← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الباب السادس القراءة في الصلاة الفصل الأول في قراءة الفاتحة وما يرتبط بها المبحث الأول في حكم الاستعاذة المدخل إلى المسألة: * التعوذ من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة، فتسقط بفوات القراءة، وتصح الصلاة بتركه. * لو كان التعوذ من أجل الصلاة لجاء قبل الاستفتاح، ولم يرتبط بالقراءة. * عموم قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب الاستعاذة للقراءة خارج الصلاة لم تجب في داخلها. * الأمر بالاستعاذة للقراءة للاستحباب بدليل أنه لم يؤمر بها المسيء في صلاته. * القول بوجوب الاستعاذة بالصلاة لم يُؤْثَرْ عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عن أحدٍ من التابعين إلا عن عطاء، ولا عن المشهور من مذهب الأئمة الأربعة إلا رواية عن أحمد ليست هي المذهب. * لا يصح حديث في الاستعاذة بالصلاة إلا أن يعتبر بها أحد في المجموع. [م-٥٢٦] اختلف الفقهاء في حكم الاستعاذة في الصلاة: فقيل: الاستعاذة سنة في الصلاة مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، وهو قول

стр. 772

أبي يوسف من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). وقيل: واجبة مطلقًا، وبه قال عطاء والثوري، وابن حزم، ورواية عن أحمد، اختارها ابن بطة (٢). قال ابن حزم: «فرض على كل مُصَلِّ أن يقول إذا قرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (٣). وقيل: سنة للإمام والمنفرد دون المأموم، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (٤). وقيل: لا يتعوذ في الفريضة، ويتعوذ في قيام رمضان، وبه قال مالك، قال أصحابه: ويتعوذ بالنفل (٥). وقيل: الاستعاذة تجب في العمر مرة واحدة، وهو أحد القولين عن ابن سيرين (٦).

стр. 773

* دليل من قال: الاستعاذة سنة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨]. وجه الاستدلال: أن الله أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، والمتيقن الندب، وإطلاقه يشمل داخل الصلاة وخارجها. فإن قيل: ما الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب؟ فالجواب: أمور منها: أحدها: الإجماع على أن الأمر للندب، قال الطبري في تفسيره: «وليس قوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أن من قرأ القرآن، ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته، أو بعدها أنه لم يضيع فرضًا واجبًا» (١). ولم يعتبر السرخسي خلاف عطاء خارقًا للإجماع. قال في المبسوط: «قال عطاء: الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وهو مخالف لإجماع السلف، فقد كانوا مجمعين على أنه سنة» (٢). * وأجيب: بأن دعوى الإجماع غير صحيحة، قال ابن الهمام: «وعن الثوري وعطاء وجوبه .... ويبعد منهما أن يبتدعا قولًا خارقًا للإجماع بعد علمهما بأن ذلك لا يجوز» (٣). وقد يجاب على إشكال ابن الهمام بأن الإجماع المحكي لعله من قبيل الإجماع السكوتي إن كان محفوظًا، وهو حجة على الصحيح، ويفيد الظن، وتجوز مخالفته لدليل راجح؛ لأن سكوت من سكت ليس قاطعًا بأن سكوته عن موافقة، ولا يعتبر سكوته بمنزلة الإقرار على صحة القول؛ لأن الإقرار الذي هو حجة هو إقرار الرسول ﷺ ، وأما إقرار العالم فليس بحجة، والله أعلم.

стр. 774

ثانيها: أن الآية أمرت بالاستعاذة عند قراءة القرآن والأمر مطلق يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب القراءة نفسها خارج الصلاة وهي الغاية، لم تجب الاستعاذة وهي من التوابع، ولا يمكن التفريق بين الاستعاذة داخل الصلاة وبين خارجها في الحكم لإطلاق الآية، ولأن الحكمة من الاستعاذة دفع الوسوسة في القراءة، وذلك لا يوجب الاستعاذة. وإذا لم يجب التعوذ من الشيطان عند دخول الخلاء، وعند إقبال الليل وانتشار الشياطين مع مظنة الضرر منهم، لم يجب التعوذ عند قراءة القرآن، وسائر الذكر لكون المسلم في هذه الحال أكمل منه في تلك الأحوال، وتعوذه طلب للكمال. ولوكان التعوذ فرضًا للزم كُلَّ من قرأ القرآن ولو آية؛ لدخوله في مطلق الآية، وقد قرأ الرسول ﷺ آيات من القرآن الحكيم، ولم ينقل أنه تعوذ، فقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ [آل عمران:١٠٢]، ولم يتعوذ (١).

стр. 775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 776

ورأى الرسول ﷺ الحسن والحسين مقبلين في ثوبين أحمرين يتعثران، فقال: صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، ولم يتعوذ، فكان ذلك صارفًا من الوجوب إلى الاستحباب (١). وقد يقال: إن الاستشهاد بآية أو آيتين من القرآن لا يأخذ حكم القرآن، كما لا تعطى كتب التفسير حكم القرآن، مع اشتمالها على آيات كثيرة منه، فهذا أولى أن لا يأخذ حكم القرآن، والله أعلم. ومن الصوارف أيضًا، وهو قوي جدًّا، ما سوف أسوقه في الدليل التالي. الدليل الثاني: (ح-١٣١٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم

стр. 777

ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). وجه الاستدلال: أن حديث المسيء في صلاته اقتصر النبي ﷺ على إرشاده إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه، إلا أنه لا يعترض عليه في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إما لأنه لم يخلَّ لها، أو لأنه اقتصر على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا، كما كان الناس يتكلمون في الصلاة، ثم حدث المنع بعد ذلك، وكما كان التطبيق مشروعًا حال الركوع، ثم نسخ، إنما يصح الاعتراض لو أن حديث أبي هريرة ذكر شيئًا من السنن، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين فهو من الواجبات المجمع عليها، ولم يذكر سنة واحدة، ولم يَأْتِ تشريع جديد يفيد وجوب الاستعاذة، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-١٣٢٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ. [أخطأ فيه جعفر بن سليمان مرتين: في وصله، وفي جعله من حديث

стр. 778

أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا] (١). الدليل الرابع: (ح-١٣٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه. وقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه. قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (٢). [ضعيف] (٣). الدليل الخامس: (ح-١٣٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، من همزه، ونفثه، ونفخه. قال: فهمزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر (٤). وليس فيه أن ذلك في قراءة القرآن فضلًا عن الصلاة. ورواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق محمد بن أيوب، عن ابن أبي شيبة به، كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه (٥).

стр. 779

[ضعيف مرفوعًا] (١).

стр. 780

* وأجيب: بأن إسناده منقطع، واختلف في وقفه ورفعه، والمعروف، من لفظه أن الأثر في التعوذ من الشيطان مطلق، وليس فيه أن هذا التعوذ كان بسبب قراءة القرآن، أو كان داخل الصلاة. الدليل السادس: (ح-١٣٢٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخًا من أهل دمشق، أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثًا، وسبح ثلاثًا، وهلل ثلاثًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من

стр. 781

الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه (١). ورواه شريك، عن يعلى به، وقال: ونفثه بدل (شركه). [ضعيف] (٢). فالأحاديث التي استشهد بها الجمهور على مشروعية الاستعاذة، وإن كانت آحادها ضعيفة، فإنه قد يشهد بعضها لبعض، خاصة أن الاستعاذة للقراءة مشروعة بالاتفاق، وهو نص الكتاب العزيز، والقراءة داخل الصلاة فرد منها، فكانت الاستعاذة بالصلاة من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة خلافًا لمحمد بن الحسن. * دليل من قال: الاستعاذة واجبة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨]. فأمر بالاستعاذة، والأصل في الأمر الوجوب. * ونوقش: بأن الأمر المجرد في دلالته على الوجوب نزاع مشهور عند الأصوليين، والراجح أنه للوجوب مع القول بأنه يُصْرَفُ عن الوجوب لأدنى صارف، وقد ذكر أصحاب القول الأول قرائن تصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ واظب عليها، فيكون واجبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 782

* ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن المواظبة على الفعل لا تكفي دليلًا على الوجوب، وإنما تدل على توكيد الاستحباب، فالنبي ﷺ واظب على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كراتبة الفجر، وسنة الوتر. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يأمر بها المسيء في صلاته، فكان ذلك دليلًا على أن المواظبة لا يستفاد منها الوجوب؛ إذ لو كانت واجبة لأمره بها. الدليل الثالث: أن الله تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم؛ لأن قوله: فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم مشعر بذلك، ودفع شر الشيطان واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة. * ويناقش: بأن الاستعاذة لدفع الوسوسة المنافي لكمال الخشوع، وحضور القلب، وهذا لا يقتضي بأن يصل الأمر إلى الوجوب. * دليل من فرق بين المأموم وبين الإمام والمنفرد: أن التعوذ تبع للقراءة، والمأموم لا قراءة عليه، فإذا سقطت القراءة سقطت الاستعاذة؛ لأنها تبع لها. * ويناقش: سقوط القراءة عن المأموم محل خلاف، فمنهم من قال: تسقط القراءة مطلقًا، ومنهم من قال: لا تسقط مطلقًا، ومنهم من قال: تسقط فيما يجهر به الإمام، وهو قول وسط، وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى. * دليل من قال: لا يتعوذ في الفريضة ويتعوذ في النافلة: الدليل الأول: لم تثبت الاستعاذة بالصلاة، ولا يقال: إن عموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. متناول له؛ لأنه قد نقل فعله ﵇ في الصلاة، ولم

стр. 783

ينقل فيه استعاذة، فيكون ذلك مخصصًا للآية (١). * ويناقش: بأن الأحاديث الواردة في الاستعاذة، وإن كانت ضعيفة في آحادها، ولكن مجموعها صالح للاحتجاج، ولم ينقل من صريح السنة ما يعارضها حتى يصح القول بعدم الاعتبار بها، غاية ما تدل عليه بعض الأحاديث الصحيحة أنها لم تنقل الاستعاذة، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم، فلا يعارض به عموم الآية، فالعام حجة في تناول جميع أفراده حتى يأتي دليل على تخصيصه، ولا يوجد، فكيف إذا جاءت أحاديث كثيرة، وإن كان في أسانيدها كلام خفيف تؤيد هذا العموم، وتتفق معه في مشروعية التعوذ. الدليل الثاني: (ح-١٣٢٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث بمنطوقه: أن الصلاة تفتتح بالحمد لله رب العالمين، ومفهومه: أنه لم يكن يفتتح الصلاة بالاستفتاح، ولا بالاستعاذة. وقد ناقشت دلالة هذا الحديث على سقوط دعاء الاستفتاح، والمناقشة نفسها واردة على الاستدلال بهذا الحديث على سقوط الاستعاذة، فانظرها هناك منعًا للتكرار، وفقك الله. الدليل الثالث: (ح-١٣٢٥) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع

стр. 784

بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث (١). ولم ينقل أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الفرض، فدل على أن النفل أوسع من الفرض. الدليل الرابع: أن التفريق بين النفل والفرض هو عمل أهل المدينة، حكى ذلك القرافي (٢). * ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن عمل أهل المدينة ترك التعوذ، فإن عمر بن الخطاب قد جهر بالاستفتاح والتعوذ في الفرض في مصلى النبي ﷺ ، (ث-٣٠٣) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود، قال: سمعت عمر، افتتح الصلاة وكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تعوذ. [ذكر التعوذ ليس محفوظًا] (٣).

стр. 785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 786

الجواب الثاني: بأن مذهب مالك الذي يبينه المحققون من أصحابه كأبي الوليد الباجي وغيره ﵏ أنه يرى الاحتجاج بعمل أهل المدينة فيما كان الأصل فيه النقل المستفيض، كنقلهم الصاع، والمد، وأنه ﵇ كان يأخذ بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وكالوقوف والأحباس، وكنقلهم موضع قبر النبي ﷺ ، ومكان مسجده ومكان

стр. 787

منبره، ولا يكون حجة فيما كان الأصل فيه الاجتهاد كهذه المسألة (١). * دليل من قال: الاستعاذة مرة واحدة في عمره فرض: هذا القول بناه صاحبه على أن الأصل في الأمر لا يقتضي التكرار، ومنه الأمر بالاستعاذة بالآية الكريمة، فإذا استعاذ مرة واحدة، ولو خارج الصلاة فقد امتثل الأمر. * ويجاب عنه: بأن الأمر لا يقتضي التكرار هذا إذا لم يكن معلقًا على شرط، أو مقيدًا بوصف، فإن علق على شرط كالأمر بالاستعاذة، أو قيد بوصف كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾، [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، وكانت القراءة والسرقة علة للأمر، فمقتضاه التكرار بتكرر ما قيد به، والتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا إلى الأمر نفسه (٢). كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]. وقوله ﷺ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. * الراجح: أن التعوذ سنة، وهو مشروع من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة، فإذا فاتت القراءة على المسبوق وأدرك مقدار التعوذ لم يتعوذ إلا أن يقرأ، ولو تركه متعمدًا لم تبطل صلاته حتى على القول بوجوبه؛ لأن وجوبه ليس مختصًّا بالصلاة، والله أعلم. * * *

стр. 788

المبحث الثاني في صفة الاستعاذه المدخل إلى المسألة: * الأحاديث الواردة في صفة الاستعاذة في الصلاة لا يصح منها حديث، وما صح منها خارج الصلاة ليس فيها ما يدل على قصر الاستعاذة على هذه الصفة. * قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ ليس نصًّا في استحباب صيغة معينة، وإنما هو أمر مطلق بالاستعاذة. * إذا لم نؤمر بصيغة معينة كان ذلك دليلًا على السعة. * المطلوب الاستعاذة بالله أو بأي اسم من أسمائه من الشيطان الرجيم، فأي لفظ كان فقد تحقق المراد. * تنوع صيغ الاستعاذة في القرآن والسنة دليل على السعة في الأمر، قال تعالى عن امرأة عمران: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾. وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُون﴾. وقال عن مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ﴾. وقال عن موسى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم﴾ وفي آية أخرى: ﴿أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ وجاء في السنة: أعوذ بكلمات الله التامات، وجاء أيضًا: أعوذ بك من شر نفسي وشرِّ الشيطان وشركه. [م-٥٢٧] ذهب أكثر الفقهاء إلى أن التعوذ يحصل بكل لفظ يشتمل على الاستعاذة بالله من الشيطان خلافًا لابن حزم حيث قال بوجوب: أعوذ بالله

стр. 789

من الشيطان الرجيم في هذا المحل، واختلف الجمهور في المختار (١). فقيل: المستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو ظاهر مذهب الحنفية، اختاره أكثرهم، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، واختاره أكثر القراء، منهم: أبو عمرو البصري، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وعبد الله بن كثير المكي (٢). وقال ابن قدامة: «وصفة الاستعاذة: أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨] (٣). * أدلة الجمهور: الدليل الأول: أن هذه الصيغة هي نص الكتاب، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ

стр. 790

الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨]. فقول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مقتضى الامتثال لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨] .. فهذه الصيغة وردت في قراءة القرآن، وغيرها من ألفاظ الاستعاذة الأخرى إما ورد مطلقًا، أو ورد في الاستعاذة من نزغ الشيطان، ولم يرد في قراءة القرآن، وما ورد في السنة مخالفًا لهذه الصيغة فلم يصح منه حديث، كحديث جبير بن مطعم، وحديث أبي سعيد، وغيرهما من الأحاديث، لهذا كانت هذه الصيغة مقدمة على غيرها. الدليل الثاني: (ح-١٣٢٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن عدي بن ثابت، حدثنا سليمان بن صُرَدٍ، قال: اسْتَبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مُغْضَبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة، لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ ؟ قال: إني لست بمجنون (١). الدليل الثالث: (ث-٣٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: افتتح عمر الصلاة، ثم كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمد لله رب العالمين (٢). [رواه أبو معاوية ووكيع وابن نمير عن الأعمش دون ذكر التعوذ، وهو المحفوظ] (٣).

стр. 791

الدليل الرابع: (ث-٣٠٥) روى حرب الكرماني في مسائله، قال: حدثنا إسحاق، قال: أنبأ محمد بن بكر، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قلت لنافع: كيف كان ابن عمر يستعيذ؟ فقال: كان ابن عمر يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم (١). [رجاله ثقات إلا محمد بن بكر بن عثمان فإنه صدوق يخطئ] (٢). الدليل الخامس: (ح-١٣٢٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه. وقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه. قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (٣). [ضعيف] (٤). الدليل السادس: ولأن المصلي لو قال: أعوذ بالله السميع العليم يكون فاصلًا بين التعوذ وبين القراءة، وينبغي أن تكون القراءة متصلة بالتعوذ (٥).

стр. 792

وهذا الكلام ليس بشيء، لأن السميع العليم صفة ذاتية لله، فهي عين الموصوف، فليست فاصلة بينهما، وكيف تكون فاصلة والجار والمجرور بعدها متعلق بالفعل أعوذ، ولولا أن بعض الحنفية ذكروه ما عرجت عليه. وقيل: المختار أن يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، اختاره بعض الحنفية، وبعض الحنفية خَيَّرَ بين هذه الصيغة والصيغة السابقة (١). قال صاحب الهداية: «والأولى أن يقول: أستعيذ بالله؛ ليوافق القرآن، ويقرب منه: أعوذ بالله» (٢). يقصد بالموافقة أن الآية جاءت بلفظ: (فاستعذ) بصيغة الأمر من الاستعاذة، (وأستعيذ) مضارعها، فيتوافقان لفظًا، بخلاف (أعوذ)، فإنه من العوذ، لا من الاستعاذة (٣). ورده ابن الهمام، وغيره، فقالوا: بأن لفظ (استعذْ) أي اطلب العوذة، ومقتضى الامتثال (أعوذ)، أما قربه من لفظه فمهدر (٤). ولا أرى حرجًا أن يقول المستعيذ: أستعيذ بالله: فإن المعنى أطلب منه أن يعيذني، فإن السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله: أي أطلب العياذ به، كما إذا قلت: أستخير الله: أي أطلب خيرته، وأستغفره: أي أطلب مغفرته، وأستقيله: أي أطلب إقالته، فإذا قال المأمور: أعوذ بالله: فقد امتثل ما طلب منه؛ لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام، وإذا قال: أستغفر الله، فإن المعنى: أطلب من الله أن يغفر لي، وإذا قال: أستعيذ بالله: أي أطلب منه أن يعيذني، والله أعلم (٥). وقيل: الصفة المستحبة الجمع بين آية التعوذ للقراءة وآية التعوذ من نزغ الشيطان على خلاف بينهم في صيغة الجمع

стр. 793

* واستدلوا لذلك بأدلة منها: الدليل الأول: وردت الاستعاذة في القرآن بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨]. فهذه إحدى الصفتين: ووردت الاستعاذة من نزغ الشيطان بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾، [فصلت: ٣٦]. وبقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. فاستحب الجمع بينهما في الاستعاذة، فبعضهم رأى الجمع بينهما بلفظ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وهو وجه في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، واختارها الحسن البصري (١). وبعضهم رأى الجمع بينهما بلفظ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وهو رواية عن أحمد، وجزم به في الهداية والمستوعب، واختاره ابن أبي موسى من الحنابلة، وحكاه إسحاق عن مسلم بن يسار، وبه قال الثوري (٢). وقال المازري في شرح التلقين: «وقال بعض أصحابنا في صفة التعوذ: أعوذ

стр. 794

بالله العظيم من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم» (١). وبعضهم رأ ى الجمع بصيغة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم، وهذا القول رواية عن أحمد، اختارها بعض أصحابه (٢). (ث-٣٠٦) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يقول: رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم (٣). [صحيح]. وكل هذه الصيغ استندت في الاستدلال على الجمع بين آية التعوذ للقراءة، وآية التعوذ من نزغ الشيطان. * ونوقش: قال النووي جوابًا عن ذلك: إن الآية ليست بيانًا لصفة الاستعاذة بل أمر الله تعالى بالاستعاذة، وأخبر أنه سميع عليم فهو حث على الاستعاذة (٤). قلت يؤيده أنه قال في آية أخرى: فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير [غافر: ٥٦]. الدليل الثاني: (ح-١٣٢٨) ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن جعفر بن سليمان، عن علي ابن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يهلل ثلاثًا، ويكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. [ضعيف] (٥). وقيل: يتخير بين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو أعوذ بالله السميع العليم،

стр. 795

وهذا منقول عن ابن عمر ﵄. (ث-٣٠٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر كان يتعوذ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (١). [رواه عبد الرزاق عن ابن جريج ولم يذكر فيه: (أعوذ بالله السميع العليم)] (٢). * الراجح: أن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ ليس نصًّا في استحباب صيغة معينة، وإنما هو أمر للعبد بالاستعاذة بالله، وإذا لم نؤمر بصيغة معينة يكون ذلك دليلًا على السعة، فإن استعاذ بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وعلى ذلك أكثر الفقهاء والقراء، فذلك الأحسن، وإن اختار صيغة أخرى كأعوذ بالله السميع العليم فذلك حسن، ولذلك ورد عن ابن عمر أنه كان يستعيذ بقوله: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، ولو كُلِّفْنَا صيغة معينة لجاءت النصوص صحيحة صريحة تقوم بها الحجة على الخلق، والله أعلم. * * *

стр. 796

المبحث الثالث في محل الاستعاذه المدخل إلى المسألة: * محل الاستعاذة توقيفي، متلقى من الشارع. * الأمر بالاستعاذة متعلق بإرادة قراءة القرآن، فلا معنى للاستعاذة بعد القراءة. * إذا كانت الاستعاذة على الصحيح للقراءة من أجلها، كانت قبل القراءة متصلة بها، كالاستعاذة خارج الصلاة عند قراءة القراءة. * القول بأن الاستعاذة بعد القراءة نزعة ظاهرية. * صفة الصلاة تُلُقِّيَتْ بالنقل العملي، (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فصلى الصحابة كما رأوا رسول ﷺ يصلي، وصلى التابعون كما رأوا الصحابة يصلون، ونقلت إلينا نقلًا عمليًّا جيلًا بعد جيل، وهذا النقل أقوى من الإسناد الذي قد يتطرق إليه الوهم فلا تغلبنكم النزعة الظاهرية على أحكام صلاتكم. [م-٥٢٨] اختلف الفقهاء في محل الاستعاذة: فاختار عامتهم أنه يستعيذ بعد الاستفتاح وقبل القراءة، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة على خلاف بينهم في الاستعاذة: أهي مشروعة في الصلاة من أجلها، أم من أجل القراءة؟ (١).

стр. 797

فمن قال: الاستعاذة للقراءة، كانت مشروعة للإمام والمنفرد في هذا الموضع، وأما المأموم، فمن رأى أن الإمام يتحمل القراءة عنه، قال: لا يستعيذ: إما مطلقًا، أو لا يستعيذ في الجهرية مطلقًا؛ أو في الجهرية بشرط أن يسمع قراءة الإمام، فإن لم يسمعه لبعد أو لطرش تعوذ، وكلها أقوال قيل بها. ومن قال: إن الإمام لا يتحمل القراءة عن المأموم مطلقًا، قال: يستعيذ في الصلاة السرية والجهرية كالإمام والمنفرد. وسوف يأتينا حكم الاستعاذة في الصلاة الجهرية، وحكم قراءة الفاتحة للمأموم إن شاء الله تعالى. * والدليل على أن الاستعاذة للقراءة: أن الله أمر بها في كتابه عند إرادة القراءة، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾، [النحل: ٩٨].، فكان علة الأمر بالاستعاذة هو إرادة القراءة. وكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كحديث جبير بن مطعم وسبق تخريجه، وحديث أبي سعيد الخدري، وسبق تخريجه، وأثر عمر ﵁، وسبق تخريجه، وغيرها فإنها كلها متفقة على أن الاستعاذة بعد الافتتاح، وقبل القراءة، ولو كان التعوذ من أجل الصلاة لاستعاذ قبل الافتتاح؛ لأن الافتتاح جزء من الصلاة، ولأن من استعاذ مع ابتداء الصلاة دخلت القراءة تبعًا، بخلاف الاستعاذة عند القراءة، فظاهر أن المقصود بالاستعاذة هو القراءة، والله أعلم. ومن قال: إن الاستعاذة من أجل الصلاة؛ لدفع وسوسة الشيطان، أو من أجلها ومن أجل القراءة، رأى أن المأموم يستعيذ، ولو كان لا يقرأ (١).

стр. 798

لأن الاستعاذة إن كانت لدفع الوسوسة، فهي ترد على الصلاة كما ترد على القراءة، والمصلي بحاجة إلى الاستعاذة بالله من شر الشيطان ووسوسته. (ح-١٣٢٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي أقبل، حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يَدرِ ثلاثًا صلى أو أربعًا، سجد سجدتي السهو (١). وقال أبو يوسف من الحنفية: إن التعوذ تبع للثناء يعني بالثناء دعاء الاستفتاح، وليس تبعًا للقراءة خلافًا لصاحبيه (٢). لأنه نوع من الدعاء فهو أشبه بدعاء الافتتاح، لكونه يأتي بعده متصلًا به، ويأخذ حكمه في عدم وجوبه، وعدم الجهر به. وقيل: يتعوذ بعد القراءة، وهو قول داود، وإحدى الروايتين عن ابن سيرين، والنخعي، ونسب لأبي هريرة، وحكي قولًا في مذهب المالكية.

стр. 799

وما نسب لأبي هريرة إن صح عنه، وابن سيرين يحتمل التأويل (١). (ث-٣٠٨) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد أنه كان يتعوذ قبل قراءة فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول في تعوذه: أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين، وأعوذ بالله أن يحضرون (٢). [صحيح]. فيحتمل أن يكون تعوذه بعد الفاتحة ليس من أجل الفراغ من الفاتحة، وإنما أعاد التعوذ اجتهادًا منه لقراءة ما تيسر من القرآن، فجعل الاستعاذة في حكم البسملة، يكررها بتكرار القراءة، والله أعلم. ونقل الرازي في تفسيره قولًا آخر، فقال: «أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر، وبعدها بمقتضى القرآن جمعًا بين الدليلين بقدر الإمكان» (٣). وهذا يصح لو كانت دلالة القرآن أنه يستعيذ بعدها. وقال مالك: يتعوذ قبل الإحرام حتى لا يكون بعد الإحرام ذكر إلا القراءة،

стр. 800

حكاه الماوردي عن مالك، ولم أقف عليه في كتب المالكية (١). * دليل من قال: يستعيذ بعد القراءة: الدليل الأول: استدل بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨]. دلت الآية أن قراءة القرآن شرط، وذكر الاستعاذة جزاء، والجزاء متأخر عن الشرط، فكان ظاهر الآية يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣]. * ويناقش: بأن قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ يحتمل: إذا أردت قراءته، كما في قوله تعالى ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، وحديث أنس: كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، أي إذا أراد دخوله. وكقول القائل: إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني قبل الإحرام، والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ذلك. ويحتمل: إذا فرغت من القراءة، كما يفيده الفعل الماضي (قرأت). ويحتمل المقارنة، كما في قوله ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا: أي مع تأمينه، كما يبينه حديث: وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين. والله أعلم. فإذا كانت الاستعاذة لدفع شر الوسوسة في أثناء القراءة تعين حملها على المعنى الأول: أي إذا أردت القراءة، وهو قول عامة أهل العلم. قال ابن العربي: «انتهى العي بقوم أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذٍ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم» (٢). الدليل الثاني: أن القارئ كان في عبادة، فربما دخله عُجْبٌ أو رِيَاءٌ، وهما من الشيطان، فأمر بالتعوذ منه للسلامة من تسويله.

стр. 801

* ويناقش: بأن هذا التعوذ عارض لا يشرع إلا عند سببه، فإذا شعر القارئ مثل ذلك تعوذ بعد العبادة، كما في التعوذ من وسوسة الشيطان إذا ورد على المصلي في أثناء الصلاة. * الراجح: الاستعاذة تارة ترد لدفع وسوسة تعرض لها المصلي في صلاته، فهذه محلها أن يستعيذ حين يشعر المسلم بتلك الوسوسة في أي موضع من صلاته. وأما الاستعاذة المشروعة لكل صلاة فمحلها بعد الافتتاح وقبل القراءة، وسواء أكانت الاستعاذة للقراءة أم للصلاة، فإن المسلم مطلوب منه الامتثال، بأن يستعيذ في هذا الموضع، والله أعلم. * * *

стр. 802

المبحث الرابع في الجهر بالاستعاذة المدخل إلى المسألة: * الجهر في أذكار الصلاة مختص بالقرآن والتكبير، والاستعاذة ليست منهما بالاتفاق. * الجهر والإسرار من صفات الصلاة القائمة على التوقيف ولا دخل للقياس فيها. * الاستعاذة للقراءة إن كانت خارج الصلاة جهر بها، وإن كانت داخل الصلاة أَسرَّ بها، والتعليل الامتثال، ولا دخل للقياس فيه. * قياس الاستعاذة على التأمين لا يصح، ولا حاجة للقياس في مسألة تتكرر في عهد النبي ﷺ كل يوم خمس مرات. * اضطرار المجتهد إلى القياس في مسألة الجهر بالاستعاذة دليل على عدم وجود نصوص يعتمد عليها في المسألة. [م-٥٢٩] لا يجهر بالاستعاذة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والأرجح عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). وكره مالك في العتبية الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (٢).

стр. 803

وقيل: يسن الجهر بها في الصلاة الجهرية، وهو قول للشافعية في مقابل الأصح، وجوز مالك الجهر بها في قيام رمضان، وهو ظاهر المدونة (١). وقال الشافعي في الأم: «أيهما فعل أجزأه» (٢)، وفهم أصحابه منها التخيير بينهما. وقال ابن أبي ليلى: «الإسرار والجهر سواء، هما حسنان» (٣). * دليل من قال: لا يجهر بالاستعاذة: الدليل الأول: قال ابن تيمية: «لم يَنْقُل أحدٌ عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة» (٤). وقال السرخسي: «الجهر بالتعوذ لم يُنْقَل عن رسول الله ﷺ ، ولو كان يجهر به لنقل نقلًا مستفيضًا» (٥). وقال ابن قدامة: «ولا يجهر بها -يعني الاستعاذة- لا أعلم فيه خلافًا» (٦). وإذا لم يصح الإجماع فإنه يدل على أنه قول أكثر الأمة. الدليل الثاني: أن الإسرار بها عمل الخلفاء الراشدين، إلا أن يجهر لعارض كما لو جهر بقصد التعليم، أما أن يجهر بها على سبيل الدوام فاعتبر ابن تيمية ذلك بدعة في العبادة.

стр. 804

سُئِلَ ابن تيمية عن حكم من جهر بالاستعاذة إذا صلى، فقال في مجموع الفتاوى: «إذا فعل ذلك أحيانًا للتعليم ونحوه فلا بأس بذلك، كما كان عمر بن الخطاب يجهر بدعاء الاستفتاح مدة، وكما كان ابن عمر وأبو هريرة يجهران بالاستعاذة أحيانًا. وأما المداومة على الجهر بذلك فبدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين؛ فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائمًا، بل لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة والله أعلم» (١). والخلفاء الراشدون لهم سنة متبعة بأمر النبي ﷺ ، لحديث العرباض بن سارية: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (٢). الدليل الثالث: (ح-١٣٣٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (٣). الدليل الرابع: أن الاستعاذة ليست من القرآن بالإجماع، فهو ذكر بين تكبيرة الإحرام والقراءة فكانت صفته الإسرار أصله دعاء الاستفتاح. * دليل من قال: يجهر بالاستعاذة: الدليل الأول: أن الاستعاذة تابعة للقراءة، فأشبهت التأمين. * ويناقش: بأن قياس الشبه من أضعف أنواع القياس، فالجهر بالتأمين محفوظ، ولم ينقل

стр. 805

أحد من الصحابة عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة، ولا نحتاج إلى هذا النوع من القياس في أمر كان يفعل في عهد النبي ﷺ في اليوم خمس مرات، فلو كان النبي ﷺ يجهر بالاستعاذة لنقل إلينا. الدليل الثاني: القياس على القراءة خارج الصلاة. * ويناقش: أن القياس لا يصح، فالصلاة لها أحكامها، والجهر والإسرار من صفة الصلاة القائم على التوقيف، وإذا احتاج المجتهد لاستخدام القياس في مسألة يتكرر فعلها كل يوم، فاعلم أنه لو كان عنده من النصوص ما يعتمد عليه، لم يضطر إلى القياس. * دليل من قال: يتخير: استدل ابن كثير لقول الشافعي في الأم بأنه يتخير، قال: لأنه أَسَرَّ ابن عمر وجهر أبو هريرة. * ويناقش: بأن ذلك إن صح عن أبي هريرة، ولا إخاله، فإنه إنما فعل ذلك من أجل التعليم كما جهر عمر بالاستفتاح أحيانًا بقصد التعليم، والله أعلم. * الراجح: أن الاستعاذة لا يجهر بها؛ لكون الجهر بها لم ينقل من فعل النبي ﷺ وإذا كان المصلي لا يجهر بالبسملة، وهي آية من كتاب الله، فلا يجهر بالاستعاذة، وهي ليست آية من القرآن، والتعليل الأول أقوى؛ لأن التأمين يجهر به، وهو ليس آية من كتاب الله، والله أعلم. * * *

стр. 806

المبحث الخامس في تكرار الاستعاذة في كل ركعة المدخل إلى المسألة: * لا يوجد نص ولو ضعيفًا يُؤْثَر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى. * لو كان التعوذ في الركعة الثانية محفوظًا لوجدنا النقل من آثار الصحابة وعملهم بما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة. * القراءة في الصلاة قراءة واحدة، والتعوذ في أولها تعوذ لجميعها. * لا يقطع قراءة المصلي إلا سكوت طويل، أو ذكر طويل غير مشروع، فأما السكوت اليسير والذكر المشروع فلا يقطع القراءة. * الأصل عدم تكرار التعوذ إلا بتوقيف. * إذا لم يقطع سجود التلاوة قراءة المصلي مع أنه لا يختص بالصلاة، لم يقطع قراءته الركوع والسجود المختص بالصلاة من باب أولى. [م-٥٣٠] اختلف الفقهاء في الاستعاذة للقراءة في الصلاة، أتكفي استعاذة واحدة للصلاة أم تكرر الاستعاذة في كل ركعة؟ فقيل: لا يتعوذ مَنْ تعوذ في الركعة الأولى، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد قولي الشافعي، ورجحه ابن القيم (١).

стр. 807

وقيل: يشرع التعوذ للقراءة في كل ركعة، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، رجحها ابن تيمية، وبه قال ابن حزم، واختاره ابن حبيب من المالكية إلا أنه خصه في النافلة. قال الشافعية: إلا أنه في الركعة الأولى آكد (١). وقال عطاء: إذا صلى أكثر من صلاة كفاه الاستعاذة للصلاة الأولى (٢). * وسبب الخلاف: اختلافهم في قراءة الصلاة: أهي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة أم أن قراءة كل ركعة مستقلة بنفسها؟ وإذا ركع وسجد، ثم قام، أيعتبر الركوع والسجود فاصلًا طويلًا يفصل قراءته فإذا عاد إلى القراءة شرعت له الاستعاذة مرة أخرى، أم لا يعد فاصلًا طويلًا، كما لو سجد للتلاوة في الصلاة، فإنه يعود إلى قراءته ولا يكرر الاستعاذة؟ * دليل من قال: لا يكرر التعوذ: الدليل الأول: لا يوجد نص يؤثر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى، والأصل عدم المشروعية.

стр. 808

الدليل الثاني: (ح-١٣٣١) روى مسلم تعليقًا، قال: وحدثت عن يحيى بن حسان، ويونس المؤدب، وغيرهما، قالوا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ولم يسكت (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (ولم يسكت) نفي لمطلق السكوت، فكان هذا دليلًا على أنه لم يستفتح ولم يتعوذ؛ إذ لو تعوذ لتطلب ذلك قدرًا من السكوت لكي يتعوذ سِرًّا. * ونوقش هذا الاستدلال: يحتمل بالنفي أنه أراد مطلق السكوت، وهذا يشمل حتى سكوته للبسملة، ويحتمل أنه أراد بالنفي سكوته المعهود في الركعة الأولى، والتي فيها دعاء الاستفتاح، والتعوذ والبسملة، وهي سكتة طويلة، بخلاف سكوته للتعوذ والبسملة فهي سكتة لطيفة لا يحس بها المُؤْتَمُّ؛ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، والله أعلم، وإذا احتمل هذا لم يكن في الحديث حجة على نفي التعوذ للركعة الثانية، والله أعلم.

стр. 809

* وأجيب عن هذا: بأن الحديث ظاهره أنه لم يسكت لا للتعوذ ولا للبسملة، فنتمسك بهذا الظاهر حتى يأتي ما يعارضه، والواجب قراءة الفاتحة، والبسملة ليست آية منها على الصحيح كما سيأتي بيانه، ولو كانت آية منها لجهر بها، ولو قيل: إن سكوته للبسملة وحدها مقدار لطيف لا يشعر به المأموم لربما احتمل؛ لأنه لا ينهض المأموم إلا وقد شرع الإمام بالقراءة، بخلاف السكوت للتعوذ والبسملة فلن يكون مقداره لطيفًا، فلابد أن يشعر به المأموم، وإن كان مقداره أقل من السكوت للركعة الأولى، فإذا اجتمع هذا النفي في هذا الحديث، ولم يعارض بنقل صحيح أن النبي ﷺ كان يستعيذ للركعة الثانية، كان الاحتياط في ترك التعوذ؛ لأن الأصل عدم المشروعية، ولو كان النبي ﷺ يتعوذ لنقل، ولو في حديث ضعيف، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ولو كان التعوذ محفوظًا لوجدنا النقل من آثار الصحابة وعملهم بما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة، فإذا لم يوجد سنة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة ﵃، ووجد حديث ينفي مطلق السكوت في الركعة الثانية فلا يمكن الجزم بمشروعية التعوذ في الركعة الثانية، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الأحاديث التي نقلت لنا صفة التعوذ مع ضعفها قد ذكرت محله بعد الاستفتاح، وقبل القراءة، ولم تنقل لنا غيره، ولو كانت الاستعاذة تتكرر لنقلت لنا ذلك، والأصل عدم التكرار، من ذلك: (ح-١٣٣٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ. [أخطأ فيه جعفر بن سليمان مرتين: في وصله، وفي جعله من حديث

стр. 810

أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا] (١). (ح-١٣٣٣) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه. وقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه. قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (٢). [ضعيف] (٣). (ح-١٣٣٤) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخًا من أهل دمشق، أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثًا، وسبح ثلاثًا، وهلل ثلاثًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه (٤). ورواه شريك، عن يعلى به، وقال: ونفثه بدل (شركه). [ضعيف] (٥). (ث-٣٠٩) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود، قال: سمعت عمر، افتتح الصلاة وكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تعوذ.
следующие страницы →