وقيل: يجب سجود السهو، وهو قول قديم للشافعية اختاره بعضهم، وقال به من ذهب إلى وجوب الاستفتاح، انظر من قال بوجوبه في مبحث حكم الاستفتاح.
قال النووي: «حكى جماعة من أصحابنا قولًا قديمًا أنه يسجد لترك كل مسنون ذكرًا كان أو فعلًا، ووجهه: أنه يسجد لنسيان تسبيح الركوع والسجود. قال النووي: وهما شاذان ضعيفان، والصحيح المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور أنه لا يسجد لشيء منها غير الأبعاض» (١).
* دليل القول بالوجوب:
أما من قال: إن الافتتاح واجب، فحكمهم ظاهر؛ لأن ترك الواجب سهوًا يوجب سجود السهو، إلا أن القول بوجوب الافتتاح قول ضعيف، وقد ناقشته في مسألة حكم الاستفتاح، فارجع إليه.
وأما من قال: إنه سنة، فلعلهم قاسوا ذلك على سجود السهو لترك التشهد الأول، وذلك على القول بأنه سنة، وهي مسألة خلافية.
فمن رأى أن التشهد الأول سنة، وأن النبي ﷺ سجد لتركه سهوًا، قال بالسجود لترك كل سنة إذا تركها سهوًا، بخلاف من رأى أن التشهد الأول واجب، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى البحث في حكم التشهد الأول في مسألة مستقلة، وإن كان التشهد الأول مكونًا من ذكر وجلوس، بخلاف الافتتاح، فإن تركه لا يلزم منه ترك القيام، والذي هو ركن، والله أعلم.
وقيل: يباح سجود السهو لترك السنة، فإن تركه فصلاته صحيحة، وإن سجد فلا بأس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
جاء في كشاف القناع: «ولا يشرع السجود لترك سنة ولو قولية، كالاستفتاح والتعوذ؛ لأن السجود زيادة في الصلاة، فلا يشرع إلا بتوقيف، وإن سجد لترك سنة قولية، أو فعلية، فلا بأس به نصًّا» (٣).
стр. 737
* واستدل الحنابلة على جواز السجود:
(ح-١٣٠٨) بما رواه أبو داود، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، والربيع بن نافع، وعثمان بن أبي شيبة، وشجاع بن مخلد، بمعنى الإسناد، أن ابن عياش، حدثهم عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير يعني ابن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال عمرو: وحده، عن أبيه،
عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم.
قال أبو داود: ولم يذكر عن أبيه، غير عمرو (١).
[المعروف أنه من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن ثوبان، ولم يسمع منه] (٢).
стр. 738
ولو صح لم يكن نصًّا في المسألة، فهو يقضي بتعدد السجود المشروع بتكرار موجبه، لا عموم السهو لكل متروك، ولو كان سنة قولية، وهو مخالف للثابت من الأحاديث، فإن الرسول ﷺ في حديث ذي اليدين سلم، وتكلم، ومشى ناسيًا، ولم يسجد إلا سجدتين، وقد ذهب الأئمة الأربعة بأن المصلي لو سها أكثر من سهو كفاه سجدتان خلافًا لابن أبي ليلى والأوزاعي.
ثم ظاهر الحديث مشروعية السجود، والحنابلة لا يرون المشروعية، وإنما يرون أن السجود غير مشروع، فإن سجد فلا بأس على الإباحة، فدلالة الحديث لا تطابق المدلول، والله أعلم.
واختار شيخنا ابن عثيمين أنه يسجد إذا ترك شيئًا من السنن، وكان من عادته المواظبة على فعله، قال في الشرح الممتع: «الإنسان إذا ترك شيئًا من الأقوال أو الأفعال المستحبَّة نسيانًا، وكان من عادته أن يفعله فإنه يُشرع أن يسجد جَبْرًا لهذا النقص الذي هو نَقْصُ كمال، لا نقص واجب؛ لعموم قوله في الحديث: لكلِّ سهو سجدتان (١).
стр. 739
* الراجح:
أرى أن قول الجمهور هو الأقوى، والأصل عدم المشروعية حتى يثبت الدليل الخاص بالإذن في فعل العبادة؛ لأن المسألة قد تكون زيادة في الصلاة، ولا يمكن القياس على ترك التشهد الأول حتى على القول بأنه سنة، وهو الراجح؛ لأن التشهد الأول قد جمع فيه بين ترك التشهد ومحله، فجمع فيه بين ترك القول والفعل، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، والله أعلم.
* * *
стр. 740
الفرع الثامن في فوات الاستفتاح
المطلب الأول في فوات الاستفتاح إذا شرع بالتعوذ
المدخل إلى المسألة:
* من السنن ما يفوت المقصود منه بفوات محله، ومنه دعاء الاستفتاح.
* الغاية من الاستفتاح أن تفتتح به الصلاة، فإذا لم يفعل في محله فقدت الغاية منه.
* تدارك الفائت من السنن يحتاج إلى توقيف.
[م-٥٢١] اختلف الفقهاء في فوات الاستفتاح إذا شرع في التعوذ.
فقيل: يفوت بفوات محله، ولا يعود إليه، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
قال النووي في المجموع: لو تركه سهوًا، أوعمدًا حتى شرع في التعوذ لم يعد إليه؛ لفوات محله، ولا يتداركه في باقي الركعات (٢).
قال الزركشي في القواعد: «لو ترك دعاء الاستفتاح فذكره بعد التعوذ لا يعود إليه في الأصح؛ لأن محل الاستفتاح أول الصلاة، وبالتعوذ أوله تزول الأولوية» (٣).
ولو خالف وأتى به بعد التعوذ كره، ولم تبطل صلاته، قال النووي: لأنه ذكر، كما لو دعا، أو سبح في غير موضعه (٤).
стр. 741
وقال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إذا تركه، وشرع في التعوذ يعود إليه من بعد التعوذ، والأول أصح (١).
ولأنه إن تركه متعمدًا لم يشرع له سجود السهو؛ لأن السجود سببه السهو، وهو متعمد، وإن تركه سهوًا فكأنه لم يتركه؛ لأن السهو عذر، ولا يحتاج إلى جبره، وهو لم يرد، والله أعلم.
* * *
стр. 742
المطلب الثاني في استفتاح المسبوق إذا أدرك الإمام قائمَا في غير الركعة الأولى
المدخل إلى المسألة:
* قال ﷺ : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. متفق عليه.
* ما يدركه المسبوق في الصلاة، هو أول صلاته على الصحيح، فيشرع له الاستفتاح.
[م-٥٢٢] إذا أدرك المسبوق الإمام في غير القيام لم يستفتح؛ لفوات محله (١).
فإن أدركه في القيام، وقد فاتته بعض الصلاة:
فقيل: لا يستفتح مطلقًا، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٢).
وقيل: يستفتح في أول ركعة يقضيها، وهو مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يستفتح في أول ركعة أدركها، وبه قال محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٤).
جاء في غمز عيون البصائر: «لو أدرك ركعة مع الإمام فإنه يستفتح عند محمد
стр. 743
رحمه الله فيما أدرك مع الإمام خلافًا لهما» (١).
* وسبب اختلافهم:
الاختلاف فيما يدركه المسبوق في الصلاة، أهو أول صلاته، فيستفتح، أم هو آخر صلاته؟ والقائلون بأنه آخر صلاته، أيستفتح فيما يقضيه باعتباره أول صلاته، أو لا يستفتح؛ لفوات محله؟
جاء في الإنصاف: «وما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها، هذا المذهب بلا ريب .... وعنه ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته، وما يقضيه آخرها.
تنبيه: لهذا الخلاف فوائد كثيرة، ذكرها ابن رجب في قواعده وغيره فمنها محل الاستفتاح:
فعلى المذهب: يستفتح فيما يقضيه، وعلى الثانية: فيما أدركه، وهذا الصحيح من المذهب، وقال القاضي في شرح المذهب: لا يشرع الاستفتاح على كلتا الروايتين لفوت محله» (٢).
وهذه المسألة سوف تأتينا إن شاء الله تعالى في أحكام صلاة المسبوق، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، وحين كان حكم الاستفتاح فرعًا عنها اقتضت الإشارة إليها هنا للتنبيه، والله الموفق.
* * *
стр. 744
المبحث الثاني في استحباب سكتة لطيفة بين الفاتحة والتأمين
المدخل إلى المسألة:
* السكتات في الصلاة مبنية على التوقيف.
* استحباب سكتة بين الفراغ من الفاتحة والتأمين عليها، استحسان مخالف للنص؛ لقوله ﷺ : إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين.
* لا يوجد نص عن الشافعي ولا عن الإمام أحمد باستحباب هذه السكتة، وإن قال بذلك أصحابهما.
[م-٥٢٣] استحب الشافعية والحنابلة الفصل بين الفاتحة وبين آمين بسكتة لطيفة جدًا؛ ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة (١).
قال النووي في المجموع: «ذكر أصحابنا أو جماعة منهم، أنه يستحب أن لا يصل لفظة آمين بقوله ولا الضالين بل بسكتة لطيفة جدًّا؛ ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة» (٢).
والراجح: أنه لا يستحب مثل هذه السكتة، ولا دليل عليها من السنة، بل هو استحسان مخالف للسنة الصحيحة،
(ح-١٣٠٩) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان،
стр. 745
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين ... الحديث (١).
والفاء تدل على الترتيب والتعقيب.
* * *
стр. 746
المبحث الثالث في سكوت الإمام بعد الفراغ من التأمين
المدخل إلى المسألة:
* السكتات في الصلاة توقيفية.
* لم يصح دليل في مشروعية السكتة بعد الفاتحة، والأصل عدم المشروعية.
* حديث جابر بن سمرة في السكوت بعد الفاتحة لا يصح، والمحفوظ من لفظه: سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها قبل الركوع.
* الصلاة عبادة فعلية نقلت إلينا نقلًا متواترًا ينقلها جيل عن جيل، فلو كانت هناك سكتة بعد الفاتحة مطلقًا، أو بمقدار قراءة الفاتحة لنقلت نقلًا تقوم به الحجة.
* قال ابن تيمية: لم يقل أحد: إنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات، أو أربع، فقد قال قولًا لم ينقله عن أحد من المسلمين.
* لا يلزم من القول بوجوب قراءة المأموم للفاتحة أن يستحب للإمام السكوت بقدر قراءة الفاتحة، وهو لا يُعْلّم له أصلٌ في السنة، ولا في أقوال الصحابة.
* لما كان السكوت غير مشروع في الصلاة استحب الشافعية للإمام أن يشتغل بدعاء أو قراءة حال قراءة المأموم للفاتحة، وهذه من ترقيعات القول الضعيف، فهذا الاستحباب لا يعلم له أصل في السنة.
[م-٥٢٤] هذه المسألة خاصة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة، فلا مدخل لها في الصلاة السريَّة، ولا في صلاة الفَذِّ، ولا في صلاة المأموم؛ لأن المأموم لا حظ له في الجهر.
وهذه السكتة لا تجب باتفاق العلماء، قال ابن تيمية: «ولم نعلم نزاعًا بين
стр. 747
العلماء، أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ولا غيرها» (١).
وإنما اختلف العلماء في استحباب سكتة الإمام بعد قراءة الفاتحة.
فقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمنصوص عن الإمام أحمد في مسائله، ورجحه ابن تيمية، ونسبه إلى جمهور العلماء (٢).
стр. 748
قال صاحب الفروع: «وعنه - يعني عن الإمام أحمد- لا يسكت لقراءة مأموم مطلقًا، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك» (١).
وقيل: يستحب للإمام أن يسكت بقدر قراءة المأموم للفاتحة، وهو مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
قال النووي: «ويستحب للإمام ... أن يسكت بعد الفاتحة قدر قراءة المأموم لها، يعني الفاتحة» (٣).
وقال ابن مفلح في الفروع: «ويستحب سكوته بعدها -يعني بعد قراءة
стр. 749
الفاتحة- قدر قراءة المأموم» (١).
وقال بعضهم: يستحب أن يسكت المأموم سكتة لطيفة بعد قراءة الفاتحة، لا لأجل قراءة من خلفه، وإنما لأجل تراجع النفس إليه، ومن أجل أن يبسمل فيها، ويتفكر فيها فيما يقرأه كالسكتة عند انقضاء القراءة (٢).
* دليل من قال: لا تشرع السكتة بعد الفاتحة:
الدليل الأول:
لم يصح دليل في مشروعية السكتة بعد الفاتحة، والأصل عدم المشروعية.
قال ابن تيمية: «لو كان النبي ﷺ يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله؛ فلما لم ينقل هذا أحد علم أنه لم يكن» (٣).
الدليل الثاني:
(ح-١٣١٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن،
عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية، قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن حصين، فقال: كذب سمرة، فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أُبَيٌّ بن كعب فقال: صدق سمرة (٤).
[صحيح، والمحفوظ فيه سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها قبل الركوع] (٥).
* دليل من قال باستحباب السكتة بعد قراءة الفاتحة:
الدليل الأول:
(ح-١٣١١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، ويونس، عن الحسن،
عن سمرة بن جندب، أنه كان إذا صلى بهم سكت سكتتين: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] سكت أيضا هنية، فأنكروا ذلك
стр. 756
عليه، فكتب إلى أُبَيِّ بن كعب، فكتب إليهم أبي أن الأمر كما صنع سمرة (١).
[شاذ بهذا اللفظ] (٢).
* وأجيب عن الحديث بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
كشف تخريج الحديث أن المحفوظ من لفظه ما رواه أكثر أصحاب الحسن كحميد وأشعث، ويونس من رواية أكثر أصحابه، وقتادة في إحدى الروايتين عنه، بذكر سكتتين: إحداهما: قبل القراءة، والأخرى بعد الفراغ منها وقبل الركوع، فذكر السكتة بعد الفراغ من قراءة الفاتحة قول شاذ.
الجواب الثاني:
السكتات في الصلاة توقيفية، والصلاة عبادة فعلية نقلت إلينا نقلًا متواترًا ينقلها جيل عن جيل، فلو كانت هناك سكتة مطلقًا، أو كان هناك سكتة بمقدار قراءة الفاتحة لنقلت نقلًا تقوم به الحجة.
ولو سلمنا بصحة حديث الحسن عن سمرة بالسكتة بعد قراءة الفاتحة فإنه ليس في الحديث أن مقدار هذا السكوت بقدر قراءة المأموم.
قال في تحفة الأحوذي: «تعيين هذه السكتة بهذا المقدار .... للإمام محتاج إلى الدليل» (٣).
وقال ابن القيم: «لو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها قراءة الفاتحة لما خفي ذلك على الصحابة، ولكان معرفتهم به ونقلهم له أهم من سكتة الافتتاح» (٤).
وقال ابن تيمية: «ثبت عنه في الصحيح سكوته بعد التكبير للاستفتاح، وفي السنن: (أنه كان له سكتتان: سكتة في أول القراءة وسكتة بعد الفراغ من القراءة) وهي سكتة لطيفة للفصل، لا تتسع لقراءة الفاتحة ... ولم يقل أحد: إنه
стр. 757
كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات، أو أربع، فقد قال قولًا لم ينقله عن أحد من المسلمين، والسكتة التي عقب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ من جنس السكتات التي عند رؤوس الآي. ومثل هذا لا يسمى سكوتًا؛ ولهذا لم يقل أحد من العلماء: إنه يقرأ في مثل هذا» (١).
الجواب الثالث:
القول بالسكتة بمقدار قراءة الفاتحة بني على مسألة خلافية، وهي وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، فالجمهور على أن المأموم لا قراءة عليه، خلافًا للشافعية حيث ذهبوا إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا في السرية والجهرية، وهو قول ضعيف، فكان من ثمرة هذا الترجيح لهذا القول الضعيف أَنْ رأوا استحباب سكوت الإمام بقدر قراءة الفاتحة في الجهرية، وما بني على الضعيف فهو ضعيف.
وعلى التسليم بصحة اختيار الشافعية فلا يلزم من القول بوجوب قراءة المأموم للفاتحة أن يستحب للإمام السكوت بقدر قراءة الفاتحة، وهو لا يُعْلَّم له أصلٌ في السنة، ولا في أقوال الصحابة (٢).
ولا يلزم من القول بمطلق السكوت بعد قراءة الفاتحة أن تكون السكتة بهذا المقدار؛ لأن المقادير الشرعية تحتاج إلى توقيف، ولما كان السكوت غير مشروع في الصلاة استحب الشافعية للإمام أن يشتغل بدعاء أو قراءة حال قراءة المأموم للفاتحة،
قال في تحفة المحتاج: «ويسن للإمام أن يسكت في الجهرية بقدر قراءة المأموم الفاتحة ... وأن يشتغل في هذه السكتة بدعاء، أو قراءة» (٣).
وهذه من ترقيعات القول الضعيف، فهذا الاستحباب لا يعلم له أصل في السنة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٣١٢) ما رواه البيهقي من طريق أبي بكر -يعني: الحنفي- أخبرنا
стр. 758
عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده؛ أنه كان يقرأ خلف رسول الله ﷺ إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرأ، فإذا أنصت قرأ، وكان رسول الله ﷺ يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج (١).
[اختلف فيه على عمرو بن شعيب في ذكر القراءة خلف الإمام في سكتتاته] (٢).
* ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول: الاختلاف على عمرو بن شعيب، في ذكر القراءة عند إنصات الإمام، فقد رواه حسين المعلم وعامر بن عبد الوحد ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، ولم يذكروا هذا الحرف كما كشف عن ذلك تخريج الحديث.
الوجه الثاني: أنه لم يذكر محل السكتات، فلو قدر أن هذا محفوظ، فهو محمول على السكتات الثابتة، وليس على السكتة الشاذة، فالمحفوظ سكتتان:
إحداهما: سكتة إذا كبر قبل أن يقرأ، وهي ثابتة في الصحيحين.
والثانية: سكتة إذا فرغ من القراءة قبل الركوع، وهي ثابتة في السنن، فحمل الإنصات على السكوت إذا فرغ من قراءة الفاتحة، لا دليل عليه
الدليل الثالث:
(ح-١٣١٣) ما رواه الدارقطني من طريق فيض بن إسحاق الرقي، حدثنا محمد بن عبد الله ابن عبيد الله بن عمير، عن عطاء،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه (١).
[منكر] (٢).
* الراجح:
لا يصح القول بمشروعية سكتة بعد قراءة الفاتحة، والمحفوظ سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها، وقبل الركوع، والله أعلم.
* * *
стр. 764
المبحث الرابع في حكم السكتة بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع
المدخل إلى المسألة:
* السكتات في الصلاة مبنية على التوقيف.
* السكتات الثابتة في الصلات سكتتان، للافتتاح، وأخرى عند الفراغ من القراءة، وقبل الركوع.
* لا يمتنع شرعًا، ولا عقلًا أن يتعبدنا الله بالسكوت في الصلاة، فلله الخلق والأمر.
* السكوت قبل الركوع ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود أن يرجع إلى القارئ نفسه، قبل الركوع، كما يقف القارئ على رؤوس الآي، ولا يعد هذا السكوت مقصودًا لذاته، والله أعلم.
* من أنكر هذه السكتة من الأئمة فإنما أنكرها لكونها يسيرة جدًا حتى قدرها الشافعية بمقدار أن يقول المصلي: سبحان الله، وقدرها بعض الحنابلة بأن يرجع إليه نفسه قبل أن يركع.
[م-٥٢٥] اختلف الفقهاء في استحباب سكتة لطيفة في صلاة الجهر من الإمام بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع:
فقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (١).
стр. 765
قال الحطاب: ذهب مالك إلى إنكار جميعها. أي جميع السكتات (١).
وقيل: تستحب سكتة يسيرة للفصل بين القراءة والركوع، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، قال الشافعية: بقدر قول: سبحان الله (٢).
جاء في كتاب الإنصاف: «قال المجد ومن تابعه: هما سكتتان على سبيل الاستحباب:
стр. 766
إحداهما: تختص بأول ركعة للاستفتاح.
والثانية: سكتة يسيرة بعد القراءة كلها؛ ليرد إليه نفسه» (١).
* دليل من قال: تشرع سكتة لطيفة قبل الركوع:
الدليل الأول:
(ح-١٣١٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن،
عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية، قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن حصين، فقال: كذب سمرة، فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبي بن كعب فقال: صدق سمرة (٢).
[صحيح، والمحفوظ فيه سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها قبل الركوع]
وقول عمران: كذب: أي أخطأ بلغة الحجاز.
الدليل الثاني:
(ح-١٣١٥) ما رواه البيهقي من طريق أبي بكر -يعني: الحنفي- أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده؛ أنه كان يقرأ خلف رسول الله ﷺ إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرأ، فإذا أنصت قرأ، وكان رسول الله ﷺ يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج (٣).
[اختلف فيه على عمرو بن شعيب في ذكر القراءة خلف الإمام في سكتتاته] (٤).
وجه الاستدلال:
ذكر الحديث سكتتين للإمام، فهو محمول على فرض صحته على السكتات
стр. 767
الثابتة، أحدهما: للافتتاح، والأخرى عند الفراغ من القراءة، وقبل الركوع؛ فأما السكوت بعد قراءة الفاتحة فلم يصح فيها شيء، والله أعلم.
* دليل من قال: لا تشرع السكتة:
الدليل الأول:
أن الأحاديث التي وصفت صلاة النبي ﷺ في الصحيحين وفي السنن لم تذكر هذه السكتة، وقد سيقت في معرض بيان صفة صلاة النبي ﷺ ، فلو كانت هذه السكتة محفوظة من صفة الصلاة لما أغفلت تلك الأحاديث الصحيحة على كثرتها هذه الصفة، من ذلك:.
(ح-١٣١٦) ما وراه أبو داود من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، قال: أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال:
سمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر ... الحديث (١).
[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (ثم يقرأ، ثم يكبر) فلم يذكر سكوته بين فراغه من القراءة وبين التكبير، فلو كان السكوت قبل الركوع من صفة الصلاة لذكره ﵁، خاصة أنه يعرض صفة صلاة النبي ﷺ ، وفي بيان إثبات أنه من أعلمهم بصفة صلاته ﷺ ، وقد طلبوا منه العرض، حتى قالوا في آخر عرضه: صدقت، هكذا كان يصلي ﷺ .
* ونوقش:
بأن الحديث غايته أنه لم يذكر السكتة، وهذا لا يمنع من استحبابه بأدلة أخرى،
стр. 768
فهو أيضًا لم يذكر دعاء الاستفتاح، ولا السكوت له، وهو محفوظ بأحاديث متفق على صحتها، فلا يكون السكوت عن الشيء دليلًا على نفيه إذا جاء ثابتًا بدليل آخر، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٣١٧) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا .... (١).
وجه الاستدلال من الحديث كالذي قبله.
* ونوقش:
بأن حديث المسيء في صلاته قد اقتصر النبي ﷺ على إرشاده إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، وهو كذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه، إلا أنه لا يعترض عليه في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إما لأنه لم يخلَّ بها، أو لأنه اقتصر على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا.
الدليل الثالث:
الاحتجاج بعمل المدينة، فلو كانت هذه السكوت مشروعًا وقد واظب عليه النبي ﵇، لم يخف ذلك، ولنقله أهل المدينة عيانًا وعملًا (٢).
стр. 769
فما أجمع عليه أهل المدينة فهو مقدم على غيره من أخبار الآحاد؛ لأنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا، أو عملًا متصلًا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر الذي يحصل به العلم، وينقطع العذر فيه، ويجب له ترك أخبار الآحاد؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله مع قرب العهد.
* ويناقش:
بأن مذهب مالك الذي يبينه المحققون من أصحابه كأبي الوليد الباجي وغيره ﵏ أنه يرى الاحتجاج بعمل أهل المدينة فيما كان الأصل فيه النقل المستفيض، كنقلهم الصاع والمد وأنه ﵇ كان يأخذ بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وكالوقوف والأحباس، وكنقلهم موضع قبر النبي ﷺ ، ومكان مسجده ومكان منبره، ولا يكون حجة فيما كان الأصل فيه الاجتهاد كهذه المسألة (١).
فهذا المالكية لا يرون سكوت الإمام للاستفتاح، وقد كان عمر بن الخطاب يستفتح في صلاته حتى جهر به في الفرض في مصلى النبي ﷺ ليعلم غيره، كما سبق تخريجه، وعمل به الصحابة رضوان الله عليهم، ثم ترك العمل به في زمن الإمام مالك، فكان يَصِل التكبير بالقراءة من غير دعاء ولا سكوت، ولا تعوذ، فلو كان عمل أهل المدينة حجة لكان عملهم في زمن عمر بن الخطاب ﵁ حين كان فيهم كبار الصحابة أولى من اتباع العمل حين انقرض عصر الصحابة (٢).
الدليل الرابع:
أمران لا يشرعان في الصلاة، كلام الناس والسكوت المجرد الخالي من الذكر، أو من الاستماع والإنصات له.
(ح-١٣١٨) فقد روى مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي، في قصة تشميته لأحد المصلين أن رسول الله ﷺ قال له:
стр. 770
إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث (١).
فهذا هو المشروع في الصلاة: التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، فلا كلام الناس يصلح في الصلاة، ولا السكوت الخالي من الذكر أو الاستماع والإنصات له.
* ونوقش:
أما كلام الناس فلا يصلح في الصلاة، وهذا محل إجماع من المسلمين.
وأما التعبد بالسكوت المجرد، فلا يمتنع التعبد به، فالله له الخلق والأمر، فكما أنه يخلق ما يشاء، فإنه يأمر بما يشاء، فإذا تعبدنا بالسكوت فلا اعتراض عليه بمجرد النظر، وإذا صح الحديث بالسكوت بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع لم يكن لنا إلا التسليم، والامتثال.
ومن أنكر هذه السكتة من الأئمة فإنما أنكرها لكونها يسيرة جدًا حتى قدرها الشافعية بمقدار أن يقول المصلي: سبحان الله، وقدرها بعض الحنابلة بأن يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل القراءة بتكبيرة الركوع، فليس السكوت فيها مقصودًا لذاته حتى يمكن أن يقال: التعبد بالسكوت، وإنما المقصود أن يرجع إلى القارئ نفسه، كما يقف القارئ على رؤوس الآي، ولا يعد هذا السكوت مقصودًا لذاته، والله أعلم.
* * *
стр. 771
الباب السادس القراءة في الصلاة
الفصل الأول في قراءة الفاتحة وما يرتبط بها
المبحث الأول في حكم الاستعاذة
المدخل إلى المسألة:
* التعوذ من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة، فتسقط بفوات القراءة، وتصح الصلاة بتركه.
* لو كان التعوذ من أجل الصلاة لجاء قبل الاستفتاح، ولم يرتبط بالقراءة.
* عموم قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب الاستعاذة للقراءة خارج الصلاة لم تجب في داخلها.
* الأمر بالاستعاذة للقراءة للاستحباب بدليل أنه لم يؤمر بها المسيء في صلاته.
* القول بوجوب الاستعاذة بالصلاة لم يُؤْثَرْ عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عن أحدٍ من التابعين إلا عن عطاء، ولا عن المشهور من مذهب الأئمة الأربعة إلا رواية عن أحمد ليست هي المذهب.
* لا يصح حديث في الاستعاذة بالصلاة إلا أن يعتبر بها أحد في المجموع.
[م-٥٢٦] اختلف الفقهاء في حكم الاستعاذة في الصلاة:
فقيل: الاستعاذة سنة في الصلاة مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، وهو قول
стр. 772
أبي يوسف من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: واجبة مطلقًا، وبه قال عطاء والثوري، وابن حزم، ورواية عن أحمد، اختارها ابن بطة (٢).
قال ابن حزم: «فرض على كل مُصَلِّ أن يقول إذا قرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (٣).
وقيل: سنة للإمام والمنفرد دون المأموم، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (٤).
وقيل: لا يتعوذ في الفريضة، ويتعوذ في قيام رمضان، وبه قال مالك، قال أصحابه: ويتعوذ بالنفل (٥).
وقيل: الاستعاذة تجب في العمر مرة واحدة، وهو أحد القولين عن ابن سيرين (٦).
стр. 773
* دليل من قال: الاستعاذة سنة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨].
وجه الاستدلال:
أن الله أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، والمتيقن الندب، وإطلاقه يشمل داخل الصلاة وخارجها.
فإن قيل: ما الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب؟ فالجواب: أمور منها:
أحدها: الإجماع على أن الأمر للندب، قال الطبري في تفسيره: «وليس قوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أن من قرأ القرآن، ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته، أو بعدها أنه لم يضيع فرضًا واجبًا» (١).
ولم يعتبر السرخسي خلاف عطاء خارقًا للإجماع.
قال في المبسوط: «قال عطاء: الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وهو مخالف لإجماع السلف، فقد كانوا مجمعين على أنه سنة» (٢).
* وأجيب:
بأن دعوى الإجماع غير صحيحة، قال ابن الهمام: «وعن الثوري وعطاء وجوبه .... ويبعد منهما أن يبتدعا قولًا خارقًا للإجماع بعد علمهما بأن ذلك لا يجوز» (٣).
وقد يجاب على إشكال ابن الهمام بأن الإجماع المحكي لعله من قبيل الإجماع السكوتي إن كان محفوظًا، وهو حجة على الصحيح، ويفيد الظن، وتجوز مخالفته لدليل راجح؛ لأن سكوت من سكت ليس قاطعًا بأن سكوته عن موافقة، ولا يعتبر سكوته بمنزلة الإقرار على صحة القول؛ لأن الإقرار الذي هو حجة هو إقرار الرسول ﷺ ، وأما إقرار العالم فليس بحجة، والله أعلم.
стр. 774
ثانيها: أن الآية أمرت بالاستعاذة عند قراءة القرآن والأمر مطلق يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب القراءة نفسها خارج الصلاة وهي الغاية، لم تجب الاستعاذة وهي من التوابع، ولا يمكن التفريق بين الاستعاذة داخل الصلاة وبين خارجها في الحكم لإطلاق الآية، ولأن الحكمة من الاستعاذة دفع الوسوسة في القراءة، وذلك لا يوجب الاستعاذة.
وإذا لم يجب التعوذ من الشيطان عند دخول الخلاء، وعند إقبال الليل وانتشار الشياطين مع مظنة الضرر منهم، لم يجب التعوذ عند قراءة القرآن، وسائر الذكر لكون المسلم في هذه الحال أكمل منه في تلك الأحوال، وتعوذه طلب للكمال.
ولوكان التعوذ فرضًا للزم كُلَّ من قرأ القرآن ولو آية؛ لدخوله في مطلق الآية، وقد قرأ الرسول ﷺ آيات من القرآن الحكيم، ولم ينقل أنه تعوذ،
فقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ [آل عمران:١٠٢]، ولم يتعوذ (١).