أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، وبينت أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: لتأخذوا عني مناسككم، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.
وإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي ﷺ وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي ﷺ حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.
(ح-١٢٩٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:
حدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (١).
ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم.
стр. 702
الدليل الثاني:
(ح-١٢٩٧) أخرجه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،
عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه قال فيه: فقال النبي ﷺ : إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء - يعني مواضعه - ثم يكبر، ويحمد الله جلَّ وعزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (لا تتم صلاة لأحد من الناس) حتى ... وذكر منها دعاء الاستفتاح مجملًا بقوله: (ثم يكبر، ويحمد الله جل وعز، ويثني عليه .... ).
* وأجيب:
بأن دعاء الاستفتاح تفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقد رواه جماعة عن علي بن يحيى بن خلاد، ولم يذكروا فيه دعاء الاستفتاح (٢).
* الراجح:
أن دعاء الاستفتاح من سنن الصلاة المحفوظة، وأن القول بوجوبه، أو القول بكراهته قول ضعيف، والله أعلم.
* * *
стр. 705
الفرع الثاني في قول المصلي (وأنا أول المسلمين) إذا استفتح بحديث علي ﵁
المدخل إلى المسألة:
* كل ذكر مقيد بوقت معين، أو محل معين فإنه توقيفي لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، ومنه أدعية الاستفتاح، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.
* المستفتح يقول: (وأنا أول المسلمين) اقتداء بالنبي ﷺ ، وإظهارًا للامتثال، وموافقة للقرآن، ولا يقصد أنه أول المسلمين إسلامًا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾.
* لو كان قوله ﷺ : ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ يفسد المعنى لجاء النهي عنه من الشارع.
* نقل النووي عن الشافعي أن أكثر الرواة رووه بلفظ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾. فدل على أن لفظ: (وأنا من المسلمين) تصرف من بعض الرواة؛ لاعتقادهم أن هذا لا يصح من جهة المعنى، وهو خطأ.
[م-٥١٤] اختلف الفقهاء في المصلي يستفتح بحديث: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ... ) إلى آخر الحديث، أيقول: وأنا أول المسلمين، أم يقول: وأنا من المسلمين؟
فاختار أكثر العلماء أنه يقول: (وأنا من المسلمين)، وإلى هذا ذهب الحنفية، والشافعية، واختاره القرطبي وابن العربي من المالكية، واختاره بعض فقهاء المدينة كابن المنكدر وغيره (١).
стр. 706
قال بعض الشافعية: إلا أن يقصد لفظ الآية، فيجوز أن يقول المصلي: (وأنا أول المسلمين) (١).
وقال بعض الحنفية: لو قال: وأنا أول المسلمين فسدت صلاته؛ لأنه من الكذب في الصلاة، والأصح عندهم: أنها لا تفسد؛ لأنه تالٍ، لا مخبر (٢).
وحملوا رواية (وأنا أول المسلمين) أنه يجوز هذا من النبي ﷺ ؛ لأنه أول هذه الأمة إسلامًا بخلاف آحاد المسلمين.
(ث-٣٠٠) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ [الأنعام: ١٦٣]، قال: أول المسلمين من هذه الأمة (٣).
ورواية معمر عن قتادة فيها كلام.
(ح-١٢٩٨) واستدلوا بما رواه مسلم من طريق يوسف الماجشون، حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين .... الحديث (٤).
وإذا قال النبي ﷺ في رواية: (وأنا من المسلمين)، فغيره من باب أولى، وأما تخريجها مع كون النبي أول المسلمين من هذه الأمة فقال السندي: «كأنه كان يقول أحيانًا كذلك؛ لإرشاد الأمة إلى ذلك، ولاقتدائهم به فيه، وإلا فاللائق به ﷺ (وأنا أول المسلمين) كما جاء في كثير من الروايات، والله أعلم».
وقيل: يقول في افتتاحه: «(وأنا أول المسلمين)، نص عليه الشافعي.
стр. 707
قال الشافعي في الأم بعد أن روى الحديث بلفظ: (وأنا أول المسلمين)، قال: «وبهذا كله أقول وآمر وأحب أن يأتي كما يروى عن رسول الله ﷺ ، لا يغادر منه شيئًا، ويجعل مكان (وأنا أول المسلمين) (وأنا من المسلمين)، فإن زاد فيه شيئًا أو نقص كرهته، ولا إعادة، ولا سجود سهو عليه، عمد ذلك، أو نسيه، أو جهله» (١).
(ح-١٢٩٩) ويستدل للشافعي بما رواه مسلم من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث، وفيه: (وأنا أول المسلمين) ... وذكر الحديث (٢).
وإذا تبين أن الرواة تارة يروونه بلفظ: (وأنا أول المسلمين) وتارة يروونه بلفظ: (وأنا من المسلمين) كان حمل الرواية على موافقة الآية أولى من حملها على مخالفتها، خاصة أن هذا التصرف قد جاء من قبل بعض الرواة؛ لاعتقادهم فساد المعنى بقول عموم المصلين سوى رسول الله ﷺ : (وأنا أول المسلمين)؛ لأنه لا أحد أول المسلمين من هذه الملة سوى رسول الله ﷺ .
(ح-١٣٠٠) فقد روى الشافعي في الأم، قال: أخبرنا مسلم بن خالد، وعبد المجيد، وغيرهما، عن ابن جريج، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ قال بعضهم: كان إذا ابتدأ الصلاة- وقال غيره منهم: كان إذا افتتح الصلاة- قال: وجهت وجهي للذي
стр. 713
فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت. قال أكثرهم: وأنا أول المسلمين. قال ابن أبي رافع: وشككت أن يكون أحدهم قال: وأنا من المسلمين ... الحديث (١).
فكان ابن أبي رافع يشك في قوله: (وأنا من المسلمين).
(ث-٣٠١) و روى أبو داود، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا شريح بن يزيد، حدثني شعيب بن أبي حمزة، قال:
قال لي: محمد بن المنكدر، وابن أبي فروة، وغيرهما من فقهاء أهل المدينة: فإذا قلت أنت ذاك، فقل: (وأنا من المسلمين)، يعني قوله: (وأنا أول المسلمين) (٢).
فكان الرواة يستبدلون ذلك لاعتقادهم اختصاص ذلك بالنبي ﷺ .
وإذا كان الرواة يتصرفون في الحديث بناء على الفقه، فالفقه غير معصوم.
وقال الشوكاني نقلًا من الانتصار: إن غير النبي ﷺ إنما يقول: (وأنا من المسلمين)، وهو وَهْمٌ منشؤه توهم أن معنى: (وأنا أول المسلمين): أي أول شخص أتَّصَفَ بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه: بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾ [الزخرف: ٨١]، وقال موسي: (وأنا أول المؤمنين).
وحتى لو حمل ذلك على الأولوية، فإننا نقول ذلك اقتداء بالنبي ﷺ ، حيث قالها كذلك، فغلب فيها جانب التعبد على مراعاة اللفظ.
كما نقول في التشهد بلفظ الخطاب: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وليس ثم هناك من يخاطب في الصلاة، ولا يُنَاَجى إلا الله وحده، والله أعلم.
* * *
стр. 714
الفرع الثالث في استحباب الاستفتاح للمأموم
المدخل إلى المسألة:
* كل ذكر مشروع للإمام والمنفرد فهو مشروع للمأموم إلا بدليل.
* كل أذكار الصلاة لا يتحملها الإمام عن المأموم إلا القراءة في الجهرية على الصحيح.
* إذا ترك الإمام بعض السنن القولية لم يستحب للمأموم متابعته على الترك.
* المتابعة المأمور فيها المأموم وردت مفسرة في الحديث: (فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا)، وليس في متابعته على ترك السنن المشروعة كالاستفتاح، وجلسة الاستراحة، ونحوهما.
[م-٥١٥] يستحب الاستفتاح لكل مُصَلِّ إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، وسواء أَسْتفتح الإمام أم لم يستفتح، وهو مذهب الجمهور القائلين بمشروعية دعاء الاستفتاح، ونسبه للجمهور ابن رجب (١).
قال في بدائع الصنائع: ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، سواء كان إمامًا، أو مقتديًا، أو منفردًا» (٢).
وقال النووي في المجموع: «يستحب لكل مُصَلِّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبي، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد، ومضطجع أن يأتي بدعاء
стр. 715
الاستفتاح عقب تكبيرة الإحرام» (١).
وقال ابن حزم: سنة للإمام والمنفرد.
قال في المحلى: «والتوجيه سنة حسنة، وهو أن يقول الإمام والمنفرد بعد التكبير لكل صلاة فرض أو غير فرض، جهرًا أو سِرًّا ما حدثناه ... ثم ساق بإسناده حديث الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ... وذكر الحديث» (٢).
فظاهر قوله: يقول الإمام والمنفرد: أنه لا يراه للمأموم، وهذا قول ضعيف، ولا أعلم له دليلًا، فإن كان مبنيًّا على سقوط القراءة عن المأموم، وهذا مثله أو أولى، فهو قول ضعيف، وهو مبني على القياس، والظاهرية لا يقولون به، وإن كانوا يذهبون إلى قياس الأولى، ولا يعدونه من القياس، بل يدخل في عموم اللفظ.
والراجح قول جمهور العلماء:
(ح-١٣٠١) لما رواه مسلم من طريق عفان، حدثنا حماد، أخبرنا قتادة، وثابت، وحميد،
عن أنس، أن رجلًا جاء، فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فَأَرَمَّ القوم، فقال: أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا، فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها (٣).
(ح-١٣٠٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن عون بن عبد الله ابن عتبة،
عن ابن عمر، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من
стр. 716
القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ : من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا، يا رسول الله قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (١).
تابع أبا الزبير عمرو بن مرة، رواه النسائي من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله به (٢).
وإذا ثبت أن النبي ﷺ كان يستفتح في صلاته فالأصل التأسي به لقوله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي إلا أن يدل دليل على اختصاص هذا الحكم بالإمام والمنفرد دون المأموم، ولا دليل على اختصاص دعاء الاستفتاح بالإمام والمنفرد، والله أعلم.
* * *
стр. 717
الفرع الرابع في استفتاح المأموم فيما يجهر به الإمام
المدخل إلى المسألة:
* إذا جهر الإمام بالقرآن كان على المأموم الاستماع والإنصات لقراءته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال الإمام أحمد: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.
* الاستماع لقراءة الإمام والإنصات له فرض والاستفتاح مستحب، فلا يترك الواجب لتحصيل المستحب.
* شرعت الصلاة لإقامة ذكر الله، فإذا كان المأموم لا يسمع قراءة الإمام لطرش، أو لبعد، أو لغيرهما شرع له الاستفتاح فيما يجهر به إمامه.
[م-٥١٦] اختلف العلماء في استفتاح المأموم في الصلاة الجهرية إذا شرع الإمام بالقراءة:
فقيل: يستفتح مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، قال الشافعية: ما لم يَخْشَ فوت الفاتحة (١).
стр. 718
* وجه القول بالاستفتاح والإمام يقرأ:
وجه ذلك عند الشافعية أن مذهبهم قائم على أن قراءة الإمام ليست قراءة للمأموم، وكذلك سائر أذكار الصلاة، فكل واحد منهما له صلاته المستقلة، فكان على المأموم أن يقرأ الفاتحة حتى في الصلاة الجهرية، وكذلك القول في سائر الأذكار لا يتحملها الإمام عن المأموم، فكان له أن يأتي بكل ذكر مشروع في صلاته ما لم يخش فوات الفاتحة؛ لأن الفاتحة قراءتها واجبة على المأموم، فلا ينشغل عنها بذكر مستحب.
وأما وجه القول بالاستفتاح عند الحنابلة، والإمام يقرأ:
بأن سماع المأموم لقراءة الإمام يقوم مقام قراءته، بخلاف الاستفتاح والاستعاذة، فإن الإمام لا يجهر بهما، فلا ينوب استفتاح الإمام وتعوذه عن المأموم، فكان
стр. 719
مشروعًا في حقه أن يأتي بهما، ولو كان الإمام يجهر في القراءة.
وقيل: لا يستفتح المأموم مطلقًا، سواء أكان ذلك في جهر الإمام أم في حال سكوته، وهو رواية عند الحنابلة، اختارها ابن تيمية كما في الإنصاف، وبه قال ابن حزم، وهذان قولان متقابلان (١).
* وجه هذا القول:
أن الاستفتاح والتعوذ تابعان للقراءة، فإذا كره المتبوع كره التابع (٢).
كالثناء الذي يسبق الدعاء فإذا منع الدعاء منعت توابعه.
ويمكن أن يستدل له بأنه إذا كان الإمام يتحمل القراءة عن المأموم مطلقًا في السرية والجهرية كما هو المشهور من المذهب، فإنه لا يمنع أن يتحمل عنه من باب أولى دعاء الاستفتاح، وحتى لا يخلط على الإمام أو على من بجانبه بسبب همهمته.
* ويناقش:
بأن الاستفتاح أهو مشروع من أجل القراءة، أم هو مشروع من أجل افتتاح الصلاة؟ الظاهر الثاني؛ لأن قراءة كتاب الله لا يشرع لها إلا التعوذ في أولها، والبسملة إن كانت القراءة في أول السورة، وأما الاستفتاح فهو خاص بالصلاة، وإذا لم تكن من توابع القراءة لم يتحملها الإمام عن المأموم،، وتحمل الإمام عن المأموم على القول به ليس هو في كل شيء في الصلاة، وإنما هو في القراءة فيما يجهر به الإمام على الصحيح، وقيل: في قراءة ما زاد على الفاتحة، وفي التشهد الأول إذا تركه الإمام سهوًا، وفي سهو المأموم في صلاته إذا لم يفته شيء من الصلاة، وفي المسبوق إذا دخل مع الإمام وقد فاتته ركعة فإنه سيجلس مع الإمام في غير موضع جلوسه، ويدع الجلوس متابعة للإمام في موضع جلوسه،
стр. 720
وسيتحمل ذلك عنه الإمام، وفي السترة للصلاة، فلا يوجد نص يدل على تحمل الإمام عن المأموم دعاء الاستفتاح، والأصل أن إنصات المأموم إنما هو لاستماع القرآن، ولا قراءة في سكوت الإمام، ولا في الصلاة السرية.
وقيل: يستفتح في سكتات الإمام، وإذا لم يسمع قراءته، وهو مذهب الحنفية، ورواية عند أحمد، اختارها صاحب الإقناع خلافًا لما في المنتهى، وصححه ابن قدامة في المغني (١).
قال ابن قدامة: «هل يستفتح المأموم ويستعيذ؟ ينظر: إن كان في حقه قراءة مسنونة، وهو في الصلوات التي يسر فيها الإمام، أو التي فيها سكتات يمكن فيها القراءة، استفتح المأموم واستعاذ، وإن لم يسكت أصلًا، فلا يستفتحْ ولا يستعذْ، وإن سكت قدرًا يتسع للافتتاح فحسب، استفتح ولم يستعذ .... وذكر بعض أصحابنا: أنه فيه روايات أخرى، أنه يستفتح ويستعيذ في حال جهر الإمام؛ لأن سماعه لقراءة الإمام قام مقام قراءته، بخلاف الاستفتاح والاستعاذة. والصحيح ما ذكرناه» (٢).
* وجه القول بأنه لا يستفتح إلا في سكتات الإمام:
أن الإمام إذا جهر بالقرآن كان على المأموم الاستماع والإنصات لقراءته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.
وقد قيل: في الخطبة، والصحيح أنها نزلت في ذلك كله» (٣).
стр. 721
* الراجح:
أن المسبوق إذا دخل مع الإمام، وقد جهر الإمام بالقراءة فعليه أن يستمع لقراءة إمامه، والاستماع والإنصات واجب عليه، ولا ينشغل عن ذلك بدعاء الافتتاح، وهو نافلة، والله أعلم.
* * *
стр. 722
الفرع الخامس في الأفضل من صيغ الاستفتاح
المدخل إلى المسألة:
* جواز الافتتاح بكل ما ثبت وصح عن النبي ﷺ .
* يكفي اختيار دعاء واحد من أدعية الاستفتاح.
* لا يشرع الجمع بين أدعية الاستفتاح حيث لم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينها.
* لا تحصل السنة بذكر بعض الاستفتاح؛ لأن النبي ﷺ كان يستفتح به كله، فإما أن تأخذ بالسنة على وجهها أو تدعها خلافًا للشافعية.
* ما كان فيه طول من أدعية الاستفتاح فالأولى أن يكون في صلاة الليل، أو في صلاة المنفرد؛ لأن السنة إذا صلى الرجل بالناس أن يخفف.
* أصح أدعية الاستفتاح إسنادًا ما رواه أبو هريرة (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)، رواه البخاري ومسلم.
* الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك لم يثبت مرفوعًا، وصح عن عمر ﵁.
[م-٥١٧] اتفق العلماء القائلون بمشروعية الافتتاح على جواز الافتتاح بكل ما ثبت وصح عن النبي ﷺ من أنواع الافتتاحات الواردة.
قال ابن خزيمة: جائز للمصلي أن يفتتح بكل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه افتتح الصلاة به بعد التكبير من حمد، وثناء على الله ، ودعاء مما هو في القرآن، ومما ليس في القرآن من الدعاء (١).
وقال ابن تيمية: «الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتفاق المسلمين» (٢).
стр. 723
يقصد باتفاق المسلمين القائلين بمشروعية الافتتاح.
[م-٥١٨] واختلفوا في الأفضل منها:
فقيل: المختار منها: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنفية، والمذهب عند الحنابلة، وبه قال الثوري، وإسحاق في رواية، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود (١).
وقيل: المختار منها حديث علي ﵁، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا .. ، وهذا مذهب الشافعية، واختيار الآجري من الحنابلة، ورواية ثانية عن إسحاق (٢).
وقيل: المختار حديث أبي هريرة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... ) الحديث.
стр. 724
قال أحمد في رواية الميموني: ما أحسن حديث أبي هريرة في الاستفتاح، فقيل له: فإن بعض الناس يقول: هذا كلام، فقال متعجبًا: وهل الدعاء إلا كلام في الصلاة؟ (١).
وقيل: الأفضل أن يأتي بهذا تارة وبهذا تارة، وهو رواية عن ابن تيمية، وصوبه في الإنصاف (٢).
وقيل: المختار أن يجمع بين قوله: سبحانك الله وبحمدك وبين قوله: (وجهت وجهي)، وهو قول أبي يوسف، ورواية ثالثة عن إسحاق، ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وطائفة من الشافعية، منهم أبو إسحاق المروزي، واختاره ابن تيمية من الحنابلة (٣).
* وجه تفضيل الافتتاح بسبحانك اللهم وبحمدك:
الوجه الأول:
أن الاستفتاح بـ (سبحانك اللهم وبحمدك) يشتمل على أفضل الكلام، فإنه إذا جمع مع التكبير صار متضمنًا لقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وقد قال النبي ﷺ فيهن: إنهن أفضل الكلام بعد القرآن.
الوجه الثاني:
أن أبا بكر الصديق ﵁، وابن مسعود كانا يستفتحان بذلك، وصح
стр. 725
عن عمر ﵁ أنه كان يجهر به بمحضر من الصحابة؛ ليتعلمه الناس.
قال ابن تيمية: واختيار هؤلاء، وجهر عمر به أحيانًا بمحضر الصحابة ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاؤه يدل على أنه الأفضل.
الوجه الثالث:
ومنها أنه استفتاح أخلص للثناء على الله، وغيره من الاستفتاحات متضمن للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؛ لأنها أخلصت لوصف الرحمن ﵎ والثناء عليه.
فإذا قلت: (سبحانك الله وبحمدك) جمعت بين التنزيه والكمال: أي نزهتك تنزيهًا مقرونًا بحمدك، والحمد: يتضمن الحب والثناء.
وإذا قلت: (وتبارك اسمك) اسم مفرد مضاف، فيشمل جميع أسماء الله تعالى.
وإذا قلت: (وتعالى جدك) أي أن عظمتك وغناك عالية لا يساميها أي عظمة.
وإذا قلت: (ولا إله غيرك) ختمتها بكلمة التوحيد الذي أرسل بها جميع الرسل، فجاءت كلمة التوحيد بعد الثناء عليه ليكون توحيده بالألوهية مبنيًّا على كماله سبحانه (١)، وهي أثقل شيء في الميزان كما يفيده حديث البطاقة، وهو حديث صحيح خرجته في حكم تارك الصلاة.
الوجه الرابع:
أن الاستفتاح بـ (سبحانك اللهم ... ) متضمن للإخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله، والاستفتاح بوجهتُ وجهي إخبار عن عبودية العبد، وبينهما فرق.
الوجه الخامس:
أن من اختار الاستفتاح بـ (وجهت وجهي) كالشافعية لا يكملونه، وإنما يأخذون بقطعة من الحديث ويذرون باقيه، بخلاف الاستفتاح بـ (سبحانك اللهم وبحمدك) فإن من ذهب إليه يقوله كله إلى آخره (٢).
فإن قيل: هذا ثناء ليس فيه دعاء.
стр. 726
فالجواب: أن هذا الثناء والذكر فيه تعريض بالدعاء كما قال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. أي آخر دعائهم.
وقد قيل لسُفيان هذا الثناء، فأين الدعاء؟ فأنشد قول أمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء؟
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء
حباؤك: أي عطاؤك.
فكل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر، ويدخل فيه.
* وجه تفضيل الافتتاح بالتوجيه:
قال ابن الملقن: «وإنما قدم الشافعي الاستفتاح بـ (وجهت وجهي) ... لموافقة ألفاظ القرآن، وإلا فحديث أبي هريرة في الباب أقوى منه» (١).
جاء في معرفة السنن للبيهقي: «قال الشافعي: أصل ما نذهب إليه أن أول ما يبدأ بقوله، وفعله ما كان في كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ » (٢).
فذكر الشافعي سبب الترجيح، وأنه يعود لأمرين:
أحدهما: موافقة الكتاب العزيز، فيقدم على غيره من الافتتاحات.
والثاني: أنه سنة مرفوعة، وحديث (سبحانك الله وبحمدك) صح موقوفًا، والمرفوع أولى.
* ونوقش:
بأن الافتتاح بـ (سبحانك اللهم وبحمدك ... ) يوافق بعضه آيات من القرآن الكريم، مثل (تبارك اسمك) ومثل: (تعالى جدك).
* وجه تفضيل حديث أبي هريرة:
حديث أبي هريرة مما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، فهو أصح إسنادًا من حديث علي بن أبي طالب حيث انفرد به مسلم.
قال ابن حجر: «وحديث أبي هريرة أصح ما ورد في ذلك» (٣).
стр. 727
وأصح من حديث (سبحانك اللهم وبحمدك) حيث لم يصح مرفوعًا، وإنما صح الأثر به عن عمر ﵁، والمرفوع مقدم على الموقوف.
وحديث أبي هريرة في صلاة الفرض، وقد قيل: إن حديث علي في صلاة الليل، كما في رواية النسائي من مسند محمد بن مسلمة: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعًا، قال: وجهت وجهي.
* ونوقش:
الوجه الأول:
أن زيادة (إذا قام يصلي تطوعًا) جاءت من رواية ابن أبي فروة، وهو متروك والله أعلم،
وقد جاء التصريح بأنه في المكتوبة من طريقين كلاهما أصح من طريق النسائي.
(ح-١٣٠٣) فقد رواه أبو داود من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا ... وذكر الحديث.
[صحيح].
ولم ينفرد به ابن جريج، ولا يضره لو انفرد مثله.
فقد رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة به، بنحوه بذكر الصلاة المكتوبة
الوجه الثاني:
أن في الجمع تطويلًا على المأمومين بما لم تَأْتِ به سنة صحيحة.
* دليل من رجح الجمع بين أدعية الاستفتاح:
الدليل الأول:
(ح-١٣٠٤) استدلوا بما رواه البيهقي من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، أن أباه حدثه أن محمد بن المنكدر أخبره،
أن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ ، كان إذا استفتح
стр. 728
الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له (١).
[هذا اللفظ معلول سندًا ومتنًا] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-١٣٠٥) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق عبد الله بن عامر الأسلمي، عن محمد بن المنكدر،
عن عبد الله بن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ : إذا استفتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، سبحانك اللهم بحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 729
الدليل الثالث:
قال إسحاق: وإذا أراد أن يجمع بين: سبحانك اللهم ... وبين: وجهت وجهي ... أحب إلي، لما يرويه المصريون، حديثًا عن الليث بن سعد، عن سعيد بن يزيد، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ .
جاء في كتاب العلل لابن أبي حاتم: قال أحمد: هذا حديث باطل موضوع، لا أصل له، أرى أن هذا من رواية خالد بن القاسم المدائني، وكان بالمدائن، خرج إلى مصر، فسمع من الليث، فرجع إلى المدائن، فسمع منه الناس، فكان يوصل المراسيل، ويضع لها أسانيد. فخرج رجل من أهل الحديث إلى مصر في تجارة، فكتب كتب الليث هناك ... ثم جاء بها إلى بغداد، فعارضوا بتلك الأحاديث فبان لهم أن أحاديث خالد مفتعلة (١).
* وجه القول بأنه يفعل هذا تارة، وهذا تارة:
الوجه الأول:
أن الصفات المتنوعة يشرع الأخذ بكل ما صح بشرطين:
أحدهما: أن يصح الدليل المثبت للمشروعية.
الثاني: أن تخلو المسألة من مانع يمنع القول بالتنوع، كما لو كانت الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة، واختلفت فيها الروايات، فلا سبيل إلى إثبات التنوع فيها، فهنا يصار إلى الترجيح، أما إذا تعددت الوقائع، وصحت الدلائل فجميع صفات العبادة مشروعة، ولا يكره شيء منها، ومنها أدعية الاستفتاح، وتنوع الأذان، والتشهد في الصلاة، ونحوها.
الوجه الثاني:
أن المستحب في تنوع العبادة أن تفعل على الوجه الذي كان يفعلها النبي ﷺ وهذه حقيقة التأسي به ﷺ ، فالثابت عنه أنه كان يأتي بهذه الأدعية، كل نوع على حدة، فلم يصح عنه أنه كان يجمع بينها، فلا يستحب الجمع، ولا أنه كان يلزم
стр. 730
صيغة واحدة، فكان مقتضى التأسي فعل كل ما صح عنه ﷺ .
الوجه الثالث:
أن التفضيل بين هذه الأدعية مع ثبوتها كلها ليس مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول ﷺ لبعضها على بعض، أو لأنه ثبت أن بعضها كان أكثر استعمالًا، أو لأن الآخر إنما فعل في حالات قليلة، أو لأنه ثبت أنه فعل بعضها تحت داعي الحاجة، أو السرعة، أو لبيان الجواز، فإذا لم يوجد مقتضي التفضيل كانت التسوية بينهما من العدل المأمور به.
الوجه الرابع:
أن في تنوع العبادة فوائد تعود على العبادة نفسها، من ذلك:
أنه يلزم من التزام نوع واحد هجر للسنن الباقية، وذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات والتشهد، بخلاف التنوع فإن فيه إحياء لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابة للسنة من جميع وجوهها.
ومنها: أن في فعلها كلها سببًا في انتشارها وشهرتها وفي تركها قد تتحول السنة عند بعض الناس إلى منكر، فينكر على من يفعل بعض الصفات المشروعة؛ لجهل الناس بها.
ومنها: أن التنوع أدعى لخشوع القلب وحضوره؛ لأن التزام صفة واحدة يحول العبادة إلى عادة يؤديها بلا حضور قلب أو خشوع.
* الراجح:
كل من فَضَّل بين أدعية الاستفتاح فقد نظر في تفضيل بعضها على بعض إلى أحد وجوه التفضيل، فلا يوجد أن أحدها له الأفضلية المطلقة:
فمنهم من نظر في التفضيل إلى معنى دعاء الاستفتاح، فوجد أن الثناء على الله ونعوته بأوصاف الجلال والكمال أولى من غيره، فقدم قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك)؛ لأنه ثناء خالص لله، ولم يَرَ التفاوت في الأصحية سببًا في التفضيل.
وبعضهم نظر في التفضيل لكون حديث التوجه يشتمل على آيات من القرآن الحكيم، ففضل الافتتاح بـ (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض
стр. 731
حنيفًا ... )؛ لأن ما وافق لفظ القرآن كان عنده أفضل.
وبعضهم نظر في التفضيل إلى قوة السند، ففضل الافتتاح بحديث أبي هريرة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي .... ) لكونه قد اتفق عليه البخاري ومسلم.
ومنهم من ذهب إلى الجمع بينها استدلالًا بأحاديث ضعيفة لم تثبت، فهذا سبب اختلاف الأقوال في تفضيل بعضها على بعض في الجملة.
وأرى أن أقوى الأقوال القول بأن يفعل هذا تارة وهذا تارة؛ لموافقة هدي النبي ﷺ ، ولما فيه من المصالح التي أشرت إليها في البحث، والله أعلم.
* * *
стр. 732
الفرع السادس السنة الاستفتاح الإسرار به
المدخل إلى المسألة:
* السنة في الاستفتاح هو الإسرار به مطلقًا في السرية والجهرية كغالب أذكار الصلاة.
* الجهر بالافتتاح لقصد مشروع كالتعليم لا يجعل من الجهر سنة راتبة.
* المرجوح قد يكون راجحًا إذا دعت إليه مصلحة راجحة.
* لا يشرع السكوت في الصلاة، ولهذا سأل أبو هريرة النبي ﷺ ما تقول في إسكاتك بين التكبير والقراءة.
* الجهر بالاستفتاح بلا غرض مشروع مخالف للسنة، وفعله لا يبطل الصلاة.
[م-٥١٩] السنة بالاستفتاح أن يُؤْتَي به سِرًّا في السرية والجهرية (١).
قال ابن تيمية: «لا نزاع بين أهل العلم بالحديث أن النبي ﷺ لم يجهر بالاستفتاح، ولا بالاستعاذة» (٢).
وورد عن عمر الجهر بدعاء الاستفتاح، وحملوا ذلك على قصد التعليم.
* دليل من قال: يستفتح سِرًّا:
الدليل الأول:
(ح-١٣٠٦) ويدل على ذلك ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عمارة بن القعقاع، قال: حدثنا أبو زرعة، قال:
стр. 733
حدثنا أبو هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة -قال أحسبه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطايايَ بالماء والثلج والبرد.
ورواه مسلم من طريق جرير، عن عمارة بن القعقاع به (١).
فهذا نقل صريح بعدم الجهر بالاستفتاح.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٠٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة،
عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (٢).
فهذا كان دليلًا على أنهم يسرون دعاء الافتتاح.
وورد عن عمر الجهر بدعاء الاستفتاح بلفظ كان يجهر الدال على الدوام.
(ث-٣٠٢) فقد روى مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن عبدة،
أن عمر بن الخطاب، كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك (٣).
تابعه الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، وحكيم بن جابر، وعمرو بن ميمون بأسانيد صحيحة (٤).
ولو لم يجهر عمر ﵁ بهذا الافتتاح لم يثبت هذا الدعاء مرفوعًا.
стр. 734
قال ابن قدامة: «قال أحمد: ولا يجهر الإمام بالافتتاح، وعليه عامة أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ لم يجهر به، وإنما جهر به عمر؛ ليعلم الناس» (١).
وإذا لم يجهر الإمام لم يجهر المنفرد؛ قياسًا عليه، ولم يجهر المأموم من باب أولى.
وقال النووي: لو جهر به، كان مكروهًا، ولا تبطل صلاته (٢).
* * *
стр. 735
الفرع السابع في مشروعية سجود السهو لترك الاستفتاح
المدخل إلى المسألة:
* الأصل عدم مشروعية سجود السهو إلا بدليل.
* سجود السهو زيادة في الصلاة، فلا يجب إلا بتوقيف.
* السنن القولية لا يشرع سجود سهو لتركها على الصحيح.
[م-٥٢٠] إذا ترك دعاء الاستفتاح عمدًا أو سهوًا فلا إعادة، ولا سجود سهو عليه، ونسب النووي هذا القول لجمهور العلماء (١).
قال النووي: «وأما غير الأبعاض من السنن، كالتعوذ، ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين، والتكبيرات، والتسبيحات، والدعوات، والجهر، والإسرار ... وسائر الهيئات المسنونات غير الأبعاض فلا يُسْجَدُ لها، سواء تركها عمدًا أو سهوًا» (٢).
* دليل من قال: لا يسجد:
الدليل الأول:
الأصل عدم مشروعية سجود السهو إلا بدليل، ولا دليل.
الدليل الثاني:
أن سجود السهو زيادة في الصلاة، فلا يجب إلا بتوقيف.
الدليل الثالث:
أنه ذكر لا يجب في الصلاة، فلم تفسد الصلاة بتركه فلم يجب جبره بالسجود.
стр. 736
وقيل: يجب سجود السهو، وهو قول قديم للشافعية اختاره بعضهم، وقال به من ذهب إلى وجوب الاستفتاح، انظر من قال بوجوبه في مبحث حكم الاستفتاح.
قال النووي: «حكى جماعة من أصحابنا قولًا قديمًا أنه يسجد لترك كل مسنون ذكرًا كان أو فعلًا، ووجهه: أنه يسجد لنسيان تسبيح الركوع والسجود. قال النووي: وهما شاذان ضعيفان، والصحيح المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور أنه لا يسجد لشيء منها غير الأبعاض» (١).
* دليل القول بالوجوب:
أما من قال: إن الافتتاح واجب، فحكمهم ظاهر؛ لأن ترك الواجب سهوًا يوجب سجود السهو، إلا أن القول بوجوب الافتتاح قول ضعيف، وقد ناقشته في مسألة حكم الاستفتاح، فارجع إليه.
وأما من قال: إنه سنة، فلعلهم قاسوا ذلك على سجود السهو لترك التشهد الأول، وذلك على القول بأنه سنة، وهي مسألة خلافية.
فمن رأى أن التشهد الأول سنة، وأن النبي ﷺ سجد لتركه سهوًا، قال بالسجود لترك كل سنة إذا تركها سهوًا، بخلاف من رأى أن التشهد الأول واجب، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى البحث في حكم التشهد الأول في مسألة مستقلة، وإن كان التشهد الأول مكونًا من ذكر وجلوس، بخلاف الافتتاح، فإن تركه لا يلزم منه ترك القيام، والذي هو ركن، والله أعلم.
وقيل: يباح سجود السهو لترك السنة، فإن تركه فصلاته صحيحة، وإن سجد فلا بأس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
جاء في كشاف القناع: «ولا يشرع السجود لترك سنة ولو قولية، كالاستفتاح والتعوذ؛ لأن السجود زيادة في الصلاة، فلا يشرع إلا بتوقيف، وإن سجد لترك سنة قولية، أو فعلية، فلا بأس به نصًّا» (٣).
стр. 737
* واستدل الحنابلة على جواز السجود:
(ح-١٣٠٨) بما رواه أبو داود، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، والربيع بن نافع، وعثمان بن أبي شيبة، وشجاع بن مخلد، بمعنى الإسناد، أن ابن عياش، حدثهم عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير يعني ابن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال عمرو: وحده، عن أبيه،
عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم.
قال أبو داود: ولم يذكر عن أبيه، غير عمرو (١).
[المعروف أنه من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن ثوبان، ولم يسمع منه] (٢).
стр. 738
ولو صح لم يكن نصًّا في المسألة، فهو يقضي بتعدد السجود المشروع بتكرار موجبه، لا عموم السهو لكل متروك، ولو كان سنة قولية، وهو مخالف للثابت من الأحاديث، فإن الرسول ﷺ في حديث ذي اليدين سلم، وتكلم، ومشى ناسيًا، ولم يسجد إلا سجدتين، وقد ذهب الأئمة الأربعة بأن المصلي لو سها أكثر من سهو كفاه سجدتان خلافًا لابن أبي ليلى والأوزاعي.
ثم ظاهر الحديث مشروعية السجود، والحنابلة لا يرون المشروعية، وإنما يرون أن السجود غير مشروع، فإن سجد فلا بأس على الإباحة، فدلالة الحديث لا تطابق المدلول، والله أعلم.
واختار شيخنا ابن عثيمين أنه يسجد إذا ترك شيئًا من السنن، وكان من عادته المواظبة على فعله، قال في الشرح الممتع: «الإنسان إذا ترك شيئًا من الأقوال أو الأفعال المستحبَّة نسيانًا، وكان من عادته أن يفعله فإنه يُشرع أن يسجد جَبْرًا لهذا النقص الذي هو نَقْصُ كمال، لا نقص واجب؛ لعموم قوله في الحديث: لكلِّ سهو سجدتان (١).
стр. 739
* الراجح:
أرى أن قول الجمهور هو الأقوى، والأصل عدم المشروعية حتى يثبت الدليل الخاص بالإذن في فعل العبادة؛ لأن المسألة قد تكون زيادة في الصلاة، ولا يمكن القياس على ترك التشهد الأول حتى على القول بأنه سنة، وهو الراجح؛ لأن التشهد الأول قد جمع فيه بين ترك التشهد ومحله، فجمع فيه بين ترك القول والفعل، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، والله أعلم.
* * *
стр. 740
الفرع الثامن في فوات الاستفتاح
المطلب الأول في فوات الاستفتاح إذا شرع بالتعوذ
المدخل إلى المسألة:
* من السنن ما يفوت المقصود منه بفوات محله، ومنه دعاء الاستفتاح.
* الغاية من الاستفتاح أن تفتتح به الصلاة، فإذا لم يفعل في محله فقدت الغاية منه.
* تدارك الفائت من السنن يحتاج إلى توقيف.
[م-٥٢١] اختلف الفقهاء في فوات الاستفتاح إذا شرع في التعوذ.
فقيل: يفوت بفوات محله، ولا يعود إليه، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
قال النووي في المجموع: لو تركه سهوًا، أوعمدًا حتى شرع في التعوذ لم يعد إليه؛ لفوات محله، ولا يتداركه في باقي الركعات (٢).
قال الزركشي في القواعد: «لو ترك دعاء الاستفتاح فذكره بعد التعوذ لا يعود إليه في الأصح؛ لأن محل الاستفتاح أول الصلاة، وبالتعوذ أوله تزول الأولوية» (٣).
ولو خالف وأتى به بعد التعوذ كره، ولم تبطل صلاته، قال النووي: لأنه ذكر، كما لو دعا، أو سبح في غير موضعه (٤).