← Адаб

Адаб · id 17681

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (952 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقوله (وليس يجوز لمن قام مقاما في تحضيض على حرب، أو حمالة بدم): التحضيض والحض: الإغراء بالشيء، والترغيب فيه. والحمالة: الكفالة. ويقال: تحملت بالشيء كقولك: تكفلت به. وفلان حميل به: كقولك: كفيل به. ووقع في بعض النسخ: أو حمالة لدم باللام، ولا أعرف ذلك مروياً عن أبي علي، وليس بممتنع، تجعله من قولك: حملت الشيء عن الرجل، وهو راجع إلى المعنى الأول. وينبغي أن تكون هذه اللام، هي التي تزاد في المفعول تأكيداً للعامل، وأكثر ما تدخل على المفعول إذا تقدم على الفعل، كقوله تعالى: ﴿إنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقد تدخل عليه وهو متأخر كقوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾. وعلى هذا: أعجبني الضرب لزيد ومنه قول كثير: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل والعشائر: القبائل. واحدها عشيرة. واشتقاقها من المعاشرة، وهي المصاحبة. يقال: فلان عشيري وشعيري: أي مصاحبي. وعشيرة المرأة: زوجها. وقوله: (ولو كتب كاتب إلى أهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير من المعصية، كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان) يزيد هذا هو يزيد بن الوليد ابن عبد الملك، ويكني أبا خالد، وكانت أمه أعجمية وهي شاهفريد بنت فيروز بن يزدجرد، وهي أول سرية ولدت ملكاً في الإسلام، وهو القائل:

стр. 107

أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدى وجدى خاقان ومعنى شاهفريد بالفارسية: سيدة البنات. وكان يزيد هذا يدعى (الناقص). واختلف في المعنى الذي من أجله لقب بذلك. فقال قوم: لقب الناقص لأنه نقص الجند أعطياتهم عند ولايته. وقيل: لقبه بذلك مروان بن محمد بن مروان، وهو الذي كتب إليه يزيد بما حكاه ابن قتيبة. وقال قوم: لقب الناقص لفرط. كما له، كما يقال للحبشي: أبو البيضاء، وللأعمى: بصير وكذا قال خليفة بن خياط. وكانت خلافته خمسة أشهر وليلتين. ومروان هو آخر خلفاء بني أمي بالمشرق، وكان يكني أبا عبد الله وأمه: (لوعة)، سرية من الكرد،. وقيل: بل أمه ريا: جارية كانت لإبراهيم بن الأشقر النخعي. فصارت إلى محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم، وكانت حاملاً من إبراهيم فولدت على فراش محمد بن مروان. وقتل مروان ببوصير من صعيد مصر، بعد ظهور الدولة العباسية. فكانت خلافته نحواً من ست سنين. والتلكوء: الإبطاء والتأخر. وقوله (وسكون الطائر): يستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون مثلاً للوقار والرزانة، يريد أنه لشدة وقاره، لو نزل على رأسه طائر لم يطر. وهو الذي أراده ابن قتيبة هاهنا. والثاني: أن يكون مثلاً مضروباً للمذلة والخضوع. يراد أنه لذله لا يتحرك، وهذا المعنى الذي أراد الشاعر بقوله: إذا نزلت بنو تيم عكاظا ... رأيت على رؤوسهم الغرابا

стр. 108

وقال آخر في الهيبة والخضوع: كأنما الطير منهم فوق أرؤسهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال وقال ذو الرمة: من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا مرمين من ليث عليه مهابة ... تفادى أسود الغاب منه تفاديا وما الخرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ماهيا وأما قول الضبي: كأن خروء الطير فوق رءوسهم ... إذا اجتمعت قيس معاً وتميم ففيه قولان: وقال النميري يصف قوماً قرعاً: فإن بياض قرعهم ... كخرء الطير وهو أبيض قال غيره: يريد الذل والخضوع، كما قال الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب

стр. 109

وقوله: (وخفض الجناح) هذا مثل مضروب للين الجانب، وتعطف الإنسان على من أوى إليه، وإشفاقه على من رآه بحال شدة وبؤس. وأصل ذلك أن الطائر يضع جناحيه على فراخه، ويلحفها إياهما، فضرب مثلاً التعطف، قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ولهذا قالوا: فلان موطأ الأكناف. وقد يضرب الجناح أيضاً مثلاً في العون على الأمور. كما قال مسكين الدرامي: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح وقوله (العالي في ذروة المجد) المجد: الشرف. وذروته: أعلاه. وكذلك ذروة كل شيء وذروته، بالكسر والضم، والجمع ذرا، بضم الذال في اللغتين جميعاً. وقوله (الحاوي قصب السبق): هذا مثل مضروب للتقدم والتبريز على الأكفاء في كل شيء. وأصله أنهم كانوا إذا تسابقوا إلى غاية من الغايات، وخاطروا على ذلك، وضعوا الخطر على رأس قصبة وركزوها في الغاية التي يتحارون إليها، فمن سبق إليها أخذها، فصار ذلك مثلاً لكل من غولب فغلب. والسبق بسكون الباء: المصدر. والسبق بفتح الباء: الخطر بعينه. قال رؤبة: لوحها من بعد بدن وسنق ... تضميرك السابق يطوى للسبق

стр. 110

ويريد بالدارين: الدنيا والآخرة. هذا آخر ما حضرنا من القول في هذه الخطبة. ولما كان أبو محمد بن قتيبة- رحمه الله تعالى- قد شرط على الكاتب شروطاً في هذه الخطبة، ألزمه معرفتها وكان الكتاب مختلفي الطبقات، منهم من تلزمه معرفة تلك الأشياء، ومنهم من يختص ببعضها دون بعض. فإن علم غير ما هو مضطر إلى معرفته في صناعته، كان زائداً في نبله، وإن جهله، لم يكن معنفاً على جهله، رأينا أن نذكر أصناف الكتاب، وما يحتاج إليه كل صنف منهم، مما يخص مرتبته، ما لا يسع واحداً منهم أن يحتمله. ثم نذكر بعد ذلك آلة الكتاب التي يحتاجون إلى معرفتها، كالدواة والقلم ونحوهما. ونجري في ذلك كله إلى الاختصار، ليكون متمماً لفائد هذه الخطبة وبالله التوفيق.

стр. 111

=====

стр. 112

ذكر أصناف الكتاب أصناف الكتاب على ما ذكره ابن مقلة خمسة: كاتب خط، وكاتب لفظ، وكاتب عقد، وكاتب حكم، وكاتب تدبير. فكاتب الخط: هو الوراق والمحرر. وكاتب اللفظ: هو المترسل. وكاتب العقد: هو كاتب الحساب الذي يكتب للعامل. وكاتب الحكم: هو الذي يكتب للقاضي ونحوه، ممن يتولى النظر في الأحكام. وكاتب التدبير: هو كاتب السلطان، أو كاتب وزير دولته. وهؤلاء الكتاب الخمسة يحتاج كل واحد منهم إلى أن يتمهر في علم اللسان، حتى يعلم الإعراب، ويسلم من اللحن، ويعرف المقصور والممدود، والمقطوع والموصول، والمذكر والمؤنث. ويكون له بصر بالهجاء. فإن الخطأ في الهجاء، كالخطأ في الكلام. وليس على واحد منهم أن يمعن في معرفته النحو واللغة إمعان المعلمين، الذين اتخذوا هذا الشأن صناعة، وصيروه بضاعة. ولا إمعان الفقهاء الذين أرادوا بالإغراق فيه فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله، وكيف تستنبط الأحكام والحدود والعقائد بمقاييس كلام العرب ومجازاتها. إنما عليه أن يعلم من ذلك ما لا يسع جهله. ثم يكثر بعد ذلك من معرفة ما يخص صناعته.

стр. 113

ويحتاج كل واحد منهم أيضاً إلى العفة، ونزاهة النفس، وحسن المعاملة للناس، ولين الجانب، وسماحة الأخلاق، والنصيحة لمخدومه فيما يقلده إياه، ويعصبه به. ثم يحتاج كل واحد منهم بعد ما ذكرناه إلى أمور تخصه، لا يحتاج إليها غيره. ونحن نذكر ذلك بأوجز قول، وأقرب بيان إن شاء الله تعالى. وإنما نذكر مراتب الكتاب على ما كانت عليه في القديم. وأما اليوم فقد تغيرت عن رسمها المعلوم. ولكل دهر دولة ورجال، ولكل حال إدبار وإقبال. كاتب الخط لا يخلو كاتب الخط. أن يكون وراقاً ومحرراً. وهما موضوعان لنقل الألفاظ وتصويرها، ويحتاجان إلى أن يجمعا مع حلاوة الخط وقوته، وسواد المداد وجودته، تفقد القلم، وإصلاح قطته، وجودة التقدير. والعلم بمواقع الفصول. ويحتاج المحرر، إلى إطالة سن القلم، وألا يلح عليه بالنحت، ولا على شحمته، لأن ذلك أقوى لخطه، وكذلك حكم سائر ما يكتب بالمداد غير الحبر. فأما ما يكتب بالحبر، فيخاف على الشحم فيه أن يقل ما يحمل من الحبر. ويحتاج الوراق إلى تحريف قطة قلمه ويجعلها المحرر بين التحريف والاستواء فإن ذلك أحسن لحظة. وكلما كان اعتماد الكاتب وراقاً كان أو محرراً على سن قلمه الأيمن، كان أقوى لخطه، وأبهى له.

стр. 114

ويختار للوراق ألا يكتب في الجلود والرق بالحبر المثلث، فإنه قليل الليث فيها، سريع الزوال عنها. وأن يكتب فيها بالحبر المبطوخ، وفي الرق بما أحب. ويختار للمحرر، أن يكتب عن السلطان في أنصاف الطوابير. وفي الأدراج العريضة، وعن نفسه وسائر الناس فيما أحب، بعد أن يكون ذلك ألطف مقداراً من مقادير كتب السلطان ووزارته. ومعنى قولنا جودة التقدير، أن يكون ما يفضله من البياض في القرطاس أو الكاغد عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه وأسفله، على نسب معتدلة. وأن تكون رؤوس السطور وأواخرها متساوية. فإنه متى خرج عن بعض قبحت وفسدت. وأن يكون تباعد ما بين السطور على نسبة واحدة، إلى أن يأتي فصل، فيزاد في ذلك. والفصل إنما يكون بين تمام الكلام الذي يبدأ به، واستئناف كلام غيره، وسعة الفصول وضيقها على مقدار تناسب الكلام. فإن كان القول المستأنف مشاكلاً للقول الأول، أو متعلقاً بمعنى منه، جعل الفصل صغيراً. وإن كان مبايناً له بالكلية، جعل الفصل أكبر من ذلك. فأما الفصل قبل تمام القول، فهو من أعيب العيوب على الكاتب والوراق جميعاً. وترك الفصول عند تمام الكلام عيب أيضاً، إلا أنه دون الأول. المترسل كاتب اللفظ وأما كاتب اللفظ، وهو المترسل، فيتحاج إلى الاستكثار من حفظ الرسائل والخطب، والأمثال والأخبار والأشعار، ومن حفظ عيون الحديث يدخلها في تضاعيف سطوره متمثلاً إذا كتب. ويصل بها كلامه إذا حاور.

стр. 115

ولا بأس باستعمال الشعر في الرسائل اقتضابا وتمثلاً. وإنما يحسن ذلك في مكاتبة الأكفاء، ومن دونهم، ويكره ذلك في مخاطبة الرؤساء، والجلة من الوزراء، لأن محلهم يكبر عن ذلك، إلا أن يكون الشعر من قرض الكاتب. فإن ذلك جائز له. وقد تسامح الناس في تلك، وخالفوا الرتبة القديمة. ويحتاج الكاتب إلى معرفة مراتب المكاتبين عند من يكتب عنه، وما يليق بهم من الأوعية والعنوانات، على حسب ما تقتضيه مرتبة مخدومة بين مراتبهم، فينزل كل واحد منهم مرتبته اللائقة به. ومراتب المكاتبين ثلاث: مرتبة من فوقك. ومرتبة من هو مثلك، ومرتبة من هو دونك. والمرتبة العليا تنقسم ثلاثة أقسام: فأعلاها مرتبة الخليفة ووزيره، ومن كان نظير الوزير عنده. ثم مرتبة الأمراء ومن جرى مجراهم، ممن هو دون الوزراء. ثم مرتبة العمال وأصحاب الدواوين. كذا قال ابن مقلة. والواجب أن تجعل للخليفة مرتبة أرفع من كل مرتبة، وألا يشاركه فيها وزير ولا غيره. والمرتبة الوسطى تنقسم ثلاثة أقسام أيضاً: فأعلاها: مرتبة الشريف من الأصدقاء، والعالم. والثانية: مرتبة الشيخ من الإخوان، الذي يجب توقيره، وإن لم يكن شريف ولا عالماً. والثالثة: مرتبة الصديق إذا خلا من هذه الأحوال. والمرتبة السفلى تنقسم ثلاثة أقسام أيضاً: فأعلاها مرتبة من قرب محله

стр. 116

من محلك. والثانية: مرتبة من لك رياسة عليه، ووليت عملاً هو من XXX فيه. والثالثة: مرتبة الحاشية، ومن جرى مجراهم من الأولياء والخدم. ولكل طبقة من هذه الطبقات، مرتبة في المخاطبة، ومنزلة متى زيد عليها، أو قصر به عنها، ووقع في الأمور الخلل، وعاد ذلك بالضرر. وذلك أن الرئيس إذا قصر به عما يستحقه، أغضبه ذلك وأحنقه. والتابع متى زيد على استحقاقه أطغاه ذلك وأكفره. إلا أن يكون قد فعل في الخدمة ما يقتضي التنويه به ورفعه عن تلك المنزلة إلا منزلة أعلى منها. وليس في هذه الطبقات من لا تعاب الزيادة في مخاطبته إلا الصديق وا لحبيب، فكل ما تخاطب به مما يمكن المودة، ويوطد الألفة، فإنه حسن وصواب. فينبغي للكاتب أن ينزل كل واحد من هذه الطبقات في مرتبة تليق به، على قدر منزلته منه، وعلى ما جرت به عادة الكتاب في زمانه. فإن العادات تختلف اختلاف الأزمنة، فيستحسن أهل كل زمان لا يستحسنه غيرهم. وللنساء مراتب في مخاطبتهن، ينبغي للكاتب أن يعرفها، فمن ذلك أنه لا ينبغي للكابت أن يدعو لهن بالكرامة، ولا بالسعادة، لأن كرامة المرأة وسعادتها موتها عندهن. ولا يقال لواحدة منهن: أتم الله نعمه عليك، لأنهن ينكرن أن يكون شيء عليهن. ولا يقال: جعلني الله فداءك، ولا قدمني إلى الموت قبلك، لأن هذا يجري مجرى المغازلة. ولا يقال لوا حدة منهن: بلغني الله أملي فيك لاستقباحهن أن يكون شيء فيهن.

стр. 117

وبالجملة فينبغي للكاتب إليهن، أن يتجنب كل لفظة يقع فيها اشتراك ويمكن أن تتأول على ما يقبح. فإن ذلك يعد من حذقه ونبله. كاتب العقد وهو كتاب الحساب. وكتاب الحساب ثلاثة: كاتب مجلس، وكاتب عامل، وكاتب جيش، فيعم هؤلاء الثلاثة أنهم محتاجون إلى أن يكونوا عارفين بالتقدير، حتى يعلموا التجميل والتفصيل. وما ينبغي أن يخرجوه من الرؤوس في الأعمال، وما ينبغي أن يكون في حشو الكلام. وأن يكونوا محتاطين في ألفاظهم، حتى تصح معانيها، ولا يقع اشتراك فيها. وأن يكونوا ضابطين لما يشرعون فيه من فنون الحساب، حتى لا يقع الخطأ فيه. وإن خفت أيديهم في العقد والحساب وأسرعت، كان ذلك أنبل لهم، وأزيد في كلامهم. ويحتاجون من الحساب إلى معرفة الجمع والتفريق والتضعيف والتصريف والنسبة. ومعنى التضعيف: الحذق بضرب الأعداد بعضها في بعض. ومعنى التصريف: تثمين الأشياء، كتثمين الورق بالعين، والعين بالورق، وتصريف الغلات بعضها ببعض. فهذه جملة ما يحتاج إليه كتاب الحساب الثلاثة. ثم يختص بعد ذلك كل واحد منهم بمعرفة أشياء يحتاج إلى معرفتها دون غيرها.

стр. 118

كاتب المجلس يحتاج كاتب المجلس أن يكون حاذقاً باقتصاص الكتب. وترتيب أبوابها على ما يقتضيه ترتيب وقوع الجماعات والموافقات، ليقابل بذلك ما يرد عليه من العمل عند وروده. ويخرج ما فيه من خلف في المؤامرة التي يعلمها العامل. ويحكم في ذلك بما يوجبه حكم الكتابة. وأن يكون أيضاً عالماً برسم العين المخرجة والتجميلات، وما يجوز أن يستظهر به في ذلك، مما يلزم العمل به. وأن يعرف أحكام الخراج، وما يجب رده على العمال من النفقات، ومردود الجاري. وما ينبغي أن يحتسب لهم به. وأن يعلم ما تحمد فيه آثار العمال، وما تذم فيه آثارهم، وأن يكون في ذلك عدلاً، لا يميل به الهوى. فقد كان أبو الحسن علي بن محمد بن فرات يقول: الكاتب فوق الشاهد. فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: لأنه يحكم بقوله وحده، وبما يخرجه من ديوانه. والقاضي لا يحكم بقول شاهد حتى ينضاف إليه غيره، وهذا الكاتب هو الذي يتولى محاسبة العمال، ويعرض الأعمال على كاتب الديوان، ويؤامره فيما يجب أن يفعل. وكاتب الديوان: هو المشرف على جميع أعمال السلطان المؤتمن على

стр. 119

أمواله، وهو يؤامر كاتب التدبير. وكاتب التدبير يؤامر الملك. وهو أعلى الكتاب مرتبة. ولا واسطة بينه وبين السلطان، وهو وزيره ومدبر دولته. كاتب العامل وأما كاتب العامل، فيحتاج مع ما قدمنا ذكره، إلى أن يكون عالماً بالزرع والمساحة، لكثرة ما يجرى ذلك في عمله. وأصل ما تمسح به الأرضون: أشل، وشاقول وباب. وذراع. فالأشل: حبل طوله ستون ذراعاً. والشاقول: خشبة قدر ذراعين في طرفها زج، تركز في الأرض، ويشد فيها طرف الأشل. والباب: قصبة طولها ست أذرع. والذراع التي يسمح بها السلطان مسائحه: اثنتان وثلاثون إصبعاً. وتسمى الذراع الهاشمية. والذارع السوداء أيضاً، وهي التي تمنح بها الدور وغيرها. وقيل: بل التي تمسح بها الدور. وغيرها أربع وعشرون إصبعاً، وتسمى الذراع الجديدة. والتي تمسح بها الرياض والأنهار ستون إصبعاً، وتسمى ذراع الميزان. والأشل: عشرة أبواب. والباب ست أذرع. وأشل في أشل: جريب. وأشل في باب: قفيز. لأنه أشل في عشر أشل فيكون عشرا. والجريب: عشرة أقفزة. واشل في ذراع: عشر وثلثا عشر، لأن واحداً في ستين ستون، والعشر: ست وثلاثون ذراعاً لأنه من ضرب باب في باب فيكون ذلك عشر كما قلنا. وباب في ذراع: سدس عشر. وذراع في ذراع: ربع تسع

стр. 120

عشر. والقبضة عندهم: سدس الذراع. والذراع: سدس الباب. والإصبع: ربع القبضة. والأشكال التي تقع عليها المساحة في الأصل كثيرة. وأشهرها عند المساح ثلاثة: وهي المربع والمثلث والمدور. فالمربع: خمسة أصناف: مربع متساوي الأضلاع. ومربع مستطيل. ومربع مختلف الأضلاع. ومربع معين. ومربع شبيه بالمعين. فأما المربع المتساوي الأضلاع، فإذا ضربت إحدى أضلاعه في نفسها، كان ما يجتمع تكسيره. وذلك كمربع متساوي الأضلاع. كل ضلع منه عشرة أذرع. فإن تكسيره: مائة ذراع. وأما المربع المستطيل فإن تكسيره بضرب طوله في عرضه. وأما المربع المختلف الأضلاع. فإن المساح يجمعون طولية وعرضية ويضربون نصف الطولين في نصف العرضين. فما اجتمع فهو تكسيره عندهم. وفي هذا العمل عند المهندسين غلط. إلا أنا لما كنا نصف ما يستعمله الحساب والمساح والعمال، ولم يكن كتابنا هذا موضوعاً لتحرير هذه الأشياء، لم تكن بنا حاجة إلى ذكر دقيق الحساب في هذا ولا غيره. وكذلك يفعلون بالمربع الشبيه بالمعين، فإنهم يجمعون الضلعين المتقابلتين، ويأخذون شطر ما يجتمع، ويجمعون أيضاً الضلعين الآخرين. ويأخذون شطر ما يجتمع. ويضربون الشطر في الشطر. فما اجتمع، فهو التكسير عندهم وهذا أيضاً خطأ عند المهندسين. وغير هذا الموضع أولى بتحقيق ذلك.

стр. 121

وأما المربع المعين، فإن استخراج تكسيره بضرب أحد شطريه في الآخر. وأما المثلث: فهو ثلاثة أصناف: مثلث متساوي الأضلاع، ومثلث متساوي الضلعين، وهذا صنفان: أحدهما: قائم الساقين والآخر منفرج الزاوية ومثلث مختلف الأضلاع. فإذا استوت أضلاع المثلث كلها أو استوت اثنتان منها، فإن عموده مضروباً في نصف قاعدته هو تكسيره. وذلك مثل مثلث عموده عشر أذرع، ونصف قاعدته خمس أذرع، فإن تكسيره خمسون ذراعاً. وأما استخراج ذرع العمود من قبل الضلع، فإن باب العمل فيه أن تضرب الضلع في نفسها وتنقص من العدد نصف القاعدة مضروباً في نفسه، وتأخذ جذر ما بقى فهو العمود. وإن أردت استخراج الضلع، ضربت العمود في نفسه ونصف القاعدة في نفسها، وجمعت العددين، وأخذت جذرهما، فهو الضلع. وإن أردت استخراج نصف القاعدة، ضربت الضلع في نفسها، ونقصت من ذلك العمود مضروباً في نفسه. وأخذت جذر ما بقى، فهو نصف القاعدة. وإذا اختلفت أضلاع المثلث، فإن العمل في مساحته، أن تجمع الأضلاع الثلاث وتأخذ نصف ما يجتمع معك من ذلك فتحفظه، ثم تنظر ما بين كل واحدة من الأضلاع، وبين هذا النصف، فتضرب بعضه في بعض، ثم في هذا النصف. وتجمع جذر جميع ذلك، فهو تكسيره. ومثال ذلك مثلث إحدى أضلاعه خمس عشرة ذراعاً، والأخرى أربع عشرة ذراعاً، والأخرى ثلاث عشرة ذراعاً. والعمل فيه أن تجمع هذه

стр. 122

الأضلاع، فيكون المجتمع اثنتين وأربعين. وتأخذ نصف ذلك فيكون إحدى وعشرين ثم تنظر: كم بين الخمس عشرة والإحدى والعشرين، فتجده ستاً. وما بين الأربع عشرة وبينها، فتجده سبعاً، وكم بينها وين الثلاث عشرة، فتجده ثمانياً. فتضرب ستاً في سبع. فتكون اثنين وأربعين، ثم في ثمان، فتكون ثلثمائة وستاً وثلاثين. ثم تضرب ذلك في إحدى وعشرين، فيكون سبعة آلاف وستاً وخمسين. فتأخذ جذر ذلك، وهو أربع وثمانون. فيكون تكسير الثلث. وأما المدور: فإن استخراج تكسيره: يكون بضرب قطره في مثله. وإسقاط سبع ما يجتمع معك ونصف سبعه. وذلك مثل مدور قطره أربع عشرة ذراعا. فإنك تضرب الأربع عشرة في مثلها فيكون مائة وستاً وتسعين. فتلقى من ذلك سبعه ونصف سبعه. ومبلغه: اثنان وأربعون. فتبقى مائة وأربع وخمسون، فهو تكسيره. وإن عرفت تكسيره، ولم تعرف قطره، وأردت معرفته من التكسير، فاضرب التكسير في أربعة عشر، وأقسمه على أحد فما خرج فخذ جذره فهو القطر. وإن أردت معرفة المدور، فاضرب القطر في ثلاثة وسبع، فما اجتمع فهو المدور.

стр. 123

كاتب الجيش وأما كاتب الجيش فيحتاج إلى المعرفة بالحساب، إلى أن يعرف الأطماع وأوقاتها، وحلى الناس وكيف تؤخذ. ومن يحلى ممن لا يحلى ويعرف الأرزاق وما يتوفر منها، والأطماع: هي الرواتب الجارية على الجند، في الأوقات التي يستحقونها فيها، على ما يقتضيه كل زمان. وأما الحلي: فأن يصف كل واحد بحليته، التي بها ينفصل عن غيره، وكانت الرتبة القديمة في ذلك عند الكتاب، أن يذكر الرجل في يمنة الورقة وينسب إلى بلده أو ولايته، فيقال: فلان الرومي أو العربي أو نحو ذلك. ثم يذكر جاريه المرتب له تحت اسمه ويفصل فصل يسير، ثم يكتب يسرة الورقة بعد ذلك الفصل، سنه. فيقال: شاب، أو كهل، أو مراهق. ولا يقال: شيخ ولا صبي. ثم يذكر قده، فيقال: ربعة إلى الطول وربعة إلى القصر، فإن كان غير طويل ولا قصير، قيل: مربوع. وكانوا لا يقولون: طويل ولا قصير على الإطلاق، لأن الطول والقصر من باب الضاف. فالطويل: إنما يكون طويلاً بالإضافة إلى من هو أقصر منه. والقصير: وإنما يكون قصيراً بالإضافة إلى من هو أطول منه، فكان قولهم: ربعة إلى الطول، وربعة إلى القصر، أحوط في تصحيح المعاني. ثم يذكر لونه فيقال: أسود، أو دم، أو أسمر، تعلوه حمرة إذا كان أشقر أو أبيض.

стр. 124

وكانوا لا يقولون: أبيض ولا أشقر لأن البياض والشقرة، مما كانت العرب يعير بهما بعضهم بعضا. وكانوا يسمون البيض والشقر: العبيد والحمران وبنى حمراء العجان وصهب السبال، ويهجنون من كان منهم، إذا عرف فيه عرق منهم. ويروى أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة القرشي، خطب إلى عقيل ابن علقة بنته، لبعض بنيه- وكان أحمر أبيض اللون فردده وقال: رددت صحيفة القرشي لما ... أبت أعراقه إلا احمراراً ثم يذكر الجبهة وأوصافها من ضيق، أو رحب، أو جلح، أو صلع أو غضون، ويذكر الحاجبين بما فيهما من قرن أو بلج أو زجج، ثم العينين بما فيهما من كحل، أو زرقة، أو سهل، أو خوض، أو جحوظ، أو غئور، أو حور، أو حول، أو عور، ونحو ذلك.

стр. 125

ثم يذكر الأنف بما فيه من قنا، أو فطس، أو خنس، أو ورود أرنبة، أو انتشاء. ثم يذكر الأسنان بما فيها من درد أو شغاً، أو فلج، أو سواد، ونحو ذلك. ويذكر الشفة وما فيها من علم أو فلج أو تقلص. ويذكر الشامات والخيلان، وآثار الضرب والطعن. وكان الاعتماد عندهم من هذه الحلي على ما لا يتغير، ولا ينتقل، مثل الفطس والزرقة والطول والقصر. فإن ذكر غير ذلك كان حسنا وزيادة في الإيضاح. وإن اقتصرت على بعض ذلك أجزأ وكفى. ويحتاج أيضاً كاتب الجيش إلى أن يعرف شيات الخيل وصفاتها. وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك ما فيه الكفاية. ولا يجوز للكاتب أن يذكر حلية قائد ولا أمير ولا نحوهما من المشهورين، لأن شهرتهم تغني عن حليتهم. ثم يذكر عددهم، ومبلغ جاريهم في آخر الصحيفة، ويكتب إلى الخازن بجملة واجبهم إلى مجلس العطاء، وتخرج الصحف بالأسماء والحلي ومبلغ الجاري إلى المنفقين مع المال، فيتولون عرضهم،

стр. 126

ويعطي من صحب حليته منهم، ويرفع الحساب بما يعطونه، أو ما يتوفر من واجب من لم تصح حليته منهم. فعلى هذه الرتبة كان العمل قديماً. ولكل زمان ودولة أحكام، ورتب ليست في غير ذلك الزمان وغير تلك الدولة. فينبغي لكاتب أن يكون عمله بحسب ما قد استحسنه أهل زمانه، واستقر عليه العمل وقته وأوانه. كاتب الحكم أمور الأحكام جارية في شريعة الإسلام على أربعة أوجه: حكم القضاء، وهو أجلها وأعلاها. ثم حكم المظالم ثم حكم الديوان: وهو حكم الخراج ثم حكم الشرطة. فينبغي لكاتب القاضي أن يكون عارفاً بالحلال والحرام، وبصيراً بالسنن والأحكام. وما توجبه الألفاظ، وأقسام الكلام، ويكون له حذق ومهارة بكتب الشروط والإقرارات، والمحاضر والسجلات. وقد ذكر الناس في أوضاعهم من هذه المعاني ما فيه كفاية. غير أنا نذكر من ذلك نكتاً يسيرة:

стр. 127

فجملة الشروط: أن يذكر المشترط عليه بأسمائهما وأنسابهما، وتجارتهما إن كان تاجرين، وصناعتهما إن كانا صانعين، وأجناسهما وأسماء بلدانهما. ثم يذكر الشيء الي وقع فيه الشرط. فإن كان بيعاً، ذكر البيع ووصفه، وحدد المبيع إن كان فيما يحدد. ثم ذكر الثمن ومبلغه ونقده ووزنه، والقابض منهما والمقبوض منه. وتفرقهما بعد الرضا على رأي من يرى ذلك من الفقهاء. ثم ضمن- البائع الدرك للمشتري. وإن كان إجارة، ذكر الإجارة، ومدتها، والشيء المستأجر. وحدد ما يجب أن يحدد منه، ووصف ما لا يحدد، وذكر مدة الإجارة، وجعلها على شهور العرب دون غيرها. وذكر مال الإجارة، ووقت وجوبه وقبض المستأجر ما استؤجر عليه، ورضاه بذلك، وتفرقهما بعد الرضا، على رأي من يرى ذلك. وإن كان فيما استؤجر نخل أو شجر، أتى بذلك وذكر مواضعه من الأرض، وجعله في آخر الكتاب معاملة ومساقاة بجزء من الثمر، إذ لا يجوز غير ذلك في الأحكام، وضمن المؤاجر الدرك للمستأجر، على رأي من يرى التضمين في ذلك. وإن كان صلحاً، ذكر ما وقع فيه الصلح. وإن كان براءة وصفها، وذكر ما تبرأ منه. وإن كانت البراءة بعوض، ذكر العوض. وإن كان إقراراً بدين، ذكر مبلغه، وهل هو حال أو مؤجل. وإن كان مؤجلاً، ذكر أجله ووقت حلوله، وحدد ذلك بالشهور العربية. وإن كان وكالة، سمي الوكيل ونسبه، وذكر ما وكل فيه من خصومه،

стр. 128

أو منازعة، أو قبض، أو صلح، أو بيع، أو شراء، أو غير ذلك، مما تقع الوكالة فيه. وقرر الوكيل بالقبول. وإن كان رهناً، ذكر أولاً الدين في صدر الكتاب ووقت محله ثم ذكر الرهن، وسماه، ووصفه، وحدد ما يجب تحديده منه. ثم قرر المرتهن على قبض ذلك. وإن وكله على بيعه عند حلول أجله، وذكر ذلك بعد الفراغ من ذكر الدين والرهن. وإن كان وصية، قرر الموصي بعد تسميته إياه في صدر الوصية، ثم ذكر أنه أوصى بكذا وكذا، وبدأ بالدين، وقرره على مبلغه. ثم ذكر الوصية بعد الدين. ثم ذكر تسبيل ذلك في الوجه الذي سبل فيه. وذكر الموصى إليه وسماه، وقرره على القبول إن كان حاضراً. ثم يؤرخ ذلك بالشهور العربية. ثم يوقع الشهادة على المشترطين والمشترط. عليهم، وأن ما عقدوه على أنفسهم كان في صحة منهم، وجواز من أمرهم. وأنهم أقروا بذلك طوعاً بعد فهمه، ومعرفة ما فيه. وأما المحاضر، فإن الكاتب يكتب: حضر القاضي رجلان، فادعى أحدهما على صاحبه بكذا، فأقر له. ويكتب الأسماء والأنساب والتاريخ وإن لم يكن القاضي يعرفهما بأسمائهما ونسبهما قال: ذكر رجل أنه فلان ابن فلان، ويصفه ويحليه. وذكر رجل أنه فلان بن فلان، ويصفه

стр. 129

ويحليه أيضاً. فادعى فلان، أو الذي ذكر أنه فلان، أو على الذي ذكر أنه فلان: كذا وكذا، فأقر له بذلك. وإن كانت وكالة قال: فذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله فيه، ويقول: وحضر فلان بن فلان، فذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله [فيه]، فقبل ذلك منه، وتولاه له. وإن أحضر المدعى كتاباً يريد أن يثبته بحق أو بيع أو غير ذلك، قال: وأحضر معه كتاباً ادعى على فلان بن فلان، أو الذي ذكر أنه فلان بن فلان، ما فيه نسخته كذا. ويقول وأحضر من الشهود فلا بن فلان، وفلان بن فلان، وادعى شهادتهما له بما تضمنه الكتاب الذي أحضره، فسألهما القاضي عما عندهما في ذلك، فشهدا أن فلان بن فلان أشهدهما على نفسه في صحة منه، وجواز من أمره، بما سمى فيه ووصف عنه، فقبل القاضي شهادتهما بذلك وأمضاها. وإن أراد القاضي أن يسجل بذلك، وليس يجوز أن يسجل إلا على من قد عرف، فليذكر في صدر الكتاب تسجيل القاضي، ويسميه وينسبه في مجلس قضائه، ويقول: وهو يلي القضاء، لفلان بن فلان على فلان، كذا، ويذكر لقبه، والناحية التي استقضاه عليها، وحضور من حضره، ونسخة الكتاب الذي ادعى عنده ما فيه، ويذكر شهادة الشاهدين فيه. ثم يقول: فأنفذ القاضي الحكم، مما ثبت عنده من إقرار فلان بجميع ما سمى، وصف في الكتاب المنسوخ في صدر هذا التسجيل بشهادة الشاهدين المذكورين فيه، وحكم بذلك وأمضاه: بعد أن سأله فلان

стр. 130

ابن فلان ذلك. ثم يشهد عليه بإنفاذ جميع ذلك، ويؤرخ الكتاب بالوقت الذي يقع التسجيل فيه. فهذه جملة من هذا الشأن مقنعة. وينبغي للكاتب أن يحتاط على الألفاظ، فلا يذكر لفظاً فيه اشتراك، مثل استعمال كثير من أصحاب الشروط، في موضع ذكر التسليم، أن يقولوا بغير دافع ولا مانع، فيوقعونه مكان قولهم: بلا دافع ولا مانع، ويظنون أن غيراً ها هنا تنوب مناب (لا)، إذا كانت جحداً، وليس الأمر كذلك، لأن ((لا)) حرف جحد، لا يحتمل في هذا الموضع إلا معنى واحد، و ((غير)) قد يكون بمعنى الكثرة، كقولك: لقيت فلاناً غير مرة، وجاءني غير واحد من الرجال، بمعنى لقيته أكثر من مرة واحدة، وجاءني أكثر من واحد من الرجال. فإذا قال الكاتب بغير دافع جاز أن يتأول متأول أنه أراد أكثر من دافع واحد. فإذا قال: بلا دافع، كان أسلم من التأويل، وأصح بمعنى الكلام. كاتب المظالم فأما كاتب صاحب المظالم، فإنه مثل كاتب القاضي، في عمله وجميع أوصافه، ومعرفته الشروط، وما يوجبه الحكم فيها. غير أنه لا يحتاج إلى كتب المحاضر والسجلات، لأن صاحبه لا يحكم بشيء يسجل به، وإنما عليه أن يخرج الأيدي الغاصبة ويثبت الأيدي المالكة ويأخذ بالخبر الشائع، والتابع، والاستفاضة، وبشهادة صلحاء المجاورين، وأهل الخبرة من المشهورين. وليس إليه تعديل شاهد.

стр. 131

ومتى تكافأت الشهادات عنده، ممن هذه سبيله في الشهرة والخبرة، وتواترت الاستفاضة والشهرة حتى لا يجد في أحدهما من القوة ما تغلبه على صاحبه، وتعذر عليه الإصلاح بين الخصوم، رد أمرهم إلى القاضي، ليقطع بينهم المجادلة، باليمين التي جعلت عوضاً من البينة. فليس بين كاتب المظالم وكاتب القاضي إلا فرق يسير. كاتب الديوان وأما كابت صاحب الديوان، فيحتاج مع ما قدمناه من الأوصاف، أن يكون عارفا ًبأصول الأموال، التي تجلب إلى بيت المال، وأقسام وجوهها، وأحكام الأرضين ووظائفها وأملاك أهليها، وما يجوز للإمام أن يقطعه منها، ووجوه تفرقة الأموال وسبلها. وما يجوز في ذلك مما لا يجوز، وما جرت به العادة، مما هو خارج عن أحكام الشريعة، مبتدع في حكم الرياسة. ووجوه الأموال ثلاثة: فئ، وصدقة، وغنيمة. والفئ ينقسم خمسة أقسام: أحدها: ما أفاد الله على رسوله وعلى المسلمين، مما يوجد في بلاد المشركين بعد فتحها، مثل كنز النخيرجان الذي وجد بعد فتح الأهواز وما جرى مجراه. والثاني: ما أفاء الله على رسوله ﷺ وعلى المسلمين من أموال أهل البلاد الذين أجلاهم الرعب ولم يقاتلوا، فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.

стр. 132

والثالث: الأرضون التي صالح عليها أهلها بشيء يؤدون في كل عام. والرابع: الأرضون التي فتحت عنوة، وأقرت بأيدي أهلها، وجعلوا عمالاً للمسلمين فيها، وضرب عليهم فيها الخراج، كما فعل عمر ﵁ بالسواد. والخامس: جزية أهل الذمة. وأما الصدقة فهي الزكاة الواجبة على المسلمين. وقد اختلف الفقهاء في الأصناف التي تجب فيها الزكاة اختلافاً يطول ذكره، وعلى من تجب الزكاة، وعلى من لا تجب. فينبغي لكاتب الديوان أن يعلم ذلك، ويتفقه فيه. وأما الغنيمة: فهو ما غنمه المسلمون من بلاد المشركين أو عساكرهم. وفي أحكام الديوان أمور كثيرة، تخالف أحكام القضاء، ولهذا فصل حكم الديوان من سائر الأحكام. وذلك أن صاحب الديوان يحكم بالخطوط التي يجدها في ديوانه، ويلزم من تنسب إليه بها الأموال إذا عرفت، والحكام لا يفعلون ذلك، ويمضي ضمان الثمار والعلات وأبواب المال وسائر وجوه الجبايات، ولا يمضي ذلك الفقهاء، لأن تضمن الغلة قبل الحصاد، ضرب من المخابرة التي نهى عنها، وبيع الثمار قبل ظهور صلاحها من بيع الغرر وبيع ما لا يملك، وقد نهى عن ذلك.

стр. 133

وأبواب الأموال من الجوالي وغيرها، فيها خلاف أيضاً لما توجبه الأحكام، لأن (الجوالي) مال على رقاب بأعيانها. ومتى مات واحد منهم قبل محل ما عليه أو أسلم بطل كان ما يلزمه، ووجوه الجبايات: من الأسواق، والعراض والطواحين على الأنهار، التي لا ينفرد بمكلها إنسان من المسلمين دون سائرهم، مخالفة أيضاً لما توجبه أحكام الشريعة. وجميع ذلك جائز عند الكتاب على مذاهب أحكام الخراج. ولأجل هذا رأى قوم من الكتاب أن يجعلوا مكان تضمين الغلات، تضمين الأرض. وكانوا يتأولون في ضمان الأرحاء، أن ماءها ماء الخراج، فيجعلون الجباية منها، لما كانت مشتركة بين المسلمين. وأصحاب الدواوين كانوا يجعلون تاريخ الخراج بحساب الشمس، لا بحساب القمر، لأن الشهور القمرية تنتقل. والشمسية لا تنتقل. وكان كثير من الكتاب إذا ذكروا الحساب الشمسي، يزيدون في ذلك أن يقولوا: ويوافق ذلك من شهور العرب شهر كذا، من سنة كذا، من سنى الهجرة، إذ كان التاريخ عند الحكام بالسنين العربية دون الأعجمية.

стр. 134

كاتب الشرطة وأما كاتب الشرطة فينبغي له أن يعلم أن صاحبه إنما وضع لشيئين: أحدهما معونة الحكام وأصحاب المظالم والدواوين، في حبس من أمروه بحبسه، وإطلاق من أمروه بإطلاقه. وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه. وإخراج الأيدي مما خلت فيه وإقرارها، ولذلك جعل له اسم المعونة. والثاني: النظر في أمور الجنايات، وإقامة الحدود على من وجبت والعقوبات، والفحص عن أهل الريب والمنكرات، وتعزير من وجب تعزيره، وإقامة الحدود على من وجبت إقامتها عليه، من اللصوص ونحوهم. وإنما اشتق له اسم الشرطة، من زيه. وكان من زي أصحاب الشرطة، نصب الأعلام على مجالس الشرطة، والأشراط هي الأعلام. ومنه قيل أشراط الساعة: أي علاماتها ودلائلها. ومنه سمى الشرط شرطاً، لأن لهم زياً يعرفون به. فينبغي لكاتب الشرطة أن يكون له علم بالحدود والواجبات، والجروح والديات، وحكم العمد، وحكم الخطأ، وسائر أصناف الحكومات، ومن ينبغي أن يعاقب في الزلات، ومن تدرأ عنه الحدود بالشبهات وتقال عثرته من ذوي المناصب والهيئات، ونحو ذلك.

стр. 135

كاتب التدبير وأما كاتب التدبير فهو أعظم الكتاب مرتبة، وأرفعهم منزلة، لأنه كاتب السلطان، الذي يكتب أسراره، ويحضر مجالسه، وهو الذي يدعى وزير الدولة المرجوع إليه في جميع أنواع الخدمة. وهذا الكاتب أحوج الكتاب المذكورين، إلى أن تكون له مشاركة في جميع العلوم بعد إحكامه لما يحتاج إليه في صناعته. وينبغي أن يكون أكثر عمله التواريخ، وأخبار الملوك، والسير والدول، والأمثال، والأشعار، فإن الملوك إلى هذه الأنواع من العمل أميل، وهم بها ألهج. وقلما يميلون على إلى غير ذلك من العلوم. وبالجملة: ينبغي لهذا الكاتب أن يجرى إلى تعلم الأشياء التي يعلم أن رئيسه يميل إليها، ويحرص عليها، وأن يتجنب كل ما ينكره الملك وينافره، فإن ذلك يحببه إليه، ويحظى بمنزلته لديه. ويدعو الملك إلى الإيثار له والتقريب، والإغضاء على ما فيه من العيوب، فقد روى أن زياداً أخا معاوية، عوتب في تقريبه لحارثة بن بدر الغدافي، وكان قد غلب على أمره، حتى كان لا يجب عنه شيئاً من سره. فقيل له: كيف تقربه وأنت تعلم اشتهاره بشرب الخمر؟ فقال: كيف لي باطراح رجل كان يسايرني حين دخلت العراق، ولم يصلك ركابي ركاباه، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ على الشمس في شتاء قط، ولا الروح، في صيف قط. ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لا يحسن غيره. وإذا اجتمع للكاتب مع التفنن في المعارف، والعلوم، والعفاف، ونزاهة النفس عن القبائح، فقد تنهي في الفضل، وجاز غاية النبل، إن شاء الله

стр. 136

باب ذكر جملة من آلات الكتاب لا غنى لهم عن معرفتها من ذلك: الدواة: يقال: هي الدواة، والرقيم، والنون. وقال بعض المفسرين في قوله : ﴿ن والقَلَم﴾ إنها الدواة. وكذلك روى عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحاب الكَهف والرَّقِيم﴾. وجمع دواة دويات، كما يقال قناة وقنوات، ويقال: دواة ودوى، كما يقال. قناة وقنا. قال الشاعر: لمن الدار كخط بالدوى ... أنكر المعروف منه وامحى ويقال: دواة ودوى، كما يقال: قناة وقنى: قال الشاعر وكم تركت ديار الشرك تحسبها ... تلقى الدوى على أطلالها لبقا وجمع النون في العدد القليل، أنوان، وفي العدد الكثير نينان. كما يقال في جمع حوت أحوات وحيتان. واشتقاق الدواة من الدواء، لأن بها صلاح أمر الكاتب، كما أن الدواء به صلاح أمر الجسد. وجعلها بعض الشعراء المحدثين مشتقة من دوى الرجل يدوى دوى: إذا صار في جوفه الدواء، فقال: أما الدواة فأدوى حملها جسدي ... وحرف الخط. تحريف من القلم

стр. 137

وليس للنون فعل مصرف منها، ولا للرقيم. وأما الدواة فقد صرف منها أفعال واشتقت منها أسماء، فقالوا: أدويت دواة: إذا اتخدتها فأنا مدو. فإذا أمرت غيرك أن يتخذها قلت: أدو دواة. ويقال للذي يبيع الدوى دواء، كما يقال لبائع الحنطة: حناط، ولبائع التمر: تمار. فإذا كان يعملها قيل مدو، كما يقال للذي يعمل القنوات مقن. قال الراجز: ((عض الثقاف خرص المقنى)) ويقال للذي يحمل الدواة ويمسكها: داو، كما يقال لصاحب السيف: سائف، ولصاحب الترس: تارس. ويقال لما تدخل فيه الدواة ليكون وقاية لها صوان وغلاف وغشاء. فإن كان شيئاً يدخل في فمها لئلا يسيل منها شيء، فهو سداد وعفاص. وكذلك القارورة ونحوها. ومن اللغويين من يجعل العفاص ما يدخل فيه رأس القارورة ونحوها، ويجعل السداد والصمام، ما يدخل فيها. ووزن دواة من الفعل فعلة، وأصلها: دوية، تحركت الياء وقبلها فتحة، فانقلبت ألفاً، ويدل على أن لامها ياء، قولهم في جمعها: دويات. فإن قال قائل: إن الواو من دواة، قد تحركت أيضاً، وانفتح ما قبلها، فهلا قلبتموها ألفاً، ثم حذفتم إحدى الألفين، لالتقاء الساكنين؟ فالجواب عن ذلك، من وجهين: أحدهما: أن حكم التصريف يوجب أنه إذا اجتمع في موضعي العين واللام حرفان يجب إعلالهما، أعلت اللام وتركت العين، لأن اللام أضعف من

стр. 138

العين، وأحق XXX إذا كانت طرفاً. وفي موضع تتعاقب عليه حركات الإعراب. وهو محل للتغيير. والثاني: أنهم لو فعلوا ما سألنا هذا السائل، لأجحفوا بالكلمة. وذب معناها. ويقوى هذا الجواب ويدل على صحته. أنك تجد الواو التي يلزم إلمامها إذا وقعت بعدها ألف. لم بعلوها في نحو النزوان والكروان. لئلا يلزم حذف أحد الألفين، فيلتبس فعلان بفعال. ولم يأت في الكلام إعلال العين وتصحيح اللاء. إذا كانا جميعاً حر في علة. إلا في مواضع يسيرة، شذت هما عليه الجمهور نحو آية. وصاية. وطاية. وتاية. وراية. إصلاح الدواة بالمداد يقال لصوفة الدواة قبل أن تبل بالمداد: البوهة والموارة فإذا XXX بالمداد فهي الليقة وجمعها: ليق. ويقال: لقت الدواة فهي ملبقة وألقتها. فهي ملاقة وقد يقال لها ليقة قبل أن تبل بالمداد. فتسمى مما تثول إليه. كما يقال للكبش: ذبح وذبيحة قبل أن تذبح. وللصيد رمية قبل أن ترمى. والعرب تقول: بئس الرمية الأرنب وقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ فإذا عظمت الصوفة فهي الهرشفة، فإن كانت

стр. 139

قطنة فهي العطبة، والكرسفة. والقطن كله يقال له: العطب والكرسف، ويقال من الكرسفة: كرسفت الدواة كرسفة وكرسافا. والمداد يذكر ويؤنث فيقال: هو المداد وهي المداد. ويقال له: نقس، بكسر النون. فأما النقس بفتح النون فمصدر نقست الدواة: إذا جعلت فيها نقساً. وقد حكى ابن قتيبة في كتاب آلات الكتاب: أنه يقال للمداد: نقس ونقس، بالكسر والفتح. قال: والكسر أفصح وأعرب. ويقال: مددت الدواة أمدها مداً: إذا جعلت فيها مدداً. فإذا كان مداداً فزدت عليه، قلت: أمددتها إمداداً. إذا أمرته أن يأخذ بالقلم من المداد، قلت: استمدد. وإذا سألته أن يعطيك على القلم مداداً، قلت: أمددني من داواتك. وقد استمددته: إذا سألته أن يمدك. وحكى الخليل، مدني وأمدني: أي أعطني من مداد دواتك، وكل شيء زاد فهو مداد. قال الأخطل: رأوا بارقات بالأكف كأنها ... مصابيح سرج أوقدت بمداد يعني بالزيت: والحبر من المداد مكسور لا غير. فأما العالم فيقال له: حبر، وحبر، وقال بعض النحويين: سمى المداد حبراً باسم العالم، كأنهم أرادوا مداد حبر، فحذفوا المضاف. ولو كان ما قاله صحيحاً، لقالوا للمداد حبر بالفتح أيضاً.

стр. 140

والأشبه أن يكون سمى بذلك لأنه يحسن الكتاب، من قولهم حبرت الشيء: إذا أحسنته. ويقال للجمال: حبر وسبر. وفي الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره. فإذا قيل مداد حبر، فكأنه قيل: مداد زينة وجمال. ويجوز أن يكون مشتقاً من الحبر والحبار، وهو الأثر، سمى بذلك لتأثيره في الكتاب، قال الشاعر: لقد أشمتت بي أهل فيد وغادرت ... بجسمي حبراً بنت مصان باديها ويقال: أمهت الدواة وموهتها: إذا جعلت فيها ماء. فإذا أمرت من ذلك قلت: أمه ذواتك، وموه. القلم يقال: هو القلم والمزبر بالزاي والمذبر بالذال معجمة، سمى بذلك لأنه يزبر به ويذبر: أي يكتب وقد فرق بعض اللغويين بين زبرت وذبرت، فقال: زبرت بالزاي: أي كتبت، وذبرت بالذال: أي قرأت. وسموه قلماً، لأنه قلم أي قطع وسوى كما يقلم الظفر. وكل عود يقطع ويحز رأسه ويقلم بعلامة فهو قلم. ولذلك قيل للسهام أقلام قال الله تعالى ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. وكانت سهاماً مكتوبة عليها أسماؤهم. ويقال للذي يقلم به مقلم، ولما يبرى به مبرى ومبراة. وقد بريته أبريه برياً،

стр. 141

وحصرمته حصرمة عن ابن الإعرابي. ويقال لما يسقط. من التقليم: القلامة، ولما يسقط. من البري: البراية. وجمع القلم: أقلام وقلام، كقولك في جمع جمل: أجمال وجمال. وقيل لأعرابي: ما القلم؟ ففكر ساعة، وجعل يقلب يديه، وينظر إلى أصابعه، ثم قال: لا أدري. فقيل له: توهمه في نفسك، فقال: هو عود قلم من جوانبه كتقليم الأظافر. ويقال: لعقده: الكعوب. فإن كانت فيه عقدة تشينه وتفسده، فهي الأبنة. ويقال لما بين عقده: الأنابيب، واحدها: أنبوب ولأوعية الأقلام: المقاليم. واحدها: مقلم. والأنابيب والكعوب: تستعمل أيضاً في الرماح وفي كل عود فيه عقد. وكذلك الابن، فإن كان في القصبة أو العود تأكل، قيل فيه قادح، وفيه نقد وكذلك في السن والقرن. قال جميل: رمى الله في عيني بثنية بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح وقال الهذلي: تيس تيوس إذا يناطحها ... يألم قرناً أرومه نقد

стр. 142

ويقال لباطنة: الشحمة، ولظاهره: الليط، فإن قشرت منه قشرة قلت: ليطت من القلم ليطة: أي قشرتها. والليط أيضاً: اللون قال أبو ذويب الهذلي. بأروى التي تأرى إلى كل مغرب ... إذا اصفر ليط الشمس حان انقلابها ويقال للقصب: اليراع والأباء. وقال قوم: الأباء: أطراف القصب، الواحدة يراعة وأباءة. قال متمم بن نويرة يذكر فرساً: ضافي السبيب كأن غض أباءة ... ريان ينفضه إذا ما يقدع ويقال للقطن الذي يوجد في جوف القصبة: البيلم، والقصف والقيسع، واحدته: بيلمه، وقيصفة وقيسعة. فإن كان فيه عوج فذلك الدرء، وكذلك في العود. قال الشماخ: أقام الثقاف والطريدة درءها ... كما قومت ضفن الشموس المهامز والطريدة: خشيبة صغيرة فيها حديدة تسوى بها الرماح ونحوها. ويقال لغشائه الذي عليه: الغلاف واللحاء والقشر. فإذا نزعته عنه قلت: قشرته وقشوته، وقشيته (مشدد)، ولحفته، ولفأته، وكشأته، ولحوته،

стр. 143

ولحيته، وسحيته، وسحوته، وجلفته، وجلهته ووسفته، ونقحته. هذان مشددان. ويقال لطرفيه اللذين يكتب بهما: السنان. إحدهما: سن. والشعيرتان: واحدتهما: شعيرة. فإذا قطع طرفه بعد البرى وهيئ للكتابة، قيل: قططته أقطه قطا وقضمته أقضمه قضما. والمقط: ما يقط عليه. والمقط بفتح الميم: الوضع الذي يقط من رأسه. قال أبو النجم: ((كأنما قط على مقط)). وقال المقنع الكندي يصف القلم: يحفى فيقضم من شعيرة رأسه ... كقلامة الأظفور في تقلامه فإذا انكسرت سنه قيل: قضم يقضم قضماً، على وزن حذر يحذر وكذلك كل تكسر في سن أو سيف أو رمح أو سكين. فإن أخذت من شحمته بالسكين، قلت: شحمته أشحمه. فإذا أفرطت الأخذ منها، قلت: بطنت القلم تبطيناً، وحفرته حفراً. وقلم مبطن محفور. واسم موضع الشحمة المنتزعة: الحفرة. فإذا تركت شحمته ولم تأخذ منها شيئاً، قلت: أشحمته إشحاما

стр. 144

ويقال للشحمة التي تحت برية القلم: الضرة. شبهت بضرة الإبهام، وهي اللحمة في أصلها. كذا قال ابن قتيبة في آلة الكتاب، وهو المعروف. وخالف ذلك في أدب الكتاب، فقال: الألية: اللحمة التي في أصلها الإبهام، والضرة: اللحمة التي تقابلها. فإن جعلت سن القلم الواحدة أطول من الأخرى قلت: قلم محرف. وقد حرفته تحريفاً. فإن جعلت سنيه مستويتين، قلت: قلم مبسوط، وقلم جزم، فإن سمع له صوت عند الكتابة، فذلك الصريف، والصرير، والرشق. ويقال: قلم مذنب بفتح النون: أي طويل الذنب. فإذا كثر المداد في رأس القلم حتى يقطر، قيل: رعف القلم يرعف رعافا، شبه برعاف الأنف. ومج يمج مجا. وأرعفه الكاتب إرعافاً، وأمجه إمجاحاً ويقال للكاتب: استمدد ولا تعرف ولا تمج، أي لا تكثر من المدد حتى يقطر. ويقال للخرقة التي يمسح فيها الكاتب قلمه: وقيعة بالقاف. كذا حكاها الثعالي في فقه اللغة. وقال أبو عمر الشيباني: وفيعة (بالفاء)، وكذا وجدتها مقيدة بخط علي بن حمزة. ويقال لما يدخل فيه القلم: غمد وغلاف وقمجار، وكذلك السكين. أصناف الأقلام قال ابن مقلة: للخط أجناس، فقد كان الناس يعرفونها، ويعلمونها أولادهم على ترتيب ثم تركوا ذلك، وزهدوا فيه، كزهدهم في سائر

стр. 145

العلوم والصناعات، وكان أكبرها وأجلها قلم الثلثين، وهو الذي كان كاتب السجلات يكتب فيما تقطعه الأئمة. وكان يسمى قلم السجلات. ثم ثقيل الطومار والشامي، وكان يكتب بهما في القديم عن ملوك بني أمية، ويكتب إليهم في المؤامرات بمفتح الشامي، ثم استخلص ولد العباس قلم النصف، فكتب به عنهم، وترك ثقيل: الطومار والشامي. ثم إن المأمون تقدم إلى ذي الرياستين، بأن يجمع حروف قلم النصف ويباعد ما بين سطوره، ففعل ذلك، ويسمى القلم الرئاسي، فصارت المكاتبة عن السلطان بقلم النصف، والقلم الرئاسي، والمكاتبة إليهم بحرفيهما. والمكاتبة من الوزارات إلى العمال بقلم الثلث، ومن العمال إليهم من الوزراء إلى السلطان بقلم المنشور، عوضاً من مفتح الشامي وتصغير المنشور، وسيما قلم المؤامرات، وقلم الرقاع، وهو صغير الثلث، للحوائج والظلامات. وقلم الحلية وغبار الحلية، وصغيرهما للأسرار، والكتب التي تنفذ على أجنحة الأطيار. قال ابن مقلة: وأكثر أهل هذا الزمان لا يعرفون هذه الأقلام، ولا يدرون ترتيبها، وليس بأيديهم منها إلا قلم المؤامرات، وصغير الثلث، وقلم الرقاع. وقد اقتصر كل كاتب على ما وقف عليه خطه، من صغر أو كبر، أو ضعف أو قوة، أو رخامة أو حلاوة، كاقتصارهم في سائر الأمور على البخوت والحظوظ.
следующие страницы →