← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الفصل الرابع في حكم الرفع من السجود المدخل إلى المسألة: • الرفع من السجود مقصود لغيره. • كونه مقصودًا لغيره لا ينافي ركنيته. • كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته. • القول بأن الرفع يأخذ حكم الاعتدال؛ لأنه وسيلة إليه، يجعل الرفع ملحقًا بالأركان كالاعتدال. • جاء الأمر بالرفع من السجود حتى يطمئن جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته. • حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة. • لا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي في حكم من لم يُصَلِّ؛ لقوله ﷺ : ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ. [م-٦٨٧] اختلف الفقهاء في حكم الرفع من السجود، القول الأول: مذهب الحنفية، واختلفوا في المذهب على أقوال: أحدها: أن الرفع من السجود لا بد منه؛ لأنه لا يتصور أن يقوم بسجدتين دون أن يرفع من الأولى. والواجب من الرفع، قيل: أن يكون إلى الجلوس أقرب منه إلى السجود. وقيل: يكفي القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين.

стр. 2242

فإن تمكن من الفصل بين السجدتين بلا رفع لم يجب الرفع على أحد القولين (١). قال القدوري في التجريد: «فإن سجد على وسادة، ثم أزيلت، فَانْحَطَّ إلى الأرض جاز ذلك عن السجدة الثانية من غير رفع» (٢). وقال الزيلعي: «وتكبير السجود والرفع منه ... لأن التكبير عند الرفع منه سنة، وكذا الرفع نفسه .... فالمقصود الانتقال، وقد يتحقق بدونه، بأن يسجد على الوسادة، ثم تنزع ويسجد على الأرض ثانيًا، ولكن لا يتصور هذا إلا عند من لا يشترط الرفع حتى يكون أقرب إلى الجلوس» (٣). وقيل: يجب الرفع من السجود ولو تمكن من الفصل بين السجدتين بلا رفع (٤). قال ابن عابدين: «وجوب نفس الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين للمواظبة على ذلك كله، وللأمر في حديث المسيء صلاته» (٥). وقيل: الرفع من السجود فرض، روي ذلك عن أبي حنيفة، وحكاه الطحاوي عن الأئمة الثلاثة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٦).

стр. 2243

قال الزيلعي في تبيين الحقائق: «روي عن أبي حنيفة أن الرفع منه فرض» (١). وقال ابن رشد في البيان: «وأما الرفع من السجود، فلا اختلاف أنه فرض؛ إذ لا يتم السجود إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، والله أعلم، وبه التوفيق» (٢). ومع أن المالكية يتفقون بأن الرفع من السجود فرض؛ لأن السجدة وإن طالت لا يتصور أن تكون سجدتين فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى تكون سجدتين، وهذا الاتفاق لا يعارض اختلافهم في الجلسة بين السجدتين، أهي فرض أم سنة؛ لأن هذا الاختلاف في الاعتدال، لا في أصل الفصل (٣). هذه أقوال الأئمة الفقهاء، وقد سبق أن ذكرت أدلة المسألة في مسألة الرفع من الركوع، فأدخلت معها الرفع من السجود لكون الأدلة فيهما واحدة، فأغنى ذلك عن تكرارها هنا، ولله الحمد. * * *

стр. 2244

الباب الثاني عشر في الاعتدال من السجود الفصل الأول في ركنية الجلوس بين السجدتين المدخل إلى المسألة: • كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية. • القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل. • الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي. • كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول ﷺ : (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ). • حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ). [م-٦٨٨] اختلف الفقهاء في حكم الاعتدال من السجود، فقيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد (١).

стр. 2245

قال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين، وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف» (١). وقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها ... » (٢). وقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣).

стр. 2246

قال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض ... ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال» (١). وقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض» (٢). وقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا (٣). وقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو (٤). قال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب» (٥). وقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور من المذهب

стр. 2247

السنية، وروي وجوبهما، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال (يعني ابن الهمام) ومن بَعْدَهُ من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: إنه الصواب» (١). فتبين من عرض الأقوال أنها ثلاثة، قيل: سنة، وقيل: فرض (ركن)، وقيل: واجب. وقد سبق لي أن ذكرت مسألة الاعتدال من السجود مع مسألة الاعتدال من الركوع، لأن أدلتهما والخلاف فيهما واحد، فارجع إليها إن شئت، إنما اقتضى عند المرور على موضعها من البحث التذكير بها مخافة أن يظن من يراجع هذا الموضع فقط من الكتاب أن الكتاب قد غفل عنها، والله الموفق. * * *

стр. 2248

الفصل الثاني في صفة الجلوس في الصلاة المدخل إلى المسألة: • السنة في صفة الجلوس في الصلاة صفتان: الافتراش والتورك. • لا تتعين في القعود في الصلاة هيئة للصحة، لكن الإقعاء المنهي عنه مكروه. • من قال: إن صفة الجلوس كلها افتراش، أو كلها تورك فقد قصر في الأخذ بجميع ما ورد في السنة في صفة الجلوس. • من افترش في جميع صلاته أخف ممن تورك فيها كلها؛ لأن المفترش قد ترك سنة التورك، ومن تورك في غير موضعه فقد خالف السنة، وترك السنة أولى من مخالفتها؛ لأن تركها من قبيل الجائز، ومخالفتها تحريف لها. • أسعد الأقوال في مواضع الافتراش والتورك هو مذهب الحنابلة، وبه تجتمع الأدلة، والله أعلم. [م-٦٨٩] الجلوس في الصلاة في ثلاثة مواضع، في الجلسة بين السجدتين، وفي التشهد الأول، وفي الأخير. والمأثور في صفة الجلوس في الصلاة صفتان: الافتراش: وصفته أن يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويوجه أصابع اليمنى إلى القبلة. والتورك: هو الاعتماد على الورك، بأن يفرش اليسرى تحت رجله اليمنى فيقعد عليها وينصب اليمنى، ويوجه أصابعه للقبلة، ويفضي بأليته اليسرى إلى الأرض، فتصير رجلاه من الجانب الأيمن. واختلف الفقهاء في صفة الجلوس في الصلاة بمواضعه الثلاثة، بين

стр. 2249

السجدتين، وفي التشهد الأول، والأخير. فقال الحنفية: صفة الجلوس كله في الصلاة الافتراش (١). وقال المالكية: صفة الجلوس كله في الصلاة التورك (٢). وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن السنة في الجلسة بين السجدتين والتشهد الأول الافتراش، وفي التشهد الأخير التورك، إلا أن الحنابلة قالوا: لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان كالثلاثية والرباعية، وقال الشافعية يتورك في كل تشهد يعقبه سلام، ولو كانت ثنائية (٣). قال النووي في المجموع: «مذهبنا أنه يستحب أن يجلس في التشهد الأول مفترشًا وفي الثاني متوركًا فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركًا» (٤). هذه مجمل الأقوال في صفة الجلوس في الصلاة، ومنها الجلوس بين السجدتين، والله أعلم. • دليل الحنفية على أن الجلوس كله افتراش: الدليل الأول: (ح-١٩٠١) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة،

стр. 2250

بـ الحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يُصَوِّبْهُ ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد، حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ... الحديث (١). وجه الاستدلال: أن عائشة ﵂ وصفت جلوس رسول الله ﷺ في صلاته فلم تذكر غير الافتراش، وهو مطلق، فيشمل الجلوس بين السجدتين، والتشهد الأول والأخير، فكانت هذه صفة جلوسه في الصلاة من غير فرق بين جلوس وجلوس. الدليل الثاني: (ح-١٩٠٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، أنه أخبره: أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄، يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته وأنا يومئذٍ حديث السن، فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك، فقال: إن رِجْلَيَّ لا تحملاني (٢). ورواه النسائي من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر به، ولفظه: (من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى) (٣). الدليل الثالث: (ح-١٩٠٣) ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: ثنا عاصم بن كليب الجرمي، قال: سمعت أبي، يقول:

стр. 2251

سمعت وائل بن حجر الحضرمي، قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى ونصب اليمنى .... الحديث (١). ورواه أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب به، وفيه: ( ... فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها .... ) (٢). ورواه ابن إدريس عن عاصم بن كليب به، وفيه: ( ... وثنى رجله اليسرى، ونصب اليمنى) (٣).

стр. 2252

ورواه جعفر بن زياد الأحمر، عن عاصم بن كليب به، ولفظه: (صليت مع النبي ﷺ ، فلما سجد افترش اليسرى ونصب اليمنى) (١). وجه الاستدلال: أن حديث وائل بن حجر لم يذكر في صفة الجلوس إلا الافتراش، ولو كان هناك تورك لنقله. • دليل من قال: صفة الجلوس كله في الصلاة التورك: أورد مالك في صفة الجلوس عن ابن عمر حديثًا وأثرًا. (ح-١٩٠٤) أما الحديث فما رواه مالك في الموطأ، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره أنه: كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس، قال: ففعلته وأنا يومئذٍ حديث السن، فنهاني عبد الله وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسرى. فقلت له: فإنك تفعل ذلك. فقال: إن رِجْلَيَّ لا تحملاني (٢). [صحيح وهو في البخاري وتقدم تخريجه].

стр. 2253

(ث-٤٦١) ثم أعقبه مالك بأثر رواه عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه. ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك (١). وقد حاول الزرقاني أن يحمل حديث ابن عمر الذي له حكم الرفع، والذي نص على الافتراش أن يحمله على فعله الذي نص على التورك. يقول الزرقاني: «فتبين من رواية القاسم ما أُجْمِلَ في رواية ابنه عبد الرحمن، ولهذا أتى الإمام بها تلو تلك، ولم يَكْتَفِ بهذه لتصريح الأولى بأنه السنة المقتضية للرفع، بخلاف هذه، فحسن منه ذكرهما معًا» (٢). وهذا الحمل لا يساعد عليه اللفظ، فالمرفوع صريح بالافتراش، والموقوف صريح بالتورك، وحمل أحدهما على الآخر دون دليل من اللفظ غير مقبول، فالمخالفة بين ما رواه ابن عمر مرفوعًا، وبين ما فعله واضحة، ولعل الجمع بينهما بما يتفق مع حديث أبي حميد الساعدي أولى، فيحمل المرفوع على التشهد الأول، ويحمل الموقوف على التشهد الثاني، والله أعلم. • دليل الشافعية على أن التورك في الجلسة الأخيرة، ولو كانت الصلاة ثنائية: (ح-١٩٠٥) استدلوا بما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... وذكر الحديث، وفيه: فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته (٣).

стр. 2254

فأخذ الشافعية من قوله: (وإذا جلس في الركعة الآخرة) أن السنة التورك في الركعة الأخيرة مطلقًا ولو كانت الصلاة ثنائية لأن قوله: (وإذا جلس في الركعة الآخرة) يصدق على الثنائية والثلاثية والرباعية، ولو أراد التشهد الأخير لقال: (فإذا جلس في التشهد الأخير). الدليل الثاني: (ح-١٩٠٦) ما رواه أبو داود، حدثنا الإمام أحمد، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبةً، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ... وذكر الحديث وفيه: ( ... .. حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي النبي ﷺ (١). [حسن في الجملة]. هذا طريق آخر لحديث أبي حميد الساعدي، فقوله: (حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا) فخص التورك في الجلسة التي فيها التسليم، وهو يشمل الثنائية كما يشمل الثلاثية والرباعية. الدليل الثالث: من النظر، فإن الافتراش خص التشهد الأول؛ لأنه قصير، وخص التورك في التشهد الذي يعقبه السلام ولو كانت الصلاة ثنائية؛ لأنه طويل، فناسب فيه أن يتورك المصلي ويستريح. • دليل الحنابلة في اختصاص التورك في صلاة فيها تشهدان: أخذوا من حديث عائشة في مسلم وحديث وائل بن حجر في ذكر الافتراش في التشهد

стр. 2255

فقط ولم يذكر التورك على أن السنة في الصلاة الافتراش إذا كانت ذات تشهد واحد. وحملوا حديث أبي حميد الساعدي في البخاري أنه ذكر التورك لأنه ذكر في الحديث تشهدين. (ح-١٩٠٧) فقد ورى مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ الحمد لله رب العالمين ... وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ... الحديث (١). فهذا الحديث محمول على صلاة ذات تشهد واحد. (ح-١٩٠٨) وكذلك ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: ثنا عاصم بن كليب الجرمي، قال: سمعت أبي، يقول: سمعت وائل بن حجر الحضرمي، قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى ونصب اليمنى .... الحديث (٢). ورواه أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب به، وفيه: ( ... فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها .... ) (٣). فقوله: (فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى) محمول على صلاة فيها تشهد واحد. (ح-١٩٠٩) وأما ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... وذكر الحديث، وفيه: فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس

стр. 2256

في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته (١). فهنا ذكر التورك لأنه ذكر جلستين للتشهد، فأخذ الحنابلة من إطلاق قوله: (إذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى) يشمل ما إذا كانت الركعتان في صلاة ثنائية، أو كانت أكثر من ذلك كالثلاثية والرباعية. وقوله: (وإذا جلس في الركعة الآخرة) أي زائدًا على الركعتين؛ لأنه بين السنة في الجلوس في الركعتين. • الراجح: أما مذهب الحنفية والمالكية فهم أخذوا أحد طرفي السنة، وتركوا السنة الأخرى، وأما مذهب الشافعية والحنابلة فقد أخذوا سنة الافتراش وسنة التورك، وإن كان تفصيل الحنابلة أرى أنه أقرب من مذهب الشافعية، وفيه تجتمع الأدلة، والله أعلم، والافتراش والتورك على الاستحباب، وليس منه شيء واجب، فإذا جلس المصلي على أي هيئة جلس فقد تم فرضه، إلا أن الإقعاء مكروه، وسيأتي بيان الخلاف فيه، وما يكره منه. قال ابن شاس في الجواهر: فلا تتعين في القعود هيئة للصحة، لكن الإقعاء مكروه (٢). وقال مثله الغزالي في الوسيط (٣). * * *

стр. 2257

الفصل الثالث في النهي عن الإقعاء في الصلاة المدخل إلى المسألة: • الإقعاء لفظ يدخل تحته صور كثيرة، منها ما هو منهي عنه باتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه، والراجح أنه سنة. • قال النووي: الصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان. • روي الإقعاء المسنون عن العبادلة، ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير. • الأفضل أن يفعل الإقعاء أحيانًا؛ لأن صفة الافتراش في الجلوس أشهر من الإقعاء. [م-٦٩٠] أشهر صور الإقعاء في الصلاة نوعان: الأول: منهي عنه بالاتفاق في الصلاة، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام، ونسبه لأهل اللغة (١). قال النووي: الصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم ابن سلام، وآخرون من أهل اللغة وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي» (٢). قال ابن رشد: «لا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة» (٣). وقال ابن قدامة: «لا أعلم أحدًا قال باستحباب الإقعاء على هذه الصفة» (٤).

стр. 2258

وقال النووي: «هو مكروه باتفاق العلماء» (١). وذهب الحنفية إلى كراهته كراهة تحريم، وصرح المالكية بتحريمه (٢). والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، ونسبه أبو عبيد للفقهاء، وهذا النوع مختلف فيه. فقيل: يكره وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وجعله الرافعي من الشافعية أحد الأوجه في تفسير الإقعاء المكروه، وهو المذهب عند الحنابلة (٣).

стр. 2259

قال ابن رشد: «رأى قوم أن معنى الإقعاء الذي نهي عنه: هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وأن يجلس على صدور قدميه، وهو مذهب مالك» (١). وقال ابن زرقون: «كره مالك الصفتين معًا» (٢)، يعني الإقعاء بصورتيه. وقال أبو الخطاب الحنبلي في الهداية: «ولا يقعي؛ فيمد ظهر قدميه، ويجلس على عقبيه، أو يجلس على أليتيه، وينصب قدميه، فإنه منهي عنه» (٣). وقيل: يستحب، روى البويطي عن الشافعي استحبابه، واستحبه النووي وابن الصلاح والبيهقي، وقال المتأخرون منهم: والافتراش أفضل منه، واستحبه أحمد في رواية (٤). قال الخطيب الشربيني: «روى البويطي عن الشافعي أنه يجلس على عقبيه ويكون صدور قدميه على الأرض، وتقدم أن هذا نوع من الإقعاء مستحب، والافتراش أفضل منه» (٥). وقيل: الإقعاء جائز، وهو رواية عن أحمد (٦).

стр. 2260

• دليل من قال: يكره الإقعاء: الدليل الأول: (ح-١٩١٠) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ الحمد لله رب العالمين، ... وذكر الحديث، وفيه: وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم (١). وجه الاستدلال: قوله: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) فذكر الافتراش، وهي سنة الجلوس، ونهى عن عقبة الشيطان، وليس في الجلوس صفة منهي عنها إلا الإقعاء، فيحمل عليها، قال ابن الهمام: وعقبة الشيطان: الإقعاء (٢). وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام: «وفسر بأن يفرش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه. وقد سمي ذلك أيضًا الإقعاء» (٣). وحملها النووي على الصفة المتفق على النهي عنها، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كما يفرش الكلب وغيره من السباع (٤). الدليل الثاني: (ح-١٩١١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله ﷺ نهى عن الإقعاء، والتورك في

стр. 2261

الصلاة، قال عبد الله: كان أبي قد ترك هذا الحديث (١). [اختلف فيه على قتادة، والنهي عن التورك شاذ] (٢).

стр. 2262

الدليل الثالث: (ح-١٩١٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، أخبرنا علي بن مسهر، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: «نهاني خليلي أن أقعي كإقعاء القرد (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2264

الدليل الرابع: (ح-١٩١٣) ما رواه أحمد من طريق إسرائيل بن يونس، حدثنا أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا علي، إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي لا تقرأ وأنت راكع، ولا وأنت ساجد، ولا تُصَلِّ وأنت عاقص شعرك، فإنه كفل الشيطان، ولا تُقْعِ بين السجدتين، ولا تعبث بالحصى، ولا تفترش ذراعيك، ولا تفتح على الإمام، ولا تختم بالذهب، ولا تلبس القسي، ولا تركب على المياثر (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2265

الدليل الخامس: (ث-٤٦٢) ما رواه مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛ أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (١). [صحيح] (٢). • ويناقش: بأن ابن عباس أضاف الإقعاء إلى السنة، ولا يضيف ذلك إلا ومعه زيادة علم. • دليل من قال: من الإقعاء ما هو مسنون في الصلاة: الدليل الأول: (ح-١٩١٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع طاوسًا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، فقال: هي السنة، فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك ﷺ (٣). الدليل الثاني: (ث-٤٦٣) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه رأى ابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس يُقْعُون بين السجدتين (٤).

стр. 2266

[صحيح] (١). الدليل الثالث: (ث-٤٦٤) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء، أنه رأى ابن عمر يفعل في السجدة الأولى من الشفع والوتر خصلتين قال: رأيته يقعي مرةً إقعاءً جاثيًا على أطراف قدميه جميعًا، ومرة يثني رجله اليسرى فيبسطها جالسًا عليها، واليمنى يقوم عليها يحدبها على أطراف قدميه جميعًا، قال: رأيته يصنع ذلك في السجدة الأولى من السجدتين، وفي السجدة الثالثة من الوتر، ثم يثبت فيقوم (٢). [صحيح] (٣). • دليل من قال: الإقعاء جائز. لعله نظر إلى أن أكثر فعل النبي ﷺ هو الافتراش، فحمل ما ورد من الإقعاء على الجواز، وليس على السنية، والله أعلم. • الراجح: أن الإقعاء بهذه الصفة سنة يفعل أحيانًا، وهو من تنوع صفة الجلوس، والأفضل في العبادات التي وردت على صفات متنوعة أن تفعل على جميع وجوهها، ولا يلزم صفة واحدة، والله أعلم. * * *

стр. 2267

الفصل الرابع في مشروعية الذكر بين السجدتين وفي حكمه وصيغته المدخل إلى المسألة: • الخلاف في هذه المسألة فرد من الخلاف في مسائل سابقة، كالخلاف في أذكار الركوع والسجود وتكبيرات الانتقال والتسميع والتحميد، ينزع الحنابلة فيها إلى الوجوب، وهي من مفرداتهم، ويخالفهم الجمهور، فيذهبون إلى الاستحباب، وهو الحق. • لا يصح حديث مرفوع في ذكر معين بين السجدتين. • الجلوس بين السجدتين ركن طويل، وإذا كان كذلك فلا يخلو من ذكر كالقيام، ولو كان النبي ﷺ يسكت فيه لم يتعمد تطويله. • المصلي لم يتعبد بالسكوت المحض، فهو إما يذكر الله بفعله، أو يستمع إلى الذكر من خلال استماعه لقراءة إمامه. • قد تقرر جواز العمل بالأحاديث في فضائل الأعمال وإن فرض ضعفها. • عمل الإمام أحمد بالحديث لا يلزم منه الصحة، لأن العمل أوسع، فالإمام أحمد كثيرًا ما يضعف أحاديث باب من الأبواب، ولا يمنعه ذلك من العمل بها، كالتسمية في الوضوء في إحدى الروايتين عنه. [م-٦٩١] اختلف العلماء في الجلسة بين السجدتين، هل يشرع فيها ذكر ودعاء، فقال الحنفية: لا يشرع في الفريضة شيء، وله أن يدعو بالمغفرة في صلاة النافلة كالتهجد (١).

стр. 2268

سئل أبو حنيفة في الرجل يرفع رأسه من الركوع: قال: «يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت، وكذلك بين السجدتين يسكت» (١). وجاء في منحة الخالق: «مصلي النافلة ولو سنة يسن له أن يأتي بالأدعية الواردة، نحو ملء السموات والأرض إلى آخره بعد التحميد، واللهم اغفر لي وارحمني بين السجدتين» (٢). وقال الشافعية والحنابلة والمالكية يدعو بين السجدتين على اختلاف بينهم في حكمه كما سيأتي (٣). واختلف القائلون بمشروعية الدعاء في حكمه، وهل يتعين بصيغة معينة؟ فقيل: يجوز الدعاء بين السجدتين، اقتصر عليه ابن الجلاب، وابن الحاجب، وهو ظاهر عبارة خليل. قال ابن الجلاب: «ولا بأس بالدعاء في أركان الصلاة كلها سوى الركوع، فإنه يكره فيه الدعاء» (٤). وقال في لوامع الدرر: «لا يكره للمصلي أن يدعو بين السجدتين على الصحيح، وأما في السجود فمندوب» (٥). وقال في جواهر الدرر: «لا بين سجدتيه، أي: لا يكره عند الرفع من الأولى،

стр. 2269

بل هو جائز على الصحيح، واقتصر عليه الجلاب وابن الحاجب وجماعة» (١). وقيل: يستحب، نص عليه كثير من شراح خليل، منهم الدردير في شرح خليل، وهو مذهب الشافعية، وبه قال أحمد في رواية (٢). وقيل: يجب، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣). هذا الخلاف في حكمه، وأما في صيغته: فقال المالكية والشافعية: لا يتعين الدعاء فيه بصيغة معينة، واستحب الشافعية الدعاء الوارد في حديث ابن عباس. قال الدردير في الشرح الكبير: «وحيث جاز له الدعاء دعا بما أحب من جائز شرعًا وعادة» (٤). قال في المجموع: «ولا يتعين هذا الدعاء بل أي دعاء دعا به حصلت السنة، ولكن هذا الذي في الحديث أفضل. واعلم أن هذا الدعاء مستحب باتفاق الأصحاب» (٥).

стр. 2270

وقال الحنابلة في المعتمد: يجب أن يقول: رب اغفر لي، وإن زاد عليه لم يكره (١). وقال أحمد في رواية حرب: يقول الرجل في جلسته بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واجبرني. وإن شاء قال ثلاث مرات: رب اغفر لي. كل ذلك جائز (٢). هذا مجمل الاختلاف في المسألة. وأضعف الأقوال مذهب الحنفية القائلين بعدم مشروعية الدعاء في الفريضة. يليه قول الحنابلة القائلين بالوجوب. ويقف قول الجمهور وسطًا بين القولين، فهم يرون استحباب الدعاء، ولا يتعين عندهم في صيغة معينة، والوارد أفضل من غيره. والخلاف في هذه المسألة فرد من الخلاف في مسائل سابقة، كالخلاف في أذكار الركوع والسجود وتكبيرات الانتقال والتسميع والتحميد، ينزع الحنابلة فيها إلى الوجوب، وهو من مفرداتهم. ويخالفهم الجمهور، فيذهبون إلى الاستحباب، وهو الحق، وإذا أردت أن تحيط بأدلة هذه المسألة فانظر أدلة تلك المسائل، فاستكمالها يوقفك على تصور هذه المسائل، ومنزع كل قول، والله أعلم. • دليل القائلين بأنه لا يشرع فيه دعاء: لم يصح في الدعاء بين السجدتين حديث صحيح، والأصل عدم المشروعية

стр. 2271

حتى لم يثبت حديث صحيح في الباب. • ويناقش: قال النفراوي المالكي في الفواكه الدواني: «قد تقرر جواز العمل بالأحاديث في فضائل الأعمال وإن فرض ضعفها» (١). وإذا كان الإمام مالك وأحمد والشافعي يرون مشروعية هذا الدعاء، فقد خرج الأمر عن حد البدعة، وكان النظر في الأدلة هل تقتضي الوجوب، أو الاستحباب. • دليل من قال: باستحباب الدعاء بين السجدتين: الدليل الأول: الأصل عدم الوجوب، وعلى فرض ثبوت حديث في الباب فإنه مجرد فعل، وأفعال الرسول ﷺ التعبدية، تدل على المشروعية، ولا تدل على الوجوب إلا لو كانت بيانًا لمجمل واجب، وهذا لم يتحقق في مسألتنا هذه. الدليل الثاني: (ح-١٩١٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، ... وذكر الحديث، وفيه: ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (٢). وجه الاستدلال: قوله: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا) ولم يأمره في الجلسة بين السجدتين بغير الاطمئنان، فدل على أن الذكر ليس واجبًا؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له القراءة، وتكبيرة الإحرام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد سبق بيان أن حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة.

стр. 2272

• ونوقش: بأن سكوت الحديث عن الدعاء بالمغفرة لا ينفي وجوبه بأدلة أخرى، فهو لم يذكر التشهد، ولا الجلوس له، ولا السلام، ولا قراءة الفاتحة، وعدم ذكر هذه الأشياء لم يمنع من وجوبها في أدلة أخرى ورد هذا النقاش: هذا الكلام صحيح، إلا أن المخالف ينازع بأن الدعاء بالمغفرة لم يقم دليل على وجوبه، وثبوت فعله من النبي ﷺ ليس كافيًا للقول بالوجوب، والاستدلال بحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) من أضعف أنواع الاستدلال، فإن صلاة النبي ﷺ مشتملة على الواجب والمسنون، فلا بد من قيام دليل خاص يقضي بوجوب الدعاء بالمغفرة بين السجدتين. والقول بأن الرسول ﷺ ذكر للمسيء في صلاته ما أساء فيه فقط غير متصور في هذه المسألة؛ لأن من أساء الاطمئنان في الجلسة فقطعًا لن يتمكن من قول الدعاء الوارد؛ فلو دعا بين السجدتين للزم منه حصول الاطمئنان؛ بخلاف العكس، فالاطمئنان قدر أقل من الذكر المشروع. كما أن الدعوى بأن احتمال أن يكون الذكر بين السجدتين لم يكن واجبًا وقت الواقعة بعيد جدًّا؛ لأنه لم يحفظ في النصوص أن الذكر كان مستحبًّا ونسخ إلى الوجوب، كما نقل ذلك في بعض أحكام الصلاة التي مر عليها تغيير، كالتطبيق، وموضع وقوف الإمام إذا كانوا ثلاثة وغيرها من الأحكام التي تغيرت، فلما لم ينقل في تاريخ التشريع أن هذا الذكر تغير حكمه من الاستحباب إلى الوجوب كان ذكر ذلك مجرد دعوى، وتجويز ذهني، لا رصيد له في الواقع. الدليل الثالث: (ح-١٩١٦) ما رواه مسلم من طريق حماد (يعني ابن سلمة)، أخبرنا ثابت، عن أنس، قال: ما صليت خلف أحدٍ أوجز صلاةً من صلاة رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ ، إذا قال:

стр. 2273

سمع الله لمن حمده قام، حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم (١). قوله: (أوهم في صلاته): أي وقع في الوهم، بأن نسي أنه في الاعتدال من الركوع، وليس في القيام. قال بعضهم: هذا يفعله على الدوام لقوله: (كان) الدالة على المواظبة. ويحتمل أنه يفعله أحيانًا؛ لأنه لو كان هذا دأبه في الصلاة لم ينسب إذا فعله إلى الوهم؛ لاعتيادهم عليه، وإنما ينسب إلى الوهم إذا فعل فعلًا على خلاف العادة. وجه الاستدلال: فيه دليل على أن الجلوس بين السجدتين ركن طويل، وإذا كان كذلك فلا يخلو من ذكر كالقيام، ولو كان النبي ﷺ يسكت فيه لم يتعمد تطويله، فالمصلي لم يتعبد بالسكوت المحض، فهو إما يذكر الله بفعله، أو يستمع إلى الذكر من خلال استماعه لقراءة إمامه. • دليل القائلين بالوجوب: الدليل الأول: (ح-١٩١٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة، أنه صلى مع رسول الله ﷺ من الليل، فلما دخل في الصلاة قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، قال: ثم قرأ البقرة، ثم ركع وكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فكان قيامه نحوًا من ركوعه، وكان يقول: لربي الحمد لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه، كان يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه فكان ما بين السجدتين نحوًا من السجود، وكان يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي»، حتى قرأ البقرة، وآل عمران،

стр. 2274

والنساء، والمائدة أو الأنعام، شعبة الذي يشك في المائدة والأنعام (١). [قوله (رب اغفر لي) وزيادة قراءة المائدة أو الأنعام تفرد بها أبو حمزة طلحة ابن يزيد، فإن كان الرجل المبهم صلة بن زفر كما ظن النسائي وشعبة، فهي ليست محفوظة، لمخالفتها رواية المستورد بن الأحنف من رواية الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد، عن حذيفة، وإلا كانت زيادة منكرة] (٢).

стр. 2275

وجه الاستدلال: احتج الإمام أحمد وإسحاق بهذا الحديث، فقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله: «قلت: ما يقول بين السجدتين؟ قال: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) حديث حذيفة. قال إسحاق: إن شاء قال ذلك ثلاثًا، وإن شاء قال: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني؛ لأن كليهما يُذكران عن النبي ﷺ بين السجدتين» (١). • ويناقش: بأن عمل الإمام أحمد بالحديث لا يلزم منه الصحة، لأن العمل أوسع، فالإمام أحمد كثيرًا ما يضعف أحاديث باب من الأبواب، ولا يمنعه ذلك من العمل بها، كالتسمية في الوضوء في إحدى الروايتين عنه، ولهذا تخير إسحاق بين حديث حذيفة وحديث ابن عباس، وكلاهما ضعيف. الدليل الثاني: (ح-١٩١٨) روى ابن خزيمة من طريق حفص بن غياث، أخبرنا العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة، والأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: قام رسول الله ﷺ من الليل يصلي، فجئت فقمت إلى جنبه، فافتتح البقرة، فقلت يريد المائة، فجاوزها، فقلت: يريد المائتين، فجاوزها، فقلت: يختم، فختم ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم قرأ آل عمران، ثم ركع قريبًا مما قرأ، ثم رفع فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، قريبًا مما ركع، ثم سجد نحوًا مما رفع، ثم رفع فقال: رب اغفر لي نحوًا مما سجد ... الحديث.

стр. 2276

ورواه ابن ماجه بالطريقين مقتصرًا منه على جملة: أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ح-١٩١٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، قال: أخبرنا كامل، عن حبيب، عن ابن عباس، قال: بت عند خالتي ميمونة، قال: فانتبه رسول الله ﷺ من الليل فذكر الحديث، قال: ثم ركع، قال: فرأيته قال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فحمد الله ما شاء أن يحمده، قال: ثم سجد، قال: فكان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، قال: ثم رفع رأسه، قال: فكان يقول فيما

стр. 2277

بين السجدتين: رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني (١). [منكر تفرد به كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، وحديث مبيت ابن عباس في الصحيحين، وليس فيه هذه الزيادة المنكرة] (٢).

стр. 2278

• الراجح: القول بالاستحباب قول وسط بين قول الحنفية الذين قالوا: لا يشرع فيه دعاء،

стр. 2279

وبين قول الحنابلة القائلين بالوجوب بالرغم من أن الأحاديث في الباب ضعيفة، ومجرد أفعال لا تقتضي الوجوب، والله أعلم. * * *

стр. 2280

الفصل الخامس صفة وضع اليدين إذا جلس بين السجدتين المدخل إلى المسألة: • لا يوجد أدلة خاصة في صفة وضع اليدين بين السجدتين. • الأئمة يتفقون على استحباب أن يبسط كفيه على فخذيه أو يجعلهما على ركبتيه. • قبض أصابع اليد اليمنى والإشارة بالسبابة خاص بالتشهد، والقول باستحباب ذلك في الجلسة بين السجدتين قول شاذ. • وضع اليدين حال الجلوس بين السجدتين إما أن يرسلهما على جنبيه، ولا قائل به، والتعبد به بدعة، وإما أن يضعهما على فخذيه، وهو قول عامة العلماء. [م-٦٩٢] يستحب أن يضع يديه قريبًا من ركبتيه منشورة أصابعه، مضمومة إلى القبلة، وهو مذهب المالكية والشافعية (١). وقال الحنفية والحنابلة: يبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع، وهو قريب من مذهب المالكية والشافعية (٢).
следующие страницы →