← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17680

الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان

دبيان الدبيان

Полный текст (2 474 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

يعد معاوية لذلك بعد (١). ورواه يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن معاوية. [تفرد به عبد الله بن عثمان بن خثيم، على اختلاف عليه في إسناده ولفظه] (٢).

стр. 877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 878

* ويجاب: بأن الحديث فيه اضطراب في إسناده ولفظه، وعلى فرض صحته فالموقوف لا يعارض به المرفوع من حديث أنس، وحديثه في الصحيحين. الدليل الخامس: (ح-١٣٦٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة كان النبي ﷺ يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، يعني: حرفًا حرفًا (١). [صحيح] (٢). وروي أن ذلك كان في الصلاة، وأنه عدها آية منها، ولا يصح، وسبق تخريجه.

стр. 879

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل. * وأجاب الجصاص على هذا الاستدلال: الأول: أن أم سلمة نعتت قراءة النبي ﵇ ولم تذكر أن ذلك كان في الصلاة. الجواب الثاني: أن الحديث لا دلالة فيه على جهر ولا إخفاء؛ لأن أكثر ما فيه أنه قرأها، ونحن كذلك نقول أيضًا ولكنه لا يجهر بها الجواب الثالث: جائز أن يكون النبي ﵇ أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك، ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ من غير جهر بها، فسمعته لقربها منه ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها، وهذه لم تكن صلاة فرض؛ لأنه ﵇ كان لا يصلي الفرض منفردًا بل كان يصليها في جماعة ... (١). الدليل السادس: (ح-١٣٦٦) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها. قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (٢). ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن ﴿بِسْمِ

стр. 880

اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب (١). [روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (٢). وجه الاستدلال: الأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعًا، ولم يخالفه صحابيٌّ مثله؛ لأن الظن أنهم أخذوا ذلك من رسول الله ﷺ . * ويناقش من وجهين: الوجه الأول: بأن الأثر تضمن أحكامًا منها: قراءة البسملة، وهذا لا إشكال فيه، وأن البسملة آية من الفاتحة، وهذا فيه خلاف سبق تحريره، وعلى التنزل أنها آية من الفاتحة فلا يلزم منه الجهر، لأن الجهر توقيفي، متلقى من الشارع، فالتأمين يجهر به على الصحيح، وهو ليس من القرآن، والبسملة لا يجهر بها، وإن كانت من القرآن، والأثر لم يتعرض للجهر فلا حجة فيه على مسألتنا، والله أعلم. الوجه الثاني: أن هذا الأثر معارض للحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... الحديث رواه مسلم، وسبق ذكره، وهو أصح من هذا الأثر، والله أعلم. الدليل السابع: (ث-٣١٥) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: صليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (٣). ورواه البيهقي من طريق أحمد بن سلمان، قال: قرئ على عبد الملك بن محمد، وأنا أسمع، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة به، بلفظ: فقرأ، فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.

стр. 881

[صحيح] (١). الدليل الثامن: (ح-١٣٦٧) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي، حدثني أبي، عن أبيه قال: صلى بنا المهدي فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، فقلت له في ذلك، فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (٢). [ضعيف] (٣). وهناك آثار أخرى تركتها اقتصارًا على ما ذكر، واختصارًا لأن البحث قد كتب فيه العلماء مؤلفات خاصة، ولو توجه الباحث لجمع جميع الآثار لخرج مجلد

стр. 882

وحده في حكم الجهر بالبسملة، والعلماء مجمعون على صحة صلاة من جهر ومن أَسَرَّ بالبسملة، فالخطب سهل، ولله الحمد. * دليل من قال: يستحب الإسرار إلا أن يجهر بها أحيانًا لمصلحة: أن الجهر بالبسملة أحيانًا يكون فيه بعض المصالح، من ذلك: المصلحة الأولى: ترك المداومة على السنة إذا خيف اعتقاد وجوبها، خاصة إذا كان مداوم ذلك ممن يقتدى به. المصلحة الثانية: إذا كان الجهر بها لمصلحة التعليم من أجل أن يعلم عامة الناس أن البسملة تقرأ، ولا تترك، ولذلك كان ابن عباس يجهر في قراءة الفاتحة في الجنازة أحيانًا. المصلحة الثالثة: الجهر أحيانًا لمصلحة التأليف. جاء في مطالب أولي النهى: «اختار الشيخ تقي الدين أن يجهر المصلي بالبسملة أحيانًا تألفًا لمن يقتدي به من الشافعية ... فإنه أي فعل ذلك أحيانًا المنصوص عن الإمام أحمد، ويكون قصده بذلك تعليمًا للسنة وللتأليف، واستعطاف القلوب، وعدم النفرة، فإن المخالف في فرع إذا رأى شخصًا مثابرًا على فعل لا يراه، ربما يصير في نفسه منه شيء، ثم ينمو ذلك الشيء، ويزاد إلى أن يؤدي إلى النفرة التي تؤثر في النفس، فينشأ منها ما لا خير فيه» (١). * دليل من قال: الجهر والإسرار سواء: هذا القول نظر في أدلة الجمهور وفي أدلة الشافعية فأخذ منهما جواز الإسرار والجهر، فأيهما اختار فقد أصاب. * ويناقش: بأن الجهر لم يثبت في حديث صحيح، ولو كان الجهر سنة لنقل إلينا في الأحاديث الصحيحة، وأما الإسرار فهو ثابت عن النبي ﷺ ، وعن خلفائه أبي بكر، وعمر، وعثمان، وروي عن علي ﵁، فليس الجهر والإسرار على حد

стр. 883

سواء في الحكم، والله أعلم. * الراجح: أن الإسرار هو الثابت بالسنة الفعلية المرفوعة، وهو عمل الخلفاء الراشدين، وأن الجهر بها أحيانًا يجوز إذا كان لمصلحة، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون بقدرها، فلا يغلب الجهر الإسرار، ومصلحة التعليم يمكن أن تكون بالقول، والله أعلم. * * *

стр. 884

المبحث السابع في قراءة الفاتحة في الصلاة الفرع الأول في حكم قراءتها المدخل إلى المسألة: * لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب حديث في أعلى درجات الصحة اتفق عليه الشيخان، ودلالته نصية. * كل نفي فإنه يحمل أولًا على نفي الوجود، فإن وجد العمل حمل النفي على الصحَّة، فإنْ صَحَّ حمل النفي على الكمال، ولما كانت صورة الصلاة قد توجد في الخارج من دون الفاتحة تعين حمل النفي على الصحة: أي لا صلاة صحيحة. * يمكن حَمْلُ النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) على الوجود، وذلك بحمل النفي على الصلاة الشرعية دون الباطلة؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على الحقيقة الشرعية؛ لكونه بعث لبيان الشرعيات دون اللغويات. * لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب نفيٌّ بمعنى النهي: أي لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره: لا صلاة بحضرة طعام. * ليست كل زيادة على النص تعتبر نسخًا حتى ترفع الحكم السابق. [م-٥٣٤] اختلف العلماء في حكم قراءة الفاتحة فقال الحنفية: قراءة القرآن في الصلاة فرض: ولا يتعين ذلك في الفاتحة، وقراءة الفاتحة واجبة، والمراد بالواجب عندهم: ما تصح الصلاة بتركه مع الإثم ويجب بتركه ساهيًا سجدتا السهو (١).

стр. 885

قال في بدائع الصنائع: «المفروض هو أصل القراءة عندنا من غير تعيين، فأما قراءة الفاتحة والسورة عينًا في الأوليين فليست بفريضة ولكنها واجبة» (١). وقال الجمهور: قراءة الفاتحة ركن (٢). وقيل: قراءة الفاتحة سنة، اختاره ابن شبلون من المالكية، وبه قال أحمد في رواية إلا أنه قال: يجزئ غير الفاتحة، قال في الفروع: ظاهره أن الفاتحة سنة، وبه قال الحسن وجماعة من التابعين (٣).

стр. 886

* دليل من قال: الفاتحة ركن: الدليل الأول: (ح-١٣٦٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (١). ورواه الدارقطني من طريق زياد بن أيوب، عن ابن عيينة به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب (٢). [رواه زياد عن ابن عيينة بلفظ: (لا تجزئ) وهو شاذ] (٣).

стр. 887

وجه الاستدلال: لنا ثلاثة طرق في توجيه الاستدلال بالحديث على بطلان الصلاة إذا لم تقرأ فيها فاتحة الكتاب. الطريق الأول: أن النفي إذا ورد على عبادة، فإنه يحمل أول ما يُحمَل على نفي الوجود، فإن لم يمكن حُمِل على نفي الصحة، فإن لم يمكن حُمِل على نفي الكمال. وقوله ﷺ في الحديث: (لا صلاة ... ) فالنفي هنا لا يمكن حمله على وجود الصلاة؛ لتصور وجود صورة الصلاة في الخارج، فصار النفي محمولًا على الإجزاء:

стр. 888

أي لا صلاة صحيحة، ولا يصح حمله على التمام، أي: لا صلاة كاملة؛ لأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس. ولأن النفي لم يتوجه للصلاة، وإنما توجه على حصول الصلاة للرجل، لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ ... ) وهو عبارة عن نفي الانتفاع بها، ونفي خروجه من العهدة، وذلك يعني عدم صحتها. وقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم الفريضة والنافلة. الطريق الثاني: أن المراد من نفي الصلاة نفي الصلاة بمعناها الشرعي، لا اللغوي؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه، لكونه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام دعوى نفي الذات؛ فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال، لأنه يؤدي إلى الإجمال، ولأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ولأن المركب كما أنه ينتفي بانتفاء جميع أجزائه فكذلك بانتفاء بعضها، ولأنه روي بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب (١). الطريق الثالث: لا يمتنع أن يكون النفي في قوله: لا صلاة نفي بمعنى النهي: أي لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة مرفوعًا: لا صلاة بحضرة الطعام، فإنه في صحيح ابن حبان: لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام (٢). الدليل الثاني: (ح-١٣٦٩) ما رواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ

стр. 889

بها في نفسك ... الحديث (١). ورواه ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام، فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي (٢). [لفظ: (لا تجزئ) لفظ شاذ، وقد رواه أصحاب شعبة بلفظ: فهي خداج، وكذا رواه الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن] (٣).

стр. 890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 891

وجه الاستدلال: أن الخداج في اللغة: هو الفاسد، فدل على بطلان الصلاة ب من دون الفاتحة. * جواب الحنفية عن الحديث: قوله (خداج غير تمام) فقد فسر الخداج بقوله: غير تمام، أي ناقص، والنقص لا يستلزم البطلان فإثبات صلاة ناقصة ينفي بطلانها؛ إذ لا يجوز أن يوصف الباطل بالنقصان؛ إذ الباطل لا يثبت منه شيء. * ورد هذا: بأنه لا يسلم بأن الخداج هو النقصان، بل المراد به الفساد، ذكر ذلك الخطابي وابن عبد البر. وعلى التسليم فإن النقص على قسمين: نقص يستلزم البطلان، وهو النقص من الفرائض، وهو ما يصدق عليه أنه نقص حقيقة، فمن خرج من صلاته قبل إتمامها فعليه إعادتها، والإتيان بها كما أمر، ومن ادَّعَى جوازها مع الإقرار بنقصها فعليه الدليل. ونقص لا يستلزم البطلان، كالنقص الذي يطال مستحبات الصلاة، وهي صلاة تامة من حيث الإجزاء، وتسميتها ناقصة تجوزًا، وإلا هي من حيث الحقيقة والشرع صلاة تامة، فإذا أطلق النقص في الشرع فالأصل في الإطلاق الشرعي والحقيقي، وإذا حمل حديث أبي هريرة على حديث عبادة المتفق على صحته، في قوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، أي لا صلاة شرعية كان نقص الفاتحة من القسم الأول، والله أعلم. قال الباجي في المنتقى: «اسم الصلاة يطلق على المجزئ منها وغير المجزئ يقال صلاة فاسدة وصلاة غير مجزئة كما يقال صلاة صحيحة وصلاة مجزئة وإطلاق اسم النقصان عليها يقتضي نقصان أجزائها والصلاة لا تتبعض، فإذا بطل

стр. 892

بعضها بطل جميعها، ولا يجوز أن يطلق اسم النقصان على عدم الفضيلة لمن كملت أجزاؤه، ووصف الصلاة بأنها خداج إذا لم يقرأ بأم القرآن يعني فسادها، وقد أكد ذلك بقوله ﷺ : غير تام» (١). الدليل الثالث: (ح-١٣٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد (٢). [انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما] (٣).

стр. 893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 894

* دليل الحنفية على أن قراءة غير الفاتحة يجزئ عنها: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 895

وجه الاستدلال: الآية الكريمة أمرت بقراءة ما تيسر، والأمر مطلق، وما تيسر: عام في جميع ما تيسر، ومن ضرورته عدم توقف الجواز على قراءة الفاتحة؛ لأن الآية اقتضت التخيير في المفروض من القراءة. والقول بفرض قراءة الفاتحة لحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) زيادة على نص الآية، ومسقط للتخيير الذي فيها، والزيادة على النص نسخ، والقول به يؤدي إلى نسخ القرآن بخبر الآحاد، وهو لا يجوز، إلا أنه يوجب العمل، فمطلق القراءة في الصلاة فرض بموجب الآية، وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة وليست بفرض، وتجبر بسجود السهو؛ لثبوتها بخبر الآحاد، فعملنا بهما على وجه لا يتغير به حكم الكتاب تفريقًا بين الفرض والواجب على أصول الحنفية، فالفرض: ما ثبت بدليل قطعي. والواجب: ما ثبت بدليل ظني (١). * ويجاب عن استدلال الحنفية بأجوبة: الجواب الأول: لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ؛ لأن الزيادة إن رفعت الحكم الشرعي كانت نسخًا، وإن لم ترفعه لم تكن نسخًا، فالأمر بقراءة الفاتحة لا يرفع حكم الأمر بقراءة ما يتيسر. قال الشافعي: الزيادة على النص تخصيص (٢). وجه ذلك: أن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] عام، وقوله ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) خاص، وهو جار على تخصيص الكتاب بالسنة، قال الشنقيطي في أضواء البيان: تخصيص الكتاب بالسنة كثير، ونسبه العراقي في طرح التثريب لجمهور الأصوليين. ومن أمثلة ذلك: تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ بقوله ﷺ في السنة: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها.

стр. 896

وتخصيص قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بقوله ﷺ في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وحديث: أحلت لنا ميتتان ودمان. وتحريم الميتة بالكتاب يشمل الأكل وغيره، وخصت السنة ذلك منها بالأكل. والخاص مقدم في الحكم على العام. الجواب الثاني: قال الماوردي: الآية مجملة فسرها قوله ﷺ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، لأن ظاهرها متروك بالاتفاق، لأنه لو تيسر عليه سورة البقرة لم يلزمه، ولو تيسر عليه بعض آية لم يجزه. الجواب الثالث: التفريق بين الفرض والواجب، ليس قائمًا على حقيقة شرعية، فقوله ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) دلالته على الركنية أقوى من دلالة قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾؛ لأن القطعي والظني إن كان لثبوت الدليل فالآية الكريمة أقوى من حديث (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، والقرآن كله قطعي الثبوت، ولكن الثبوت لا علاقة له بالدلالة. وإن كان الفرق بين الآية الكريمة والحديث من حيث الدلالة: وهي ما يوجبه الدليل، ويقتضيه اللفظ- فحديث (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) أقوى من الآية الكريمة في إفادة الركنية، فالأمر بالقراءة في الآية الكريمة يفيد وجوب القراءة، ولا يفيد الركنية؛ لأن الركنية قدر زائد على الوجوب، بخلاف نفي الصلاة؛ لانتفاء الفاتحة فإنه يفيد الركنية؛ وإذا اتفق الحنفية مع الجمهور على وجوب العمل بالدليل الظني، فإن وجوب العمل به لا يعني إلا وجوب العمل بدلالته، وهو القول بركنية الفاتحة، فوقع الحنفية في خطأين. أحدهما: استفادة ركنية القراءة من الأمر بالقراءة في الآية، وليس فيها ما يدل على الركنية. الثاني: إلغاء إفادة الركنية من الحديث، مع قوة دلالته على الركنية. الجواب الرابع: أن آية المزمل مكية، وكان نزولها قبل نزول الفاتحة، وقد وردت في قدر قيام

стр. 897

الليل، لا في قدر القراءة، فكان قيام الليل في أول الأمر، كما أخبر الله في أول الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ ثم نسخ تخفيفًا بقوله: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. * واعترض على هذا: بأن الأمر جاء في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، وهو متفق عليه وسوف يأتي إن شاء الله تعالى نقله ومناقشته. الجواب الخامس: أن الحنفية قد عملوا بأخبار آحاد مع أنها تضمنت زيادة على ما جاء في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾. وخصص الحنفية عموم (الأولاد) بما ورد في السنة: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم. وخصص الحنفية العام في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ بقوله ﷺ في السنة: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها. وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، وأجاز الحنفية الوضوء بالنبيذ. الدليل الثاني: (ح-١٣٧١) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... (١).

стр. 898

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمره بأن يقرأ بما تيسر، ولم يقيد ذلك بالفاتحة، ولو كانت قراءة الفاتحة فرضًا لأخبره بذلك. * ويجاب عن هذا الحديث: الجواب الأول: أن هذا الحديث ظاهره يدل على أن قراءة الفاتحة ليست بفرض، وحديث عبادة المتفق على صحته: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وحديث أبي هريرة في مسلم: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام) يدلان نصًّا على أن قراءة الفاتحة فرض، وإذا كان أحد الدليلين جرى على وفق البراءة الأصلية، وكان الدليل الآخر ناقلًا عنها، قُدِّمَ الناقل عن البراءة الأصلية. الجواب الثاني: مما يدل على وجوب قراءة الفاتحة أن أبا هريرة الراوي لحديث المسيء في صلاته قد أمر بقراءة الفاتحة كما في صحيح مسلم، حين قيل له: إنا نكون وراء الإمام، فقال أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك، ومن أصول الحنفية أن رأي الراوي مقدم على روايته؛ لأنه أعلم بما روى، كما قال ذلك الحنفية في الغسل من ولوغ الكلب في الإناء ثلاثًا تقديمًا لرأي أبي هريرة على روايته بالغسل سبعًا، ونظائرها كثيرة في مذهب الحنفية. الجواب الثالث: أجاب الحافظ ابن حجر بأنه قد ورد في حديث المسيء تفسير ما تيسر بالفاتحة وبما شاء الله أن تقرأ، ووقع في بعض طرقه: (ثم اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن فاحمد الله، وكبر، وهلل)، فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعيين الفاتحة هو الأصل لمن كان معه قرآن، فإن عجز عن تعلمها، وكان معه من القرآن غيرها قرأ ما تيسر، فإن لم يكن معه قرآن مطلقًا انتقل إلى الذكر (١).

стр. 899

(ح-١٣٧٢) فقد روى أبو داود من طريق محمد يعني ابن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، -بهذه القصة- قال: إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك .... الحديث (١). [ذِكْرُ أم القرآن في الحديث ليس محفوظًا] (٢). الجواب الرابع: أن حديث المسيء في صلاته لم يشتمل على كل الفرائض، إما لأنه اقتصر إلى إرشاده على ما أخلَّ به في صلاته، أو على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا، فالتشهد والجلوس له كلاهما فرض في الصلاة على قول ولم يذكرا في حديث المسيء في صلاته،

стр. 900

(ح-١٣٧٣) فقد روى النسائي من طريق سفيان، عن الأعمش، ومنصور، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، قال: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد .... الحديث (١). فكون الفاتحة لم تذكر لا يكون دليلًا على عدم فرضيتها؛ لأن الشريعة كانت تتنزل شيئًا فشيئًا حتى أكمل الله لنا دينه، وأتم الله علينا نعمته، فقد كانت الصلاة بلا أذان ولا إقامة، ثم شُرِعَا، وكان الكلام في الصلاة جائزًا ثم منع، وكانت القبلة إلى الشام، ثم حولت، وكان الراكع يطبق بين كفيه، ثم يضعهما بين فخذيه، ثم نسخ الأمر، وأمر الناس بأن يضعوا أيديهم على الركب، فهذا منه. الدليل الثالث: (ح-١٣٧٤) ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» ثَلَاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك ... الحديث (٢). وجه الاستدلال: وصف الخداج بأنه غير تمام: أي ناقص، وإثبات الصلاة ناقصة ينفي بطلانها؛ لأن الباطل لا يثبت منه شيء. وسبق الجواب على هذا الاعتراض في أدلة القول الأول، وَبَيَّنْتُ ولله الحمد: أن النقص قد يعبر به عن نقص بعض أجزاء الصلاة، والصلاة إذا ذهب بعض أجزائها التي هي من أركانها لم تصح. الدليل الرابع: (ح-١٣٧٥) ما رواه أبو داود من طريق عيسى، عن جعفر بن ميمون البصري،

стр. 901

حدثنا أبو عثمان النهدي، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : اخْرُجْ فَنَادِ في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد (١). * وأجيب عن هذا الحديث بأجوبة: الجواب الأول: أن هذا الحديث قد انفرد به جعفر بن ميمون، واضطرب في لفظه مع مخالفته لما هو أقوى منه من الأحاديث الصحيحة كحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين وحديث أبي هريرة في مسلم، وغيرهما من الأحاديث (٢). الجواب الثاني: أن يحيى بن سعيد القطان والثوري في رواية روياه عن جعفر بن ميمون به، بلفظ: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد)، وكل راوٍ خالف الثوري والقطان في لفظيهما، فإن الحكم لهما عليه. الجواب الثالث: على تقدير صحة الحديث فإن معناه على ما ذكر النووي: إن أقل ما يجزئ فاتحة الكتاب، كما يقال: صم ولو ثلاثة أيام من الشهر: أي أكثر من الصوم فإن نقصت فلا تنقص عن ثلاثة أيام. * دليل من قال: الفاتحة سنة: أن الإمام يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم في صلاة الجماعة، والإمام لا يتحمل ركنًا عن المأموم. * ويناقش: بأن تحمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة مع أن فيه خلافًا إلا أنه ليس أمارةً على سنية قراءة الفاتحة، بدليل أن قراءة الفاتحة فريضة في حق الإمام والمنفرد،

стр. 902

فلو كانت سنة لما بطلت صلاة المنفرد والإمام بتركها، والإمام يتحمل سهو المأموم، ولا يعني أن سجود السهو ليس بواجب، والله أعلم. * الراجح: أرى أن قول الجمهور في ركنية الفاتحة هو القول الصحيح، والله أعلم. * * *

стр. 903

الفرع الثاني في أقل ما يجزئ عن قراءة الفاتحة المدخل إلى المسألة: * قال رسول الله ﷺ للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ... متفق عليه. * أمر الشارع بقراءة ما تيسر من القرآن، ولم يحدد مقدارًا معينًا، والمطلق جارٍ على إطلاقه، والتحديد يحتاج إلى توقيف. * الفرض إذا لم يقدر شرعًا، كان تقديره إلى العرف أو على أقلِّ ما يتناوله الاسم. [م-٥٣٥] اختلف العلماء القائلون بأن الفاتحة ليست ركنًا في الصلاة، وأن قراءة غيرها من القرآن يقوم مقامها اختلفوا في أقلِّ ما يجزئ عنها: فقيل: فرض القراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة، قال في الدر المختار: على المذهب، وقال ابن نجيم وابن عابدين: وهو ظاهر الرواية عن الإمام أبي حنفية، قلت: وهو رواية عن الإمام أحمد (١). قال في كنز الدقائق: «وفرض القراءة آية» (٢).

стр. 904

وقيل: يجزئ عن قراءة الفاتحة آية طويلة كآية الكرسي والدَّيْنَ أو ثلاث آياتٍ قصارٍ، فإن نقص عن ثلاث قصار، أو آية طويلة فقد ارتكب كراهة التحريم؛ لتركه الواجب، وهو رواية عن الإمام أبي حنفية، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد بن الحسن (١). وقيل: أقل ما يجزئ ثلاث آيات مطلقًا، وهو قول لأبي يوسف من الحنفية (٢). وقيل: يجزئ ما يصدق عليه اسم قرآن، ولو كان بعض آية إذا كان بقصد قراءة القرآن، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أحمد في رواية: يقرأ ما تيسر (٣). وقيل: لا يكفي إلا سبع آيات من غيرها، وهو رواية عن أحمد، وهل يجب أن يكون في عدد حروفها؟ على وجهين في مذهب الحنابلة (٤). هذه مجمل الأقوال، وهي متفرعة على القول بأن قراءة الفاتحة ليست ركنًا، وهو قول مرجوح. * دليل من قال: فرض القراءة آية واحدة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وجه الاستدلال: أن الله أمر بقراءة ما تيسر، ولم يحدد مقدارًا معينًا، والمطلق جارٍ على إطلاقه، والتحديد يحتاج إلى توقيف. الدليل الثاني: (ح-١٣٧٦) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم

стр. 905

جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أُحْسِنُ غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمره بأن يقرأ بما تيسر، ولم يقيد ذلك بمقدار معين. وقد سبق الجواب عن الاستدلال بالآية والحديث في المسألة السابقة، فانظره هناك، والله أعلم. * دليل من قال: الفرض آية واحدة طويلة أو ثلاث قصار: الدليل الأول: أن الله أمر بقراءة القرآن، فلا بد أن يأتي بما يسمى به قارئًا، ومن قال: ثم نظر أو قال: مدهامتان لا يسمى قارئًا في العرف، فمطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف، وأدنى ما يسمى المرء به قارئًا في العرف أن يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار. الدليل الثاني: أن الواجب عليه قراءة المعجز، وهي السورة، وأقصرها الكوثر، وهي ثلاث آيات. * دليل من قال: يكفي بعض الآية: أن الفرض إذا لم يقدر شرعًا، كان تقديره على أقلِّ ما يتناوله الاسم، حتى ولو قرأ بعض آية، إذا قرأ ذلك بقصد القراءة. * دليل من قال: لا يكفي إلا سبع آيات: هذا القول نظر إلى أن الفاتحة سبع آيات، وأن قراءة الفاتحة شرعت من أجل الثواب في الصلاة، فكان الواجب قراءة عدد آيات الفاتحة ليحصل له نفس الثواب.

стр. 906

* ويناقش: بأن المقدار غير معتبر في الشرع قياسًا على من فاته صوم يوم طويل لم يعتبر كون القضاء في يوم طويل مثله (١). * الراجح: كل هذه التفريعات على القول المرجوح، وإذا كانت كلها مرجوحة فكيف السبيل للترجيح بينها؟ والله أعلم. * * *

стр. 907

الفرع الثالث في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة المدخل إلى المسألة: * النفي في قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب محمول على نفي الصلاة الشرعية، وذلك يقتضي عدم الإجزاء والاعتداد بها شرعًا. * أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بالقراءة في الصلاة، ولا تجب قراءة في الصلاة سوى الفاتحة، فكان المجمل في حديث المسيء مبيَّنًا في حديث عبادة. * أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بالقراءة، والركوع، والرفع والسجود، وقال في آخره: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فكانت كل هذه فروضًا في جميع الركعات. * كل موضع شرعت فيه قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن انتفاء الفاتحة من ذلك الموضع يعني انتفاء ذلك من صلاته. [م-٥٣٦] اختلف الفقهاء في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة: فقيل: القراءة غير واجبة في الصلاة، قال به من المعتزلة إبراهيم بن علية، وشيخه أبو بكر الأصم، والحسن بن صالح بن حي (١). وقيل: يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة، وبه قال الحسن البصري، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث من المالكية (٢). وقيل: فرض القراءة في الركعتين الأوليين من كل صلاة، وسنة في الأخريين،

стр. 908

فإن شاء قرأ، وإن شاء سبح، فلو تركهما في الأوليين وقرأها في الأخريين كانت قضاء، وهذا مذهب الحنفية، وقد سبق أنهم يرون أن قراءة القرآن فرض، ولا تتعين الفاتحة (١). وقيل: تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة إلا في ركعة المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، وهو قول مالك في المدونة، وهو أصح القولين في مذهبه، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة (٢). وقال مالك: تجب قراءة الفاتحة في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، وإليه رجع مالك، فإن كانت الصلاة ثنائية وجبت في كل ركعة، وقال إسحاق نحوه (٣).

стр. 909

* دليل من قال: القراءة غير واجبة: الدليل الأول: (ح-١٣٧٧) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١). فجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادرًا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال (٢). وقد سبق مناقشة هذا المذهب عند الكلام على حكم تكبيرة الإحرام، وبينت اتفاق العلماء على أن الصلاة لا تصح إلا بنية، والنية غير مرئية، وأن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم، وقد يكون الإطلاق من باب التغليب، فلما كانت الصلاة تطلق على مجموع الأقوال والأفعال، فأطلق الرؤية تغليبًا للأفعال، ولا تعني اختصاصها بها، كما أنه قد يطلق الفعل على القول تغليبًا، وذكرت شاهده من حديث ابن عمر، فارجع إليه إن شئت. الدليل الثاني: (ث-٣١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن نمير، عن عبيد الله

стр. 910

ابن عمر، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: صلى عمر المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قال له الناس: إنك لم تقرأ؟ قال: فكيف كان الركوع والسجود، تام هو؟ قالوا: نعم، فقال: لا بأس، إني حدثت نفسي بعير جهزتها بأقتابها وحقائبها (١). قال الشافعي: ولم يذكر أنه سجد للسهو، ولم يُعِدَ الصلاة، وإنما فعل ذلك بين ظهراني المهاجرين والأنصار. [منقطع، أبو سلمة لم يدرك عمر، قاله ابن كثير في مسند الفاروق] (٢).

стр. 911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 913

قال البيهقي: «وهو محمول عندنا على قراءة السورة، أو على الإسرار بالقراءة فيما كان ينبغي له أن يجهر به، ثم قد روي عن عمر أنه أعادها .... » (١). * دليل من قال: يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة: الدليل الأول: (ح-١٣٧٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ، قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، ولم يقل: في كل ركعة، فهذا يقتضي فرضية القراءة مرة واحدة، لا تكرارها. ولأن الاستثناء من النفي إثبات، فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء. ولأن النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) إن كان بمعنى الأمر بقراءة فاتحة الكتاب، فالأمر بالفعل يتحقق الامتثال بقراءتها مرة واحدة؛ لأن صيغة الأمر المطلق لا تقتضي التكرار، فكذلك ما كان بمعنى الأمر من باب أولى. * ونوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا الاستدلال يمكن تسليمه لولا أن النبي ﷺ قال في حديث أبي

стр. 914

هريرة: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، والأصل في الأمر الوجوب، فصار الأمر يحمل معنى التكرار. الوجه الثاني: قال البخاري في القراءة خلف الإمام جوابًا على هذا الاستدلال، قال: «قد بين حين قال: (اقرأ، ثم اركع، ثم اسجد، ثم ارفع، فإنك إن أتممت صلاتك على هذا فقد تمت، وإلا كأنما تنقصه من صلاتك) فبين له النبي ﷺ أن في كل ركعة قراءةً وركوعًا، وسجودًا، وأمره أن يتم صلاته على ما بين له في الركعة الأولى» (١). وهذا الوجه هو معنى الوجه الأول، وفيه: أن الإمام البخاري يرى صحة حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته في الجملة (٢). * دليل من قال: تجب الفاتحة في كل ركعة: الدليل الأول: استدل الجمهور بحديث عبادة بن الصامت المتقدم: أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٣). (ح-١٣٧٩) وروى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم

стр. 915

جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، فعلمه النبي ﷺ ما يفعل في الركعة الأولى، وقال: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). واسم الإشارة في قوله: (ثم افعل ذلك) راجع إلى الأقوال والأفعال، والأصل في الأمر الوجوب. الدليل الثاني: (ح-١٣٨٠) ما رواه أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، وكان من أصحاب النبي ﷺ وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه قال: إذا استقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك .... وقال في آخره: ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة (٢). [ذكر أم القرآن في الحديث ليس محفوظًا] (٣). الدليل الثالث: (ح-١٣٨١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، واللفظ لمسلم (٤). وقد قال النبي ﷺ كما في حديث مالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي.
следующие страницы →