركعة الأولى فهذا أكمل لتحقيقه المصلحتين: إتمام النافلة وإدراك فضل الجماعة.
• ونوقش هذا:
بأن حديث (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) عام يشمل من كان يدرك الركعة الأولى ويشمل غيره، والعلماء على وجوب العمل بالعام حتى يرد ما يخصصه، ولم يرد ما يخصص العام.
وحديث إدراك الركعة بإدراك الركوع، لم يذكر في بيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، بخلاف حديث أبي هريرة: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
وحديث ابن بحينة (آلصبح أربعًا)؟
وحديث عبد الله بن سرجس (بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ (١)، وهي أحاديث خاصة سيقت لبيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي بأن الدلالة الصريحة مقدمة على الدلالة غير الصريحة، والمعنى المقصود بالحكم مقدم على معنى غير مقصود بالحكم، والخاص مقدم على العام، وهذا معروف في أصول الفقه.
ولأن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من آكد أركان الصلاة، فإدراك الركعة بإدراك الركوع يكون في حق من لم يتمكن من إدراك القيام، والله أعلم.
стр. 270
ولا يسلَّم بصحة ما ذكره حفيد ابن رشد: أن من فوَّت الركعة الأولى اختيارًا مع القدرة على تحصيلها فقد فوَّت فضل الجماعة، فالجماعة على الصحيح تدرك بإدراك ركعة مطلقًا، والعذر يرفع الإثم بخلاف المفرط، فإنه مستحق للإثم، وإنْ أدرك فضل الجماعة، والله أعلم (١).
جاء في حاشية الدسوقي نقلًا عن الأَقْفَهْسِيِّ: أن ظاهر الرسالة حصول الفضل -يعني وإن ترك الركعة الأولى بلا عذر- وأنه ينظر: هل ما قاله الحفيد موافق للمذهب أو لا، واللَّقَانيُّ كما في خش (حاشيته على الخرشي) قال: إن كلام الحفيد مخالف لظاهر الروايات اهـ نقلًا من مج (محمد الأمير) (٢).
• دليل من قال: إذا خشي فوات الجماعة قطعها:
أصحاب هذا القول يرون أن الحكمة في النهي عن إتمام النافلة بعد إقامة الصلاة من أجل تحصيل فضل الجماعة، لهذا رأوا أنه إن أمكنه تحصيل فضل الجماعة فإنه يتم النافلة على اختلافهم فيما تدرك به الجماعة، فمنهم من قال: تدرك بإدراك ركعة قياسًا على إدراك الوقت والجمعة، وعليه يذهب إلى أنه إن خشي أن يدرك من الجماعة أقل من ركعة قطعها، وإلا أتمها، ومن قال تدرك بإدراك جزء من التشهد قبل سلام الإمام راعى ذلك أيضًا، وجوَّز التمادي في النافلة إن غلب على ظنه إدراك الإمام قبل السلام؛ لإحرازه الفضيلتين فضيلة الجماعة وإتمام النافلة.
• ونوقش هذا بما نوقشت به الأقوال السابقة:
وأن حديث: (فلا صلاة إلا المكتوبة) عام، يشمل من يدرك فضيلة الجماعة وغيره، وتخصيص النهي في الحديث بمن تفوته الجماعة تخصيص له بلا مخصص.
بل الأظهر أن النفي من أجل متابعة الإمام وعدم الاختلاف عليه، كما في
стр. 271
حديث أبي هريرة مرفوعًا: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا ... الحديث، وهو من الأحاديث المقطوع بصحتها (١).
فكان المصلي مأمورًا بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام المستفاد من (الفاء) في قوله: (إذا كبر فكبروا)، لا يتأخر عنه، ولا يشتغل عنه بالتطوع.
• دليل من قال: إن صلى منها ركعة كاملة أتمها وإلا قطعها:
(ح-١١٥٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٢).
وجه الاستدلال:
هذا المتنفل قبل الإقامة قد شرع في النافلة في وقت يؤذن له بالتطوع.
وقت النافلة ينتهي بإقامة الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة خرج وقتها، لكنه حين أدرك منها ركعة كاملة بسجدتيها فقد أدرك وقتها، فليتمها خفيفة، ويغتفر وقوع الركعة الثانية خارج وقتها، كما أنه إذا أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك وقتها، وإن وقعت الركعة الثانية خارج الوقت. أما إذا كان لم يُصَلِّ ركعة كاملة بأن أقام، وهو في الركعة الأولى، فليقطعها؛ لعموم (فلا صلاة إلا المكتوبة).
• ويناقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول: أنني لا أعلم أحدًا قال به من المتقدمين إلا أن يقال: إنه قول ملفق من قولين:
فإن قيل: لعله يندرج في مذهب المالكية القائلين بأنه إذا خشي فوات الركعة قطعها، فإن من صلى ركعة كاملة بسجدتيها قبل الإقامة سيدرك الإمام بالركعة الأولى، ولابد؛ لأن وقت الإقامة وتسوية الصفوف يستغرق وقتًا يمكنه أن يتم فيه الركعة الثانية.
стр. 272
فالجواب: لعله كذلك، إلا أن قول شيخنا أخص من مذهب المالكية، فإن شيخنا يأمره بقطع النافلة إذا لم يُصَلِّ منها ركعة كاملة، ولو غلب على ظنه أنه يلحق الإمام بالركعة الأولى كما لو عُلِمَ من حال الإمام أنه يطيل القراءة.
الوجه الثاني:
أن حديث: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، هذا الحديث عام، يشمل الفرض والنفل المؤقت، ويشمل إدراك الركعة الأولى، لإدراك الوقت، ويشمل إدراك الركعة الثانية؛ لإدراك الجمعة والجماعة.
وحديث: (فلا صلاة إلا المكتوبة) خاص في النافلة إذا أقيمت الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي أن الخاص مقدم على العام، ومستثنى من حكمه هذا على التسليم بأن النافلة داخلة في هذا العام، وهو أمر مشكوك فيه، والله أعلم.
الوجه الثالث:
وجود الفارق بين النفل قبل الإقامة وبين غيرها فحديث من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها، أو قبل سلام الإمام فقد أدرك الصلاة لا يزاحم عبادة أخرى، بخلاف الحكم في النافلة فإن صلاته الركعة الثانية من النافلة سوف يزاحم الفريضة، وقد يفوت عليه القيام في الركعة الأولى، وقراءة الفاتحة فيها، ومراعاة الفريضة أولى، فإن النافلة لا تزاحم الفريضة، وبإقامة الصلاة تعين الوقت للفريضة.
الوجه الرابع:
أن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة قد يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، وقد يلزم منه ترك قراءة الفاتحة مع القدرة، وهو ركن أو واجب، وسقوطها عن المسبوق ليس مسوغًا لسقوطها عن القادر على إدراك ذلك، واشتغاله بالنفل ليس عذرًا وقد نهي عنه.
• دليل من قال: إن بقي من النافلة أقل من ركعة أتمها، وإلا قطعها:
أقل ما يطلق عليه صلاة ركعة كاملة كما في صلاة الوتر، فإذا أقيمت الصلاة، وقد بقي عليه ركعة كاملة من النافلة قطعها؛ لأن من صلى ركعة كاملة بعد إقامة الصلاة صدق عليه أنه صلَّى بعد إقامة الصلاة، والرسول ﷺ يقول: إذا أقيمت
стр. 273
الصلاة فلا صلاة ... ومن بقي عليه أقل من ركعة كالسجود والتحيات فإنه يتمها، ولو أقيمت الصلاة؛ لأن مقدار ما يصليه بعد إقامة الصلاة لا يصدق عليه أنه صلاة، لو استقل، فكأنه ما صلَّى (١).
وقد يستدل للشيخ ابن باز عليه رحمة الله بأن الأكثر يعطى حكم الكل، وهي قاعدة أغلبية في الشريعة.
• ويناقش:
هذا القول فيه قوة إن كان محفوظًا، إلا أنه يشترط ألا يفوته من الفريضة ما هو واجب لها كإدراك الفاتحة في الركعة الأولى، فإن في إدراكها إدراكًا لها وإدراكًا للقيام وكلاهما واجبان للصلاة لمن أدركهما، وسقوطهما عن المسبوق ليس مسوغًا لسقوطهما عن القادر على إدراك ذلك، واشتغاله بالنفل ليس عذرًا وقد نهي عنه.
كما أن إعطاء الكثير حكم الكل يشترط فيه ألا يوجد نص في المنع منه، فقوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة)، نفي بمعنى النهي، ولم يقيد ذلك بشرط أن يكون قد صلى أكثر النفل، والله أعلم.
• الراجح:
في الترجيح في هذه المسألة ينبغي ألا يغيب عن طالب العلم القواعد الأصولية التي يمكن أن يتمسك بها وهو يرجح أحد الأقوال، فمن هذه القواعد:
أن النهي في النافلة إذا أقيمت الصلاة مطلق، يشمل ابتداء النفل ويشمل إتمامه، فمن خص النهي بابتداء النفل فقد خص العام في قوله: (فلا صلاة) وقيد النهي في قوله: (آلصبح أربعًا)؟ بلا مخصص، ولا مقيد، والنصوص الشرعية لا يخصصها إلا نص من الشارع، أو إجماع.
ومنها: أن تقييد النهي بما إذا خشي أن تفوته الركعة الأولى، أو إذا خشي أن يفوته فضل الجماعة، أو تخصيص النهي بمن صلى قدرًا يسيرًا لم يبلغ ركعة كاملة، أو بمن بقي عليه من النافلة ركعة فأكثر، كل ذلك تقييد للنصوص الشرعية بكلام المجتهدين، وكلام المجتهد لا يخصص النص الشرعي، بل إن اختلافهم على هذا
стр. 274
النحو دليل على أن هذا التقييد لم يُبْنَ على نص من عند الشارع.
ومنها: إذا ثبت النهي عن النافلة بعد إقامة الصلاة فإن الأصل في النهي التحريم، ولا يصرف إلى الكراهة إلا بقرينة، والقول بأن النبي ﷺ لم يأمره بقطع النافلة لا يكفي لصرف النهي عن التحريم؛ لأن التحريم لا ينافي الصحة، فقد تكون الصلاة صحيحة مع التحريم؛ لأن النهي لا يعود لذات النافلة، وإنما لحضور الفريضة، وقد أنكر عليه النبي ﷺ تنفله، وهذه قاعدة أخرى: في التفريق بين النهي إذا عاد إلى ذات الشيء وإذا عاد إلى أمر خارج.
وقد يقال: إن النبي ﷺ لم يأمره بقطعها؛ لأن التكليف مع العلم، وقد دخل الصحابي في النافلة جاهلًا فتركه النبي ﷺ يتم النافلة، والأول أقوى.
ومنها: أن الوقت إذا تعين للفريضة لا يجوز الاشتغال عنه بالنافلة؛ والوقت يتعين بأحد أمرين: إما أن يضيق الوقت المتسع حتى لا يبقى من الوقت إلا مقدار الفريضة، فهذا لا يجوز له الاشتغال بالنافلة عن الفريضة بالإجماع.
الأمر الثاني: أن تقام الفريضة، والرجل في المسجد، فإن الوقت تعين بتعيين المكلف، فلا يجوز إذا تعين الوقت للفرض أن يزاحم بالنفل.
ومنها: إذا كان النهي عن النافلة إنما هو لأجل الفريضة، فإذا كان الاشتغال بالنافلة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، ويلزم منه ترك قراءة الفاتحة في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو ركن أو واجب فإن النافلة يجب أن يقطعها لِحَقِّ الفريضة، وإذا كان سيدرك من الفريضة مثل هذا القدر، فقطعُها أحبُّ إليَّ تعظيمًا لنهي الشارع، وإن أتمها فأرجو أنه لا حرج عليه.
ولا يصح أن يقال: إن هذا قول جديد، فإن هذا جزء من قَوْلَيْ المسألة، والله أعلم.
* * *
стр. 275
الباب الثالث في الأحكام التي تسبق تكبيرة الإحرام
الفصل الأول في قيام المأموم والإمام ليس في المسجد
المدخل إلى المسألة:
• شُرعت الإقامة لاستنهاض الحاضرين لفعل الصلاة.
• من قام أول الإقامة، أو في أثنائها، أو بعدها وقبل تكبيرة الإحرام فقد أجاب الدعوة.
• جمل الإقامة من أولها إلى آخرها دعوة للقيام للصلاة، فلا يَتَحَرَّ المصلي القيام عند جملة معينة من جمل الإقامة لعدم الدليل.
• هل تعتبر المبادرة في القيام من المسارعة في فعل الطاعة، والابتعاد عن التشبه بمن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾؟ [النساء: ١٤٢].
[م-٤٦٨] اختلف العلماء في موضع القيام من الإقامة إذا أقيمت الصلاة، والإمام ليس في المسجد:
فقيل: إذا أقيمت الصلاة، والإمام ليس في المسجد لم يقوموا حتى يروه، وبه قال الحنفية والشافعية، والحنابلة، وداود الظاهري، قال ابن حجر: هذا قول الجمهور (١).
جاء في مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود: «قلت لأحمد: إن كان الإمام لم يَأْتِ بعد؟ قال: لا يقومون حتى يروه» (٢).
стр. 276
وقيل: يقومون عند قوله: (قد قامت الصلاة)، سواء أرأوا الإمام أم لم يروه، وسواء أكان الإمام في المسجد، أم قريبًا منه أم لا، وهو رواية عن أحمد (١).
وقال مالك في الموطأ: «وأما قيام الناس حين تقام الصلاة فإني لم أسمع في ذلك بحد يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد» (٢).
وظاهر قول مالك أنه لا فرق سواء أكان الإمام في المسجد أم لا.
• وحجة الجمهور:
الدليل الأول:
(ح-١١٥٤) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني وعليكم بالسكينة (٣).
وفي رواية لمسلم: حتى تروني قد خرجت (٤).
فالحديث نهي عن القيام قبل رؤيته ﵊، وتسويغ للقيام عند رؤيته، وهو مطلق، غير مقيد بشيء من ألفاظ الإقامة.
الدليل الثاني:
(ح-١١٥٥) روى أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أخبرنا
стр. 277
أبو عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،
عن سالم أبي النضر، قال: كان رسول الله ﷺ حين تقام الصلاة في المسجد، إذا رآهم قليلًا جلس لم يُصَلِّ، وإذا رآهم جماعة صلى (١).
[مرسل، وقد خولف في لفظه] (٢).
وإذا كانت الصلاة قد تقام ولا تعقبها الصلاة، لم يقم الناس بمجرد الإقامة حتى يروا الإمام قد تقدم للصلاة، ولهذا أمر النبي ﷺ أصحابه ألا يقوموا بمجرد سماع الإقامة حتى يروا النبي ﷺ .
الدليل الثالث:
أن بلالًا لم يكن يقيم الصلاة حتى يرى النبي ﷺ .
(ح-١١٥٦) فقد روى مسلم من طريق زهير، حدثنا سماك بن حرب،
عن جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه (٣).
ورؤية بلال للإمام بمنزلة رؤية بقية المصلين؛ لقوله ﷺ : صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، ولا يلزم منها رؤية الجميع.
الدليل الرابع:
ولأن الموالاة بين الإقامة والصلاة ليست شرطًا.
(ح-١١٥٧) فقد روى البخاري من طريق عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (٤).
قال ابن رجب: «وظاهر هذه الرواية يدل على أنه صلى بالإقامة السابقة، واكتفى بها» (٥).
стр. 278
ويدل نومهم أنهم كانوا ينتظرونه جلوسًا بعد أن أقيمت الصلاة؛ إذ لو كانوا قيامًا ينتظرون الصلاة ما ناموا.
وقد تقدم بحث مسألة الموالاة بين الأذان والإقامة، فارجع إليها بوركت.
وقد يقال: إن هذا أمر عارض، عرض لحاجة، لا يؤخذ منه حكم على سبيل الدوام.
• حجة من قال: يقوم الناس إذا أقيمت الصلاة ولو لم يروا الإمام:
الدليل الأول:
(ح-١١٥٨) بما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ ، فتقدم ... الحديث (١).
ورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب به، بلفظ: أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلنا الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ..... الحديث (٢).
• وأجيب عن هذا:
أما الجواب عن تعارض حديث أبي هريرة: (أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته)، وبين حديث جابر بن سمرة (أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ .
فيجمع بينهما بما قاله القرطبي: بأن بلالًا كان يراقب خروج النبي ﷺ ، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم النبي ﷺ في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
قال الحافظ ابن حجر: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن الله أكبر يقومون إلى الصلاة فلا يأتي النبي ﷺ مقامه حتى تعتدل الصفوف (٣).
стр. 279
وأما الجواب عن تعارض حديث أبي هريرة لحديث أبي قتادة:
فيقال في الجواب: إن السبيل إما الجمع وإما الترجيح، وإذا أمكن الجمع بلا تكلف لا يصار إلى الترجيح:
فالترجيح أن يقال: إن قوله: (لا تقوموا حتى تروني) سنة قولية، والسنة القولية مقدمة على السنة الفعلية؛ لأن الفعل يحتمل احتمالات كثيرة بخلاف القول.
ولأن قوله: (لا تقوموا) ورد بصيغة النهي، وحديث أبي هريرة حكاية فعل، والفعل لا عموم له، ولا يلزم تكراره، وله وجوه كثيرة من الاحتمالات، وقد قال ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) (١).
وأما وجه الجمع، فيقال:
يحتمل أنهم في أول الأمر كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة قبل رؤية النبي ﷺ على ما جاء في حديث أبي هريرة، بناء على الإباحة الأصلية، ثم جاء النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة فقال لهم: (لا تقوموا حتى تروني) على وجه الرفق بهم؛ لاحتمال أن يتأخر عنهم، فيطول عليهم الانتظار، فيكون النهي ناقلًا عن الإباحة إلى كراهة القيام.
ويحتمل أن حديث أبي هريرة جاء لبيان الجواز، وأن النهي عن القيام حتى يروه ليس على سبيل الإلزام والحتم، بل على وجه الرفق به؛ لئلا ينتظروه قيامًا، فمن قام قبل رؤيته لا يعتبر عاصيًا باعتبار أن هذا من الآداب (٢).
الدليل الثاني:
أن المؤذن يقول في إقامته (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة)، وهذه الجملة هي الجملة الوحيدة التي لا توجد في جمل الأذان، ومنها سميت الإقامة
стр. 280
بالإقامة، وهو إعلام من المؤذن بقرب إقامتها، وقد عبر بالماضي لتحقق وقوعه، فتأخير القيام إلى الصلاة بعد سماع الإقامة يؤدي إلى وجود فاصل طويل بين الإقامة والصلاة، كما أنه يخالف ما أخبر به المؤذن، ولأن الإقامة تراد للدخول في الصلاة، لهذا اشترط الجمهور أن تكون متصلة بها.
• ويناقش:
أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، وقد يقال: إن الإقامة إعلام بقرب الدخول في الصلاة، فلا ينافيها وجود الفاصل، وهي عبادة مستقلة، قائمة بذاتها، ليست جزءًا من الصلاة، وصحة الصلاة ليست متوقفة على فعلها، وإن شرعت لها، وفعلها قبل الصلاة كافٍ في الامتثال، سواء أكانت متصلة أم منفصلة، والله أعلم.
والقول بأن المولاة بين الإقامة والصلاة شرط هذا غير مسلم، والأدلة الصحيحة الصريحة على خلافه، وإنما تؤخذ الشروط من نصوص الشارع، فإذا لم يوجد ما يدل على الشرطية فالأصل عدم الاشتراط، كيف وقد وجد ما يدل على نفي الشرطية، كما في حديث أنس، وأبي هريرة، وقد بحثت مسألة الموالاة، فارجع إليها في موضعها، ولله الحمد.
• الراجح:
الأصل أن الإقامة تكون بإذن الإمام، وأن المؤذن لا يقيم إلا بإذنه.
(ث-٢٦٩) فقد روى عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال: علي ﵁: المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة (١).
[صحيح].
(ح-١١٥٩) وروى البخاري من طريق أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي
стр. 281
للناس فأقيم؟ قال: نعم ... الحديث وهو قطعة من حديث طويل (١).
فإذا كان وقت إقامة الصلاة إلى الإمام لم يقم الصلاة إلا بإذنه مع وجوده، وإذا حانت الصلاة، وهو غائب، انتظر قليلًا فإن حضر، وإلا أقام المؤذن الصلاة للناس، وقيامهم بحسب نشاطهم وخفتهم، وصلى المؤذن بالناس إن كان أهلًا لذلك، أو قدم من يصلي بهم، كما قدم الصحابة ﵃ عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، ولم ينتظروا قدومه، وقد أقرهم النبي ﷺ وقال لهم: أحسنتم، وقدم بلال أبا بكر حين ذهب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، والله أعلم.
* * *
стр. 282
الفصل الثاني في وقت قيام المأموم للصلاة والإمام في المسجد
المدخل إلى المسألة:
• شرعت الإقامة لاستنهاض الحاضرين لفعل الصلاة.
• جمل الإقامة من أولها إلى آخرها دعوة للقيام للصلاة.
• تحري القيام للصلاة عند جملة معينة دون غيرها من جمل الإقامة؛ لا دليل عليه.
• لم يأت في الشرع نص صريح في توقيت القيام، والأصل عدم التوقيت.
• قال مالك: لم أسمع في ذلك بحد يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد.
• من قام أول الإقامة، أو في أثنائها، أو بعدها وقبل تكبيرة الإحرام فقد أجاب الدعوة.
• هل تعتبر المبادرة في القيام من المسارعة في فعل الطاعة، والابتعاد عن التشبه بمن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾؟ [النساء: ١٤٢].
[م-٤٦٩] اختلف العلماء في موضع قيام المأموم من الإقامة إذا كان الإمام في المسجد:
فقيل: يقوم إذا قال المؤذن: الله أكبر، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وجماعة من السلف (١).
وقيل: يقوم إذا قال المؤذن حي على الفلاح، وهذا مذهب الحنفية (٢).
стр. 283
وقيل: يقوم إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال زفر والحسن بن زياد من الحنفية (١).
وقيل: يستحب ألا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو مذهب الشافعي (٢).
وقيل: لا حد لذلك، فإن شاء قام في أولها، أو في أثنائها، أو في آخرها، أو بعد الفراغ منها، فلا يحد القيام بحد، وإنما ذلك على قدر طاقة الناس، ويختلف ذلك باختلافهم قوة وضعفًا، وهذا مذهب المالكية (٣).
قال ابن يونس في الجامع «قال مالك: وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة حد، ولا وقت، وذلك على قدر طاقة الناس؛ لأن فيهم القوي والضعيف» (٤).
• دليل من قال: يقوم إلى الصلاة إذا شرع في الإقامة:
الإقامة إعلام بإقامة الصلاة، وهي دعوة بِرٍّ وفلاح، والمبادرة بالقيام تدخل في المسارعة بفعل الخيرات، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال عمر بن عبد العزيز: «إذا سمعت النداء بالإقامة فكن أول من أجاب» (٥).
وقد ذم الله المنافقين بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢].
• دليل الحنفية على أن وقت القيام إذا قال: حي على الفلاح:
الدليل الأول:
(ح-١١٦٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،
стр. 284
عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (١).
[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله] (٢).
وجه الاستدلال:
لو كان النبي ﷺ لا يكبر إلا بعد فراغ بلال من الإقامة ما خاف بلال أن يسبق بفاتحة الكتاب فضلًا أن يسبق بآمين، فدل على أن النبي ﷺ كان يكبر في حال الإقامة.
• وأجيب:
بأنه مرسل، والمرسل ليس بحجة.
• ورد الحنفية:
بأن المرسل حجة عندنا، وعند الجمهور.
الدليل الثاني:
أن قول المؤذن: (حي على الفلاح) دعاء إلى ما به فلاحهم، وأَمْرٌ بالمسارعة إليه، فلا بد من الإجابة إلى ذلك، ولن تحصل الإجابة إلا بالفعل وهو القيام إليها،
فإن قيل: كان ينبغي أن يقوموا عند قوله: (حي على الصلاة) فإنه دعاء إليها أيضًا.
فالجواب: إنما منعهم عن القيام كي لا يكون قوله: (حي على الفلاح) لغوًا؛ لأن من وجدت منه المبادرة إلى شيء فدعاؤه إليه بعد تحصيله إياه لغو من الكلام.
الدليل الثالث:
ولأن قوله: (قد قامت الصلاة) إخبار عن قيام الصلاة، لا عن القيام إليها، وقوله: (قد قامت الصلاة) محمول على الحقيقة: وذلك يعني وجود فعلها، والكلام إذا أمكن حمله على الحقيقة لم يحمل على غيره، ولا تقوم الصلاة إلا إذا سبق ذلك القيام إليها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا قاموا عند قوله: حي على الفلاح.
• دليل من قال: لا توقيت في القيام:
الدليل الأول:
لم يَأْتِ في الشرع نص صريح في التوقيت، والأصل عدم التوقيت.
стр. 285
قال مالك: لم أسمع في ذلك بحد يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد (١).
وعلى هذا ينبغي أن ينتهي آخرهم قيامًا عند الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف، ليدخل في الصلاة مباشرة بعد فراغ الإمام من تكبيرة الإحرام.
الدليل الثاني:
(ح-١١٦١) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني وعليكم بالسكينة (٢).
وجه الاستدلال:
أن النهي عن القيام استعملت معه (حتى) الغائية، فالنهي عن القيام ينتهي عند رؤية الإمام فهو نص في تسويغ القيام للصلاة عند رؤية الإمام، وهو مطلق، لم يقيد بشيء من ألفاظ الإقامة، فإذا رأى المأموم الإمام أذن له بالقيام، فإن شاء قام في أول الإقامة، وإن شاء في وسطها، وإن شاء في آخرها، ومن المعلوم أن المؤذن لا يقيم حتى يرى الإمام.
(ح-١١٦٢) لحديث جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه.
رواه مسلم من طريق زهير، حدثنا سماك بن حرب، عن جابر (٣).
ورؤية بلال للإمام بمنزلة رؤية بقية المصلين؛ لقوله ﷺ : صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، ولا يلزم منها رؤية الجميع.
• دليل من قال: لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة:
قالوا: إذا كان الدخول في الصلاة لا يشرع قبل الفراغ من الإقامة، فلا معنى للقيام قبل ذلك، ولا يعارضه قوله ﷺ : لا تقوموا حتى تروني، لأنه ﷺ كان يخرج