← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

جماعة من الرواة، كما لم يتفرد به شعبة عن قتادة، ولو تفرد لم يقدح ذلك في صحة حديثه، كما أنه لم يتفرد به قتادة عن أنس، فقد توبع على ذلك، وكل ذلك سوف أبحثه إن شاء الله تعالى بشيء من التفصيل عند الكلام على حكم الجهر بالبسملة فانظره في المبحث التالي. أما الأخذ من مسألة الإسرار بها على أن ذلك دليل على عدم قرآنيتها؛ لأن القرآن إذا قرئ في الصلاة جُهِر به، سواء أكان ذلك في قراءة الفاتحة، أم كان ذلك في قراءة ما يتيسر من السور الأخرى، فهذه مسألة فقهية قائمة على الفهم، وهي محل خلاف بين الجمهور وبين المالكية، والجهر والإسرار حكم توقيفي، فهناك من الصلوات ما لا يجهر فيها بالقرآن جملة لا في الفاتحة، ولا في غيرها، كالصلاة النهارية، وعكسها صلاة الليل، ولا مانع أن يكون هناك قسم ثالث يكون من القرآن ولا يجهر به مطلقًا كالبسملة في الصلاة؛ لأن الجهر والإسرار متلقى من الشارع بمعزل عن كونها قرآنًا أم لا، والجهر قد لا يختص بالقرآن، فهذا التأمين نجهر به، وهو ليس قرآنًا بالإجماع، وقد يلتمس الفقيه العلة من الإسرار بالبسملة، وهو اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، فلو قيل: إن البسملة لما كانت آية مستقلة، وليست سورة، والجهر إنما يختص بالسور، وإن كان الشأن في هذا كله هو الاتباع. وقد يقال: إن ترك الجهر من الرسول ﷺ ومن أبي بكر وعمر وعثمان بناء على إحدى القراءتين، فإن هناك قولًا فقهيًّا يرى البسملة آية في إحدى القراءتين، وليست آية في القراءة الأخرى، وترك الجهر جرى به العمل على إحدى القراءتين بكونها ليست آية، وكلتاهما قراءة متواترة، وهي لا تنفي القراءة الأخرى، وعليه فمن اختار أن يقرأ بقراءة ما نقل أنها آية فعليه أن يجهر بها كسائر القرآن، وقد بحثت مسألة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، وذكرت أدلة القوم، فارجع إليه إن شئت. الدليل الرابع: (ح-١٣٥١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: نا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: ولم أَرَ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ كان أشد عليه حدثًا في

стр. 842

الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (١). [أرجو أن يكون حسنًا، وهو شاهد صالح لحديث أنس] (٢).

стр. 843

الدليل الخامس: يمكن أن يستدل للتفريق بين الفرض والنفل وأن النفل أوسع من الفرض (ح-١٣٥٢) بما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث (١).

стр. 844

ولم ينقل أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الفرض، فدل على أن النفل أوسع من الفرض. الدليل السادس: أن التفريق بين النفل والفرض هو عمل أهل المدينة، حكى ذلك القرافي في الذخيرة (١). وقد ناقشت هذا الدليل في مسألة التعوذ، فانظره هناك وفقك الله. * دليل من قال: تجب قراءة البسملة مع الفاتحة: الدليل الأول: أجمع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان ﵁ مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه حتى لم يكتبوا (آمين)، ولم يكتبوا الاستعاذة مع الأمر بها عند قراءة القرآن فلما كتبوا البسملة في افتتاح كل سورة إلا سورة براءة علم أنها آية من كتاب الله ، والقول بأنها آية مستقلة للفصل بين السور قول ضعيف؛ لثبوتها في أول الفاتحة، وليس قبلها شيء، وإذا وجبت قراءة الفاتحة وجبت قراءة البسملة؛ لأن البسملة آية منها. وقد تقدمت أدلة الشافعية على كون البسملة آية من الفاتحة في المبحث السابق، ومن هذه الأدلة: (ح-١٣٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (٢).

стр. 845

[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (١). وكونه موقوفًا لا يبطل الاحتجاج به؛ لأن عد الآي توقيفي، لا مدخل للاجتهاد فيه، فيكون له حكم الرفع. * ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن عد الآي وإن كان الأصل فيه التوقيف إلا أن الخلاف في البسملة دال على أن اعتبارها من الفاتحة أمر اجتهادي ظني. الوجه الثاني: بأن هذا معارض بما ثبت عن أبي هريرة بإسناد أصح من هذا: (ث-٣١٣) فقد رواه غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، قال: صليت مع أبي هريرة، فلما كبر سكت ساعةً، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. [موقوف صحيح] (٢). قال البخاري بعد رواية غندر: «تابعه معاذ وأبو داود عن شعبة». وهذا دليل على أن رواية نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة بأنه قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ سِرًّا، وليس جهرًا. الدليل الثاني: (ح-١٣٥٤) وروى ابن خزيمة من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] فعدها آية، و ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] آيتين، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] وجمع خمس أصابعه (٣).

стр. 846

[ضعيف] (١). الدليل الثالث: إذا ثبت أن البسملة آية في غير الفاتحة، كانت آية من الفاتحة من باب أولى؛ لثبوت كونها آية من الفاتحة في بعض القراءات المتواترة. (ح-١٣٥٥) من ذلك: ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار، عن أنس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ آنفًا سورة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾ [الكوثر: ٣] ... الحديث (٢). * ونوقش هذا: بأن قراءة البسملة لا يدل على كونها آية منها، فنحن نستعيذ في الصلاة ولا نعتقد أن الاستعاذة آية من السورة، والفقهاء والقراء مجمعون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وكذلك سورة الإخلاص أربع آيات (٣). * الراجح: أن الإمام إن قرأ بقراءة من اعتبرها آية وجب عليه قراءتها، وإن قرأ بقراءة من لم يسمعها آية لم يجب عليه قراءتها، والقراءتان سبعيتان، والله أعلم. * * *

стр. 847

الفرع الثالث في الجهر بالبسملة المدخل إلى المسألة: * أجمع العلماء على صحة الصلاة، سواء أجَهَرَ بالبسملة أم أَسَرَّ بها. * الإسرار بالبسملة هو المنقول من السنة الفعلية عن النبي ﷺ ، وعليه عمل أبي بكر وعمر وعثمان، وروي عن علي بن أبي طالب. * لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ، قاله العقيلي والدارقطني، وابن تيمية وغيرهم، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل. * صح الجهر بالبسملة عن بعض الصحابة ﵃، ونقله البيهقي في الخلافيات عن آل محمد، فمنهم من فعل ذلك اجتهادًا، ومنهم من فعل ذلك بغرض التعليم خوفًا من ترك قراءتها. * الجهر والإسرار توقيفي، فيجهر بالتأمين ويسر بالتعوذ، وكلاهما ليسا من القرآن بالاتفاق، ويسر بالبسملة ويجهر بغيرها من القرآن. * الرواية الصريحة بنفي الجهر مفسرة للرواية المحتملة: (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)، والمتشابه يجب رده إلى المحكم، أما رد الروايات الصريحة بالمحتملة فلا يصح، كما لا يجوز رد المحكم إلى المتشابه. [م-٥٣٣] اختلف العلماء في الجهر بالبسملة فقيل: يكره، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١).

стр. 848

وقيل: يستحب، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ونقله البيهقي عن آل محمد (١). ساق البيهقي بإسناده عن جعفر بن محمد أنه قال: اجتمع آل محمد ﷺ على الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ .... (٢). وقيل: يستحب الجهر فيها للمصلحة، كالتأليف والتعليم، نص عليه أحمد، واختاره ابن تيمية (٣). وقيل: الجهر والإسرار سواء، * دليل من قال: يكره الجهر بها: الدليل الأول: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل. فهذا الإمام الدارقطني، قد أفرد المسألة في مصنف، وجمع فيها الآثار المرفوعة والموقوفة، وهو شافعي النزعة، وحين سئل عنها بمصر، قال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع، وإنما يصح عن بعض الصحابة موقوفًا، وهذا من إنصافه ﵀ (٤).

стр. 849

وقد سبقه العقيلي، فقال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند (١). وقال ابن تيمية: «إذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح، فضلًا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أن النبي ﷺ كان يجهر بها، كما يمتنع أنه كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل ..... ثم قال: «وإذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح صريح، فكيف يمكن بعد هذا أن النبي ﷺ كان يجهر بها، ولم تنقل الأمة هذه السنة، بل أهملوها وضيعوها؟» (٢). الدليل الثاني: (ح-١٣٥٦) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .... الحديث (٣). الدليل الثالث: (ح-١٣٥٧) ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة، عن وكيع، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] (٤). [هذا الإسناد في غاية الصحة] ولم ينفرد وكيع عن شعبة بلفظ: (لا يجهرون)، وإن كان لا يضره لو تفرد به، فقد تابعه على هذا جماعة من الرواة، فقد تابعه علي بن الجعد، وعقبة بن خالد وعبيد الله

стр. 850

ابن موسى وعبد الرحمن بن زياد، وزيد بن الحباب، وأسود بن عامر، وغيرهم (١). ولم ينفرد بذلك شعبة عن قتادة، ولو تفرد إمام مثل شعبة في حديث لم يضره، فقد تابع شعبة سعيد بن أبي عروبة كما في سنن النسائي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان (٢). وشيبان كما في الجعديات وصحيح ابن حبان، وشرح معاني الآثار (٣). وهمام من رواية عبيد الله بن موسى عنه كما في سنن الدارقطني، ثلاثتهم رووه عن قتادة به (٤). وهذه متابعة لرواية شعبة من رواية وكيع ومن تابعه عنه.

стр. 851

وقد رواه غير قتادة عن أنس بنفي الجهر، رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أول السورة، ولا في آخرها (١).

стр. 852

كما رواه أبو قلابة، وقيل: أبو نعامة عن أنس، وهو المحفوظ، بلفظ: ( ... كانوا لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (١).

стр. 853

كما روي من طريق ثابت عن أنس، بلفظ: ( ... فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (١).

стр. 854

كما رواه منصور بن زاذان عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما (١). ورواه غيرهم، وأقتصر على ما ذكرت ففيه الكفاية في الاحتجاج. وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: رواه شعبة عن قتادة بنفي الجهر نقلًا صحيحًا صريحًا. قال ابن تيمية: «والجهر بها -يعني بالبسملة- لم ينقل نقلًا صحيحًا صريحًا، مع أن العادة والشرع يقتضيان أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية، وهذه الوجوه مَنْ تَدَبَّرَهَا وكان عالمًا بالأدلة القطعية قطع بأن النبي ﷺ لم يكن يجهر بها» (٢). * رد الشافعية على هذا بردود منها: الرد الأول: مسلك الترجيح بين روايات حديث أنس: وذلك أن حديث قتادة رواه عنه أصحابه بثلاثة ألفاظ، وهو حديث واحد، فبعضهم رواه على اللفظ، وبعضهم رواه على المعنى بما فهموه، وكان المقدم في الاحتجاج بما روي على اللفظ، لا بما روي على المعنى، لأن الفهم يدخله ما يدخله، وإليك ألفاظ حديث قتادة.

стр. 855

اللفظ الأول: رواه قتادة عن أنس بلفظ: (كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، وهذا اللفظ محمول على المعنى؛ لأنه خارج الصحيحين، وتقدم تخريجه. اللفظ الثاني: (كانوا يفتتحون الصلاة وفي لفظ: القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾). (ح-١٣٥٨) رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (١). وتابع حفصًا الحوضي وعمرو بن مرزوق، وأبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، ويحيى بن السكن، ومحمد بن جعفر في رواية، والحسن بن موسى الأشيب، ويحيى بن سعيد القطان، كلهم رووه عن شعبة بلفظ: كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (٢). وتابع شعبة على هذا اللفظ كل من: هشام الدستوائي، وهمام بن يحيى في رواية، وأيوب إن كان محفوظًا، وسعيد بن أبي عروبة في رواية، وأبي عوانة، وهشام بن حسان، وغيرهم، رووه عن قتادة، عن أنس. قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان يفتتحون القراءة بـ الحمد لله رب العالمين، وهكذا رواه

стр. 856

حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت وحميد، عن أنس (١).

стр. 857

قال ابن عبد البر: «فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط ﴿بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ من أول فاتحة الكتاب .... » (١). يقصد ابن عبد البر من هذا الطريق خاصة. وهذه الرواية محمولة على اللفظ: أولًا: لأنه اختيار البخاري في صحيحه، وقد رواها عن قتادة كبار أصحابه،

стр. 858

شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهمام، وقد تابع قتادة على هذا اللفظ كل من حميد وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وثانيًا: لأن هذا اللفظ يوافق لفظ حديث عائشة في مسلم: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة:٢] (١). اللفظ الثالث: عن شعبة: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (٢). وهذا اللفظ من أفراد مسلم رواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به (٣). وتابع محمد بن جعفر على ذلك أبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد (٤). قال الدارقطني: «وكذلك رواه معاذ بن معاذ وحجاج بن محمد، ومحمد بن بكر البرساني، وبشر بن عمر، وقراد أبو نوح، وآدم بن أبي إياس، وعبيد الله بن موسى، وأبو النضر، وخالد بن يزيد المزرفي، عن شعبة مثل قول غندر، وعلي بن الجعد، عن شعبة سواء» (٥). وقد تجنب البخاري إخراج الحديث بهذا اللفظ، مما يدل على أن روايته على المعنى، وليس على اللفظ.

стр. 859

وجمع بين اللفظين الأوزاعي عن قتادة، فرواه مسلم من طريق الأوزاعي، قال: كتب إليه قتادة يخبره عن أنس، بلفظ: (فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أول قراءة ولا في آخرها). فقوله: (ولا في آخرها) تفرد بذلك الأوزاعي، عن قتادة (١). فكان صدر الحديث مرويًّا باللفظ، وآخره على المعنى. وإذا كان حديث قتادة حديثًا واحدًا، منه ما أداه راويه على اللفظ ومنه ما أداه راويه على المعنى، ولا بد من قول ذلك؛ لأن في بعض الروايات من المعنى ما ليس في الأخرى، كان اللفظ مقدمًا على المعنى؛ فيكون الراجح في لفظه: (أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢])، لموافقته حديث عائشة. والمقصود: أنهم يفتتحون بهذه السورة، والتي منها ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، لا أنه نفي لقراءة البسملة، وتسمية الفاتحة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] ثابت في صحيح البخاري. (ح-١٣٥٩) فقد روى البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى مرفوعًا: ... ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته (٢). هذا معنى جواب الشافعية على نفي قراءة البسملة (٣). وقد أعلَّ الدارقطني والخطيب والبيهقي وبعض الشافعية لفظ (نفي القراءة) ورأوا أن المحفوظ عن قتادة من رواية عامة أصحابه عنه (كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]) (٤). قال الدارقطني في السنن: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس (٥).

стр. 860

* وأجيب على هذا الرد: الجواب الأول: أن القاعدة عند أهل العلم أنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع، والجمع غير متعذر، وسوف نبين وجه الجمع عند الجواب على دعوى الاضطراب. الجواب الثاني: كون إحدى الروايات محتملة والباقي صريحة، لا يقتضي هذا التعارض بينها، بل تحمل الرواية المحتملة على الرواية الصريحة. قال ابن رجب: «إذا كان أحد الألفاظ محتملًا، والآخر صريحًا لا احتمال فيه، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل: هو ما دل عليه اللفظ الصريح الذي لا احتمال فيه، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا لكان الرواة قد رووا الحديث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذلك بهم مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم. لا سيما وبعضهم قد زاد في الحديث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة في القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي على كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي، فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم، مع ما اشتهر من بلاغته، وفصاحته، وبلوغه الذروة العليا من ذلك. والذي روى نفي قراءة البسملة من أصحاب حميد، هو مالك، ومالك مالك في فقهه، وعلمه، وورعه، وتحريه في الرواية، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟ فالواجب في هذا ونحوه: أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هذا من باب عرض المتشابه على المحكم، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه» (١). وقال ابن تيمية ﵀: من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: (يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ

стр. 861

الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل .... (١). الجواب الثالث: كيف يحكم على رواية نفي الجهر بالشذوذ، وراويها عن قتادة مثل شعبة ... والراوي عن شعبة جماعة من أصحابه على رأسهم محمد بن جعفر، وهو المقدم في أصحاب شعبة، وتابع محمد بن جعفر على هذا جمع كثير منهم وكيع وعلي ابن الجعد، كما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان، عن قتادة، ثم قال ابن حجر: ويشهد لحديث أنس ﵁ المذكور حديث عبد الله بن المغفل ﵁، وذكر الحديث (٢). الجواب الرابع: أن قتادة قد كتب بالحديث إلى الأوزاعي باللفظين كما في صحيح مسلم: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أول القراءة، ولا في آخرها. فدل على أن قتادة كان يروي الحديث على الوجهين. الرد الثاني: الحكم على حديث أنس بالاضطراب. قال ابن عبد البر: لا يجوز الاحتجاج بحديث قتادة؛ لتلونه، واضطرابه، واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، فلا حجة في شيء منها عندي؛ لأنه قال مرة: كانوا يفتتحون (بالحمد لله رب العالمين) ومرة، قال: كانوا لا يجهرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ومرة: كانوا لا يقرؤونها، ومرة: لم أسمعهم يقرؤونها، ومرة قال، وقد سئل عن ذلك بعد، فقال: كبرت، ونسيت. فحاصل هذه الطريقة إنما نحكم بتعارض الروايات ولا نجعل بعضها أولى

стр. 862

من بعض، فيسقط الجميع، ونظير ما فعلوا في رد حديث أنس هذا ما نقله الخطابي في معالم السنن عن أحمد بن حنبل أنه رد حديث رافع بن خديج في المزارعة لاضطرابه وتلونه وقال: هو حديث كثير الألوان (١). وأشار الدارقطني إلى اضطرابه في العلل (٢). وكذا فعل الخطيب كما في كتاب ذكر الجهر بالبسملة مختصرًا (٣). وحكم الحازمي في الاعتبار على رواية: نفي الجهر بالبسملة بالاضطراب، وقال: ولهذا امتنع البخاري من إخراجه، وهو من مفاريد مسلم (٤). * وأجيب على هذا الرد: الجواب الأول: أن الاضطراب لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، والجمع غير متعذر: ووجه الجمع بين رواية: أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. وبين روايتي: (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. ورواية: (فلم يكن أحد منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. أن يقال: الرواية الأولى: دلت على نفي سماع قراءة البسملة بالمفهوم، فلا يلزم من قوله: (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) على نفي قراءتها سرًّا، بل على نفي الجهر بها. وباقي الروايات: دلت على نفي سماع القراءة بالمنطوق، وكون المنطوق أقوى من المفهوم فهذا مُسَلَّم، فإذا اتفق المفهوم مع المنطوق فلا حاجة لدعوى التعارض، غايته: أن أحدهما أصرح دلالة من الآخر وأقوى. فخلاصة طريقة الجمع: أن يحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على

стр. 863

نفي الجهر، ولا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرؤوا البسملة سِرًّا (١). الجواب الثاني: أن ابن عبد البر والخطيب قد نقل عنهما تصحيحه أيضًا، وليس قولهما بالاضطراب بأولى من قولهما بالصحة. فقد قال ابن عبد البر في كتاب الإنصاف بعد أن رواه من رواية أيوب، وشعبة، وهشام الدستوائي، وشيبان، وابن أبي عروبة، وأبي عوانة، عن قتادة، قال: «فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ من أول فاتحة الكتاب» (٢). وقال في التمهيد: «فقد ثبت عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]» (٣). الجواب الثالث: أن كلام ابن عبد البر والخطيب والبيهقي معارَضٌ بتصحيح البخاري ومسلم، وقولهما مقدم على قول غيرهما، وقد تأيد ذلك بقول جمع من علماء هذا الفن، كابن رجب وتقدم كلامه، وابن تيمية، وابن حجر والزيلعي (٤). بل هذا الإمام ابن خزيمة بالرغم من أنه شافعي المذهب فقد ذهب إلى تصحيحه، وحمل نفي قراءة البسملة على الإسرار بها. وقال ابن تيمية ﵀: نَقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله؛ إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة، وضبطه هو الغاية عندهم. قال الحافظ ابن حجر: «ويؤيده -يعني حمل النفي على عدم الجهر- من رواه عنه بلفظ فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، كذا رواه سعيد بن أبي عروبة

стр. 864

عند النسائي وابن حبان وهمام عند الدارقطني. وشيبان عند الطحاوي وابن حبان. وشعبة أيضا من طريق وكيع عنه، عند أحمد أربعتهم عن قتادة. قال الحافظ: «ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك، ثم ذكر أنه قد رواه عن أنس كل من إسحاق بن أبي طلحة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، ومنصور بن زاذان، وأبي قلابة، وأبي نعامة، كلهم رووه عن أنس باللفظ النافي للجهر. ثم قال الحافظ: فطريق الجمع بين هذه الألفاظ: حمل نفي القراءة، على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر .... » (١). الرد الثالث على حديث أنس: أن أنسًا ﵁ قد سئل عن الافتتاح بالبسملة فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ ، وهذا يعارض ما رواه قتادة عنه، فيتساقطا. (ح-١٣٦٠) فقد روى أحمد، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، قال قتادة: سألت أنس بن مالك بأي شيء كان يستفتح رسول الله ﷺ القراءة؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد (٢). [صحيح]. تابع أبو مسلمة سعيد بن يزيد (ثقة) قتادة على هذا: فرواه أحمد، قال: حدثنا غسان بن مضر (٣). ورواه أحمد أيضًا، قال: حدثنا إسماعيل (يعني ابن علية) (٤)، كلاهما (غسان وإسماعيل) عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، قال: قلت لأنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، أو ﴿الْحَمْدُ للّهِ

стр. 865

رَبِّ الْعَالَمِين﴾؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني أحد قبلك. هذا لفظ غسان بن مضر. وفي لفظ إسماعيل: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد. [صحيح] (١). قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي: «وهذا دليل على توقف أنس، وعدم جزمه بواحد من الأمرين، وروي عنه الجزم بكل واحد منهما فاضطربت أحاديثه، وكلها صحيحة، فتعارضت، فسقطت .... » (٢). * وأجيب على هذا الرد من وجوه: الوجه الأول: لقد سئل أنس من قبل قتادة، وسئل من قبل أبي مسلمة، فإن كان المسؤول عنه واحدًا، فأجاب أنس قتادة بما حفظه من صلاته مع النبي ﷺ ، وصلاته مع خلفائه أبي بكر وعمر وعثمان، وتوقف عن إجابة أبي مسلمة، فالحجة في جواب أنس فيما تذكر، لا فيما توقف فيه، سواء أكان سؤال أبي مسلمة سابقًا لسؤال قتادة، فيكون تذكر بعد أن كان ناسيًا، أم كان متأخرًا عنه، بأن يكون نسي بعد أن كان ذاكرًا، فإذا تذكر أنس وجزم بالجواب كان تذكره هو الحجة، وليس من شرط قبول كلام الراوي ألا يتطرق إليه نسيان سابق أو لاحق. قال الحافظ ابن حجر: «إن سؤال أبي مسلمة كان متقدمًا على سؤال قتادة بدليل قوله في روايته: لم يسألني عنه أحد قبلك، فكأنه كان إذ ذاك غير ذاكرٍ لذلك، فأجاب بأنه لا يحفظه، ثم سأله قتادة عنه، فلعله تذكره لما سأله قتادة، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة دون أبي مسلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي مسلمة بلا نزاع (٣). وأَسْتَبْعِد أن يكون أنس قد نسي، ثم تذكر؛ لأن الأمر يتعلق بالصلاة، فهل

стр. 866

يمكن لأنس أن يذهل عن شيء حفظه من صلاة النبي ﷺ وقد صحب النبي ﷺ عشر سنين، وحفظه عن خلفائه وقد صحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فإذا كان حكم قراءة الفاتحة في الصلاة ليس عرضة للنسيان، فكذلك حكم البسملة فيها، ولقد رأيت من كبار السن من لا يتعرف على أولاده بسبب تقدم العمر، ولا يضيع شيئًا من صلاته. وإن كان المسؤول عنه مختلفًا، فلا يستنكر اختلاف الجواب لاختلاف السؤال، وإن كنت أرجح أن جواب أنس ﵁ لقتادة لم يختلف عن جوابه لأبي مسلمة: فقول أنس لقتادة: ما سألني عنه أحد قبلك، ليس اعتذارًا عن الجواب، وإنما إشادة بقتادة، وحرصه على العلم. وكان الجواب في إحدى الروايتين: أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، وهو يتضمن نفي قراءة البسملة، كما في رواية البخاري. وفي رواية مسلم: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. وقول أنس لأبي مسلمة: لا أحفظه، أي لا أحفظ الجهر بالبسملة، فيكون الضمير في قوله: (لا أحفظه) عائدًا إلى المسؤول عنه، ويكون قوله: لا أحفظه جوابًا وليس اعتذارًا عن الجواب كما فهمه بعضهم، فيتفق الجواب في الروايتين: إحداهما: تنقل الاستفتاح بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. والثانية: لا تحفظ الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، والمعنى واحد، يدل على عدم الجهر بالبسملة (١). والدليل على أن السؤال من قتادة ومن أبي مسلمة كان عن الاستفتاح بالبسملة، لا عن الاستفتاح بأي سورة. أن مسلمًا روى الحديث من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. ثم ساق مسلم رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة، قال: فقلت لقتادة أسمعته

стр. 867

من أنس، قال: نعم، نحن سألناه. قال ابن حجر في النكت تعليقًا «فهذا اللفظ صريح في أن السؤال كان عن عدم سماع القراءة، لا عن سماع الاستفتاح بأي سورة» (١). يقصد الحافظ: أن شعبة كان سؤاله لقتادة عن عدم سماع قراءة البسملة. وأما سؤال أبي مسلمة فهو أصرح، حيث قال لأنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، أو الحمد لله رب العالمين؟ الوجه الثاني: قتادة حين سأل أنسًا ﵁، أكان يسأله عن الاستفتاح بأي سورة، أم كان يسأله عن الاستفتاح، أهو بالبسملة أم بالحمد لله رب العالمين؟ فلا يصح أبدًا أن يقال: إن قول أنس: إنهم كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين أي يفتتحون بهذه السورة جوابًا على سؤال قتادة، وهو مما لا يخفى على عامة المسلمين، فقتادة أكبر شأنًا من أن يسأل عن ابتداء مطلق القراءة، أكان بالفاتحة أم بغيرها؟ لأن علم مثل هذا ضروري، يدركه صبيان المسلمين، فينبغي أن يحمل جواب أنس: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين على معنى نفي قراءة البسملة، وهو الذي يسأل عنه قتادة، وقد يخفى على العالم، ويقع فيه النزاع، بين كبار أهل العلم، لا على الافتتاح بالفاتحة. الوجه الثالث: على فرض أن يكون جواب أنس لقتادة مختلفًا عن جوابه لأبي مسلمة، فإنه لابد من الترجيح بينهما والترجيح سيكون لصالح رواية قتادة؛ لأن قتادة أحفظ من أبي مسلمة ولا مقارنة إن كان النسيان من قبل أبي مسلمة، وكذا إن كان النسيان من قبل أنس، فيقال: حفظ قتادة جواب أنس وقت تذكره، ولم ينقله أبو مسلمة، فمن حفظه حجة على من سأله في وقت نسيانه، ذكر ذلك ابن عبد البر في الإنصاف (٢).

стр. 868

الرد الرابع للشافعية: أن رواية الأوزاعي، عن قتادة مكاتبة، وكاتبه مجهول؛ لأن قتادة ولِدَ أعمى (١). * وأجيب: الجواب الأول: أن الأوزاعي لم يتفرد بروايته عن قتادة حتى يعلل به حديثًا رواه البخاري ومسلم، فقد رواه عن قتادة شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهم من الطبقة الأولى من أصحاب قتادة، كما تابعهم على هذا همام وشيبان وأبو عوانة وحجاج الباهلي، وحماد بن سلمة، وهشام بن حسان وغيرهم، وكلهم ثقات، وقد سبق تخريج ذلك. الجواب الثاني: كونه مكاتبةً لا يقدح في صحة الحديث عند جمهور أهل العلم، قد ذكر القاضي عياض: أن العمل بالمكاتبة عليه جمهور العلماء وأدخلوه في المسند بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه، ووثوقه بأنها من كاتبها (٢). وقد تقبل الأوزاعي كتاب قتادة، وعمل بمقتضاه، ورواها مسلم في صحيحه، وكل ذلك دليل على صحة الكتاب. الرد الخامس: أن حديث أنس بنفي قراءة البسملة معارض بما رواه هو وغيره مرفوعًا عن النبي ﷺ من الجهر بها، وإذا تعارض الإثبات والنفي قدم الإثبات؛ لأن معه زيادة علم، وسوف أذكر هذه الأحاديث في أدلة الجهر بالبسملة إن شاء الله تعالى، ونجيب عنها. الدليل الرابع على ترك الجهر: (ح-١٣٦١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: ولم أَرَ رَجُلًا من أصحاب النبي ﷺ كان أشد عليه حدثًا في

стр. 869

الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (١). [أرجو أن يكون حسنًا، وهو شاهد صالح لحديث أنس] (٢). وظاهره يدل على نفي القراءة، لكنه محمول على نفي السماع المتضمن عدم الجهر بدلالة حديث أنس الصريحة بنفي الجهر. الدليل الخامس: (ح-١٣٦٢) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ٣]، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ [الفاتحة: ٤]، قال: مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله. ورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم (٣).

стр. 870

وجه الاستدلال: فإذا لم تدخل البسملة في قِسْمَةِ آي الفاتحة لم تأخذ حكم الفاتحة من وجوب القراءة ومشروعية الجهر بها. * دليل من قال: يستحب الجهر بالبسملة: الدليل الأول: كل دليل ساقه الشافعية على أن البسملة آية من الفاتحة استدلوا به هنا على مشروعية الجهر، لأن ما كان آية منها فيجهر بها كسائر أبعاضها، وعلى التنزل أن تكون آية من القرآن، وليست من الفاتحة فإن القرآن كله إذا قرئ في الصلاة فإنه يجهر به، من غير فرق بين الفاتحة وبين قراءة ما يتيسر من غير الفاتحة. وقد سبق لنا مناقشة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، فانظره إن أردت. الدليل الثاني: (ح-١٣٦٣) ما رواه النسائي من طريق الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول: كلما سجد الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (١). * وأجيب بأجوبة منها: الجواب الأول: أن حديث أبي هريرة لم يروه إلا نعيم بن عبد الله المجمر، وفيه علتان: العلة الأولى: التفرد، حيث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم المجمر، وأين أصحاب أبي هريرة عن هذا الحديث؟. قال ابن عبد الهادي نقلًا من نصب الراية: «ذكر البسملة مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت

стр. 871

عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة» (١). والتفرد علة عند المتقدمين، إلا أني أرى أن الحمل فيه على تفرد سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، وحكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وعادة أهل الحديث أن يكون الحمل على أضعف رجل في الإسناد. العلة الثانية: المخالفة، فقد رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها، وهو المحفوظ (٢). الجواب الثاني: لا يلزم من العلم بقراءة أبي هريرة للبسملة أن يكون قد جهر بها، فالقراءة أخص من الجهر، فقد يكون سمع منه البسملة في مخافَتَةٍ لقربه منه، وربما سمع بعض الصحابة من النبي ﷺ بعض الآي في الصلاة السرية، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تسمع أحيانًا بعض قراءة من بجانبك، وإن لم يقصد الجهر، وقد يكون أبو هريرة جهر للتعليم، كما جهر عمر بدعاء الاستفتاح، والله أعلم. الجواب الثالث: أن الحديث قال: (فقرأ البسملة ثم قرأ بأم القرآن) والعطف يقتضي المغايرة، وفيه إشارة إلى أن البسملة ليست من أم القرآن، فلا تأخذ حكمها في الجهر. ولو تنازلنا وقلنا: حديث أبي هريرة ظاهره يدل على الجهر بالبسملة، فإن دلالته من قبيل دلالة الظاهر. والظاهر عند الأصوليين: ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر بخلاف دلالة النص، فإنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وإذا تعارض الظاهر مع النص قدم النص، وحديث أنس ﵁ نص في عدم الجهر بالبسملة، فكيف يُقدَّم حديث أبي هريرة على حديث أنس، وقد روى أبو هريرة الحديث القدسي في قسمة الفاتحة بين الله وبين العبد، ولم تدخل

стр. 872

البسملة في القسمة، والله أعلم. الجواب الرابع: أن أبا هريرة كان يقصد بهذا الحديث الرد على من ترك التكبير في الصلاة في رفعه وخفضه، كما هو ظاهر من لفظ الصحيحين، وهو ما عناه بقوله: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (١). فإن كانت التسمية محفوظة في حديث أبي هريرة، ولا إخالها، فالمراد منه مشروعية التسمية، لا مشروعية الجهر بها، ويكون التشبيه بصلاة النبي ﷺ عنى به أبو هريرة مطلق التشبيه، لا مقتضاه من كل وجه، كما جهر أبو هريرة بالاستعاذة ونقلتُ عنه الرواية بهذا في مبحث الاستعاذة، ولم يقصد أبو هريرة أن النبي ﷺ كان يجهر بالاستعاذة، بل قصد أبو هريرة إلى التنبيه إلى مشروعية الاستعاذة، لا مشروعية الجهر بها.

стр. 873

الدليل الثالث: (ح-١٣٦٤) ما رواه الدارقطني والحاكم من طريق عثمان بن خرزاذ، حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري، قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها الصبح، والمغرب فكان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ (١). [حديث معلول اختلف فيه في إسناده ولفظه] (٢).

стр. 874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 875

الدليل الرابع: (ث-٣١٤) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله بن عثمان ابن خثيم، عن عبد الله بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد (١)، أن معاوية صلى بالمدينة للناس العتمة، فلم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ولم يكبر بعض هذا التكبير الذي يكبر الناس، فلما انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار فقالوا: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت، أين: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]؟ والله أكبر حتى تهوي ساجدًا؟ فلم

стр. 876

يعد معاوية لذلك بعد (١). ورواه يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن معاوية. [تفرد به عبد الله بن عثمان بن خثيم، على اختلاف عليه في إسناده ولفظه] (٢).

стр. 877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 878

* ويجاب: بأن الحديث فيه اضطراب في إسناده ولفظه، وعلى فرض صحته فالموقوف لا يعارض به المرفوع من حديث أنس، وحديثه في الصحيحين. الدليل الخامس: (ح-١٣٦٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة كان النبي ﷺ يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، يعني: حرفًا حرفًا (١). [صحيح] (٢). وروي أن ذلك كان في الصلاة، وأنه عدها آية منها، ولا يصح، وسبق تخريجه.

стр. 879

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل. * وأجاب الجصاص على هذا الاستدلال: الأول: أن أم سلمة نعتت قراءة النبي ﵇ ولم تذكر أن ذلك كان في الصلاة. الجواب الثاني: أن الحديث لا دلالة فيه على جهر ولا إخفاء؛ لأن أكثر ما فيه أنه قرأها، ونحن كذلك نقول أيضًا ولكنه لا يجهر بها الجواب الثالث: جائز أن يكون النبي ﵇ أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك، ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ من غير جهر بها، فسمعته لقربها منه ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها، وهذه لم تكن صلاة فرض؛ لأنه ﵇ كان لا يصلي الفرض منفردًا بل كان يصليها في جماعة ... (١). الدليل السادس: (ح-١٣٦٦) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (٢). ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن ﴿بِسْمِ

стр. 880

اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب (١). [روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (٢). وجه الاستدلال: الأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعًا، ولم يخالفه صحابيٌّ مثله؛ لأن الظن أنهم أخذوا ذلك من رسول الله ﷺ . * ويناقش من وجهين: الوجه الأول: بأن الأثر تضمن أحكامًا منها: قراءة البسملة، وهذا لا إشكال فيه، وأن البسملة آية من الفاتحة، وهذا فيه خلاف سبق تحريره، وعلى التنزل أنها آية من الفاتحة فلا يلزم منه الجهر، لأن الجهر توقيفي، متلقى من الشارع، فالتأمين يجهر به على الصحيح، وهو ليس من القرآن، والبسملة لا يجهر بها، وإن كانت من القرآن، والأثر لم يتعرض للجهر فلا حجة فيه على مسألتنا، والله أعلم. الوجه الثاني: أن هذا الأثر معارض للحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... الحديث رواه مسلم، وسبق ذكره، وهو أصح من هذا الأثر، والله أعلم. الدليل السابع: (ث-٣١٥) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: صليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (٣). ورواه البيهقي من طريق أحمد بن سلمان، قال: قرئ على عبد الملك بن محمد، وأنا أسمع، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة به، بلفظ: فقرأ، فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.
следующие страницы →