← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

المبحث الخامس في تكرار الاستعاذة في كل ركعة المدخل إلى المسألة: * لا يوجد نص ولو ضعيفًا يُؤْثَر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى. * لو كان التعوذ في الركعة الثانية محفوظًا لوجدنا النقل من آثار الصحابة وعملهم بما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة. * القراءة في الصلاة قراءة واحدة، والتعوذ في أولها تعوذ لجميعها. * لا يقطع قراءة المصلي إلا سكوت طويل، أو ذكر طويل غير مشروع، فأما السكوت اليسير والذكر المشروع فلا يقطع القراءة. * الأصل عدم تكرار التعوذ إلا بتوقيف. * إذا لم يقطع سجود التلاوة قراءة المصلي مع أنه لا يختص بالصلاة، لم يقطع قراءته الركوع والسجود المختص بالصلاة من باب أولى. [م-٥٣٠] اختلف الفقهاء في الاستعاذة للقراءة في الصلاة، أتكفي استعاذة واحدة للصلاة أم تكرر الاستعاذة في كل ركعة؟ فقيل: لا يتعوذ مَنْ تعوذ في الركعة الأولى، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد قولي الشافعي، ورجحه ابن القيم (١).

стр. 807

وقيل: يشرع التعوذ للقراءة في كل ركعة، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، رجحها ابن تيمية، وبه قال ابن حزم، واختاره ابن حبيب من المالكية إلا أنه خصه في النافلة. قال الشافعية: إلا أنه في الركعة الأولى آكد (١). وقال عطاء: إذا صلى أكثر من صلاة كفاه الاستعاذة للصلاة الأولى (٢). * وسبب الخلاف: اختلافهم في قراءة الصلاة: أهي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة أم أن قراءة كل ركعة مستقلة بنفسها؟ وإذا ركع وسجد، ثم قام، أيعتبر الركوع والسجود فاصلًا طويلًا يفصل قراءته فإذا عاد إلى القراءة شرعت له الاستعاذة مرة أخرى، أم لا يعد فاصلًا طويلًا، كما لو سجد للتلاوة في الصلاة، فإنه يعود إلى قراءته ولا يكرر الاستعاذة؟ * دليل من قال: لا يكرر التعوذ: الدليل الأول: لا يوجد نص يؤثر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى، والأصل عدم المشروعية.

стр. 808

الدليل الثاني: (ح-١٣٣١) روى مسلم تعليقًا، قال: وحدثت عن يحيى بن حسان، ويونس المؤدب، وغيرهما، قالوا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ولم يسكت (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (ولم يسكت) نفي لمطلق السكوت، فكان هذا دليلًا على أنه لم يستفتح ولم يتعوذ؛ إذ لو تعوذ لتطلب ذلك قدرًا من السكوت لكي يتعوذ سِرًّا. * ونوقش هذا الاستدلال: يحتمل بالنفي أنه أراد مطلق السكوت، وهذا يشمل حتى سكوته للبسملة، ويحتمل أنه أراد بالنفي سكوته المعهود في الركعة الأولى، والتي فيها دعاء الاستفتاح، والتعوذ والبسملة، وهي سكتة طويلة، بخلاف سكوته للتعوذ والبسملة فهي سكتة لطيفة لا يحس بها المُؤْتَمُّ؛ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، والله أعلم، وإذا احتمل هذا لم يكن في الحديث حجة على نفي التعوذ للركعة الثانية، والله أعلم.

стр. 809

* وأجيب عن هذا: بأن الحديث ظاهره أنه لم يسكت لا للتعوذ ولا للبسملة، فنتمسك بهذا الظاهر حتى يأتي ما يعارضه، والواجب قراءة الفاتحة، والبسملة ليست آية منها على الصحيح كما سيأتي بيانه، ولو كانت آية منها لجهر بها، ولو قيل: إن سكوته للبسملة وحدها مقدار لطيف لا يشعر به المأموم لربما احتمل؛ لأنه لا ينهض المأموم إلا وقد شرع الإمام بالقراءة، بخلاف السكوت للتعوذ والبسملة فلن يكون مقداره لطيفًا، فلابد أن يشعر به المأموم، وإن كان مقداره أقل من السكوت للركعة الأولى، فإذا اجتمع هذا النفي في هذا الحديث، ولم يعارض بنقل صحيح أن النبي ﷺ كان يستعيذ للركعة الثانية، كان الاحتياط في ترك التعوذ؛ لأن الأصل عدم المشروعية، ولو كان النبي ﷺ يتعوذ لنقل، ولو في حديث ضعيف، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ولو كان التعوذ محفوظًا لوجدنا النقل من آثار الصحابة وعملهم بما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة، فإذا لم يوجد سنة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة ﵃، ووجد حديث ينفي مطلق السكوت في الركعة الثانية فلا يمكن الجزم بمشروعية التعوذ في الركعة الثانية، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الأحاديث التي نقلت لنا صفة التعوذ مع ضعفها قد ذكرت محله بعد الاستفتاح، وقبل القراءة، ولم تنقل لنا غيره، ولو كانت الاستعاذة تتكرر لنقلت لنا ذلك، والأصل عدم التكرار، من ذلك: (ح-١٣٣٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ. [أخطأ فيه جعفر بن سليمان مرتين: في وصله، وفي جعله من حديث

стр. 810

أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا] (١). (ح-١٣٣٣) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه. وقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه. قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (٢). [ضعيف] (٣). (ح-١٣٣٤) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخًا من أهل دمشق، أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثًا، وسبح ثلاثًا، وهلل ثلاثًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه (٤). ورواه شريك، عن يعلى به، وقال: ونفثه بدل (شركه). [ضعيف] (٥). (ث-٣٠٩) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود، قال: سمعت عمر، افتتح الصلاة وكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تعوذ.

стр. 811

[ذكر التعوذ ليس محفوظًا] (١). (ح-١٣٣٥) ومنها: ما رواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق محمد بن أيوب، عن ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه (٢). [ضعيف مرفوعًا] (٣). هذه هي الآثار التي نقلت لنا محل التعوذ في الصلاة، وهي آثار مع ضعفها متفقة على أن التعوذ في الركعة الأولى، ولم أقف على شيء منها يذكر التعوذ في الركعة الثانية، ولو كان القوم يتعوذون في باقي الركعات لتوفرت الدواعي على نقله، ولحفظ لنا ذلك مرفوعًا أو موقوفًا. الدليل الرابع: أن القراءة في الصلاة بمنزلة القراءة الواحدة، فإذا استعاذ في الركعة الأولى فقد استعاذ لكل قراءته، بدليل أن غالب قراءة النبي ﷺ في الصلاة يراعي فيها الترتيب بين السور فكان يقرأ الجمعة قبل المنافقون، ويقرأ سورة الكافرون قبل الإخلاص، ويقرأ سورة سَبِّحْ قبل الغاشية، وكل ذلك يدل على أنها قراءة واحدة، ولو كانت قراءة كل ركعةٍ مستقلةٍ لم يراعِ الترتيب بين السور. الدليل الخامس: أن ركوع المصلي وسجوده، لا يقطع قراءته؛ لأنه عمل يسير مشتمل على ذكر لله تعالى، فكانت القراءة في باقي الركعات موصولة بالقراءة الأولى حكمًا، (ح-١٣٣٦) بدليل ما رواه مسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،

стр. 812

عن عمران بن الحصين، قال: سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات، من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أَقُصِرَتْ الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم (١). وجه الاستدلال: فإذا كان كلام الساهي في صلاته، وانحرافه عن القبلة، ودخوله الغرفة، ثم خروجه منها إذا كان كل ذلك لم يقطع صلاته، ولم يمنع النبي ﷺ من بناء آخر صلاته على أولها؛ لكونه معذورًا بالنسيان فكيف يقطع الركوع والسجود والذكر المتصل بالصلاة كيف يجعل ذلك قاطعًا لقراءته، حتى جعلت كل ركعة قراءة مستقلة. قال ابن القيم: وإنما يكفي استعاذة واحدة؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي ﷺ ، ونحو ذلك (٢). الدليل السادس: إذا عرض للمصلي سجود التلاوة في قراءته سجد، ثم عاد لقراءته بلا استعاذة، ولم يقطع سجود التلاوة قراءته، فكذلك الشأن في الركعة الثانية، هي متممة لقراءة الركعة الأولى. * دليل من قال: يتعوذ لكل قراءة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨]. وجه الاستدلال: أن الأمر المعلق على شرط أوالمقيد بوصف يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما خاصة إذا كان الشرط أو الوصف علة في الحكم كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا

стр. 813

قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾، فكلما حصل زنا أو سرقة وجب إقامة الحد ما لم يكن التكرار قبل إقامة الحد (١). فالقراءة هي علة الأمر بالاستعاذة، فمقتضاه تكرارها بتكرر القراءة، وهو مستند إلى تكرر العلة، لا إلى الأمر نفسه، كالحكم يتعدد بتعدد سببه (٢). * وأجيب: بأن تكرار الاستعاذة لتكرر القراءة غير مدفوع، إلا أن ترك النقل للتعوذ في الركعة الثانية يجعل قراءة الصلاة قراءة واحدة، فلم تتكرر القراءة حتى تتكرر الاستعاذة. * ونوقش: بأن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، فلا يكون الدليل عدميًّا. * ورد هذا النقاش: بأن عدم النقل لشيء لو كان النبي ﷺ فعله لتوفرت همم أكثر الصحابة على نقله؛ لحاجة الأمة إليه، فلما لم ينقله أحد منهم البتة، ولم ينقل أيضًا من فعل الصحابة مع حرصهم على نقل سنته، كان ذلك بمنزلة نقل العدم، فلو أن أحدًا رفع يديه في دعاء الاستفتاح، أو رفع يديه في دعاء التشهد احتجاجًا بالأدلة العامة في رفع اليدين في الدعاء، واستنادًا إلى أنه لم يرد نفي أو نهي من النبي ﷺ عن رفع اليدين في هذا الموطن لما كان ذلك صوابًا، فكذلك هنا، فإن الاحتجاج بالدليل العام ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾، مع ورود حديث أبي هريرة بأنه نهض للركعة الثانية، ولم يسكت، ولم يرد نقل يعارضه ولو ضعيفًا بأنه ﵇ تعوذ لقراءة الركعة الثانية، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم تعوذوا كان ذلك بمنزلة نقل العدم، والله أعلم. الدليل الثاني: أن الركوع والسجود وأذكارهما تعتبر فاصلًا طويلًا، لكونها أفعالًا وأقوالًا أجنبية عن القراءة، وإذا حصل فاصل أجنبي بين القراءتين شرعت الاستعاذة للقراءة الثانية.

стр. 814

* ونوقش: بأن ما يقطع القراءة هو السكوت الطويل، أو ذكر طويل غير مشروع، وأما السكوت اليسير، أو الذكر المشروع فلا يقطع القراءة قياسًا على سجود التلاوة إذا عرض للمصلي في صلاته، ثم عادة لقراءته فلا يعتبر فاصلًا، والله أعلم. * الراجح: أرى أن القول الأول هو الراجح، وأن قراءة الصلاة قراءة واحدة تكفيها استعاذة واحدة، يقول الشوكاني: «الأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط» (١). فاستحباب التعوذ في الركعة الثانية يدخل في استحباب ذكر مقيد في الصلاة يتحرى فيه المصلي موضعًا معينًا ويأتي به على صفة معينة، والأصل عدم المشروعية حتى يأتي من السنة أو من آثار الصحابة ما يدل على أنهم كانوا يفعلونه، خاصة أن الصلاة كانت تتكرر في اليوم خمس مرات، وكان القوم حريصين على نقل هديه ﵊ في صلاته بل في شأنه كله، فإذا لم يوجد نص خاص مع توفر الدواعي على النقل غلب على الظن عدم المشروعية، والله أعلم. * * *

стр. 815

المبحث السادس في مشروعية البسملة في الصلاة الفرع الأول في قرآنية البسملة المدخل إلى المسألة: * كتابة البسملة في المصحف من لدن الصحابة متواتر وهذا كافٍ في إثبات قرآنيتها. * إجماع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان ﵁ مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه دليل على قرآنية البسملة. * كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجهٍ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردها. * اشتراط التواتر في كل حرف من حروف الخلاف في القرآن يؤدي إلى انتفاء كثير من أحرف الخلاف الثابتة عن الأئمة السبعة وغيرهم. * لم يجهر النبي ﷺ بالبسملة، لا في الفاتحة، ولا في غيرها، فلو كانت البسملة آية من السورة لجهر بها كما يجهر بسائر السور. * لا يصح بالجهر بالبسملة حديث مرفوع. [م-٥٣١] البحث في حكم البسملة والجهر بها في الصلاة مبني على الخلاف في قرآنيتها، لهذا يحتاج قبل البحث عن حكم البسملة في الصلاة وعن حكم الجهر بها إلى تحرير الخلاف في قرآنية البسملة. وقبل الكلام في ذلك نحرر مناط الاتفاق قبل أن نذكر مواضع الخلاف: فالعلماء متفقون على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل، ومتفقون على

стр. 816

أن البسملة ليست جزءًا من سورة براءة (١). واختلفوا فيما عدا ذلك: فقيل: ليست قرآنًا مطلقًا، بل هي ذكر كتبت للتبرك بها، وهذا مذهب المالكية، وطائفة من الحنفية، وحكي رواية عن أحمد قال ابن تيمية: ولا يصح عنه، وإن كان قولًا في مذهبه (٢). قال الحطاب: «البسملة ليست عندنا من الحمد، ولا من سائر القرآن، إلا من سورة النمل» (٣). وقيل: البسملة آية من القرآن على خلاف بينهم، أتكون آية مستقلة، أم آية من الفاتحة ومن كل سورة، أم آية من الفاتحة فقط على النحو التالي: فقيل: آية مستقلة من القرآن نزلت للفصل بين السور، لا هي من الفاتحة، ولا هي آية من أول كل سورة، وهذا هو المشهور عند الحنفية، ورواية عن أحمد، قال ابن تيمية: وهذا أعدل الأقوال (٤). قال المرداوي في الإنصاف: «وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه» (٥). وقال الشافعية: البسملة آية تامة من الفاتحة، وهل هي آية تامة في أوائل السور؟ على ثلاثة أقوال:

стр. 817

أصحها أنها آية كاملة من أول كل سورة. وقيل: بعض آية، وتكون مع صدر السورة آية كاملة، كالحمد لله رب العالمين آية كاملة من الفاتحة، وجزء من آية في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [يونس: ١٠]. وقيل: آية من الفاتحة فقط، وليست بقرآن في أوائل السور، وهذا القول الأخير رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه (١). وقيل: إن البسملة من القرآن في قراءة دون قراءة، وهذا ما ذهب إليه ابن الجزري، وابن حزم، وقول لابن تيمية (٢). هذا مجمل الأقوال في المسألة، وقد أفضى الخلاف إلى ستة أقوال، كالتالي: الأول: أنها ليست آية من القرآن، وهذا أضعف الأقوال. الثاني: أنها آية مستقلة بنفسها، ليست جزءًا من أي سورة. الثالث: أنها آية تامة من الفاتحة، ومن أول كل سورة. الرابع: أنها آية كاملة من الفاتحة، وجزء من آية في أوائل السور. الخامس: آية من الفاتحة فقط، وليست بقرآن في أوائل السور. السادس: إن البسملة من القرآن في قراءة دون قراءة (٣). قال ابن حزم: «ومن كان يقرأ برواية مَنْ عُدَّ مِنْ القراء ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا بالبسملة، وهم: عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله بن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين ﵃، ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من أم القرآن: فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن

стр. 818

لا يبسمل، وهم: ابن عامر، وأبو عمرو ويعقوب، وفي بعض الروايات عن نافع» (١). وقال في بدائع الصنائع: «عدَّها قراء أهل الكوفة من الفاتحة، ولم يعدها قراء أهل البصرة منها» (٢). * ثمرة الخلاف: من قال: إنها آية من الفاتحة أوجب قراءتها مع الجهر بها في الصلاة بخلاف من قال: إنها ليست آية من الفاتحة. فإذا خلصنا من تصور الأقوال، وثمرة الخلاف أنتقل إلى معرض الاستدلال: * دليل من قال: البسملة ليست قرآنًا مطلقًا: الدليل الأول: أن القرآن لا يثبت إلا بالقطع والنقل المتواتر، والبسملة قد استدل على قرآنيتها بنقل الآحاد، وهو لا يفيد إلا الظن. * ونوقش هذا: أما كتابتها في المصحف من لدن الصحابة فهو متواتر، وهذا كافٍ في إثبات قرآنيتها، ولا يلزم لإثبات قرآنيتها أن تتواتر الأخبار بكونها قرآنًا، والقول بأن القرآن لا يثبت إلا بالقطع مسألة خلافية، فهناك من القراء من لا يشترط القطع لصحة القراءة، والله أعلم. قال ابن الجزري: «كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجهٍ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين» (٣). فذكر ثلاثة شروط لصحة القراءة، أن توافق العربية، وأن توافق الرسم العثماني،

стр. 819

وأن يصح سندها، ولم يذكر التواتر، والله أعلم. ثم قال: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتفِ فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ... وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنًا، سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم. وقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف» (١). الدليل الثاني: أن البسملة لو كانت قرآنًا لكفر النافي لها، فلما لم يكفر من أنكر قرآنيتها دل على أنها ليست من القرآن. * ويناقش: بأن المانع من الكفر ليس لكونها ليست قرآنًا وإنما المانع قيام الاختلاف على قرآنيتها، ولا يصح اعتبار الاختلاف بذاته دليلًا على أنها ليست قرآنًا؛ لأن الاختلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، فيبقى النظر فيما تقتضيه الأدلة، فلا يكون عدم الحكم بكفر المنكر لقرآنيتها دليلًا على أنها ليست قرآنًا، ولأن هذا الدليل يمكن أن يقلب عليكم، فيقال: لو لم تكن قرآنًا لما أجمع الصحابة على كتابتها بين دفتي المصحف مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه، كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. * دليل من قال: البسملة آية مستقلة بنفسها للفصل بين السور: أما الدليل على أنها من القرآن: الدليل الأول: إجماع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان ﵁ مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه حتى لم يكتبوا (آمين)، ولم يكتبوا الاستعاذة مع الأمر بها عند قراءة القرآن حتى كرهوا التشكيل والنقط كي لا يختلط بالقرآن غيره،

стр. 820

فلما كتبوا البسملة في افتتاح كل سورة إلا سورة براءة علم أنها آية من كتاب الله ، فالمكتوب بين دفتي المصحف هو القرآن كاملًا، ومنه البسملة. الدليل الثاني: (ح-١٣٣٧) ما رواه أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، وابن السرح قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال قتيبة فيه: عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. وهذا لفظ ابن السرح (١). [الراجح أنه مرسل] (٢).

стр. 821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 822

وجه الاستدلال: قوله: (حتى تنزل عليه ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾)، والتنزيل خاص بالقرآن. * وأما الدليل على أنها ليست آية من الفاتحة: الدليل الأول: (ح-١٣٣٨) لما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ٣]، قال الله تعالى: أثنى عَلَيَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ

стр. 823

الدِّين﴾، قال: مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٦،٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله. ورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ ذكر الحمد، ولم يذكر البسملة، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبدأ بها. الدليل الثاني: (ح-١٣٣٩) ما رواه البخاري من طريق شعبة، قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ [الأنفال: ٢٤] ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ افتتح الفاتحة بقوله: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ولوكانت البسملة منها لذكرها. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ لم يجهر بالبسملة، لا في الفاتحة، ولا في غيرها، فلو كانت البسملة آية من

стр. 824

السورة لجهر بها كما يجهر بسائر السور. * وأما الدليل على أنها ليست آية من أول كل سورة: الدليل الأول: (ح-١٣٤٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد يعني ابن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إن سورة من القرآن، ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] (١). [حسن لغيره] (٢).

стр. 825

ولا يختلف القرَّاء أن سورة الملك ثلاثون آية سوى البسملة، ولو كانت منها لكانت إحدى وثلاثين. الدليل الثاني: (ح-١٣٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،

стр. 826

عن عائشة أم المؤمنين في قصة بدء الوحي على رسول الله ﷺ وفيه: ... جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فعل ذلك ثلاثًا ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق (١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم﴾ [العلق: ٣]، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده ... الحديث (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يذكر البسملة، ولو كانت آية منها لبدأ بها. * ونوقش: بأنه يحتمل أن تكون البسملة نزلت بعد ذلك كالشأن في الآيات التي تأخرت في النزول عن السور التي أثبتت فيها. * دليل من قال: البسملة آية من الفاتحة وآية من كل سورة: الدليل على أن البسملة آية من الفاتحة: الدليل الأول: (ح-١٣٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (٢). ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب (٣).

стр. 827

[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (١). الدليل الثاني: (ح-١٣٤٣) وروى ابن خزيمة من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] فعدها آية، و ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] آيتين، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] وجمع خمس أصابعه (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 828

* وأما الدليل على كونها آية من كل سورة: (ح-١٣٤٤) فلما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار، عن أنس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة

стр. 829

ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عَلَيَّ آنفًا سورة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾ [الكوثر: ٣] ... الحديث (١). * ونوقش هذا: بأن قراءة البسملة لا يدل على كونها آية منها، فنحن نستعيذ في التلاوة ولا نعتقد أن الاستعاذة آية من السورة، والفقهاء والقراء مجمعون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وكذلك سورة الإخلاص أربع آيات (٢). * دليل من قال: آية من الفاتحة فقط: أدلة هذا القول ملفقة من أدلة قولين سابقين: فاستدلوا بكونها آية من الفاتحة بأدلة الشافعية القائلين بأنها آية من الفاتحة ومن غيرها. واستدلوا على كونها ليست آية في غير الفاتحة بأدلة الحنفية بأنها ليست آية من كل سورة كحديث أبي هريرة: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وإجماع الفقهاء والقراء على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، والإخلاص أربع آيات ونحوها من الأدلة السابق ذكرها. * دليل من قال: البسملة آية كاملة من الفاتحة وبعض آية من غيرها: الجمع بين حديث أبي هريرة في فضل سورة تبارك حيث لم تعتبر البسملة آية منها، وحديث أنس في نزول سورة الكوثر الدال على أن البسملة آية منها، فكان الجمع بين الحديثين أن تكون البسملة من السورة، ولكنها ليست آية كاملة، وإنما بعض آية. ولقد علمت أن حديث أنس ليس فيه إلا مجرد قراءة البسملة مع سورة الكوثر، فلا دلالة فيه على أن البسملة آية منها.

стр. 830

* دليل من قال: البسملة آية في قراءة دون قراءة: أن القرآن نزل على سبعة أحرف، ومن هذه الأحرف اختلاف القراء في عدها آية من الفاتحة كما في قراءة ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وبعضهم لا يعدها آية من الفاتحة، وكل ذلك متواتر، ومقطوع به إلى النبي ﷺ ، وهذا مثل ثبوت لفظ (من) في سورة التوبة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في قراءة دون قراءة. وكذلك لفظ: (هو) في سورة الحديد، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾ فقد جاءت (هو) في قراءة دون قراءة. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فالهاء جاءت في قراءة دون قراءة. فكذلك الشأن في البسملة في أول الفاتحة، فمن أثبتها في قراءة كانت منها، ومن لم يثبتها لم تكن منها، والله أعلم. * ونوقش: بأن كتابة البسملة في أوائل كل سورة ينفي أن يكون اختلافهم بناء على اختلاف القراء، فهم مجمعون على قراءة البسملة في ابتداء السور، وإنما اختلفوا فيما بينهم في حال الوصل فقط. قال الشاطبي في منظومته: وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأْتَ بَرَاءَةً ... لِتَنْزِيْلِهاَ بالسَّيْفِ لَسْتَ مُبَسْمِلَا وَلَا بُدَّ مِنْهاَ فِي ابْتِدَائِكَ سُورَةً ... سِوَاهاَ وَفي الأَجْزَاءِ خَيَّرَ مَنْ تَلَا (١). ومعنى الكلام أنه يقول: ولابد من البسملة في ابتداء كل سورة سوى موضعين: في وصل السورة بالسورة الأخرى فإنها تسقط بالدرج كما تسقط همزة الوصل، وفي ابتداء سورة براءة، وعليه فالقراء متفقون في ابتداء السور على البسملة، فحملوا كتابة ما في المصحف على ذلك، وأما في غير أوائل السور كابتداء الأجزاء

стр. 831

والأحزاب والأعشار فقد خَيَّرَ المشايخ بين ذكرها أو إسقاطها. * الراجح: القول بأن البسملة آية من القرآن نزلت للفصل بين السور، ليست آية من الفاتحة، ولا من أول كل سورة، والله أعلم. * * *

стр. 832

الفرع الثاني في قراءة البسملة في الصلاة المدخل إلى المسألة: * لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى الفاتحة، والبسملة ليست منها على الصحيح. * عدم الجهر بالبسملة، أهو دليل على أنها ليست من القرآن كالاستعاذة؛ لأن القرآن يجهر به في الجهرية، أم هو دليل على أنها ليست من الفاتحة فحسب؟ * الجهر والإسرار حكم توقيفي، متلقى من الشارع بمعزل عن كونها قرآنًا أم لا. * من الصلوات ما لا يجهر فيها بالقرآن جملة كالصلاة النهارية، وعكسها صلاة الليل، وهناك قسم ثالث يكون من القرآن ولا يجهر به مطلقًا كالبسملة في الصلاة. * الجهر لا يختص بالقرآن كالتأمين، وعكسه البسملة، آية من القرآن ولا يجهر بها، والمحكم السماع وليس القياس. * البسملة آية من الفاتحة في إحدى القراءتين، وليست منها في القراءة الأخرى، وترك الجهر جرى به العمل على إحدى القراءتين بكونها ليست آية، وكلتاهما قراءة متواترة، وهي لا تنفي القراءة الأخرى. [م-٥٣٢] اختلف العلماء في قراءة البسملة في الصلاة بناء على اختلافهم في قرآنيتها: فقيل: تسن قراءة البسملة في الصلاة، وهو قول الحنفية، والحنابلة، وحكي قولًا في مذهب المالكية (١).

стр. 833

واستحب بعض المالكية قراءة البسملة بنية الخروج من الخلاف، قال بعض المالكية: وهذا لا ينافي كراهة قراءتها إذا فعلها على وجه أنها فرض (١). وقيل: تجب قراءتها، وهو مذهب الشافعية (٢). وقيل: تكره في الفريضة من الإمام وغيره، وتباح في النافلة، وهذا مذهب الإمام مالك (٣). جاء في المدونة: «قال -يعني ابن القاسم- وقال مالك: لا يقرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في المكتوبة، لا سِرًّا في نفسه، ولا جهرًا، قال: وقال مالك: وهي السنة وعليها أدركت الناس .... وفي النافلة: إِنْ أَحَبَّ فَعَلَ، وإِنْ أَحَبَّ تَرَكَ، ذلك واسع» (٤). وقيل: تباح قراءتها، حكاه الدسوقي في حاشيته (٥). واعترض عليه: بأنها ذكر، وأقل أحكامه أنه مندوب، فكون الإنسان يذكر الله، ولا ثواب له

стр. 834

بعيد جدًّا (١). * ويمكن أن يجاب: بأن الثواب أوسع، وقد يثاب على المباح، وبعض العبادات قد تحكم عليه بالإباحة من جهة جواز العمل، ولا يكون مندوبًا لكون النبي ﷺ لم يعمله، كما في قصة الرجل الذي كان يختم قراءته بسورة الإخلاص، فمن جهة أنه مباح لإقرار الرسول ﷺ ، ولا يكون مندوبًا لكون النبي ﷺ أكمل منه محبة لصفة الرحمن، ولم ينقل أنه كان يعمل ذلك، فلا تعارض. هذه محصلة الأقوال في المسألة، والله أعلم، ونأتي بعد ذلك إلى أدلة القوم. * دليل من قال بالاستحباب: الدليل الأول: لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى الفاتحة على الصحيح، وقد ذكرنا في المسألة السابقة الأدلة على أن البسملة ليست آية من الفاتحة. (ح-١٣٤٥) وأصرح الأدلة على عدم وجوب قراءة البسملة ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وفيه: ... سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي .... الحديث (٢). وجه الاستدلال: أن الله قسم الفاتحة بينه وبين عبده ولم يدخل في القسمة البسملة، ولو كانت آية منها لدخلت، وإذا لم تكن آية من الفاتحة لم تجب قراءتها؛ لأن الواجب في الصلاة هو قراءة الفاتحة، فكان حديث أبي هريرة دليلًا على عدم وجوب قراءة البسملة، ونفي الوجوب لا يدل على نفي الاستحباب، وأما الدليل على استحباب قراءتها فانظر الأدلة التالية.

стр. 835

الدليل الثاني: (ح-١٣٤٦) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، حدثنا الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: «آمين». فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (١). [لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم بن عبد الله المجمر، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها] (٢).

стр. 836

وجه الاستدلال: قوله: قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ثم قرأ بأم القرآن فإنه دليل على أنها ليست من الفاتحة، وإذا لم تكن من الفاتحة فإن قراءتها ليست واجبة في الصلاة، فإنه لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى فاتحة الكتاب على الصحيح. الدليل الثالث: (ح-١٣٤٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن

стр. 837

جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة كان النبي ﷺ يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، يعني: حرفًا حرفًا (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل. الدليل الرابع: (ح-١٣٤٨) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (٣). ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ سبع آيات، إحداهن ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب (٤).

стр. 838

[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (١). وجه الاستدلال: الأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعًا، ولم يخالفه صحابيٌّ مثله؛ لأن الظن أنهم فعلوا ذلك بهدي من معلمهم رسول الله ﷺ . الدليل الخامس: (ث-٣١٠) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كانا لا يدع ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (٢). ورواه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وزاد: فإذا فرغ من الحمد قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (٣). ورواه أبو عاصم، عن ابن جريج به، وزاد: إذا قرأ بسورة أخرى في الصلاة، رواه الطحاوي (٤). (ث-٣١١) ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، أن ابن عباس وابن عمر كانا يفتتحان بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ .... (٥). [صحيح]. الدليل السادس: (ث-٣١٢) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: صليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (٦).

стр. 839

[صحيح]. * دليل من كره قراءة البسملة في الفريضة: الدليل الأول: كل دليل احتج به المالكية على أن البسملة ليست آية من القرآن ساقوه دليلًا على أنه إذا قرأ الفاتحة في الصلاة لا يبسمل، وقد ذكرت أدلتهم مع مناقشتها، فانظرها هناك. الدليل الثاني: (ح-١٣٤٩) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (١). الدليل الثالث: (ح-١٣٥٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (٢). وفي رواية لمسلم: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به (٣). وفي رواية لمسلم: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] في أول قراءة ولا في آخرها. رواه مسلم من طريق الأوزاعي، قال: كتب إليه قتادة يخبره عن أنس به (٤).

стр. 840

وقوله: (في أول القراءة، ولا في آخرها) تفرد بذلك الأوزاعي، عن قتادة. وجه الاستدلال: دل الحديث بمنطوقه: أن الصلاة تفتتح بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، ومفهومه: أنه لم يكن يفتتح الصلاة بالبسملة. ورواية مسلم: (لم أسمع أحدًا منهم يقرأ) دليل على ترك القراءة، وليس على ترك الجهر. وعلى التنزل أن يكون معنى الخبر في ترك الجهر، فإن ذلك دليل على أنها ليست من القرآن، فلو كان الجهر مختصًّا بالفاتحة لقيل البسملة من القرآن، وليست من الفاتحة، أما إذا كان الجهر لا يختص بالفاتحة، فيجهر المصلي بالقرآن كله بالصلاة الجهرية من غير فرق بين الفاتحة وغيرها، فإن عدم الجهر بالبسملة دليل على أنها خالفت حكم القرآن، وأن حكمها حكم الاستعاذة، والاستعاذة ليست من القرآن، والله أعلم. * ويجاب: بأن حديث: (لم أسمع أحدًا منهم يقرأ) دليل على نفي السماع المتعلق بالجهر، وليس نفيًا للقراءة، وبينهما فرق، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فالبحث في المسألة من حيث الصناعة الحديثية يجب أن يكون بمعزل من الفقه؛ لأن الفقه ليس معصومًا، فالحديث عندما يحمل على نفي الجهر فليس ذلك اعتمادًا على الفقه، بل رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة روياه عن وكيع، حدثنا عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] (١). وهذا الإسناد في غاية الصحة، ولم ينفرد وكيع عن شعبة بلفظ: (لا يجهرون)، وإن كان لا يضره لو تفرد به إمام مثل وكيع في الحفظ والإتقان، فقد تابعه على هذا

стр. 841

جماعة من الرواة، كما لم يتفرد به شعبة عن قتادة، ولو تفرد لم يقدح ذلك في صحة حديثه، كما أنه لم يتفرد به قتادة عن أنس، فقد توبع على ذلك، وكل ذلك سوف أبحثه إن شاء الله تعالى بشيء من التفصيل عند الكلام على حكم الجهر بالبسملة فانظره في المبحث التالي. أما الأخذ من مسألة الإسرار بها على أن ذلك دليل على عدم قرآنيتها؛ لأن القرآن إذا قرئ في الصلاة جُهِر به، سواء أكان ذلك في قراءة الفاتحة، أم كان ذلك في قراءة ما يتيسر من السور الأخرى، فهذه مسألة فقهية قائمة على الفهم، وهي محل خلاف بين الجمهور وبين المالكية، والجهر والإسرار حكم توقيفي، فهناك من الصلوات ما لا يجهر فيها بالقرآن جملة لا في الفاتحة، ولا في غيرها، كالصلاة النهارية، وعكسها صلاة الليل، ولا مانع أن يكون هناك قسم ثالث يكون من القرآن ولا يجهر به مطلقًا كالبسملة في الصلاة؛ لأن الجهر والإسرار متلقى من الشارع بمعزل عن كونها قرآنًا أم لا، والجهر قد لا يختص بالقرآن، فهذا التأمين نجهر به، وهو ليس قرآنًا بالإجماع، وقد يلتمس الفقيه العلة من الإسرار بالبسملة، وهو اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، فلو قيل: إن البسملة لما كانت آية مستقلة، وليست سورة، والجهر إنما يختص بالسور، وإن كان الشأن في هذا كله هو الاتباع. وقد يقال: إن ترك الجهر من الرسول ﷺ ومن أبي بكر وعمر وعثمان بناء على إحدى القراءتين، فإن هناك قولًا فقهيًّا يرى البسملة آية في إحدى القراءتين، وليست آية في القراءة الأخرى، وترك الجهر جرى به العمل على إحدى القراءتين بكونها ليست آية، وكلتاهما قراءة متواترة، وهي لا تنفي القراءة الأخرى، وعليه فمن اختار أن يقرأ بقراءة ما نقل أنها آية فعليه أن يجهر بها كسائر القرآن، وقد بحثت مسألة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، وذكرت أدلة القوم، فارجع إليه إن شئت. الدليل الرابع: (ح-١٣٥١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: نا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: ولم أَرَ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ كان أشد عليه حدثًا في

стр. 842

الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (١). [أرجو أن يكون حسنًا، وهو شاهد صالح لحديث أنس] (٢).

стр. 843

الدليل الخامس: يمكن أن يستدل للتفريق بين الفرض والنفل وأن النفل أوسع من الفرض (ح-١٣٥٢) بما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث (١).

стр. 844

ولم ينقل أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الفرض، فدل على أن النفل أوسع من الفرض. الدليل السادس: أن التفريق بين النفل والفرض هو عمل أهل المدينة، حكى ذلك القرافي في الذخيرة (١). وقد ناقشت هذا الدليل في مسألة التعوذ، فانظره هناك وفقك الله. * دليل من قال: تجب قراءة البسملة مع الفاتحة: الدليل الأول: أجمع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان ﵁ مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه حتى لم يكتبوا (آمين)، ولم يكتبوا الاستعاذة مع الأمر بها عند قراءة القرآن فلما كتبوا البسملة في افتتاح كل سورة إلا سورة براءة علم أنها آية من كتاب الله ، والقول بأنها آية مستقلة للفصل بين السور قول ضعيف؛ لثبوتها في أول الفاتحة، وليس قبلها شيء، وإذا وجبت قراءة الفاتحة وجبت قراءة البسملة؛ لأن البسملة آية منها. وقد تقدمت أدلة الشافعية على كون البسملة آية من الفاتحة في المبحث السابق، ومن هذه الأدلة: (ح-١٣٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (٢).

стр. 845

[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (١). وكونه موقوفًا لا يبطل الاحتجاج به؛ لأن عد الآي توقيفي، لا مدخل للاجتهاد فيه، فيكون له حكم الرفع. * ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن عد الآي وإن كان الأصل فيه التوقيف إلا أن الخلاف في البسملة دال على أن اعتبارها من الفاتحة أمر اجتهادي ظني. الوجه الثاني: بأن هذا معارض بما ثبت عن أبي هريرة بإسناد أصح من هذا: (ث-٣١٣) فقد رواه غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، قال: صليت مع أبي هريرة، فلما كبر سكت ساعةً، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. [موقوف صحيح] (٢). قال البخاري بعد رواية غندر: «تابعه معاذ وأبو داود عن شعبة». وهذا دليل على أن رواية نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة بأنه قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ سِرًّا، وليس جهرًا. الدليل الثاني: (ح-١٣٥٤) وروى ابن خزيمة من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] فعدها آية، و ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] آيتين، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] وجمع خمس أصابعه (٣).
следующие страницы →