Полный текст (952 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ويروى أن رسول الله ﷺ ، كتب إلى ملك الروم كتاباً فلم يختمه، فقيل له: إنه لا يقرأ إن لم يكن مختوماً. فأمر أن يعمل له خاتم، وينقش على فصه: محمد رسول الله. فصار الخاتم سنة في الإسلام.
وقد قيل: إن أول من ختم الكتب سليمان بن داود ﵉. وقالوا في تأويل قوله : ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ أي مختوم.
وأول من كتب من فلان إلى فلان، رسول الله ﷺ ، فصار ذلك سنة.
يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه. ولا يكتب لقباً ولا كنية، حتى ولى عمر بن الخطاب، وتسمى بأمير المؤمنين، فكتب من أمير المؤمنين عمر. فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك، فكان الوليد أول من اكتنى في كتبه، وأول من عظم الخط، والكتب، وجود القراطيس، ولذلك قال أبو نواس.
سبط مشافرها دقيق خطمها ... وكأن سائر خلقها بنيان
واحتازها لون جرى في جلدها ... يقق كقرطاس الوليد هجان
وأمر ألا يتكلم بحضرته، وألا يتكلم عنده إلا بما يحب. وقال: لا أكاتب الناس بمثل ما يكاتب به بعضهم بعضاً. فجرت سنة الوليد بذلك، إلا في
стр. 177
أيام عمر بن عبد العزيز، ويزيد الكامل. فإنهما لما وليا، ردا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول الله ﷺ . وزمن صحابته ﵃. فلما ولي مروان بن محمد رجع إلى أمر الوليد، فجرى العمل بذلك إلى اليوم.
كمل شرح الخطبة وما تعلق بها من الزوائد. بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 178
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وعلى آله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي ﵀: وهذا حين أبدأ بذكر مواضع من أدب الكتاب، يلزم التنبيه عليها، وإرشاد قارئه إليها، وليس جميعها غلطاً من ابن قتيبة، ولكنها تنقسم أربعة أقسام:
القسم الأول منها: مواضع غلط فيها، فأنبه على غلطه.
و القسم الثاني: أشياء اضطرب فيها كلامه، فأجاز في موضع من كتابه، ما منع فيه في آخر.
والقسم الثالث: أشياء جعلها من لحن العامة، وعول في ذلك على ما رواه أبو حاتم عن الصمعي، وأجازها غير الأصمعي من
стр. 179
اللغويين، كابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، ويونس، وأبي زيد وغيرهم، وكان ينبغي له أن يقول: إن ما ذكره هو المختار، أو الأفصح، أو يقول: هذا قول فلان، وأما أن يجحد شيئاً وهو جائز، من أجل إنكار بعض اللغويين له، فرأى غير صحيح، ومذهب ليس بسديد.
والقسم الرابع: مواضع وقعت غلطاً في رواية أبي علي البغدادي
стр. 180
المنقولة إلينا، فلا أعلم أهي غلط من ابن قتيبة، أم من الناقلين عنه.
وأنا شارع في تبيين جميع ذلك، وترتيبه على أبواب الكتاب، بحسب ما أحاط به علمي، وانتهى إليه فهمي. وأضرب عن كر ما في الخطبة من الأغلاط، لأني قد ذكرت ذلك في الجزء الأول، وبالله أستعين، وعليه أتوكل.
стр. 181
باب
معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه
([١] مسألة:
أنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
يقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
[قال المفسر] هكذا نقل إلينا عن أبي نصر: هارون بن موسى، عن أبي علي البغدادي رحمة الله عليهما، والصواب فقلن (بالفاء)، لأن قبله.
كتمت عواذلي ما في فؤادي ... وقلت لهن ليتهم بعيد
فجالت عبرة أشفقت منها ... نسيل كأن وابلها فريد
وأنشد أبو علي البغدادي في النوادر "فقالوا" بتذكير الضمير، وهو غير صحيح أيضا، لأن الضمير عائد على العواذل، والمراد بهن النساء لأن فواعل إنما يستعمل في جمع فاعلة، لا في جمع فاعل.
فإن قلت: فلعله أراد بالعواذل: العذال، فجعل فواعل للمذكر ضرورة، كما قال الفرزدق:
стр. 182
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
فالجواب: أن قوله: "وقلت لهن"، يمنع من ذلك، وليس يمتنع عندي أن يكون الشاعر انصرف عن الإخبار عن المؤنث إلى المذكر مجازاً، كما ينصرفون عن المخاطب إلى الغائب، وعن الغائب على المخاطب، وذلك كثير تغني شهرته عن ذكره؛ ويدل على ذلك أنه قال بعد هذا:
فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود
فهذا الضمير لا يصح فيه غلا التذكير على هذه الرواية ولو روى هذا البيت:
فقلن نرى دموعهما سواء
لكان أجود، وأبعد من المجاز، ولم أر فيه رواية ثانية غير رواية أبي علي، ولو أنشده منشد:
فقلن ما لدمعهما سواء
стр. 183
لكان جائزاً في العروض، ويكون الجزء الأول من البيت معقولاً، ومعنى العقل في الوافر سقوط الحرف الخامس من الجزء، فيرجع الجزء من (مفاعلتن) إلى (مفاعلن ٩.
وقد جاء العقل في جميع أجزاء الوافر، حاشا العروض والضرب، فإذا كان جائزاً في جميع البيت، فهو في جزء أجوز، ولنه من قبيح الزحاف، أنشد العروضيون:
منازل لفرتني قفار ... كأنما رسومها سطور
[٢] مسألة: قال ابن قتيبة في هذا الباب:
(ومن ذلك الحشمة، يضعها الناس موضع الاستحياء. قال الأصمعي: وليس كذلك وإنما هي بمعنى الغضب، وحكى عن بعض فصحاء العرب أنه قال: إن ذلك لمما يحشم بني فلان أي يغضبهم).
(قال المفسر): هذا قول الأصمعي، كما ذكر عنه، وهو المشهور، وقد ذكر غيره أن الحشمة تكون بمعنى الاستحياء.
وروى عن ابن عباس أنه قال: لكل داخل دهشة فابدءوه بالتحية،
стр. 184
ولكل طاعم حشمة فابدءوه باليمين. وقال المغيرة بن شعبة. العيش في إبقاء الحشمة.
وقال صاحب كتاب العين: الحشمة: الانقباض عن أخيك في المطعم، وطلب الحاجة، تقول: احتشمت عني. وما الذي حشمك وأحشمك وقد روى في شعر عنترة:
وأرى مطاعم لو أشاء حويتها ... فيصدني عنها كثير تحشمي
وقال كثير:
إني متى لم يسكن عطاؤهما ... عندي بما قد فعلت أحتشم
وقال الكميت:
ورأيت الشريف في أعين النا ... س وضيعاً وقل منه احتشامي
وقد يمكن أن تتأول هذه الأبيات كلها على ما قال الأصمعي. فلا تكون فيها حجة، فيكون معنى قول عنترة (فيصدني عنها كثير تحشمي):
أي إن أنفتي وحميتي من أن يتعلق بي عار وخُلُق أسب به، بمعنى من أخذ مالا يجب، لأن همتي ليست في السلب، إنما هي في المسلوب، فيكون نحو قول أبي تمام:
إن السود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
стр. 185
وكذلك قول كثير، يكون معناه: إني أغضب وآنف أن يكون لهما فضل على ولا أجازيهما عليه. وكذلك قول الكميت: (وقل منه احتشامي) يكون معناه: قل معه غضبي وأنفتي، لأن الشريف يأنف من أن يكلم الخسيس، ويتكرم عن مراجعته، كما قال الآخر:
(وأعرض عن شتم اللئيم تكرما)
وكان الأصمعي لا يرى الكميت حجة، وقد استعمل أبو الطيب المتنبي الاحتشام بمعنى الاستحياء، وذلك أحد ما رود عليه من شعره فقال:
ضيف ألم برأسي غير محتشم ... السيف أحسن فعلاً منه باللمم
[٣] مسألة:
قال ابن قتيبة حكاية عن الأصمعي: (ونحو هذا قول الناس: زكنت الأمر. يذهبون فيه إلى معنى ظننت وتوهمت، وليس ذلك. إنما هو بمعنى علمت [يقال: زكنت الأمر أزكنه، قال قعنب بن أم صاحب:
ولن يراجع قلبي ودهم أبدا ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
أي علمت منهم مثل الذي علموا مني].
стр. 186
(قال المفسر): قد حكى أبو زيد الأنصاري: زكنت منك مثل الذي زكنت مني. قال: وهو الظن الذي يكون عندك كاليقين، وإن لم تخبر به، وحكى صاحب العين نحوا من ذلك.
وهذه الأقوال كلها متقاربة، ترجع عند النظر إلى أصل واحد. لأن الظن إذا قوى في النفس، وكثرت دلائله على الأمر المظنون، صار كالعلم، ولأجل هذا استعملت العرب الظن بمعنى العلم كقوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعها). وقال دريد بن الصمة
فقلت لهم ظني بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد
وقال السيرافي: لا يستعمل الظن بمعنى العلم إلا في الأشياء الغائبة عن مشاهدة الحواس لها. لا يقال: ظننت الحائط مبنياً وأنت تشاهده.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: (ومن ذلك المأتم. يذهب الناس إلى أنه المصيبة، ويقولون: كنا في مأتم، وليس كذلك. إنما المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر).
стр. 187
(قال المفسر): قد حكى كراعو ابن الأنباري عن الطوسي: أن المأتم يكون من الرجال أيضاً، وأنشد:
حتى تراهن لديه قيما ... كما ترى حول الأمير المأتما
[٥] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك قول العامة: فلان يتصدق: إذا أعطى وفلان يتصدق: إذا سأل. وهذا غلط، والصواب: فلان يسأل، وإنما المتصدق: المعطي. قال الله تعالى: (وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين).
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة هو المشهور عن الأصمعي وغيره من اللغويين. وقد حكى أبو زيد الأنصاري، وذكره قاسم بن أصبغ عنه، أنه يقال: تصدق: إذا سأل. وحكى نحو ذلك أبو الفتح ابن جنى، وأنشد:
ولو أنهم رزقوا على أقدارهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدق
وذكر ابن الأنباري أيضاً في كتاب "الأضداد"، أن المتصدق يكون
стр. 188
المعطي، ويكون السائل، وحكى نحو ذلك صاحب كتاب "العين". والاشتقاق أيضاً يوجب أن يكون جائزاً، لأن العرب تستعمل تفعلت في الشيء، للذي يؤخذ جزءاً بعد جزء. فيقولون: تحسيت المرق، وتجرعت الماء. فيكون معنى تصدقت: التمست الصدقة شيئاً بعد شيء.
[٦] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك الحمام، يذهب الناس إلى أنها الدواجن تستفرخ في البيوت)، وذلك غلط، ثم ذكر أن التي في البيوت إنما يقال لها: اليمام).
(قال المفسر): هذا الذي قاله عن الأصمعي والكسائي، فيحتج عنهما. وقد يقال لليمام حمام أيضاً. حكى أبو عبيد في الغريب المصنف، عن الأصمعي أنه قال: اليمام ضرب من الحمام بري.
وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب "الطير الكبير": اليمام الواحدة يمامة، وهو الحمام البري. وحمام مكة يمام أجمع.
قال أبو حاتم: والفرق بين الحمام الذي عندنا واليمام، أن أسفل
стр. 189
ذنب الحمامة مما يلي ظهرها، مائل إلى البياض، وكذلك حمام الأمصار، وأسفل اليمامة لا بياض فيه.
[٧] مسألة:
قال ابن قتيبة: ومن ذلك الآل والسراب، لا يكاد الناس يفرقون بينهما، وإنما الآل: أول النهار، وآخره، الذي يرفع كل شيء، إلى آخر الكلام.
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قد قاله غيره، وإنكار من أنكر أن يكون الآل السراب، من أعجب شيء سمع به، لأن ذلك مشهور معروف في كلام العرب الفصيح. فمن ذلك قول امريء القيس:
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دوم أو سفينا مقيرا
وقال العديل العجلي:
فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابية جلد
وقال الأحوص لكثير:
فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لضحضاح آل بالملا يترقرق
стр. 190
[٨] مسألة:
وقد قال في هذا الباب: ومن ذلك (الربيع) يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء ... إلى آخر الفصل.
(قال المفسر): مذهب العامة في الربيع: هو مذهب المتقدمين، لأنهم كانوا يجعلون حلول الشمس برأس الحمل، أول الزمان وشبابه.
وأما العرب فإنهم جعلوا حلول الشمس برأس الميزان أول فصول السنة الأربعة، وسموه الربيع. وأما حلول الشمس برأس الحمل، فكان منهم من يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان، وكان منهم من لا يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان، وكان منهم من لا يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيع واحد، وأما الربيعان من الشهور، فلا خلاف بينهم في أنهما اثنان: ربيع الأول، وربيع الآخر.
[٩] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك العرض. يذهب الناس إلى أنه سلف الرجل، من آبائه وأمهاته .. إلى آخر الفصل).
(قال المفسر): قد اختلف الناس في حقيقة العرض. فقال قوم: عرض الرجل: آباؤه وأسلافه، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام. وقال قوم: عرضه: ذاته ونفسه وهو الذي اختاره ابن قتيبة،
стр. 191
وكان ينبغي له إذا اختاره، ألا ينكر قول من قال: إنه آباؤه وأسلافه، لأن كل واحد من القولين صحيح له حجج وأدلة، كذلك قال أبو عمر المطرزي. ومن أبني ما يحتج به من قال: إن العرض ذات الرجل ونفسه، حديث أبي الدرداء، وحديث ابن عينيه، وحديث أبي ضمضم، وقد ذكرها ابن قتيبة. ويزيد ذلك أيضاً، ما روى عن رسول الله ﷺ من قوله: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه). فإنما أباح له أن يقول فيه، ولم يبح أن يقول في آبائه وأسلافه، واللي: مصدر لويته بدينه ليا وليانا: إذا مطلته به، وقد ذكر أبو عبيد هذا الحديث وفسره بنحو مما ذكرناه.
وقال أبو عمر الشيباني في كتاب "الحروف": العرض: الجسد. حكاه عن العذري.
وأما ما احتج به ابن قتيبة من قوله ﷺ في صفة أهل الجنة، "لا يبولون ولا يتغوطون، إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك"، فليست فيه حجة بينة لأن العرب تسمى المواضع التي تعرض من الجسد أعراضاً، والعرض الذي وقع فيه الخلاف ليس هذا، لأن العرض لفظة مشتركة تقع لمعان شتى، لا خلاف فيها بين اللغويين. وإنما وقع الخلاف في العرض الذي يمدح به الإنسان أو يذم. وهكذا بيت حسان بن ثابت:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
стр. 192
ليست فيه حجة ظاهرة، لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: إنه أراد: فإن أبى ووالده وآبائي، فأتى بالعموم بعد الخصوص، كما قال تعالى: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) فخصص المثاني بالذكر تشريفاً لها وإشارة بذكرها، ثم أتى بعد ذلك بالقرآن العام لها ولغيرها ونحو ذلك مما خصص فيه الشيء تنويهاً به وإن كان قد دخل مع غيره في عموم اللفظ قوله تعالى: (من كان عدواً لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل) وقوله تعالى: (فيها فاكهة ونخل ورمان). ونحوه من الشعر قول الشاعر:
أكر عليهم دعلجاً ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرياح تحمحما
ودعلج: فرسه، ولبانه: موضع اللبب من صدره، وإذا كر الفرس فقد كر صدره معه. ولكنه لما كان اعتماد الفرس على مقادمه، خصص اللبان بالذكر تنويهاً به، ومن أبين ما يحتج به من قال إن عرض الرجل حسبه وشرفه: قول مسكين الدارمي:
رب مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
стр. 193
فهذا البيت لا يصح أن يكون العرض فيه الذات، وكذلك قول طرفة، ويروى للحكم بن عبدل الأسدي:
وأعسر أحياناً فتشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغي ومعى عرضي
ومن ذلك قول القائل:
قد قال قوم: أعطه لقديمه ... جهلوا، ولكن أعطني لتقدمي
فأنا ابن نفسي لابن ابن عرضي احتذى ... بالسيف لا برفات تلك الأعظم
[١٠] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك: الخلف والكذب): لا يكاد الناس يفرقون بينهما، والكذب فيما مضى، وهذا أن تقول فعلت كذا وكذا لم تفعله، والخلف فيما يستقبل وهو أن تقول) سأفعل كذا وكذا ولا تفعله).
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو الأكثر والأشهر، وقد جاء الذب مستعملاً في المستقبل قال الله تعالى: (ذلك وعد غير مكذوب).
[١١] مسألة:
وقال ابن قتيبة في هذا الباب: (وأما قول الهذلي في صفة الضبع:
عشنزرة جواعرها ثمان
стр. 194
فلا أعرف من أحد من علمائنا فيه قولاً أرتضيه).
(قال المفسر): قد فسر ابن قتيبة هذا البيت في كتابه الموضوع في معاني الشعر، وقال: أراد زيادة في خلقها. وحكى ذلك عن الرياشي: وهذا قول صحيح وإن كن غير بين وإنما أراد الرياشي أن الشاعر لم يرد أن لها ثماني جواعر على الحقيقة، وإنما أراد أن مؤخرها لسعته وعظمه، كان يحتمل أن تكون فيه ثماني جواعر، والعرب قد تخرج الأمر الممكن مخرج الحقيقة، فيقولون: جاء بجفنة يقعد فيها ثلاثة رجال. وليس المراد أنه جاء بها وفيها ثلاثة رجال على الحقيقة. وإنما المراد أنها لسعتها لو قعد فيها ثلاثة رجال وسعتهم، ونظير ذلك قول عطية بن عوف بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد تتخذ الفأر فيه مغارا
[١٢] مسألة:
قال ابن قتيبة: ومن ذلك (الفقير والمسكين) .. إلى آخر كلامه.
(قال المفسر): هذه المسالة قد تنازع فيها الناس، فقال قوم: الفقير، أحسن حالاً من المسكين، لأن الفقير الذي له بلغة من العيش، والمسكين هو الذي لا شيء له، واحتجوا بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سيد
стр. 195
فجعل له حلوبة. واحتجوا بقوله تعالى (أو مسكيناً ذا متربة) أي قد لصق بالتراب من شدة حاله. واحتجوا أيضاً بأن المسكين مشتق من السكون وأنه بُني على وزن (مفعيل) مبالغة في وصفه بالسكون وعدم الحركة، أرادوا أنه قد حل محل الميت الذي لا حراك به، واحتج يونس بأن قال: قلت لأعرابي: أفقير أنت [أم مسكين] قال: لا والله، بل أنا مسكين، أراد أنه أسوأ حالاً من الفقير.
وأما الذين قالوا: إن المسكين هو الذي له السُلغة من العيش، وأن الفقير هو الذي لا شيء له، فاحتجوا بأشياء. منها قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فجعل لهم سفينة. ومنها: أن الفقير في اللغة: هو المكسور الفقار، ومن كسر فقاره، فلا حياة له، والقول الأول هو الصحيح، وما احتج به هؤلاء لا حجة فيه.
أما قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين) فلا حجة فيه من وجهين:
أحدهما: أنه ليس في الكلام دليل بين على أنها كانت ملكاً لهم ومالاً، وممكن أن ينسبها إليهم لأنهم كانوا يخدمونها ويتولون أمرها، كما تقول: هذه الدابة لفلان السائس، فتنسبها إليه لأنه يخدمها، لا لأنها ملك له. والعرب تنسب الشيء إلى من ليس له على الحقيقة إذا كانت بينهما ملابسة ومجاورة قوله تعالى (ذلك لمن خاف مقامي) وليس
стр. 196
لله تعالى مقام، ولا هو من صفاته تعالى، وإنما أراد: مقامه عندي.
ومن ذلك قول الفرزدق:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي ... بها أن يضل الناس يهدي ضلالها
في قول من جعل الضمير عائداً إلى القبلة، لا إلى الناس، ولا ضلال للقبلة، وإنما الضلال للمضلين إليها. فهذا وجه.
والوجه الثاني: أن يكون الله تعالى سماهم مساكين على جهة الترحم، الذي تستعمله العرب في قولهم: مررت بزيد المسكين، فيسمونه مسكيناً إشفاقاً وتحننا، وليس بمسكين في الحقيقة.
ويبين هذا ما روى عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: مسكين مسكين: رجل لا أهل له. قالوا: يا رسول الله، وإن كان ذا مال. قال وإن كان ذا مال.
ولم يقع الخلاف بيننا في المسكين الذي يستعمل مجازاً على وجه التمثيل، وإنما وقع الخلاف في المسكين على الحقيقة، وأما احتجاجهم بأن الفقير هو المكسور الفقار، فليس فيه أيضاً حجة؛ لأنه يجوز أن يكون مشتقاً من قوله: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم
стр. 197
وضعت على موضع الحز الجرير، وعليه وتر ملوي لتذله وتروضه.
فيكون الفقير إنما سمي فقيراً، لأن الدهر أذله، وفعل به ما يفعل بالبعير الصعب. احتجوا أيضاً بأبيات أنشدها ابن الأعرابي، وهي من أعظم حجاجهم وهي:
هل لك في أجر عظيم تؤجره ... نغيث مسكيناً كثيراً عسكره
عشر شياه سمعه وبصره ... قد حدث النفس بمصير يحضره
قالوا: فجعل له عشر شياه وهذا لا حجة فيه عندنا، لأنه لم يرد أن له عشر شياه، وإنما المعنى: عشر شياه سمعه وبصره لو وهبت له، فحذف ما لا يتم الكلام إلا به، لعلم السامع بما أراد، كما قالت ميسون بنت بحدل:
للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
والمعنى: من لبس الشفوف دون قرة عين. ويجوز أن يريد ملك عشر شياه أو هبة عشر شياه، فحذف المضاف.
стр. 198
[١٣] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك الآري، يذهب الناس إلى أنه المعلف).
(قال المفسر): هكذا رواه أبو علي (بكسر الميم، وفتح اللام)، وجعله بمنزلة الآلات وقال: هو شيء منسوج من صوف يمدونه بين أيدي دوابهم، ووجدته مقيداً عن علي بن حمزة والسكري: معلف (بفتح الميم، وكسر اللام)، لأنه مكان للاعتلاف؛ وكل فعل على وزن فعل بفعل، بفتح العين من الماضي وكسرها من المستقبل، فإن اسم المكان والزمان منه (مفعل) بكسر العين، كالمضرب والمغرس.
[١٤] مسألة:
قال ابن قتيبة: ومن ذلك الملة. يذهب الناس إلى أنها الخبزة. فيقولون: أطعمنا ملة، وذلك غلط، إنما الملة موضع الخبزة. سمي بذلك لحرارته. إلى آخر الفصل.
(قال المفسر): كذا قال يعقوب بن السكيت ولم أر فيه خلافاً
стр. 199
لغيره، وليس يمتنع عندي أن تسمى الخبزة ملة، لأنها تطبخ في الملة، كما يسمى الشيء باسم الشيء، إذا كان منه بسبب، ويجوز أيضاً أن يُراد بقولهم: أطعمنا ملة. أطعمنا خبز ملة. ثم يحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه. فإذا كان هذا ممكنا - ووجدت له نظائر - لم يجب أن يجعل غلطاً.
[١٥] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك الأعجمي والعجمي، والأعرابي والعربي): لا يكاد عوام الناس يفرقون بينهما، والأعجمي: الذي لا يفصح وإن كان نازلاً بالبادية. والعجمي: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً؛ والأعرابي هوا لبدوي، والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن يدوياً).
(قال المفسر): هذا الذي قاله غير صحيح، لأن أبا زيد وغيره قد حكوا أن العجم لغة في العجم، وجاء ذلك في الأشعار الفصيحة، كقول الأخزر الحماني:
سلوم لو أصبحت وسط الأعجم ... في الروم أو فارس أو في الديلم
إذن لزرناك ولو لم نسلم
وهذا البيت يصحفه كثير من الناس فيروونه: "ولو بسلم"، ولا وجه لذلك؛ لأن السلم لا يستعمل في قطع المسافات، وإنما يستعمل في صعود العلالي المشرفات، والمواضع المرتفعات.
ولو قال قائل لصاحبه: لو كنت ببغداد لنهضت إليك ولو بسلم، لم يكن له معنى يعقل، وقد يستعمل السلم بمعنى السبب. وليس له
стр. 200
هاهنا أيضاً وجه. لأنه كان يجب أن يقول: ولو بغير سبب يوجب النهوض.
ومما استعمل فيه الأعجم بمعنى العجم قول الشاعر:
(مما تعتقه ملوك الأعجم)
[١٦] مسألة:
وأنشد ابن قتيبة عن أبي عبيدة لهند بنت النعمان بن بشير، في روح بن زنباع
وهل هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
فإن نتجت مهرا كريماً فبالحري ... ون يك إقراف فما أنجب الفحل
(قال المفسر): رويناه عن أبي على البغدادي (فمن قبل الفحل) على الإقواء، وقد روى هذا الشعر لحميدة بنت النعمان بن بشير، وأنها قالته في الفيض بن أبي عقيل الشقفي. فمن رواه لحميدة بنت النعمان، روى (وما أنا إلا مهرة). وكانت حميدة هذه في أول أمرها أهلا للحارث
стр. 201
ابن خالد المخزومي، ففركته لشيخه، وقالت فيه:
فقدت الشيوخ وأشياعهم ... وذلك من بعض أقواليه
ترى زوجة الشيخ مغمومة ... وتمسي لصحبته قاليه
فطلقها الحارث وتزوجها روح بن زنباع ففركته، هجته أيضاً، وقالت:
بكى الخز من روح وانكسر جلده ... وعجت عجيجاً من جذام المطارف
وقال العباء نحن كنا ثيابه ... وأكسية مضروجة وقطائف
فطلقها روح وقال: ساق الله إليك فتى يسكر ويقيء في حجرك فتزوجها الفيض بن أبي عقيل، فكان يسكر ويقيء في حجرها. فكانت تقول: أجيبت في دعوة روح، وقالت تهجوه:
سميت فيضاً وما شيء تفيض به ... إلا بسلحك بين الباب والدار
فتلك دعوة روح الخير أعرفها ... سقي الآله صداه الأوطف الساري
وقالت فيه أيضاً: (وما أنا إلا مهرة عربية) البيتين.
وقد أنكر كثير من الناس رواية من روى (بغل) بالباء، لأن البغل لا ينسل،
قالوا: والصواب نغل بالنون وهو الخسيس من الناس والدواب
стр. 202
وأصله نغل بكسر الغين على مثال فخذ، فسكن تخفيفاً ما يقال في فخذ فخذ.
باب
ما يستعمل من الدعاء في الكلام
[١] قال في هذا الباب: (قولهم مرحباً: أي أتيت رحباً، أي سعة وأهلاً أي أتيت أهلاً لا غُرباء فانس ولا تستوحش. وسهلاً: أتيت سهلاً لا حزنا، وهو في مذهب الدعاء، كما تقول: لقيت خيراً).
(قال المفسر): هذا الكلام يوهم من يسمعه أن هذه الألفاظ إنما تستعمل في الدعاء خاصة، وذلك غير صحيح، لأنها تستعمل دعاء وخبراً.
فأما استعمالها بمعنى الدعاء فأن ترى رجلاً يريد سفراً فتقول له مرحباً، وأهلاً، وسهلاً، أي لقاك الله ذلك في وجهتك. وأما استعمالها بمعنى الخبر، فكأن يقدم عليك ضيف، فتقول له: مرحباً، وأهلاً، وسهلاً، أي إنك قد صادفت عندي ذلك.
ومن العرب من يرفع هذه الألفاظ، أنشد سيبويه:
وبالسهب ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف: أهل ومرحب
стр. 203
فهذا خبر محض، لا دعاء، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هذا أهل ومرحب.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر مضمر، كأنه قال: لك أهل ومرحب. ومثله ما أنشده سيبويه أيضاً من قول الآخر:
إذا جئت بواباً له قال: مرحباً ... ألا مرحب واديك غير مضيق
باب
تأويل كلام من كلام الناس مستعمل
[١] أنشد في هذا الباب للأعشى:
فقلت له هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها
ثم قال بأثر البيت: يعني هذه الخمر بناقة برمتها.
(قال المفسر): كذا رويناه من طريق أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. ووقع في بعض النسخ أي يعني هذه الخمر بناقة برمتها، وهذا هو الوجه. وأظن الأول تصحيفاً، وإن كان غير ممتنع.
стр. 204
[٢] مسألة:
وقال في قولهم: وضع على يدي عدل، قال ابن الكلبي: هو العدل بن فلان بن سعد العشيرة.
(قال المفسر): شك ابن قتيبة في اسم أ [ي العدل، فكنى عنه بفلان، وليس الشك لابن الكلبي، لأن غير ابن قتيبة حكى عن ابن الكلبي أنه العدل بن جزء بن سعد العشيرة، وكذلك قال يعقوب في إصلاح المنطق.
[٣] مسألة:
قال ابن قتيبة: ويقولون (أريته لمحاً باصراً: أي نظراً بتحديق شديد، ويخرج (باصر) مخرج لابن وتامر ورامح، أي ذو لبن وتمر ورمح وبصر).
(قال المفسر): يريد أن هذه الصفات، جاءت على معنى النسب، لا على أفعال، وهذا موضع أشكل على قوم فيظنونه غلطاً، حين وجدوا أفعالاً مستعملة من الرمح والتمر واللبن، وليس الأمر على ما ظنوا، وما قاله ابن قتيبة صحيح لا مطعن فيه.
стр. 205
والوجه في هذا أن يقال: إذا أردت باللابن الذي يسقي اللبن، وبالتامر الذي يطعم التمر، وبالرامح الذي يطعن بالرمح، فهي صفات مشتقة من أفعال جارية عليها. وليست على معنى النسب؛ لأنه يقال لبنت الرجل. وتمرته ورمحته. وإذا أريد باللابن: صاحب اللبن، وبالتامر: صاحب التمر. وبالرامح: صاحب الرمح. فهي صفات على معنى النسب، لأنها لم تستعمل منها أفعال على هذا المعنى.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: ويقولون بكى الصبي حتى فحم بفتح الحاء، أي انقطع صوته من البكاء.
(قال المفسر): قد حكى أبو عبدي وغيره: فحم بكسر الحاء. وهما لغتان.
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: ويقولون: سكران ما يبت: أي لا يقطع أمراً. من مولك: بت الحبل، وطلقها ثلاثاً بتة.
(قال المفسر): عول ابن قتيبة في هذا الذي قال على قول الفراء، فلذلك قال: (بتة) بغير ألف ولام، وكان سيبويه يقول: لا يجوز
стр. 206
إلا البتة، بالألف واللام، وذكر الفراء أنهما لغتان، وقد جاء ذلك ي بعض ما أخرجه مسلم في الصحيح.
[٦] مسألة:
وقال في هذا الباب وقولهم أسود مثل حلك الغراب. قال الأصمعي سواده، وقال غيره أسود مثل حنك الغراب يعني منقاره.
(قال المفسر): وقع في كتاب أبي علي البغدادي، أسود من حنك الغراب. وهو غلط، لأن هذا يجري مجرى التعجب، فكما لا يقال! ما أسوده، فكذلك لا يقال: هو أسود من كذا.
وقال أبو العباس ثعلب: هو أشد سواداً من حلك الغراب وحنك الغراب، وهذا صحيح على ما يوجبه القياس.
وقد اختلف في الحنك بالنون: فقيل: هو المنقار: ورد ذلك كثير من اللغويين وقالوا: إنما الحنك لغة في الحلك. أبدلت اللام نونا، لتقاربهما في المخرج، كما قيل رفل ورفن. وأنكر قوم من اللغويين حنكا بالنون. قال أبو بكر بن دريد: قال حاتم: قلت لأم الهيثم: كيف تقوين أشد سواداً فماذا؟ فقالت: من حلك الغراب، قلت: أفتقولينها من حنك الغراب فقالت: لا أقولها أبداً.
стр. 207
[٧] مسألة:
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن بغضبوا
(قال المفسر): وقع هذا البيت في أكثر النسخ: طعنت بضم التاء، ولا أعلم: أهو غلط من واضع الكتاب. أم من الراوي عنه، والصواب فتح التاء لأن قبله:
يا كرز إنك قد فتكت بفارس ... بطل إذاهاب الكماة وجيبوا
والشعر لأبي أسماء بن الغسريبة. وقيل: هو لعطية بن عفيف يخاطب كرزاً العقيلي، كان قد قتل أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة ابن بدر الفزاري يوم الحاجر.
[٨] مسألة:
وذكر في هذا الباب: أن المسافة مشتقة من السوف، وهو الشم وانشد قول رؤبة:
"إذا الدليل استاف أخلاف الطرق". أي شمها.
(قال المفسر): كذا قال يعقوب، وأكثر اللغويين، وذكر بعضهم
стр. 208
أنها مشتقة من السواف بضم السين وفتحها، وهو موت الإبل، وهذا بمنزلة قولهم للفلاة، مهلكة، لهلاك الناس أو الإبل بها. ويشهد لهذا قول علقمة بن عبدة:
هداني إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أصواء المتان علوب
بها جيف الحسري فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
ومن المنسوب
قال في هذا الباب: عنب ملاحي بتخفيف اللام (وهو مأخوذ من الملحة وهي البياض وهذا قال في باب ما جاء مخففاً، والعامة تشدده وأنشد:
ومن تعاجيب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحي وغريبيب
(قال المفسر): هذا الذي ذكره ابن قتيبة هو المشهور، والذي حكاه اللغوييون.
وقد جاء في الشعر ملاحي بتشديد. فلا أعلم أهو لغة أم ضرورة من الشاعر قال:
وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حين نورا
стр. 209
باب
أصول أسماء الناس المسمون بأسماء النبات
وقع في أكثر النسخ المسمين بالياءن ورأيت كثيراً ممن يقرأ هذا الكتاب، ويُقرأ عليه يبشرون الواو ويردونها ياء، كأنهم يرون المسمين صفة للناس وذلك غلط. والصواب المسمون بالواو؛ لأن قوله أصول الناس، ترجمة يدخل تحتها جميع الأبواب التي ذكر فيها أسماء الناس المنقولة عن الأجناس والأنواع والصفات إلى العلمية، إلى آخر باب المسمين بالصفات وغيرها. ثم نوع ما أجمله في الترجمة وقسمه فقال المسمون بأسماء النبات، المسمون بأسماء الطير، المسمون بأسماء السباع إلى آخر ما تقتضيه الترجمة. فقوله: المسمون بأسماء النبات مرتفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هؤلاء المسمون، وكذلك سائرها.
[١] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (حدثني زيد بن أخزم قال: حدثني أبو داود عن شعبة، عن جابر، عن أبي نضرة، عن أنس بن مالك قال: كناني رسول الله ﷺ ببقلة كنت أجتنيها، وكان يكنى أبا حمزة).
(قال المفسر): وقع في بعض النسخ، عن أبي نضرة. في بعضها عن أبي نصر. وروى عن أبي علي البغدادي أنه قال: الصواب عن أبي نضرة (بضاد معجمة، وتاء التأنيث). قال: واسمه المنذر
стр. 210
ابن مالك بن قطعة. وهذا الذي قاله أبو علي غير صحيح، لأن أبا نضرة لم يرو عن أنس بن مالك شيئا، إنما روى عن أبي سعيد الخدري. والصواب: عن أبي نصر، واسمه حميد بن هلال العدوي البصري. وقد روى هذا الحديث أيضا ًعن أبي نصر: خيثمة البصري عن أنس، ولعلهما قد اشتركا في سماعه منه.
المسمون بأسماء الهوام
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (العلس: القراد، ومنه المسيب بن علس الشاعر).
(قال المفسر) هكذا رويناهعن أبي نصر عن أبي علي (بن علس) مصروفاً وكذا قرأته في غير هذا الكتاب وذكر كراع أن (علس) اسم أمه. فيجب على هذا ألا يصرف.
المسمون بالصفات وغيرها
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: (سلم: الدلو لها عروة واحدة).
(قال المفسر) كذا قال يعقوب بن السكيت. ورده عليه على
стр. 211
ابن حمزة، وقال: الصواب عرقوة واحدة، وهي الخشبة التي يضع السقاء فيها يده إذا استقى بالدلو، والدلو الكبيرة لها عرقوتان. ولا يمكن أن يكون دلو بعرقوة واحدة.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الحوافزان: فوعلان، من حفزه بالرمح يقال: إنما سُمي بذلك لأن بسطام بن قيس حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته فسمي بتلك الحفزة: الحوفزان، قال الشاعر:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... سقته نجيعاً من دم الجوف أشكلا
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ. ولا مدخل لبسطام ابن قيس هنا. وإنما الحافز له قيس بن عاصم المنقري، طعنه في
стр. 212
خرابة وركه يوم جدود. والذي قاله من تسميته الحوفزان بحفز الطاعن له حين خاف أن يفوته صحيح. غير أنه سُمي بذلك لقول الشاعر فيه: (ونحن حفزنا الحوفزان ....
فالشاعر هو الذي لقبه بهذا اللقب، فجرى عليه. واسمه: الحارث ابن شريك، واسم الشاعر سوار بن حبان المنقري، بحاء مكسورة غير معجمة. وباء معجمة بواحدة.
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: (عامر بن فهيرة تصغير فهر. والفهر مؤنثة، يقال هذا فهر).
(قال المفسر): قد ذكر بعد هذا في الكتاب، أن الفهر يذكر ويؤنث وهو خلاف قوله هاهنا.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: وقرأت بخط الأصمعي عن عيسى بن عمر أنه قال: شرحبيل: أعجمي، وكذلك شراحبيل، وأحسبهما منسوبين إلى (إيل). مثل جبرائيل وميكائيل.
(قال المفسر): هذا الذي حكاه ابن قتيبة عن الأصمعي عن
стр. 213
عيسى، هو قول ابن الكلبي: كل اسم في كلام العرب آخره (إل) أو (إيل) فهو مضاف على الله ، مثل شرحبيل وعبد يا ليل وشراحيل وشهميل. ويلزمه على هذا الرأي أن يقول: إن أصل هذه الأسماء كلها الهمزة، وأنه ترك همزها استخفافاً، حين ركبت وطالت، كما تحذف الهمزة في قولهم ويلمه وأيشٍ لك. ونحو ذلك.
وليس هذا رأي أكثر البصريين. وإنما شُرحبيل عندهم بمنزلة قُذعميل وخُزعبيل، ويا ليل بمنزلة هابيل، وشراحيل بمنزلة سراويل وقناديل، ونحو ذلك من الجموع التي سمي بها. والأسماء المعروفة التي جاءت على صورة الجموع، وشهميل: بمنزلة زحليل وبرطيل، وليست هذه الأسماء كجبرائيل وميكائيل في أنهما مضافان إلى (إيل)، لأنه قد ورد في التفسير عن علي وابن عباس ﵄: أن جبرائيل وميكائيل ونحوهما كقولك: عبد الله وعبد الرحمن.
стр. 214
وقيل: إن جبراً بمعنى: عبد. وميكا: نحوه ولم يرد في شرحبيل وشراحيل ونحوهما شيء يجب التسليم له، ولا دليل قاطع يقطع بما قاله ابن الكلبي ومن رأى رأيه. فحمل هذه السماءعلى ما قاله البصريون أولى. وإن كان ما قاله ابن الكلبي ومن نحا نحوه غير ممتنع، لأن بعض اللغويين قد ذروا أن معنى شرحبيل وديعة الله بلغة حمير وهذا نحو مما قاله ابن الكلبي ومن رأى رأيه.
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الأخطل من الخطل، وهو استرخاء الأذنين، ومنه قيل لكلاب الصيد خطل).
(قال المفسر): لا أعلم أحداً ذكر أن الخطل كان طويل الأذنين مسترخيهما، فيقال أنه لُقب الأخطل لذلك. والمعروف أنه لُقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابني جُعيل احتكما إليه مع أمهما فقال:
لعمرك انني وابني جُعيل ... وأمهما لإستسار لئيم
فقيل له: إنك لأخطل، فلزمه هذا اللقب، والإستار: أربعة من العدد. وقال بعض الرواةن وحكى نحو ذلك أبو الفرج الأصبهاني: أن السبب في تلقيبه بالأخطل أن كعب بن جُعيل كان
стр. 215
شاعر تغلب في وقته، وكان ايُلم برهط منهم إلا أكرموه وأعطوه: فنزل على رهط الأخطل فأكرموه، وجمعوا له غنما، وحظروا عيها حظيرة، فجاء الأخطل فأخرجها من الحظيرة وفرقها، فخرج كعب وشتمه، واستعان بقوم من تغلب، فجمعوها له وردوها إلى الحظيرة. فارتقب الأخطل غفلته، ففرقها ثانية. فغضب كعب، وقال كفوا عني هذا الغلام وألا هجوتكم. فقال له الأخطل: إن هجوتنا هوجناك. وكان الأخطل يومئذ يفرذم. والفرذمة: أن يقول الرجل الشعر في أول أمره، قبل أن يستحكم طبعه وتقوى قريحته، فقال كعب: ومن يهجوني فقال: أنا. فقال كعب: "ويل لهذا الوجه غب الجمه" فأجابه الأخطل .... فقال كعب: إن غلامكم هذا هذا لأخطل، ولج الهجاء بينهما فقال الأخطل:
وسميث كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل
ففزع كعب، وقال: والله لقد هجوت نفسي بهذين البيتين، وعلمت أني سأهجي بهما. وقيل بل قال: هجوت نفسي بهذين البيتين، وعلمت أني سأهجي بهما. وقيل بل قال: لقد هجوت نفسي بالبيت الأول من هذين البيتين.
следующие страницы →