و (أل في التكبير) للعموم، فيشمل تكبيرة الإحرام كما يشمل تكبيرات الانتقال فمن أخرج تكبيرة الإحرام من عموم التكبير فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
(ح-١١٧٦) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فذكر قصة وفيه: .... قال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن أبا موسى ﵁، قال: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم، فذكر من الأقوال التي تقال في الصلاة: (إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين).
الدليل الثالث:
(ح-١١٧٧) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،
عن علي، عن النبي ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (تحريمها التكبير) ومنه سميت التكبيرة الأولى: تكبيرة الإحرام، أي الإحرام بالصلاة، فما أدخلك في الصلاة لا يمكن أن يكون خارجًا عنها، ولولا أنه جزء من الصلاة لما حَرُم به عليك ما كان مباحًا قبلها، فشروط الصلاة جميعها، لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، ولا عدمها، فالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة،
стр. 317
لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه يلزم من وجودها دخولك في الصلاة، فالعبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالأذان.
• وتعقب:
بأن الركن هو الداخل في الماهية، والمصلي لا يدخل في الصلاة إلا بفراغه من تكبيرة الإحرام.
ويجاب:
بأنه يدخل في الصلاة بمجرد شروعه في تكبيرة الإحرام، فماهية الصلاة تتكون من أقوال وأفعال، فالأقوال تكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، والسلام، والأفعال: قيام وركوع، وسجود، وجلوس، فتكبيرة الافتتاح كالباب يلج منه المصلي إلى صلاته، وإذا كان باب الدار منها فكذلك تكبيرة الإحرام.
الدليل الرابع:
أن تكبيرة الإحرام يشترط لها ما يشترط للصلاة، من طهارة، وستر عورة، واستقبال للقبلة في الفرض، وهذه أمارة الركنية، ولأنه لا يجوز أداء صلاة بتحريمة صلاة أخرى، ولولا أنها من الأركان لجاز كسائر الشروط.
• ورد الحنفية:
أكثر الحنفية قالوا: إن مراعاة شروط الصلاة لتكبيرة الإحرام من الطهارة، والاستقبال، ليس لكونها ركنًا في الصلاة، بل لاتصالها بالقيام الذي هو ركن الصلاة، فلم تجب هذه الشروط للتحريمة أصلًا، فلو أحرم حاملًا للنجاسة، فألقاها عند فراغه منها، أو كان مكشوف العورة فسترها عند فراغه من التكبير بعمل يسير، أو شرع في التكبير قبل ظهور الزوال مثلًا، ثم ظهر عند فراغه منها، أو منحرفًا عن القبلة فاستقبلها عند الفراغ منها، فكل ذلك جائز (١).
• ويجاب على هذا الرد:
بأن هذا استدلال في محل النزاع، فأين الدليل على جواز الشروع بالتحريمة
стр. 318
حاملًا للنجاسة، إذا ألقاها قبل الفراغ منها، وكذا يقال في بقية الفروع المذكورة.
• دليل من قال: تكبيرة الإحرام شرط:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].
• وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أن الله عطف الصلاة على الذكر، والذكر الذي تعقبه الصلاة بلا فاصل ليس إلا التحريمة، فاقتضى ذلك أن يكون تكبير الإحرام خارج الصلاة.
الوجه الثاني:
أن مقتضى العطف المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه؛ إذ الشيء لا يعطف على نفسه (١).
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الذكر هنا المقصود به نية الصلاة، قال ابن العربي: «الذكر حقيقته إنما هو في القلب؛ لأنه محل النسيان، الذي هو ضده، والضدان إما يتضادان في المحل الواجب، فأوجب الله بهذه الآية النية في الصلاة خصوصًا» (٢).
• ويناقش:
لو كان المراد بالذكر النية، لكان يغني عنه قوله: وذكر ربه فصلى، فلما خص الذكر باسم من أسماء الله، لم يصح حمله على نية القلب، لكنه لم يتعين أن يكون هذا الذكر هو تكبيرة الإحرام، فقد يكون المراد بالذكر هو الإقامة، فإنها تسبق الصلاة مقترنة بها، وهي مشتملة على ذكر الله، بتعظيمه، وتوحيده، في أول الإقامة وآخرها، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة والدعوة إلى الصلاة والفلاح.
стр. 319
الوجه الثاني:
لو سُلِّم أن الذكر هنا تكبيرة الإحرام، فالعطف لا ينافي الركنية؛ لأنه حينئذٍ يكون من باب عطف الكل على الجزء، وهو نظير عطف العام على الخاص، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، والسبع المثاني من القرآن العظيم، ولم يقتض العطف المغايرة.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، والسجود من العبادة.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]، والأمثلة كثيرة.
الدليل الثاني:
حديث علي المتقدم: عن النبي ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (١).
وجه الاستدلال:
أنه أضاف التحريم إلى الصلاة، والمضاف غير المضاف إليه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
• وأجيب:
بأن الإضافة ضربان: أحدهما: تقتضي المغايرة، كثوب زيد، والثاني: تقتضي الجزئية، كقولك: رأس زيد، وصحن الدار، فوجب حمله على الثاني لما ذكر من أدلة القول السابق (٢).
الدليل الثالث:
أن المصلي لا يدخل في الصلاة إلا بعد إتمام تكبيرة الإحرام، فقبل الفراغ من التكبير لا يعتبر داخلًا في الصلاة، فبالفراغ لا يصير منها؛ لتقدمه على دخوله في الصلاة.
• ويناقش:
بأن المصلي يدخل في الصلاة من أول حرف من حروف تكبيرة الافتتاح
стр. 320
على الصحيح، وعلى التنزل فإنه يبطل بالشروع بالسلام، فقبل الفراغ منه لا يكون خارج الصلاة، ثم بالفراغ من السلام يكون خارج الصلاة، مع أنه منها، والكافر لا يدخل في الإسلام إلا إذا نطق الشهادتين، فقبل الفراغ من الشهادتين لا يدخل في الإسلام، وإذا فرغ منهما دخل فيه، وهما من أركان الإسلام، والحنفية يرون أن المُحْرِم لا يدخل بالنسك بمجرد نية التلبس حتى يلبي، فقبل الفراغ من التلبية لا يدخل في الإحرام عندهم، وإذا فرغ من التلبية مقارنًا لنية التلبس بالإحرام دخل في النسك، ومع ذلك يرون التلبية جزءًا من المناسك، وركنًا في الإحرام.
• دليل من قال: تنعقد الصلاة بالنية:
الدليل الأول:
(ح-١١٧٨) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.
رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١).
فجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والتكبير ليس بمرئي، فالمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادرًا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال (٢).
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم، أي صلوا كما علمتم من صلاتي، وهي تشمل الأقوال والأفعال.
الوجه الثاني:
أن المصلي لا يصلي إلا بنية، والنية غير مرئية، فبطل التمسك بظاهر الحديث.
стр. 321
الوجه الثالث:
قد يكون الإطلاق من باب التغليب، فلما كانت الصلاة تطلق على مجموع الأقوال والأفعال، فأطلق الرؤية تغلبيًا للأفعال، ولا تعني اختصاصها بها، كما أنه قد يطلق الفعل على القول تغليبًا،
(ح-١١٧٩) جاء في حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (١).
رواه الشيخان من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر.
وجه الاستدلال:
قوله: (فإذا فعلوا ذلك) أي فعلوا ما تقدم من الشهادتين والصلاة والزكاة، وبعضها أفعال، وبعضها أقوال، لكنه أدخل كل ذلك في مسمى الفعل تغليبًا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على الصيام فكما يصح الصوم بالنية تصح الصلاة بالنية.
• ونوقش:
بأن الصيام مجرد نية مخصوصة، فلو أمسك عن الطعام بلا نية، أو بنية الحمية لم ينعقد صيامه، ولو نوى الخروج من الصيام بالنية فسد صومه، بخلاف الصلاة فهو عبادة قائمة على مجموع الأقوال والأفعال من أولها إلى آخرها، ولو نوى ارتكاب مفسد لم تفسد صلاته حتى يرتكبه، والله أعلم.
• وجه من قال: تكبيرة الإحرام ركن في حق المنفرد والإمام دون المأموم:
أما الإمام مالك فذكر أنه قال بهذا جمعًا بين قول سعيد بن المسيب أنها تجزئ عنه، وبين قول ربيعة الرأي: لا تجزئ عنه، فهو مبني على مراعاة الخلاف، والذي هو
стр. 322
من أصول الإمام مالك عليه رحمة الله، فهذا الرجل قد عقد ركعة من صلاة مختلف فيها، فيكره أن يبطل صلاته فذهب إلى أنه يتمادى ويعيدها مراعاة للقول الآخر (١).
قال ابن عبد البر في الاستذكار: «إنه راعى فيه قول من قال: إن الإحرام ليس بواجب، وإنه لو تمادى في صلاته أجزأته، إلا أن مالكًا يرى عليه الإعادة بعد ذلك للأخذ بالأوثق والاحتياط لأداء فرضه .... » (٢).
وأما أصحابه فاختلفوا في الاستدلال له، واضطربوا.
فاختار ابن بطال بأنه قال ذلك قياسًا على تكبيرات الانتقال، قال ابن بطال في شرح البخاري: وحجة الذين رأوا أن تكبيرة الإحرام سنة: إجماعهم أن من ترك التكبير كله ما عدا الإحرام أن صلاته تامة، قالوا: وكذلك تكبيرة الإحرام مثل تكبير سائر الصلوات في القياس؛ لأن التكبير معناه كله واحد في أنه إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة.
• ويناقش:
بأنه لو صح القياس لجرى ذلك في حق الإمام والمنفرد، فإن سائر التكبيرات في حقهما سنة عند الجمهور، فلماذا التفريق بين المأموم وغيره؟
ولعله لو خرِّج قول مالك استنادًا إلى أن الإمام كما يحمل عن المأموم القراءة، والسهو، يحمل عنه تكبيرة الإحرام إذا نسيها، لكان هذا القول أقرب إلى القياس إلا أنه يشكل عليه ما قاله ابن عبد البر، من أن أصحاب مالك لم يختلفوا أن الإمام لا يحمل فرضًا من فروض الصلاة عمن خلفه (٣)، والله أعلم.
وقد وجدت كلاماً لابن رجب يؤيد ما ذكرته،
قال في شرحه للبخاري: والتفريق بينهما -أي بين الإمام والمنفرد وبين
стр. 323
المأموم- له مأخذان:
أحدهما: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد.
قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن قول: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذلك مجزئًا عنه؟ فقال أبو عبد الله: يجزئه إن كان ساهيًا؛ لأن صلاة الإمام له صلاة.
فصرح بالمأخذ، وهو تحمل الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو.
ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال صاحب كتاب الشافي، وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب.
والمذهب عندهم: أنه لا يجزئه، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد ......
المأخذ الثاني: .... أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، فإنها تجزئه، وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء ... » (١).
• الراجح:
أرى أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، لا يدخل إلى الصلاة إلا بها، والله أعلم.
* * *
стр. 324
الفصل الثاني في شروط تكبيرة الإحرام
الشرط الأول أن تقع تكبيرة الإحرام مقارنة للنية حقيقة أو حكمًا
المدخل إلى المسألة:
• لو عرا أول الصلاة عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.
• إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
• صحح الشارع بعض العبادات مع وجود فاصل طويل بين النية والعمل كالصيام والزكاة والكفارة ولم يَأْتِ عنه ما يدل على أن الحكم خاص بهذه العبادات حتى يمتنع القياس.
• الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالنية إذا عقدها المصلي فهو على نيته كالمقارن؛ حتى يقطعها أو يأتي بما ينافيها، والذهول عن النية ليس قطعًا لها بل يبقى مستصحبًا حكمها.
[م-٤٧٣] العلماء متفقون على أنه لو كبر قبل نية الصلاة لم تصح تكبيرته.
ومتفقون على أن النية إذا عقدت قبل العمل بيسير، ثم استصحب ذكرها إلى أن كبر تكبيرة الإحرام، فإن صلاته تنعقد.
قال ابن تيمية: «إذا كان مستحضرًا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء» (١).
стр. 325
[م-٤٧٤] واختلفوا فيما إذا تقدمت النية على تكبيرة الإحرام، وعزبت عنه ذهنه حين تكبيرة الافتتاح، أتنعقد صلاته أم لا؟
فقال الحنفية: مقارنة النية لتكبيرة الإحرام تستحب، وليست بشرط، فيجوز تقدم النية ولو قبل دخول الوقت، لكن يشترط عدم المنافي لها، من أكل أو شرب، أو كلام، وإن لم يفهم، أو تنحنح بلا عذر؛ لأن هذه الأشياء تبطل الصلاة، فتبطل النية، ولا يضره المشي والوضوء، ولو طالا (١).
وقيل: يجوز تقدم النية إن كان الفاصل يسيرًا، اختاره ابن رشد وابن عبد البر وخليل من المالكية، وهو مذهب الحنابلة (٢).
стр. 326
قال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه» (١).
وقيل: يشترط أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، اختاره جماعة من المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، وابن الجلاب، وابن شاس، وهو المشهور من مذهب الشافعية، وبه قال ابن حزم (٢).
وقيل: يجوز تقدم النية على الصلاة بشرط أن يكون الوقت قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة (٣).
وقد تكلمت على أدلة الأقوال في مباحث النية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 327
الشرط الثاني أن يأتي بتكبيرة الإحرام قائمَا فيما يشترط فيه القيام
المدخل إلى المسألة:
• تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة.
• ما كان القيام شرطًا في صحة الصلاة كان القيام شرطًا في صحة التحريمة.
• تصح تكبيرة الإحرام من القاعد في صلاة النفل؛ لأن القيام ليس شرطًا في صحته.
• متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب لم يكن قائمًا.
• لو كبَّر للتحريمة، وهو في حد الركوع لا تقبل تكبيرته، ولو كبَّر قبل الخروج عن حد القيام صحت.
[م-٤٧٥] يشترط للإمام والفذ والمأموم غير المسبوق أن يأتي بتكبيرة الإحرام في صلاة الفرض قائمًا مع القدرة، فإن ابتدأها غير قائم، أو أتمها غير قائم لم تصح فرضًا بلا خلاف (١).
فخرج بشرط الفرض: صلاة النفل، فتصح تكبيرة الإحرام من القاعد، ولو كان قادرًا على القيام.
وخرج بشرط القدرة العاجز؛ لسقوط فرض القيام بالعجز، ومثله الخائف.
وقولنا: (قائمًا) قال الجمهور: أي في حد القيام قبل أن يصل إلى حد الركوع،
стр. 328
فلا يضر الانحناء اليسير خلافًا للمالكية، فإن ظاهر إطلاقهم لا يجزئ إيقاع تكبيرة الإحرام منحنيًا مطلقًا من المنفرد والإمام والمأموم غير المسبوق (١).
قال في الثمر الداني: «يشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقًا، فإن تركه في الفرض، بأن أتى به جالسًا أو منحنيًا، أو مستندًا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته» (٢).
[م-٤٧٦] واختلفوا في المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، هل يشترط القيام لتكبيرة الإحرام؟ على قولين:
فقيل: القيام شرط كالمنفرد والإمام، فلا بد من وقوع جميع تكبيرة الإحرام في حد القيام، وقبل الوصول إلى حد الركوع، فكل ما قبل حد الركوع فهو من جملة القيام، فلو وقعت تكبيرة الإحرام، أو جزء منها في حد الركوع لم تجزئه، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، على خلاف بينهم في حد القيام (٣).
стр. 329
فقيل: الحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع بحيث لو مد يديه وكان معتدل الخلقة لا تنال يداه ركبتيه، فإن مست يداه ركبتيه فقد خرج من حد القيام إلى حد الركوع، فلا تجزئه تكبيرة الإحرام، وبه قال الحنفية والحنابلة في المعتمد، وهو وجه عند الشافعية (١).
قال النووي نقلًا عن أبي محمد في التبصرة: «إن وقع بعض تكبيرته في حال ركوعه لم تنعقد فرضًا، وإن وقع بعضها في انحنائه، وتمت قبل بلوغه حد الراكعين انعقدت صلاته فرضًا؛ لأن ما قبل حد الركوع من جملة القيام، ولا يضر الانحناء اليسير، قال: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام: أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام ... هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف» (٢).
قال ابن قدامة: «عليه أن يأتي بالتكبيرة منتصبًا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو ببعضها، لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، إلا في النافلة» (٣).
стр. 330
وقال الشافعية واختاره المجد من الحنابلة: الحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع أنه متى انحنى، فكان إلى القيام أقرب منه إلى الركوع فهو في حد القيام، فإن كان إلى الركوع أقرب لم يكن قائمًا، ولا تصح تكبيرته (١).
قال النووي: «والأصح أنه متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب لم يكن قائمًا ولا تصح تكبيرته» (٢).
وقال الخطيب: «الانحناء السالب: أن يصير إلى الركوع أقرب كما في المجموع، ومقتضاه: أنه لوكان أقرب إلى القيام، أو استوى الأمران صح، وهو كذلك» (٣).
فالخلاف بين الشافعية وبين الحنفية والحنابلة: إنما هو في حد القيام، وليس في أصل القول، فهم متفقون أنه لو كبَّر، وهو في حد الركوع لا تقبل تكبيرته، ولو كبَّر، قبل الخروج عن حد القيام صحت، والخلاف وقع بينهم في توصيف حد القيام وحد الركوع.
وقد يقال: إن الخلاف بين القولين خلاف لفظي، فإنه متى نالت يداه ركبتيه، فإنه إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، وقبل ذلك فهو أقرب إلى القيام منه إلى الركوع، فيلتقي القولان، والله أعلم.
• وجه قول الشافعية:
أن حد القيام يفارق حد الركوع، والانحناء هو بينهما، فما كان أقرب إلى أحدهما ألحق به، فإن كان إلى الانتصاب أقرب اعتبر قائمًا، وإلا اعتبر راكعًا، فإن استوى الأمران فالأصل أنه لم ينتقل من القيام.
القول الثاني:
تنعقد صلاة المأموم إذا كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الافتتاح، فإن كبر في حال
стр. 331
القيام وأتمها فيه صحت بلا خلاف، وإن ابتدأها في القيام، وأتمها حال انحطاطه بلا فصل بين أجزائه، ناويًا بها الإحرام ففيها قولان في مذهب مالك: الإجزاء بناء على أنه لا يجب على المسبوق أن يقف قدر تكبيرة الإحرام، وعدمه: بناء على وجوب ذلك (١).
وإن ابتدأها حال الانحطاط وأتمها فيه أو بعده، أو لم يكبر إلا وهو راكع، ولم يحصل شيء من تكبيره حال القيام، فلا يعتد بهذه الركعة، قاله ابن عطاء الله، والأصح انعقاد صلاته.
وإن نوى بها تكبيرة الركوع ناسيًا تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (٢).
стр. 332
قال ابن يونس: «إنما يصح ذلك لو كبر للركوع في حال قيامه، وأما لو كبر ذاكرًا، وهو راكع فلا تجزئه تلكم الركعة، نوى بتكبيرة الركوعِ الإحرامَ أم لا؛ لأن قيامه الأول كان في غير صلاة عند ربيعة، وفرض المأموم من القيام قدر تكبيرة الإحرام، فقد أسقطه، ودخل الصلاة بالركوع».
قال ابن المواز: وإن ذكر، وهو راكع، ولم يكن كبَّر لركعته فليتم، ويحرم، وإن كبر راكعًا فَلْيَقْضِ ركعة بعد سلام الإمام؛ لأنه ترك أن يكبر للإحرام قائمًا عامدًا، وإنما يجزئ فيها تكبيرة الركوع عند سعيد إذا تركها ساهيًا، فوجب أن يقضى تلك الركعة باتفاق» (١).
стр. 333
فتحصل من الخلاف بين أصحاب مالك:
إن لم يحصل شيء من التكبير حال القيام فلا يعتد بهذه الركعة، وأما انعقاد الصلاة فعلى قولين: أحدهما لا تنعقد، وفاقًا للجمهور.
والثاني: تنعقد الصلاة، ويقضي تلك الركعة.
وأما إذا ابتدأ التكبير حال القيام، وأتمه حال الهوي أو بعده إلى الركوع فالخلاف فيها على قولين أيضًا، أحدهما: لا تنعقد الصلاة فرضًا، وفاقًا للجمهور.
والثاني: تنعقد، ويعتد بتلك الركعة.
• دليل الجمهور على اشتراط القيام مطلقًا لتكبيرة الإحرام:
الدليل الأول:
أن تكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة القولية التي لا تقبل إلا إذا فعلت في محلها، وهو القيام، فإن أتى بها أو ببعضها حال الركوع لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، فهو كما لو أتى بالتشهد حال القيام أو الركوع، أو قرأ الفاتحة مكان التشهد، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.
قال ابن نجيم: « ... لأن الافتتاح لا يصح إلا في حالة القيام» (١).
الدليل الثاني:
أن التداخل بين تكبيرة الافتتاح وبين تكبيرة الركوع إذا قيل به، فإنما هو في دخول الأدنى تحت الأعلى، وليس العكس، فتكبيرة الافتتاح أعلى من تكبيرة الركوع، فهي ركن أو شرط، بخلاف تكبيرة الركوع فهي عند الجمهور من السنن، وعند الحنابلة من الواجبات، وعلى القولين فهي أدنى من تكبيرة الافتتاح، وهذا لا يجعل تكبيرة الركوع تقوم مقام الافتتاح؛ لأن الأدنى لا يقوم مقام الأعلى، فإذا نوى سنة مطلقة لم تتدخل معها الراتبة؛ لكون الراتبة أعلى منها، وإذا نوى الراتبة لم تتدخل معها الفريضة؛ لكون الفريضة أعلى من الراتبة، وإذا اشترطنا لسقوط تكبيرة الركوع أن يكبر بنية التحريمة، فإنما تصح التكبيرة إذا فعلت في محلها، وهو حد
стр. 334
القيام، لا إذا فعلت في غير محلها، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.
• وجه قول المالكية المخالف لقول الجمهور:
أما وجه الصحة إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح،
فمن أصحاب مالك من أرجع المسألة إلى مسألة خلافية: بماذا يدخل في الصلاة؟
فقال: تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة على الصحيح، ويدخل بالصلاة بأول حرف من تكبيرة الإحرام، فإذا افتتح التكبير قائمًا فلا يضره أن يتم التكبير منحنيًا أو راكعًا.
بخلاف من جعل تكبيرة الإحرام سببًا للدخول في الصلاة، فإنه لا يدخله في الصلاة حتى يتحقق سبب الدخول، لذا رأى وجوب أن يتمها قائمًا (١).
وأما من ابتدأ التكبير حال الركوع أو بعده فقد بطلت تلك الركعة اتفاقًا.
وأما تأويل صحة الصلاة على أحد القولين فمحل خلاف:
فقيل: لما حصل القيام في الركعة التالية للأولى، فكأن الإحرام حصل حال قيامها، فتكون أول صلاته (٢).
وهذا التأويل لو كان صحيحًا لم يكن هناك فرق بين الإمام والمنفرد وبين المأموم.
وقيل في تأويل الصحة: الفرق هو أن المأموم يتحمل الإمام عنه تكبيرة الافتتاح كما يتحمل عنه قراءة الفاتحة، وهي ركن، وهذا الذي أوجب الفرق بين المنفرد والإمام وبين المأموم.
وهذا القول وإن كان أقوى من غيره إلا أنه لا يسلم من النظر: لأن حمل الإمام فرع عن صحة صلاة المأموم، وحين كبر المأموم للإحرام في غير محله لم تصح صلاته، فكيف يتصور فساد الركعة لفساد التحريمة، ولا يتصور فساد الصلاة لفساد التحريمة.
ومنهم من وجَّه الصحة: بأن الإمام والفذ والمأموم غير المسبوق لا يمكنهم ابتداء الصلاة بالركوع، فوجب عليهم أن تكون تكبيرة الإحرام كلها حال القيام، بخلاف المسبوق، فإن له أن يبتدئ صلاته من الركوع، كما لو أدرك الإمام راكعًا، فإذا سقط القيام عن المسبوق سقط عنه اشتراط إتمام تكبيرة الإحرام حال القيام، كما سقطت عنه قراءة الفاتحة، وهي فرض، فيكفيه أن يبتدئ التكبيرة حال القيام،
стр. 335
ولا يضره إتمامها في أثناء الهُوِيِّ، أو بعده، فاشتراط أن يقول جميع تكبيرة الإحرام قائمًا يؤدي إلى وجوب قدر من القيام عليه، وقد سقط عنه (١).
وأما وجه القول بالتمادي والإعادة إذا نوى بها تكبيرة الركوع:
فقد صرح الإمام مالك في المدونة أنه ذهب إلى هذا من أجل مراعاة الخلاف بين قول ربيعة الرأي وقول سعيد بن المسيب.
فالأمر بالإعادة جاء مراعاة لقول ربيعة: إنها لا تجزئه.
والأمر بالتمادي جاء مراعاة لقول ابن المسيب: إنها تجزئه لئلا يبطل عملًا اخْتُلِفَ في إجزائه (٢).
وقد بين أصحاب الإمام مالك وجه قول كل واحد منهما:
فوجه قول ابن المسيب: أن الإحرام من الأقوال، فوجب أن يحمله الإمام، أصله قراءة أم القرآن، ولأن الأقوال أخف من الأفعال.
ووجه قول ربيعة: أن الإحرام فرض، كالركوع والسجود والسلام، فلم يجز أن يحمل ذلك عنه الإمام، والفرق بين الإحرام وقراءة القرآن: أن الأصل أن لا يحمل الإمام عن المأموم فرضًا، فخصت السنة أن يحمل الإمام قراءة القرآن، وبقي ما سواها من فرائض الصلاة على أصله (٣).
قال ابن رشد في المقدمات: «وقد روى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه استحب للمأموم إذا لم يكبر للإحرام، ولا للركوع إعادة الصلاة، ولم يوجب ذلك، وقال: أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وهو شذوذ في المذهب» (٤).
وقال القاضي عياض: «رواية ابن وهب عن مالك: أن تحريم الإمام يجزئ
стр. 336
فيها عن المأموم، وكله خلاف المشهور» (١).
ولعل الإمام مالكاً لم يتبين له الصواب من الخلاف، فاعتبر الاحتياط من الجهتين، فلم يخرجه من الصلاة، وفي نفس الوقت أمره بالإعادة.
وقد روى أشهب عن مالك، أنه إذا نسي تكبيرة الإحرام خلف الإمام حتى صلى بعض صلاته، قال: أرى الاحتياط إعادة الصلاة، ولا أدري أذلك عليه أم لا؟ (٢).
فرواية ابن وهب وأشهب عن مالك تشعرك بأن الإمام لم يكن يجزم بالصواب من قولي ربيعة وسعيد بن المسيب.
وإذا علمت أن قول سعيد بن المسيب هو في الناسي دون المتعمد، ضاق الخلاف بين قول الإمام مالك والجمهور.
قال ابن رشد في المقدمات: ولو كبر للركوع، وهو ذاكر للإحرام متعمدًا لما أجزأته صلاته بإجماع (٣).
وقد سبق لك أن من قال: إن سعيد بن المسيب والزهري يقولان: إن تكبيرة الإحرام سنة، فلذلك حملها الإمام، قال ابن يونس في الجامع: ليس ذلك بصحيح، ولو كانت سنة لاستوى في نسيانها الإمام والفذ والمأموم، ولم يُبْطِل نسيانُها على أحد منهم صلاته (٤).
وقد انتقد ابن عبد البر ﵀ اختلاف أصحاب الإمام مالك في هذه المسألة، قال في الاستذكار: «وقد اضطرب أصحابه في هذه المسألة اضطرابًا كثيرًا ينقض بعضه ما قد أصلوه في إيجاب تكبيرة الإحرام، ولم يختلفوا في وجوبها على المنفرد والإمام كما لم يختلفوا أن الإمام لا يحمل فرضًا من فروض الصلاة عمن خلفه، فقف على هذا كله من أصولهم يتبيَّن لك وجه الصواب إن شاء الله» (٥).
стр. 337
• الراجح:
القول باشتراط أن يفتتح التكبيرة قائمًا أقوى من قول من يرى أن تكبيرة الافتتاح يمكن أن يقولها حال الركوع، وأضعف الأقوال من قال: لو كبر بنية الركوع أغنى عن التحريمة، ويبقى الاجتهاد في الترجيح: أيدخل في الصلاة بمجرد شروعه بتكبيرة الافتتاح قائمًا، ولو وقع بعضها في أثناء الهوي، أم لا بد أن يتم تكبيرة الافتتاح حال القيام، ولا يصح له الانتقال إلا بعد إتمامها، وهل يقسم الهوي إلى ثلاثة أقسام: ما كان إلى القيام أقرب فهو في حكم القائم، وما كان إلى الركوع أقرب فهو في حكم الراكع، وما بينهما، هذا الذي لم يتبين لي القطع به، والأحوط ألا ينتقل إلا بعد إتمام التكبيرة، خروجًا من خلاف العلماء، والمسألة ليست بالسهلة، فشأن الصلاة عظيم، ولا يغامر الإنسان في ركن الإسلام العملي الأعظم، والله أعلم.
* * *
стр. 338
المبحث الأول في انقلاب الصلاة نفلَا إذا بطلت فرضًا
المدخل إلى المسألة:
• قال ﷺ : وإنما لكل امرئ ما نوى
• هل بطلان الفريضة بطلان للتحريمة مطلقًا، أو بطلان لوصف الفرض فقط؟
• إبطال الصلاة فرضًا لا يلزم منه إبطال مطلق الصلاة.
• الصلاة مركبة من شيئين: نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال الفرض لا يستلزم إبطال نية مطلق الصلاة.
• إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم.
• إذا كان المصلي معتديًا في إبطال الفرض لم ينقلب إلى نفل مطلق.
[م-٤٧٧] إذا قلنا: يشترط للمسبوق أن يوقع تكبيرة الإحرام حال القيام، فأوقعها حال الهوي لم تنعقد فرضًا عند الجمهور، فهل تنقلب نفلًا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقال الحنفية: لا تنقلب نفلًا إذا كبر حال الهوي وهو إلى الركوع أقرب، حتى لو كان المسبوق يصلي التراويح جماعة، فأوقعها وهو راكع، لم تنعقد نفلًا، وحكاه ابن قدامة احتمالًا، وجزم بحكايته قولًا المرداوي في الإنصاف، أما لو كبر، وهو قاعد انقلبت نفلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف (١).
قال ابن عابدين نقلًا من شرح الشيخ إسماعيل عن الحجة: «إذا كبر في التطوع حالة الركوع للافتتاح لا يجوز، وإن كان التطوع يجوز قاعدًا». اهـ
علق ابن عابدين قائلًا: «والفرق بينه وبين ما لو كبر للتطوع قاعدًا: أن القعود
стр. 339
الجائز خَلَفٌ عن القيام من كل وجه، أما الركوع فله حكم القيام من وجه دون وجه، ولذا لما قرأ فيه لم يجز» (١).
فبين ابن عابدين أن المتطوع إذا صلى جالسًا كان الجلوس بدلًا عن القيام، فكان عليه أن يأتي بتكبيرة الإحرام جالسًا، فإذا أتى بها وهو راكع، لم تنعقد؛ لأن الواجب أن يأتي بتكبيرة الإحرام إما في حال القيام، وهو الأصل، وإما في بدله، وهو الجلوس.
وقال ابن قدامة: «عليه أن يأتي بالتكبير قائمًا، فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعًا قبل إنهاء التكبير، لم تنعقد صلاته، إلا أن تكون نافلةً؛ لسقوط القيام فيها. ويحتمل أن لا تنعقد أيضًا؛ لأن صفة الركوع غير صفة القعود، ولم يَأْتِ التكبير قائمًا ولا قاعدًا، ولو كان ممن تصح صلاته قاعدًا، كان عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه» (٢).
وقال محمد بن الحسن: إذا بطلت الفريضة لم تنقلب نفلًا مطلقًا، حتى لو كبر للفريضة قاعدًا، بطلت الفريضة، ولم تنقلب نافلة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
• وجه قول محمد بن الحسن:
أن المصلي كبر للتحريمة بنية الفريضة، فإذا بطل الفرض لكونه كبر للتحريمة قاعدًا بطلت الفريضة، ولم تصح نفلًا؛ لأن المنوي هو الفرض، والنفل لم يَنْوِهِ، فإذا لم يحصل المنوي فكونه لا يحصل غير المنوي من باب أولى، وقد قال ﷺ : وإنما لكل امرئ ما نوى.
ولأن التحريمة انعقدت للفريضة فإذا فسدت لم تَبْقَ تحريمة لفساد ما انعقدت عليه، فبطلت الصلاة ضرورة.
وقال الحنابلة: تنقلب الفريضة نفلًا حكمًا إذا كان في الوقت متسع لها وللفريضة، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
стр. 340
• وجه انقلاب الصلاة إلى نافلة مطلقًا:
القيام شرط لصحة تكبيرة الإحرام في كل صلاة يكون القيام شرطًا في صحتها، فالقيام ركن في صلاة الفريضة، فيكون شرطًا في صحة تكبيرة الإحرام.
وأما النافلة فالقيام لما لم يكن شرطًا في صحتها، صحت النافلة من القاعد، ولو من غير عذر، ولم يكن القيام شرطًا في تكبيرة الإحرام، فيصح أن يوقع تكبيرة الإحرام وهو جالس، هذا من حيث حكم اشتراط القيام لتكبيرة الإحرام، والفرق بين الفرض والنفل.
فإذا أوقع تكبيرة الإحرام في حال الهوي، ونوى بها الفرض لم تصح الصلاة فرضًا عند الجمهور كما سبق بحثه في المسألة السابقة، ولما كان القيام ليس ركنًا في النافلة انقلبت نفلًا، وإبطال الصلاة فرضًا لا يلزم منه إبطال مطلق الصلاة؛ فتنقلب الصلاة إلى نفل حكمًا، وإن لم يَنْوِ النافلة؛ لأن الصلاة مركبة من شيئين: نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال الفرض لا يستلزم إبطال نية مطلق الصلاة؛ لأن إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم، فكان له أن يتم الصلاة نفلًا إذا كان الوقت يتسع للنافلة والفريضة، فإن ضاق الوقت حتى لا يتسع إلا للفريضة وجب الخروج من النافلة، والشروع في الفريضة.
وقياسًا على الرجل إذا أحرم بالفرض قبل وقته جاهلًا، فالأصح انعقاده نفلًا حكمًا، مع أنه لم يَنْوِ النفل، وهو قول الأئمة الأربعة خلافًا لمحمد بن الحسن، وقد سبق بحث هذه المسألة عند الكلام على مباحث النية (١).
هذا هو توجيه الحكم بصحتها نفلًا عند الحنابلة، وهم يطردون هذا الحكم في كل صلاة لا تصح فرضًا فإنها تنقلب نفلًا حكمًا إذا كان في الوقت سعة.
وقال الشافعية: تنعقد نفلًا إذا لم يكن عالمًا بالتحريم، فإن علم بالتحريم لم تنعقد، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢).
стр. 341
قال السيوطي: «إذا أتى بتكبيرة الإحرام أو بعضها في الركوع جاهلًا فالأصح الانعقاد نفلًا» (١).
وقال النووي في المجموع: «لو وجد المسبوقُ الإمامَ راكعًا فأتى بتكبيرة الإحرام أو بعضها في الركوع لا ينعقد فرضًا بلا خلاف، فإن كان عالمًا بتحريمه، فالأصح بطلانها، والثاني تنعقد نفلًا، وإن علم تحريمها» (٢).
• وجه البطلان إذا كان عالمًا بالتحريم:
الأصح عند الشافعية أن قلب الصلاة من فريضة إلى نافلة لا يصح، جاز ذلك في حالات ضيقة، إما لمصلحة الصلاة، وإما لعذر، فالأول كما لو قلب الفذ فرضه نفلًا من أجل إدراك جماعة قامت في المسجد.
والثاني: كما لو صلى يظن دخول الوقت، فبان أن الوقت لم يدخل، ومنه هذه المسألة فإنهم يعتبرون الجهل عذرًا في عدم بطلان أصل الصلاة وإن لم تصح نية الفريضة، أما إذا كبر، وهو يركع، مع علمه أن فعله محرم، فقد عصى الله فلا عذر له، ولم يكن ذلك لمصلحة الصلاة، فمثل ذلك يبطل أصل الصلاة، فلا تنقلب نفلًا.
• الراجح:
مذهب الحنفية هو الأضعف، ويبقى الترجيح بين قولي الشافعية والحنابلة، فالشافعية رأوا أن ارتكاب المنهي عنه داخل الصلاة يبطل مطلق الصلاة، والحنابلة على خلاف قواعدهم من اعتبارهم النهي يقتضي الفساد، فأبطلوا الفرض لفوات محل تكبيرة الإحرام، وصححوها نافلة، وأنا أميل إلى قول الشافعية، وقول الحنابلة غير مدفوع، والله أعلم.
* * *
стр. 342
المبحث الثاني إذا كبر المسبوق تكبيرة واحدة ولم يكبر للركوع
المدخل إلى المسألة:
• إذا أدرك المسبوق الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة حال القيام، ونوى بها التحريمة، ولم يكبر للركوع، انعقدت صلاته بلا تردد.
• إذا كبر للركوع ناسيًا التحريمة لم تنعقد صلاته في الأصح.
• التكبير فيما عدا الإحرام سنة على الصحيح من قولي أهل العلم.
• حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته لم يذكر سوى تكبيرة الافتتاح.
• إذا نوى بتكبيرة واحدة الافتتاح والركوع صحت صلاته؛ لأن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح، فلم يؤثر التشريك بينهما.
• إذا كانت تكبيرة الافتتاح تقوم مقام تكبيرة الركوع من دون نية فكذلك إذا نواهما معًا، فلا تنافي بين النيتين
[م-٤٧٨] تكلمنا في المسألة السابقة في الخلاف في اشتراط القيام لتكبيرة الإحرام بين الجمهور والمالكية، وتعرضنا للخلاف بين أصحاب الإمام مالك، وأريد أن أستوفي صور هذه المسألة من خلال هذا المبحث إن شاء الله تعالى.
• الصورة الأولى: أن ينوي بها تكبيرة الإحرام.
إذا اقتصر المسبوق على تكبيرة واحدة حال القيام، ونوى بها تكبيرة الإحرام، فإن صلاته تنعقد، وبه قال الأئمة الأربعة (١)، قال ابن عبد البر: وعلى هذا مذهب
стр. 343
الفقهاء بالحجاز، والعراق، والشام (١).
وقال المرداوي: «نص عليه أحمد، وعليه أكثر أصحابه» (٢).
وقال ابن رجب: «تجزئه صلاته بغير توقف» (٣).
وقيل: يجب عليه تكبيرتان: للإحرام والركوع، وهذا القول رواية عن أحمد صححها ابن عقيل، وبه قال ابن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان (٤).
وقيل: إن تركها عمدًا بطلت صلاته، وإن تركها سهوًا صحت، وسجد له في الأقيس، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: تجزئ تكبيرة واحدة، وإن لم يَنْوِ بها تكبيرة الافتتاح، حكاه ابن رشد في بداية المجتهد (٦).
• وسبب الخلاف:
أن العلماء متفقون على أن تكبيرة الإحرام فرض، ومختلفون في حكم تكبيرات الانتقال: فمن قال: إن التكبير للركوع سنة رأى صحة الصلاة ولو تركه عمدًا.
قال ابن عبد البر في الاستذكار: «قد أوضحنا أن التكبير فيما عدا الإحرام سنة، فدل ذلك على أن من قال من العلماء: يكبر الداخل تكبيرتين، إحداهما: للافتتاح. والأخرى: للركوع أراد الكمال، والإتيان بالفرض والسنة، ومن اقتصر على تكبيرة الافتتاح فقد اقتصر على ما أجزأه» (٧).
стр. 344
(ث-٢٧٩) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر وزيد بن ثابت، قالا: إذا أدرك الرجل القوم ركوعًا فإنه يجزئه تكبيرة واحدة (١).
[وسنده صحيح] (٢).
ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة.
ومن رأى أن تكبيرات الانتقال واجبة، فاختلفوا:
فمنهم من أوجب عليه تكبيرتين بناء على أنهما عبادتان واجبتان مقصودتان، لا تغني إحداهما عن الأخرى، ومحلهما مختلف، فالأولى محلها القيام، والثانية محلها في أثناء الانتقال، فلم يتداخلا.
وهذا القول يسلم لو صح القول بأن تكبيرات الانتقال واجبة، والجمهور يذهب على أنها سنة، معتمدين على أن حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته لم يذكر سوى تكبيرة الافتتاح؛ ولم يذكر تكبيرات الانتقال، ولو كانت فرضًا لذكرها كما ذكر تكبيرة الافتتاح، وسوف يأتينا بحث حكم تكبيرات الانتقال، والخلاف فيها إن شاء الله تعالى.
ومنهم من اشترط للصحة أن يكون تركه سهوًا، لهذا قال بجبره بالسجود بناء
стр. 345
على قاعدة: أن ترك أي واجب في الصلاة سهوًا يجبره سجود السهو بخلاف ترك الركن فإنه لا بد من الإتيان به لصحة الصلاة.
ومنهم من رأى أن تكبيرة الافتتاح تكفي، وإن كانت تكبيرة الركوع واجبة على قاعدة تداخل العبادات، فهذا المسبوق كان عليه تكبيرتان متواليتان بلا فاصل، إحداهما للإحرام، والأخرى للركوع، وجنسهما واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، وقاسوه على تداخل بعض العبادات، كما لو أخر طواف الزيارة أغنى ذلك عن طواف الوداع، مع وجوب طواف الوداع خلافًا للمالكية، وكما أن غسل الجنابة يغني عن غسل الجمعة على القول بوجوب غسل الجمعة، وأن السنة الراتبة تغني عن تحية المسجد على القول بوجوب تحية المسجد، كما هو قول داود الظاهري.
• الراجح:
القول بأنه تكفيه تكبيرة واحدة هو القول الأقرب، والله أعلم.
• الصورة الثانية: أن يأتي المسبوق بالتكبيرة قائمًا، وينوي بها الركوع.
فهذه المسألة قد اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
قال الحنفية: إذا نوى بتلك التكبيرة الواحدة الركوع ولم ينو الافتتاح، انعقدت صلاته، ولغت نيته، وبه قال جماعة من السلف (١).
• وجه قول الحنفية:
لما كانت التحريمة هي المفروضة عليه؛ لكونها شرطًا انصرفت إلى الفرض؛ لأن المحل له، وهو أقوى.
стр. 346
قال ابن عابدين: «ولأن الشرط يلزم حصوله، لا تحصيله» (١).
وقد بينت لك أن التحريمة من الأركان، وليست من الشروط، والله أعلم.
وقال الشافعية والحنابلة: لا تنعقد صلاته، وهو قول في مذهب المالكية، وبه قال إسحاق (٢).
قال ابن رجب: «لا تجزئه عند الأكثرين» (٣).
• وجه هذا القول:
أن النبي ﷺ قال: تحريمها التكبير، وهذا لم يحرم بالصلاة، ولأن تكبيرة الافتتاح ركن، ولم يَأْتِ بها.
وقال المالكية: إذا كبر للركوع ولم يَنْوِ تكبيرة الإحرام، فإن كان متعمدًا ذاكرًا لم تنعقد صلاته وحكى ابن رشد الإجماع عليه في المقدمات (٤).
وإن كان ناسيًا لها، فمذهب المدونة وهو المشهور أنه يتمادى مع الإمام، ولا يقطع، ويعيد صلاته احتياطًا؛ لأنها تجزئه عند ابن المسيب وابن شهاب، ولا تجزئه عند ربيعة.
وهل تماديه وإعادته وجوبًا أم استحبابًا؟ قولان، وسبق التعرض لأدلة هذا القول عند الكلام على اشتراط القيام لتكبيرة الإحرام، فأغنى ذلك عن إعادة أدلته (٥).
стр. 347
قال ابن رجب: «فإن كان ساهيًا عن تكبيرة الإحرام فقال مالك في الموطأ تجزئه، وهو رواية حنبل، عن أحمد» (١).
وقال الحسن وقتادة والأوزاعي وغيرهم: «من نسي تكبيرة الاستفتاح، وكبر للركوع، وهو مع الإمام، فقد مضت صلاته» (٢).
ففرقوا بين المنفرد والمأموم، وبين المتعمد والناسي، والتفريق له مأخذان:
أحدهما: أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، فإنه تجزئه، وتنعقد صلاته، يعني: وقد نوى بتكبيرة الركوع الدخول في الصلاة.
المأخذ الثاني: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد في رواية حنبل.
قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن قوله: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح، وكبر للركوع، رأيت ذلك مجزئًا عنه؟ فقال أبو عبد الله: يجزئه إن كان ساهيًا؛ لأن صلاة الإمام له صلاة.
ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي، قال ابن رجب: وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب، والمذهب عندهم أنه لا يجزئه.
ونقل إسماعيل بن سعيد، عن أحمد، فيمن ترك تكبيرة الافتتاح في الصلاة قال: إن تركها عمدًا لم تجزئه صلاته.
ومفهومه: أنه إن تركها سهوًا أجزأته. قال ابن رجب: وينبغي حمل ذلك على المأموم خاصة كما نقل حنبل
وهذا المأخذ هو مأخذ من فرق بين الإمام والمنفرد وبين المأموم، ولو كان مأخذه: أن صلاته انعقدت بالتكبيرة في الركعة الثانية لم يكن بين الإمام والمأموم
стр. 348
فرق، وهو أيضًا مأخذ مالك وأصحابه (١).
ومذهب الشافعية والحنابلة أقوى؛ لأن المصلي لا يدخل في صلاته بلا تحريمة، وحين نوى الركوع فقد دخل بالصلاة بلا تكبيرة الافتتاح فلم تنعقد، والله أعلم.
• الصورة الثالثة: أن يكبر قائمًا، وينوي بها تكبيرة الافتتاح والركوع.
اختلف العلماء فيها:
فقيل: تصح صلاته، حكي عن أبي حنيفة، وهو مذهب المالكية، واختاره أبو ثور، وحكي رواية عن أحمد اختارها ابن شاقلا (٢).
• وجه القول بالصحة:
الوجه الأول:
أن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح، فلم يؤثر التشريك بينهما بالنية،
الوجه الثاني:
إذا كانت تكبيرة الافتتاح تغني عن الافتتاح وعن تكبيرة الركوع إذا لم يَنْوِهِ، فكذلك إذا نواهما معًا، قياسًا على الرجل إذا أخر طواف الزيارة ونوى به الزيارة والوداع.
وقيل: لا تنعقد صلاته، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق (٣).
стр. 349
قال في الإنصاف: «لو نوى بالتكبيرة الواحدة تكبيرة الإحرام والركوع لم تنعقد الصلاة على الصحيح من المذهب ... » (١).
وجه بطلان الفرض:
الوجه الأول:
أن التشريك بين فرض وسنة مقصودة لا يصح، أشبه التشريك بين نية الظهر وسنته، لا الظهر والتحية، فإن التحية غير مقصودة.
•ويناقش:
بأن هذا معارض بأنه لو نوى بالتكبيرة الافتتاح قامت مقام تكبيرة الافتتاح والركوع، فإذا كانت التكبيرة الواحدة تقوم مقام التكبيرتين دون نية الانتقال فكذلك إذا نوى تكبيرة الانتقال، فلا تنافي بين النيتين، ولا يلزم من نية إحداهما بطلان الأخرى.
الوجه الثاني:
أن محل تكبيرة الافتتاح غير محل تكبيرة الركوع، فإن محل تكبيرة الافتتاح حالة القيام، ومحل تكبيرة الركوع عند الهُوِيِّ منه، فلما اختلف محلاهما لا يمكنه الجمع بينهما في النية.
стр. 350
•ويناقش:
التكبيرتان في حق المسبوق الذي أدرك إمامه راكعًا هما تكبيرتان متتاليتان بلا فاصل من جنس واحد، فإذا كانت تكبيرة الافتتاح تغني عن تكبيرة الانتقال لم تكن نية التشريك بينهما متنافية، غاية ما فيه أن تكبيرة الانتقال إن كانت سنة كان التشريك بينهما لنيل الثواب؛ لأنه لا ثواب إلا بنية، وإن كانت واجبة وسقطت لدخول إحداهما في الأخرى كانت نيتهما أوكد كالجمع بين طواف الزيارة والوداع، والجمع بين غسل الجنابة والجمعة على القول بوجوب غسل الجمعة.
• الصورة الرابعة: إذا أطلق النية، فلم يَنْوِ شيئًا.
اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول:
تجزئه، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١).
قال أحمد في رواية الكوسج وابنه صالح فيمن جاء، والإمام راكع، قال: كبر تكبيرة واحدة. قيل له: ينوي بها الافتتاح؟
قال: نوى أو لم يَنْوِ، ما نعلم أحدًا قال: ينوي، أليس جاء، وهو يريد الصلاة (٢)؟
قال ابن رجب عن قول أحمد: «ما علمنا أحدًا قال: ينوي بها الافتتاح: يشير إلى الصحابة والتابعين» (٣).
стр. 351
• وجه هذا القول:
أن نية الصلاة موجودة معه بخروجه إلى الصلاة، فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية، فذهوله عن النية لا يلغي استصحاب حكمها، فالنية تقدمت عند القيام للصلاة، وانضمت تلك النية للتكبير الذي أوقعه عند الركوع، وشأن تكبيرة الركوع أن لا تقارن النية، وإنما هذا شأن تكبيرة الإحرام، ولا يكبر للركوع إلا من دخل في الصلاة، فأما من لم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولًا، ولا يضر عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائز، والله أعلم.
القول الثاني:
لا تجزئه، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ونقله ابن منصور وغير واحد عن أحمد، وجعله القاضي أبو يعلى في جامعه الكبير هو المذهب رواية واحدة، وتأول ما خالف ذلك عن أحمد (١).
• وجه هذا القول:
تعارضت قرينة الافتتاح بقرينة الهُوِيِّ، فلا بد من قصد صارف إلى إحداهما، فلا تجزئ حتى ينوي بها الافتتاح، فقد اجتمع في هذا المحل تكبيرتان: إحداهما ركن، والأخرى ليست كذلك، فاحتاج الركن إلى تمييزه بالنية، بخلاف تكبير الإمام أو المنفرد، أو المأموم الذي أدرك الإمام قبل الركوع، فإنه لم يجتمع في حقه تكبيرتان في وقت واحد، فلو كبر ولم يَنْوِ شيئًا لم يجتمع في حقه تكبيرتان، فلا حاجة إلى تمييزها بالنية، والله أعلم.
* * *
стр. 352
الشرط الثالث أن تكون التحية بلفظ الله أكبر لا يجزئ غيرها
المدخل إلى المسألة:
• كل ذكر مقيد لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.
• تبديل قوله (الله أكبر) أو الزيادة عليه؛ لا يجوز؛ لأن التبديل تحريف، والزيادة استدراك، وكلاهما لا يجوز.
• قال ﷺ : تحريمها التكبير و (أل) في التكبير إن كانت للعموم ففيه إجمال، والمجمل يرد إلى المبين من فعله ﵊، ولم ينقل من فعله إلا لفظ (الله أكبر)، فتعين. وإن كانت للعهد، فلا عموم فيها، وتعين لفظ (الله أكبر) حيث لم يعهد في السنة غيره.
• أمر النبي ﷺ بالتكبير، وأمره للوجوب، وفعله ﵊ بيان لمجمل الأمر بالتكبير، وبيان الواجب واجب، ولا يختلف الكافة أن النبي ﷺ كان يستفتح الصلاة بلفظ: الله أكبر، لم يُخِلَّ بذلك مرة واحدة.
[م-٤٧٩] اتفق الفقهاء على انعقاد الصلاة بلفظ: الله أكبر (١)، واختلفوا هل تنعقد بغيره؟
فقال مالك وأحمد: لا تنعقد بغيره، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن الهمام من الحنفية، وعلى هذا عوام أهل العلم قديمًا وحديثًا (٢).
стр. 353
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وإبراهيم النخعي، والحكم: تنعقد الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله، كالتكبير، والتهليل، والتحميد، مثل قول: الله الكبير، الله الأجَلُّ، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة، نحو أن يقول: الرحمن أعظم، الرحيم أَجَلُّ، وسواء أكان يحسن التكبير أم لا، والأصح عند الحنفية أن انعقاد الصلاة بغير الله أكبر مكروه كراهة تحريم، فيجب لفظ: (الله أكبر)، وإن انعقدت الصلاة بغيره (١).
فإن قال: الله فقط انعقدت الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن في هذا الاسم معنى التعظيم؛ لأنه مشتق من التَألُّهِ وهو التعبد خلافًا لمحمد بن الحسن؛ القائل بأن تمام التعظيم لا يكون إلا بذكر الاسم مع الصفة.
ولو قال: بسم الله الرحمن الرحيم لا يصير شارعًا؛ لأنه للتبرك، ولو قال: اللهم
стр. 354
اغفر لي، أو استغفر الله أو حوقل، لا يصير شارعًا؛ لأنه دعاء (١).
وقال الشافعية: يجزئ الله أكبر، أو الله الأكبر، ولا يجزئ غيرهما، فلا يجزئ الله الكبير؛ لفوات مدلول أفعل التفضيل، وكذا لو قال: الرحمن أكبر أو الرب أكبر، وإذا أدخل بين كلمتي التكبير بشيء من صفات الله تعالى وثنائه، وكان يسيرًا لا يصير به التكبير مفصولًا، كقوله: الله أكبر صح، فإن طال كقوله: الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكبر لم يجزئ (٢).
وقال أبو يوسف: لا يكون شارعًا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، كالله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، زاد السرخسي: والله كبير، إلا إذا كان لا يعلم أو لا يحسن التكبير (٣).
وقال ابن حزم: يجزئ بكل اسم من أسماء الله تعالى ذكر بالتكبير نحو الرحمن أكبر، والأكبر الله، والكبير الله (٤).
هذه مجمل الأقوال في المسألة أوسعها مذهب الحنفية، فلا يشترطون من الأسماء لفظ الجلالة (الله)، ولا من التعظيم لفظ التكبير.
يقابله مذهبا مالك وأحمد اللذان قصرا الصيغة على لفظ: (الله أكبر).
وما بين ذلك ثلاثة أقوال:
مذهب الشافعية حيث قصروا الصيغة على لفظين: الله أكبر، أو الله الأكبر.
يليه مذهب أبي يوسف حيث قصر الصيغة في أسماء الله على لفظ الجلالة (الله) وعلى مشتقات التكبير، فكان أوسع من مذهب الشافعية حيث لم يشترط في التكبير أفعل التفضيل كما اشترطه الشافعية.
يلي ذلك اختيار ابن حزم حيث وسع الصيغة في أسماء الله، فأجزأ عنده أي اسم من أسماء الله بشرط أن يذكر معه التكبير، فوسع دائرة الأسماء مع مشتقات التكبير.
стр. 355
• سبب الخلاف:
اختلافهم في قوله ﷺ : تحريمها التكبير، وقوله ﷺ : (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وقول عائشة: (كان يستفتح الصلاة بالتكبير)، وغيرها من الأحاديث أهي من الخطاب المجمل المبيَّن بالسنة الفعلية بلفظ: (الله أكبر)، فيأخذ الفعل المبيِّن حكم الأمر المجمل، فيجب لفظ (الله أكبر) ولو ورد بصيغة الفعل، أم أن الأمر بالتكبير من الألفاظ المبيَّنة وليس فيها إجمال، إنما فيها عموم، فكل صيغة من صيغ التكبير يمكن أن تنعقد بها الصلاة، وكون السنة الموروثة جاءت بلفظ (الله أكبر) فهذا فرد من أفراد العام يوافق العام في لفظه، ولا يقتضي تخصيص الحكم به، والفعل بمجرده لا يدل على وجوب هذه الصيغة، وإن دل على أفضيلة هذا اللفظ؛ لتفضيل النبي ﷺ له، أم أن المقصود من التكبير هو التعظيم، فينوب عن التكبير كل ما فيه تعظيم لله ، وهذا أضعفها، والله أعلم.
هذا هو محل الخلاف الفقهي الذي بنيت عليه هذه المسألة، إذا وقفت على ذلك نأتي لبيان أدلة كل فريق، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: لا تنعقد إلا بلفظ: الله أكبر:
ذكر أصحاب هذا القول نوعين من الأدلة، أدلة ذكر فيها الأمر بالتكبير، أو أنه كان يستفتح بالتكبير.
ونوع آخر من الأدلة تبين أن المراد بالتكبير المجمل في الأدلة هو لفظ: الله أكبر، لا غير، وإليك ما وقفت عليه من الأدلة:
الدليل الأول:
(ح-١١٨٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة،