← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2348

وجه الاستدلال: قول الصحابي: (قبل أن يفرض التشهد)، وقوله: (لا تقولوا ... ولكن قولوا التحيات لله) فدل على وجوبه: بقوله: قبل أن يفرض، وللأمر به في قوله: (قولوا التحيات لله)، والأصل في الأمر الوجوب. • ويناقش: أن لفظ: (قبل أن يفرض التشهد) إذا لم يثبت لم يكن هناك فرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير، ولفظهما واحد، إلا أن هذا في وسط الصلاة، والثاني في آخرها، ويعقبه التسليم، وهذا لا يثبت فرقًا. فلو صح لفظ: (قبل أن يفرض علينا التشهد) لكان هذا دليلًا على وجوب التشهد الأول والأخير؛ لأن (أل) في التشهد للعموم. ولفظ (قبل أن يفرض علينا) لو صح لا يدل على الركنية؛ لأن التفريق بين الفرض والواجب لفظ اصطلاحي من قبل الفقهاء، وليس اصطلاحًا شرعيًّا، وإنما الافتراق بين ترك الركن والواجب إنما هو في الحكم، أما الشرع فلا يفرق في الاصطلاح بين الفرض والواجب، ويطلق أحدهما على الآخر.

стр. 2349

وإذا لم يصح حرف (قبل أن يفرض التشهد) لشذوذه، ومخالفة كل من روى الحديث عن ابن مسعود ابتداء بأصحابه، إلى آخر طبقة فلا يصح الاحتجاج بهذا الحرف دليلًا على وجوب التشهد. وأما الأمر بالتحيات فلا يفيد الوجوب أيضًا؛ لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بالتحيات ابتداء وإنما نهاهم عن خطأ كانوا يقعون فيه، فكانوا يقولون: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ : لا تقولوا هكذا) فناسب أن يرشدهم إلى الصواب، فقال: (ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات). والأمر إذا تسبب فيه المأمور إما بالسؤال وإما بالتعبد بما لا يشرع، فأمر بسبب ذلك بالصواب لا يستفاد من الأمر الوجوب فليس بمنزلة الأوامر الشرعية التي توجه للمكلف طالبة منه الفعل ابتداء، والله أعلم. وكون التشهد الأول يسقط بالنسيان، فهل التشهد الأخير يختلف عنه؟ لا يمكن الجزم بوجود فرق بين التشهد الأول والأخير من هذه الناحية حيث لم يثبت في السنة أن النبي ﷺ سها عن التشهد الأخير، ولم يسقطه بالنسيان حتى نجزم بوجود فارق بينهما، فكان مقتضى القياس سقوطه بالنسيان، خاصة أن سقوط التشهد الأول بالنسيان لم يَأْتِ من السنة القولية حتى يقال: لما خص التشهد الأول بالسقوط فهم منه أن التشهد الأخير يختلف عنه، وإنما جاء من السنة الفعلية لعارض السهو، فكان المعنى التسوية بين التشهد الأول والأخير، وقد سوى بينهما النبي ﷺ حيث أسقطهما في حديث المسيء صلاته، فلم يذكر له التشهدين. ولأن التفريق في الحكم بين التشهد الأول والأخير إن كان ذلك يتعلق باللفظ فألفاظهما واحدة. وإن كان اختلاف الحكم بينهما يتعلق بالمحل فلا فرق، فالغالب أن التشهد يأتي بعد كل ركعتين إلا المغرب، فلا يوجد معنى يوجب التفريق بين التشهد الأول والأخير، ومن جزم باختلاف التشهد الأخير عن الأول فعليه الدليل. وكون التشهد الأخير يزيد بالصلاة على النبي ﷺ وآله، وبالتعوذ والدعاء، فهذه

стр. 2350

الزيادات كما سيأتينا أنها من سنن الصلاة، لا من واجباته، وتعلق هذه الأدعية ليس مرتبطًا بالتشهد، وإلا لاقتضى ذلك أن يدعو بالتشهد الأول، وإنما الدعاء مشروع في دبر الصلاة، كما رواه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات (١). [ابن سابط لم يسمع من أبي أمامة]. فكأن الصلاة كلها كانت بمثابة الثناء والتمجيد لله سبحانه يعقبه الصلاة على النبي ﷺ ثم يعقبه الدعاء ورفع الحاجات العامة والخاصة. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ كان يواظب على فعل التشهد الأول في صلاته، ولم ينقل أنه أَخَلَّ به مرة واحدة متعمدًا. (ح-١٩٥٤) وقد روى البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (٢). • ويجاب: سبق لنا مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، انظر الجواب عليه في حكم التشهد الأول. الدليل الثالث: (ث-٤٧٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا شعبة، عن مسلم أبي النضر، قال: سمعت حَمَلَةَ بن عبد الرحمن، يقول: قال عمر: لا صلاة إلا بتشهد (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 2351

الدليل الرابع: (ح-١٩٥٥) ما رواه البزار من طريق محبوب بن الحسن، قال: أخبرنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: تعلموها فإنه لا صلاة إلا بتشهد، يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١).

стр. 2352

[ضعيف جدًّا] (١).

стр. 2353

الدليل الخامس: (ث-٤٧٤) ما رواه البيهقي من طريق أبي وكيع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: التشهد تمام الصلاة. [انفرد به أبو وكيع عن أبي إسحاق] (١).

стр. 2354

التمام يحتمل أكثر من معنى، منها: المعنى الأول: أن التشهد تمام الصلاة: أي آخرها، فهو علامة على بلوغ آخر الصلاة، فليس بعده إلا التحلل منها بالتسليم، وكما قال الحنفية: إن التسليم يقصد به الإتيان بما ينافي الصلاة بقصد الخروج منها، ولذلك لا يقصرون الخروج من الصلاة بالتسليم، فكل فعل ينافي الصلاة يقوم مقام التسليم، وهو قول الحنفية في التسليم تفردوا به عن الجمهور. المعنى الثاني: أن التمام: يطلق ويراد به أحيانًا بلوغ رتبة الكمال، يقال: تم الشيء إذا كمل. المعنى الثالث: يطلق التمام ويراد به ما يقابل النقص، ولهذا وصف الله كلماته بالتامات، فجاء في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامات)، لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس، فيكون ترك التمام دليلًا على

стр. 2355

ترك ركن، أو واجب. وإذا احتمل التمام كل هذا أخذنا بالمتقين، وهو إما بلوغ آخر الصلاة، أو تمامها بمعنى كمالها، خاصة أنه أثر موقوف على صحابي ﵁، والصحابة ﵃ حريصون على بلوغ رتبة الكمال، حتى قال حذيفة ﵁: صليت مع النبي ﷺ ، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي ﷺ (١). الدليل السادس: (ح-١٩٥٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن الحر، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة، بيدي وحدثني، أن عبد الله بن مسعود، أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله، فعلمه التشهد في الصلاة، قال: قل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -قال زهير: حفظت عنه إن شاء الله- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد (٢). [لفظ: (فإذا قضيت هذا ... فقد قضيت صلاتك ... إلخ) مدرج، والمحفوظ وقفه على ابن مسعود ﵁] (٣).

стр. 2356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2357

وعلى فرض أن يكون اللفظ مرفوعًا فإن قوله: (فإذا قضيت هذا ... فقد قضيت صلاتك ... إلخ) لا يدل على الوجوب، فالقضاء هنا بمعنى الإتمام، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. أي أتمهن. وهو موافق للفظ الآخر عن ابن مسعود ﵁ حين قال: التشهد تمام الصلاة، فهما بمعنى واحد. وقد استدل به الحنفية على صحة صلاة من أحدث قبل السلام، وبه قال سعيد بن المسيب، وقتادة وإبراهيم النخعي والإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك والحكم، وطاوس وربيعة ومكحول خلافًا لقول جمهور الفقهاء، ولم أوثق ذلك؛ لأن البحث في حكم التشهد. • دليل من قال: التشهد الأخير سنة: الدليل الأول: الأصل عدم الوجوب إلا بدليل صريحٍ خالٍ من النزاع، والأحاديث التي ساقها أصحاب القول الأول لم تسلم من المناقشة، والأصل براءة الذمة، والاحتياط ألا تشغل الذمم، ولا يحكم بفساد عبادة الخلق إلا بشيء صحيح صريح، والله أعلم.

стр. 2358

الدليل الثاني: (ح-١٩٥٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يأمره بالتشهد، فدل على أنه ليس واجبًا؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع والسجود، والاعتدال منهما، وقد طلب الصحابي من النبي ﷺ تعليمه الصلاة، فخرج الحديث مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. • واعترض: بأن النبي ﷺ لم يذكر له التسليم، وهو واجب أو فرض عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة والثوري والأوزاعي، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (ح-١٩٥٨) ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (٢). وجه الاستدلال: ترجم له البخاري بقوله: باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. اهـ

стр. 2359

وإذا صح هذا في التشهد الأول، فالتشهد الأخير مقيس عليه؛ لأن التشهد جنس واحد في عبادة واحدة، وقياسًا على ما يشرع تكراره في الصلاة كالسجدتين فما يصح في إحداهما يصح في الأخرى. وكون ترك التشهد سببًا لسجود السهو لا يدل على وجوب التشهد قياسًا على سجود التلاوة، حيث تزاد في هيئة الصلاة ولا يدل ذلك على وجوبها، ولأن جمهور الفقهاء يستحبون السجود لترك السنن، ولم يوجد أمر من الشارع بالسجود لترك التشهد بالنسيان حتى يقال وجوب السجود دليل على وجوب التشهد، والله أعلم. وقد سبق لي الجواب عن هذا الاستدلال في المسألة السابقة، فارجع إليه إن شئت. • دليل من قال: التشهد واجب، وليس بفرض: (ح-١٩٥٩) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق، عن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (١). ورواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁، قال: كنا نقول في الصلاة: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا النبي ﷺ ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله -إلى قوله- الصالحين، فإذا قالها أصاب كل عبد لله في السماء والأرض صالح، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الثناء ما شاء (٢).

стр. 2360

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمرهم بالتشهد، والأصل في الأمر الوجوب، ولا تثبت الركنية بمجرد الأمر به؛ لأن الركنية قدر زائد على الوجوب ولم يوجد في الأدلة ما يدل على انتفاء الصلاة بانتفائه حتى تثبت به الركنية، وأما على أصول الحنفية لا تثبت الركنية إلا بدليل قطعي الثبوت، وهذا من أحاديث الآحاد. فإذا اجتمع الأمر الشرعي بالتشهد، وصدقته المواظبة من لدن النبي ﷺ وأصحابه، فلم يثبت عن أحد منهم أنه تركه، كان هذا دليلًا على وجوبه، ولو كان سنة لنقل ما يدل على جواز الترك، والله أعلم. وقد ناقشت الاستدلال بالأمر بالتحيات عند الكلام على حكم التشهد الأول، وأما الجواب عن المواظبة فهي تدل على أنه من السنن المؤكدة، ولا تكفي وحدها لتدل على الوجوب، فهناك سنن واظب عليها النبي ﷺ حضرًا وسفرًا، ومع ذلك هي في عداد السنن، كالوتر، وسنة الصبح، ونحوهما، والله أعلم. • دليل من قال: التشهد سنة: ذكرت أدلتهم عند الكلام على حكم التشهد الأول، فانظره هناك دفعًا للتكرار. • الراجح: ما رجحته في التشهد الأول أرجحه في التشهد الأخير؛ لأن حكمهما واحد على الصحيح، ولم يقم دليل صريح صحيح في التفريق بينهما، والله أعلم. وقد نقلت قول أحمد: «إذا لم يتشهد وسلم أجزأه؛ لقول النبي ﷺ : (وتحليلها التسليم) والتشهد أهون، قام النبي ﷺ في اثنتين فمضى في صلاته، ولم يتشهد» (١). فاستشهد على صحة ترك التشهد الأخير بالقياس على عدم الرجوع إلى التشهد الأول حين تركه نسيانًا، وقول أحمد موافق لمذهب المالكية، وهو مقتضى دلالة حديث المسيء في صلاته حيث لم يذكر له النبي ﷺ التشهدين، والله أعلم. * * *

стр. 2361

الفصل الثالث في ألفاظ التشهد المدخل إلى المسألة: • جواز التشهد بكل ما ثبت وصح عن النبي ﷺ . • يكفي اختيار نوع واحد من أنواع التشهد الثابت عن النبي ﷺ للقيام بسنة التشهد. • التفضيل بين هذه الألفاظ مع ثبوتها كلها ليس مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول ﷺ لبعضها على بعض، فكلها صدرت من الرسول ﷺ ، والتسوية بينها من العدل المأمور به، وليس شيء من السنة مهجورًا. • تفاوت الصحة في الإسناد أو في العمل إنما يكون مرجحًا عند التعارض، أما إذا لم تتعارض السنن فيكفي صحة الحديث للقول بصحة التشهد. • يلزم من التزام نوع واحد هجر للسنن الباقية، وذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات، بخلاف التنوع فإن فيه إحياء لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابة للسنة من جميع وجوهها. [م-٦٧٣] اختلف الفقهاء في الأفضل من ألفاظ التشهد على أقوال منها: القول الأول: اختار الحنفية والحنابلة تشهد عبد الله بن مسعود ﵁ (١). قال الزركشي في شرح الخرقي: «ولو تشهد بغيره مما ثبت عنه ﷺ ، كتشهد

стр. 2362

ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري وغيرهم جاز، نص عليه» (١). • واستدلوا لذلك: (ح-١٩٦٠) بما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق، عن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (٢). وقد فضل الحنفية والحنابلة تشهده لما يلي: الأول: أنه أصح حديث ورد في التشهد، حيث رواه الشيخان في الصحيحين. قال ابن رجب في الفتح: لم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد» (٣). قال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد، قال: «هو عندي حديث ابن مسعود، روي من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها، وقال: ولا أعلم في التشهد أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا» (٤). الثاني: أن أكثر العلماء قدموه على غيره، قال الترمذي: «حديث ابن مسعود قد روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي عن النبي ﷺ في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين» (٥).

стр. 2363

قال البغوي: «قال أهل المعرفة بالحديث أصح حديث روي عن رسول الله ﷺ في التشهد حديث ابن مسعود، واختاره أكثر أهل العلم من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي» (١). الثالث: أنه ورد فيه صيغة الأمر، (قولوا التحيات ... )، وهو أوكد من صيغة الفعل المجردة. الرابع: أن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه، بخلاف غيره. الخامس: أن ابن مسعود تلقاه عن النبي ﷺ تلقينًا من فِيِ رسول الله ﷺ كلمة كلمة، وورد أن النبي ﷺ علمه وكفه بين كفيه (٢). القول الثاني: اختار المالكية تشهد عمر بن الخطاب ﵁ (٣). (ث-٤٧٥) لما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٤). [صحيح، وهو موقوف على عمر ﵁] (٥).

стр. 2364

قال ابن العربي عن تشهد عمر: «وهو أولى؛ لأن عمر كان يعلمه الناس على المنبر، فصار كهيئة الإجماع» (١). قال أبو الوليد الباجي في شرح الموطأ: «والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: أن تشهد عمر بن الخطاب يجري مجرى الخبر المتواتر؛ لأن عمر بن الخطاب علمه للناس على المنبر بحضرة جماعة الصحابة وأئمة المسلمين، ولم ينكره عليه أحد، ولا خالفه فيه، ولا قال له: إن غيره من التشهد يجري مجراه، فثبت بذلك إقرارهم عليه، وموافقتهم إياه على تعيينه، ولو كان غيره من ألفاظ التشهد يجري مجراه لقال له الصحابة أوأكثرهم: إنك قد ضيقت على الناس واسعًا، وقصرتهم على ما هم مخيرون بينه وبين غيره، وقد أباح النبي ﷺ في القرآن القراءة بما تيسر علينا من الحروف السبعة المنزلة، فكيف بالتشهد، وليست له درجة القرآن أن يقصر الناس فيه على لفظ واحد، ويمنع ما تيسر مما سواه، ولما لم يعترض عليه أحد بذلك، ولا بغيره، علم أنه التشهد المشروع، هذا الذي ذهب إليه شيوخنا العراقيون في التشهد. وقال الداودي إن ذلك من مالك ﵀ على وجه الاستحسان وكيفما تشهد المصلي عنده جائز، وليس في تعليم عمر الناس هذا التشهد منع من غيره» (٢). وقد فضل الحنابلة في دعاء الاستفتاح ما جهر به عمر موقوفًا عليه، وقدموه على ما ثبت في الصحيحين مرفوعًا، فهذا نظيره.

стр. 2365

• ويناقش كلام الباجي وابن العربي من وجهين: الوجه الأول: لم يثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قصر الناس على هذا التشهد، ومنعهم من غيره حتى يقال: لولا أنه متعين لما قبل ذلك الناس منه، ولما ضيق على الناس واسعًا، وقبول الناس ذلك من عمر؛ لأنه لم يفعل منكرًا، فالأمر واسع، فالسنن الواردة على وجوه متعددة يجوز للمصلي أن يلتزم صفة منها، ويجوز أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة حتى يأتي على جميع ما ثبت وصح عن النبي ﷺ وهو الأفضل. الوجه الثاني: لا يصح القول بأن فعله على المنبر يجري مجرى التواتر؛ لأن الذين حضروا عمر ﵃ بعض الصحابة وليس كلهم، وسكوتهم لا يعد إجماعًا على تعين هذا التشهد، وإلغاء غيره مما ثبت وصح. القول الثالث: اختار الشافعية تشهد ابن عباس ﵁ (١). (ح-١٩٦١) لما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وعن طاوس، عن ابن عباس، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (٢). قال الشافعي في الرسالة: صرت إلى اختيار حديث ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره ... لما رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا، كان عندي أجمع، وأكثر لفظًا من غيره، فأخذت به، غير معنف لمن أخذ بغيره مما ثبت عن

стр. 2366

رسول الله ﷺ (١). ومن وجوه الترجح التي ذكرها أصحاب الشافعي، أن تشهد ابن عباس كان متأخرًا عن تشهد ابن مسعود، وذلك أن النبي ﷺ قد علم ابن عباس هذا التشهد، وقد توفي النبي ﷺ وابن عباس غلام لم يحتلم بعد، بخلاف ابن مسعود ﵁ فإنه متقدم إسلامه ﵁، والمتأخر أولى بالاتباع. • الراجح: كل ما ثبت عن النبي ﷺ في التشهد فإنه يجوز أن يذكر الله به في الصلاة، فلا يكره شيء صح عن النبي ﷺ من وجوه التعبدات، والاقتصار على بعضها جائز، وإن فعل هذا مرة، وهذا مرة كان أولى، وليس شيء من السنة مهجورًا، والله أعلم. * * *

стр. 2367

الفصل الرابع في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد المبحث الأول في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول المدخل إلى المسألة: • التشهد الأول مبناه على التخفيف. • إذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي ﷺ ولا التعوذ من الأمور الأربعة. • تشرع الصلاة على النبي ﷺ حيث يشرع الدعاء بعدها، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح. • تعليم التسليم على النبي ﷺ سابق لتعليم الصلاة عليه ﷺ كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة. • لم يصح حديث في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وحديث عائشة في الباب في النفل حديث شاذ. • قاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقواعد أغلبية يدخلها الاستثناء. • لا يوجد حديث واحد، ولو ضعيفًا يذكر أن النبي ﷺ كان يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول في الفرض، ولو فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، ولو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا، كما لم يحفظ ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم. • الفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد، فكان عدم نقل الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول في الفرض بمنزلة نقل العدم.

стр. 2368

• لو فرض صحة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول في النفل فإن ذلك يدل على جوازه في الفريضة، لا على استحبابه فيها؛ لأنه لو كان مستحبًّا فيها لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل. [م-٦٧٤] يتفق العلماء على أن التشهد الأول لا تجب فيه الصلاة على النبي ﷺ (١)؛ لأن التشهد الأول مبناه على التخفيف، واختلفوا في مشروعيتها، فقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي (٢). قال الدسوقي: «تكره -يعني الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول» (٣). وقال البغوي: «وأما الصلاة على النبي ﷺ فعامة العلماء على أن التشهد الأول ليس محلًّا لها .... » (٤). وقال المرداوي: «ظاهر قوله: (هذا التشهد الأول) أنه لا يزيد عليه، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الجمهور، ونص أحمد أنه إن زاد أساء» (٥).

стр. 2369

وقيل: يستحب، وهو القول الجديد للشافعي، وبه قال ابن حزم، واختاره من الحنابلة ابن هبيرة والآجري (١). • دليل من قال: تستحب: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وجه الاستدلال: دلت الآية على أنه متى شرع السلام على النبي ﷺ شرعت الصلاة عليه، ولا يختلف العلماء في مشروعية السلام على النبي ﷺ في التشهد الأول، فكذلك الصلاة على النبي ﷺ . وقد صرح النووي في الأذكار وغيره بكراهة إفراد الصلاة عن التسليم، واستدل بورود الأمر بهما معًا في الآية. • ونوقش من وجوه: الوجه الأول: لا يسلم القول بكراهة إفراد التسليم عن الصلاة من الآية، قال ابن حجر: «لو صلى في وقت وسلَّم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلًا» (٢). ولو سلم بأن الآية تدل على استحباب جمع الصلاة بالتسليم فلا يدل الترك على الوقوع بالمكروه؛ لأن ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه؛ لأن الكراهة الشرعية: ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، ولا يحفظ نهي عن إفراد أحدهما، إلا أن يكون عنى النووي بالكراهة ما هو خلاف الأولى. (ح-١٩٦٢) وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع النبي ﷺ يقول: .... صلوا عَلَيَّ، فإنه من صلى عَلَيَّ صلاة صلى الله عليه

стр. 2370

بها عشرًا (١). فلو كانت الصلاة قرينة التسليم لذكرت في الحديث. ولو سلم القول بالكراهة فإنه يصدق على من لا يسلم أصلًا، وليس على من صلى في محلٍّ، وسَلَّم في محلٍّ آخر، فإنه يصدق عليه أنه صلى وسلم على النبي ﷺ . الوجه الثاني: الاستدلال بدلالة الاقتران على مشروعيتهما مقترنين دلالة ضعيفة، فالواو من حيث دلالتها اللغوية لا تفيد اقترانًا، ولا ترتيبًا ولذلك ذكرت الصلاة قبل السلام، وهو خلاف المشروع في الصلاة. والأمر بالصلاة والسلام على النبي ﷺ في الآية مطلق، فمن صلى وسَلَّم، ولو مرة واحدة فقد امتثل الأمر، سواء أكانا مقترنين أم كانا متفرقين، وسواء أكان ذلك داخل الصلاة أم كان ذلك خارجها، وطلب الفعل يحصل به الامتثال مرة واحدة، والتكرار يحتاج إلى دليل، ومن ادعى أن الآية يستفاد منها محل الصلاة والتسليم فقد تكلف. كما لا يلزم من اقترانهما في الآية تساويهما في الحكم، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والأكل مباح، وإتيان الحقوق واجب. الوجه الثالث: أن التسليم جزء من التشهد، لا ينفك عنه، وهو مشروع في القعدة الأولى بالإجماع، وإذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي ﷺ ولا التعوذ بالله من الأمور الأربعة، ولذلك كان تعليم التسليم سابقًا لتعليم الصلاة على النبي ﷺ كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة الآتي إن شاء الله تعالى، وإنما ارتبطت الصلاة على النبي ﷺ في التشهد حيث يشرع الدعاء لكون الصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء من أسباب الاستجابة، والدعاء لا يشرع إلا في التشهد الأخير أي في دبر الصلاة فكذلك الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن التشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه مبني على التخفيف بخلاف التشهد الأخير حيث فتح للمصلي أن يتخير من الدعاء أعجبه إليه

стр. 2371

بعد أن يتشهد ويصلي على النبي ﷺ . ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ، ثم ليدع بعد بما شاء (١). (ث-٤٧٦) وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة، عن عبد الله، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو لنفسه (٢). فذكر الصلاة على النبي ﷺ في مقدمة الدعاء، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه كما قلت مبني على التخفيف، وقد قال النووي في الأذكار: «أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ (» (٣)، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١٩٦٣) ما رواه أبو عوانة، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام قال: انطلقت إلى ابن عباس فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قلت: من؟ قال: عائشة ... وذكر الحديث، قال سعد بن هشام: قلت يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيه ﷺ ، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا .... الحديث (٤).

стр. 2372

ورواه النسائي من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة به، وفيه: ( ... ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو بينهن، ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلي على نبيه ﷺ ، ويدعو ... الحديث (١). وجه الاستدلال: في حديث عائشة ﵂ ذكرت تشهدين أحدهما في الركعة الثامنة، حيث تشهد، وصلى على النبي ﷺ ،، ثم جلس في التاسعة للتشهد الأخير، فدل على صحة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل. • وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أن ذكر الصلاة على النبي ﷺ في الثامنة شاذ (٢).

стр. 2373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2375

الجواب الثاني: في رواية عبدة بن سليمان عند النسائي غرابة حيث ذكر في التشهد الأول الدعاء قبل الصلاة على النبي ﷺ ، وهو خلاف المعروف من صلاته ﷺ ، بخلاف التشهد الأخير حيث ذكر الدعاء بعد الصلاة على النبي ﷺ ، مما يدل على عدم ضبطه.

стр. 2376

الجواب الثالث: قاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض هذا صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقاعدة أغلبية يدخلها الاستثناء، فينبغي ألا تحمل هذه القاعدة على ما يمكن أن يكون في حكم المتروك في الفرض، فالفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد حتى نقل لنا الصحابة ما يسن فيها وما يجب، وكانت محل اهتمام رصد الصحابة ﵃ في نقل صفة صلاته ﷺ ، حتى نقلوا لنا قبض اليدين، ومواضع رفعها، وإشارة الأصبع، وصيغ التشهد، وصيغ الاستفتاح، وأدعية الركوع والسجود وما بين السجدتين، وأكثر هذه الأذكار مما لا يجهر به، مما يدل على حرص الصحابة على نقل صفة صلاته إلى الأمة حتى حفظوا كل ذلك، ثم لا يوجد حديث واحد يذكر أن النبي ﷺ كان يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول في الفريضة، ألا يقال: لو كان فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، بل يقال: لو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا في الفرض حيث تتكرر في الليل والنهار أكثر من أي عبادة أخرى، ولا يوجد في النفل إلا من هذا الوجه في وتر النبي ﷺ ، وأكثر الرواة على عدم ذكره، ومن ذكره قد اختلف عليه في ذكره، فلو كان هذا الفعل معهودًا منه ﵊ في صلاة النفل لتوافرت الدواعي على نقله من أكثر من حديث، فلما لم يَأْتِ إلا من هذا الطريق الغريب، حيث تفرد به سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وخالفه شعبة، وهشام، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر في قتادة فلم يذكروه، صار الاحتياط للشريعة عدم قبوله، والله أعلم. ولو ثبت أن النبي ﷺ فعله في النفل، ولم يثبت أنه فعله في الفرض مع توفر الدواعي على نقله فإن هذا يدل على جوازه في الفريضة لا على استحبابه؛ إذ لو كان مستحبًّا لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل، أما الاستحباب مع كونه في حكم المتروك فهذا فيه بعد، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١٩٦٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، حدثنا الحكم، قال:

стр. 2377

سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (١). وجه الاستدلال: الحديث مطلق، يشمل كل تشهد، وإذا كان السلام مشروعًا في التشهدين، فكذلك الصلاة على النبي ﷺ في التشهدين، وليس مع من قيد الحديث بالتشهد الأخير دليل على هذا التقييد، والمطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله. • الجواب: لو كانت الصلاة مشروعة حيث يشرع التسليم ما تأخرت مشروعية الصلاة عن مشروعية التسليم، فلا ارتباط في المحل بين التسليم والصلاة على النبي ﷺ وسبق لي أن الصلاة على النبي ﷺ تشرع حيث يشرع بعدها الدعاء، والله أعلم. • دليل القائلين بأنه لا تستحب الصلاة في التشهد الأول: الدليل الأول: لم يثبت أن النبي ﷺ كان يصلي على ذاته في التشهد الأول، ولا علمه للأمة، ولا يعرف استحبابه عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، والصلاة على النبي ﷺ ليست جزءًا من التشهد، فالتشهد إذا أطلق فإنه ينتهي بالشهادتين، (ح-١٩٦٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: قال عبد الله: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ ، قلنا: السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال إن الله هو

стр. 2378

السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (١). وهذا مشروع بالإجماع في التشهد الأول، فأين الدليل على مشروعية زيادة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وإنما أجمعوا على مشروعيته في التشهد الثاني. (ح-١٩٦٦) وقد روى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي ﷺ بهذه القصة - قال: إذا أنت قمت في صلاتك، فكبر الله تعالى، ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، وقال فيه: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد .. الحديث (٢). [ذكر التشهد في الحديث شاذ] (٣). فقوله: (ثم تشهد) فالأمر بالتشهد لا يدخل فيه الأمر بالصلاة على النبي ﷺ ، ولو كانت الصلاة مشروعة لذكر له مع التشهد الصلاة على النبي ﷺ . الدليل الثاني: (ح-١٩٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان في الركعتين كأنه على الرَّضْف، قلت: حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم (٤). [أبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن العلماء جعلوه في حكم المتصل] (٥).

стр. 2379

الدليل الثالث: (ث-٤٧٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن تميم بن سلمة، قال: كان أبو بكر، إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف، يعني، حتى يقوم (١). [منقطع، تميم لم يدرك أبا بكر] (٢).

стр. 2380

• وأجيب عن الحديث والأثر: قال الشوكاني: «تخصيص التشهد الأخير -يعني بالصلاة على النبي ﷺ مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف، وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث: (إن النبي ﷺ كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف) .... وليس فيه إلا مشروعية التخفيف، وهو يحصل بجعله أخف من مقابله: أعني التشهد الأخير، وأما أنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا، ولا شك أن المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات، وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه ﷺ كان مسارعًا غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير بالتعوذ من الأربع والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه» (١). • ورد هذا الجواب بأكثر من جواب: الجواب الأول: القول بأن تخصيص الصلاة على النبي ﷺ بالتشهد الأخير لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف لا يسلم، فقد سبق حديث المسيء في صلاته من حديث رفاعة، والقائل باستحباب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول يحسنه، وانظر الدليل التالي من مسند ابن مسعود، فنفي ورود ذلك في الأحاديث مطلقًا حتى الضعيفة ليس دقيقًا، والله أعلم. الجواب الثاني: لا يحفظ القول بالصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول عن أحد من الصحابة ﵃، وذلك دليل على ضعف هذا القول.

стр. 2381

الجواب الثالث: أن كلام الشوكاني مبني على صحة حديث عائشة، وقد علمت ما فيه. الدليل الرابع: (ح-١٩٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن تشهد رسول الله ﷺ في وسط الصلاة وفي آخرها، عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها، فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله ﷺ علمه إياه، قال: فكان يقول: إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده ما شاء الله أن يدعو ثم يسلم (١). [تفرد به محمد بن إسحاق] (٢).

стр. 2382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2383

الدليل الخامس: (ح-١٩٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد السلام، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقول في الركعتين التحيات (١). [صحيح]. وجه الاستدلال: المقصود بالتحيات التشهد، والتشهد لا يدخل فيه الصلاة على النبي ﷺ ، ولو كانت مشروعة لذكرها. وهو في مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين ... وذكر الحديث وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحية ... الحديث (٢). (ح-١٩٧٠) وروى النسائي من طريق الأشجعي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٣). [صحيح] (٤). وجه الاستدلال: فيه دلالة على اختصاص الركعتين الأوليين بالتشهد، فمن ادعى مشروعية

стр. 2384

زيادة الصلاة على النبي ﷺ فعليه الدليل، والله أعلم. (ث-٤٧٨) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عياض بن مسلم، عن ابن عمر، أنه كان يقول: ما جُعِلَت الراحة في الركعتين إلا للتشهد (١). [ضعيف] (٢). • الراجح: قول الجمهور، وأنه لا يزيد على التشهد في القعدة الأولى، والله أعلم. * * *

стр. 2385

المبحث الثاني في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الثاني المدخل إلى المسألة: • لا نزاع في مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في كل تشهد يعقبه تسليم. • أكثر أهل العلم على أن الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة ليست واجبة. • قول الصحابي (كيف نصلي عليك) سؤال عن الكيفية، والأمر بالكيفية لا يفيد وجوب أصل الصلاة على النبي ﷺ . • لو كانت الصلاة على النبي ﷺ واجبة في الصلاة لجاءت الأوامر التي تأمر بها ابتداء، ولم ينتظر النبي ﷺ حتى يسأله الصحابة عنها. • لم يبادر النبي ﷺ السائل بالجواب حتى تمنى الصحابة أن الرجل لم يسأله خوفًا من كراهة النبي ﷺ لمسألته، كل ذلك يشعر بأن الصلاة ليست من الواجبات. • علم النبي ﷺ الصحابة التشهد، ثم قال: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو، فلو كانت الصلاة واجبة لذكرها بين التشهد والدعاء. • إذا كانت الصلاة على النبي ﷺ من أجل مراعاة آداب الدعاء؛ لقوله: عجل هذا؛ لكونه دعا من غير أن يراعي آدابه ومنها الصلاة على النبي ﷺ فالدعاء في نفسه ليس واجبًا، فكذلك توابعه. [م-٦٧٥] اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الذي يعقبه سلام بعد اتفاقهم على مشروعيته فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: الصلاة على النبي سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال أكثر أهل العلم، واختاره ابن جرير الطبري، وابن المنذر والخطابي
следующие страницы →