← Адаб

Адаб · id 17681

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (952 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والآخر فاعل على المجاز. فإذا كان الأمر على هذا السبيل، كان التشاغل بما تشاغل به ابن جني عناء لا فائدة فيه. [٣] مسألة: وقال في هذا الباب: (الرجز: العذاب. والرجس: الفتن). (قال المفسر): هذا قول الكسائي: وكثير من اللغويين. وقال أبو الحسن الأخفش: الرجز: هو الرجس بعينه. والذي حكى ابن قتيبة هو الوجه. [٤] مسألة: وقال في هذا الباب: (الغلط في الكلام. فإن كان في الحساب فهو غلت). (قال المفسر): هذا الذي قاله هو الأشهر. وقد جاء الغلط في الحساب. والوجه في هذا أن يقال: إن الغلط عام في كل شيء أخطأ افنسان وجهه، عن غير تعمد منه ولا قصد، والغلت في الحساب وحده. ويروى أن أعرابياً دخل على المساور بن هند يسأله، فتشاغل عنه، ثم سعل وضرط، وكره أن يسمع الأعرابي ضرطته فجذب السفط، وقال لكاتبه: غلطنا في حساب الخراج، فأعده، ليوهم الأعرابي

стр. 282

أن الصوت الذي سمع إنما كان صوت السفط، فخرج الأعرابي وقال: أتيت المساور في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط وحك قفاه بكرسوعه ... ومسح عثنونه وامتخط وقال غلطا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط [٥] مسألة: وقال في هذا الباب: (رجل صنع: إذا كان بعمده حاذقاً. وامرأة صناع، ولا يقال للرجل صناع). (قال المفسر): قد حكى أبو عبيد: رجل صناع، وامرأة صناع، مثل فرس جواد: للذكر والأنثى. ويقال: هو صنع اليدين، بكسر الصاد، وسكون النون، قال الشاعر: ورجا موادعتي وأيقن أنني ... صنع اليدين بحيث يكوى الأصيد

стр. 283

باب نوادر من الكلام المشتبه [١] مسألة: قال في هذا الباب: (التقريظ: مدح الرجل حيا والتأبين: مدحه ميتاً). (قال المفسر): قد جاء التأبين في مدح الرجل حيا، إلا أنه قليل لا يكاد يعرف، أنشد يعقوب للراعي: فرفع أصحابي المطي وأبنوا ... هنيدة فاشتاق العيون اللوامح [٢] مسألة: إن قال قائل: كيف سم ما ضمنه هذا الباب نوادر، والنوادر: هي الشواذ عن الاستعمال، وجمهور ما ضمنه هذا الباب ألفاظ معروفة مستعملة؟ فالجواب: أنه لم يذهب بتسميتها نوادر إلى ما ذهبت إليه، وإنما أراد أنها ألفاظ متفرقة من أبواب شتى، لم تنحصر كل لفظة منها مع ما يشاكلها تحت باب، كما انحصرت الألفاظ، التي ذكرها في سائر الأبواب. وكل شيء فارق نظيره وتحيز عنه بجهة ينفرد بها، فقد ندر عنه. ومنه قيل: ندرت النواة من تحت الحجر: إذا طارت، ففارقت أخواتها.

стр. 284

[٢] مسألة. وقال في هذا الباب: (دوم الطائر في الهواء: إذا حلق واستدار في طيرانه. ودرى السبع في الأرض: إذا ذهب). (قال المفسر): هذا الذي ذكره قول الأصمعي، وأجاز غيره دوم في الأرض وهو صحيح، ومنه اشتقت الدوامة، وكل شيء استدار في هواء كان أو أرضن فهو دائم ومدوم. وفي الحديث: كره البول في الماء الدائم، وقال ذو الرمة: حتى إذا دومت في الأرض أدركه ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب وقال أيضاً: يدوم رقراق السراب برأسه ... كما دومت في الخيط فلكة مغزل وقال جريز: عوى الشعراء بعضهم لبعض ... على فقد أصابهم انتقام إذا أرسلت صاعقة عليهم ... رأوا أخرى تحرق فاستداموا

стр. 285

وكان الأصمعي يزعم أن ذا الرمة أخطأ في قوله: (مؤمت في الأرض" وأن الصواب إنما هو قول: معروريا رمض الرضراض بركضه ... والشمس حيرى لها في الجو تدويم وكان مولعا بالطعن على ذي الرمة [٣] مسألة: وقال في هذا الباب عن يونس: (إذا غلب الشاعر فهو: مغلب. وإذا غلب قيل: غلب). (قال المفسر): القياس يوجب أنيقال: مغلب فيهما جميعاً غير أن السماع ورد مخالفاً للقياس، فاستعمل من احدهما الفعل، ولم يستعمل الاسم: كما لم يستعملوا اسم فاعل من عسى وليس ونحوهما واستعمل من الثاني الاسم ولم يستعمل الفعل. كما قالوا رجل مدرهم: إذا كان كثير الدرهم، ولم يقولوا: درهم. وقالوا: رجل رامح ودارع وتامر، ولا فعل لشيء من ذلك. وهذا مما خرج مخرج النسب. ولم يجر على الفعل غير أن فيه شذوذا، عن المنسوب من هذا الباب. لأن قياس المنسوب أن يجيء المفعول منه على صيغة لفظ الفاعل، ألا تراهم قالوا: عيشة راضية ومعناها مرضية، وماء دافق، ومعناه مدفوق.

стр. 286

وإنما لزم أن يجيء المفعول من هذا الباب على صيغة لفظ الفاعل، لأن الفعل ينسب غليه، كنسبته إلى الفاعل. فيقال: رجل ذو رضا، وعيشة ذات رضا ورجل ذو دفق للماء، وماء ذو دفق. فلما تساويا في نسبة الفعل إلى كل واحد منهما على صورة واحدة، وجب أن تكون صيغة اسميهما واحدة. ونظير تساوى الفاعل والمفعول في الاسم المصوغ لهما يساويهما في نسبة الفعل إليهما، تساويهما في الإعراب، حين تساويا في إسناد الحديث إليهما. فقالوا: ضُرب زيد، فرفعوه وهو مفعول، حين حدثوا عنه كما تحدث عن الفاعل. وكذلك مات زيد، وضرب الضرب، والضرب لا يُضرب، وعلى هذا المجرى كلام العرب. قال علقمة فظل الأكف يختلفن بحانذ ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب يريد اللحم المحنوذ (وهو المشوى) وقال آخر: لقد عيل الأيتام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره أي مأشورة. وقد حكى الهروي في الغريبين أنه يقال: مغلب فيهما جميعاً، وهذا موافق للقياس، ومخالف لما زعمه يونس. [٤] مسألة: وقال في هذا الباب: (بات فلان يفعل كذا وكذا: إذا فعله

стр. 287

ليلا: وظل يفعل كذا وكذا: إذا فعله نهاراً). (قال المفسر): قد قال هذا كثير من اللغويين، وليس بصحيح عند التأمل. وإنما ينبغي أن يُقال: إن ظل أكثر ما يستعمل بالنهار. وأما القطع على أنه لا يستعمل إلا بالنهار، فدعوى مفتقره إلى دليل، وقد وجدنا ظل مستعملاً في أمور لا تختص نهاراً دون ليل. فمنها قوله تعالى (فظلتم تفكهون). وقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) فهذا لا يختص وقتاً دون وقت، وكذلك قول مسكين الدرامي. وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها وقال رؤبة: ظل يقاسي أمره أمبرمه ... أعصمه أم السحيل أعصمه [٥] مسألة: وقال في هذا الباب: (لا يقال راكب إلا لراكب البعير خاصة). (قال المفسر؛ قد تقدم الكلام على هذا في باب أسماء الجماعات، فأغنى عن إعادته هاهنا.

стр. 288

[٦] مسألة: وقال في هذا الباب: (برك البعير، وربضت الشاة، وجثم الطائر). (قال المفسر): قد استعمل البروك في غير البعير، والربوض في غير الشاة، والجثوم في غير الطائر. ويروى عن رجل من العرب كان يلقب البُرك: أنه قال: في بعض حروبهم: أبا البرك، أبرك حيث أدرك. وقال أبو حاتم في كتاب الفرق: وقالوا في البعير والنعامة: برك بروكا. وفي الحافر وفي الظلف والسباع: ربض يربض ربوضاً. وقال أبو عبيدة: جثم البعير. وقال أبو حاتم في كتاب الفرق: ويقال: جثم الإنسان وغيره، وجثا، وأنشد لرؤية يصف صقرا: كرز يلقي ريشه حتى جثم وأنشد غيره لتأبط شراً: نهضت إليها من جثوم كأنها ... عجوز عليها هدبل ذات خيعل وقال زهير: بها العين والأرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم [٧] مسألة: وقال في هذا الباب: (يقال: حششت البعير وخزمته وأبريته. هذه وحدها بألف).

стр. 289

(قال المفسر: قد قيل: بروت الناقة وأبريتها، وهما لغتان. [٨] مسألة: وقال في آخر هذا الباب (ولا يقال: عقور إلا للحيوان). (قال المفسر): كذا قال يعقوب، وهو غير صحيح، لأنه قد جاء عقور في غير الحيوان، قال الأخطل: ولا يبقى على الأيام إلا ... بنات الدهر والكلم العقور يعني الهجاء. وقال بعض بني زبيد يصف ناقة أحلنا بالعقور على مطاها ... ولم تحفل بتأثير العقور قيل: أراد بالعقور: السوط، وقيل الرجل، وهو الصحيح. باب تسمية المتضادين باسم واحد قال في هذا الباب (يبادر الجونة أن تغيبا) يعني الشمس. (قال المفسر): هذا غلط، وإنما الشعر: يبادر الآثار أن تثوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا

стр. 290

كالذئب يتلو طمعاً قريبا وسنذكر هذا الرجز في شرح الأبيات إن شاء الله تعالى. وقوم من النحويين ينكرون هذا الباب، ويقولون: لا يجوز أن يسمى المتضادان باسم واحد، لأن ذلك نقض للحكمة. ولهم في ذلك كلام طويل كرهت ذكره، لأنه لا فائدة في التشاغل به. باب ما تغير فيه ألف الوصل وقع في النسخ (تغير) بفتح الياء، وهو غلط، والصواب كسر الياء، لأن ألف الوصل في هذا الباب هي المغيرة لما بعدها. ألا ترى أنها إذا وقعت بعدها همزة، قلبت ياء، استثقالاً لاجتماع همزتين، نحو إيت فلانا. وإذا وقعت بعدها واو، وقلبت ياء، لانكسار ما قبلها، نحو إيجل. فإن قيل فلعله إنما أراد بتغييرها سقوطها إذا وقعت قبلها الواو والفاء أوثم ونحو ذلك. قيل: هذا شيء لا يخص هذا الباب دون غيره، فلا معنى لتخصيص هذا الباب بذلك. وذكر في هذا الباب (فأيسر وأيسر، من الميسر). ولا وجه لذكر ذلك هنا لأن الياء فيه لا تغيرها ألف الوصل كما تغير الهمزة والواو، فذكرها فضل لا يحتاج إليه.

стр. 291

باب (ما) إذا اتصلت [١] مسألة: قال في هذا الباب. (وقد كتبت في المصحف وهي اسم، مقطوعة وموصولة. كتبوا (إن ما توعدون لآت) مقطوعة. وكتبوا (إنما صنعوا كيد ساحر) موصولة وكلاهما بمعنى الاسم). (قال المفسر): إنما تكون (ما) اسماً في قراءة من قرأ (كيد ساحر) بالرفع. وأما من نصب كيد ساحر. فما في قراءته صلة. فكأن الذي كتب المصحف إنما كتبه على قراءة من نصب، فلذلك وصلها. [٢] مسألة: وقال في هذا الباب: (وتكتب: أينما كنت فافعل كذا، وأينما تكونوا يدركم الموت). ونحن نأتيك أينما تكون: موصولة، لأنها في هذا الموضع صلة، وُصلت بها أين. ولأنه قد يحدث باتصالها معنى لم يكن في أين قبل، ألا ترى أنك تقول: أين تكون نكون، فترفع. فإذا أدخلت (ما) على أين قلت: أينما تكن. فتجزم).

стр. 292

(قال المفسر): هذا الكلام يُوهم من يسمعه أن (أين) لا تكون شرطاً حتى توصل بما، وذلك غير صحيح، لأنها تكون شرطاً وإن لم تصل بما. قال الشاعر: أين نضرب بنا العداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي وليس في أدوات الشرط ما يلزمه (ما) إلا (إذ ما) و (حيثما) خاصة. باب (من) إذا اتصلت [١] مسألة: قال في هذا الباب: (وتكتب فيمن رغبت فتصل للاستفهام. وتكتب: كن راغباً في من رغبت إليه، مقطوعة، لأنها اسم). وقال أيضاً: فأما مع من، فإنها مفصولة إذا كانت استفهاماً أو اسما. تقول: مع من أنت؟ وكن مع من أحببت). (قال المفسر): هذا عبارة فاسدة توهم من يسمعها أن (من) إنما تكون اسماً إذا كانت بمعنى الذي وأنها إذا كانت استفهاماً لم تكن اسماً، وهي اسم في كلا الموضعين. وإنما كان الصواب أن يقول مقطوعة لأنها خبر. أو يقول: إذا كانت خبراً أو استفهاماً، حتى يصح كلامه ويسلم من الخلل.

стр. 293

[٢] مسألة: وقال في هذا الباب: (وكل من: مقطوعة في كل حال وأما ٠ ممن ومما) فموصولتان أبدا). (قال المفسر): هذا تناقض منه، لأنه قد قال في صدر الباب: تكتب فيمن ترغب؟ فتصل للاستفهام. وإنما أتى هذا من سوء العبارة. وكان الصواب أن يقول: وكل (مَنْ) إذا كانت خبراً غير استفهام فهي مقطوعة أبداً، إلا ممن وعمن، فإنهما موصولتان، وإن كانتا لغير الاستفهام من أجل الادغام. وإن كان أراد أن هذه الكلمة التي هي (كل) إذا أضيفت إلى (مَنْ) فهي مقطوعة، فهو كلام صحيح، لا اعتراض فيه. وأظنه هذا أراد. باب (لا) إذا اتصلت قال في هذا الباب: (تكتب أردت ألا تفعل ذاك، وأحببت ألا تقول ذاك. ولا تظهر (أن) ما كانت عاملة في الفعل. فإذا لم تكن عاملة في الفعل، أظهرت أن، نحو علمت ألا تقول ذاك وتيقنت ألا تذهب). (قال المفسر): في هذا الفصل ثلاثة أقوال للنحويين. أحدها: الذي قاله ابن قتيبة. والثاني: أنها تظهر إذا أدغمت في اللام بغنة ولا تظهر إذا أدغمت بغير غنة. وهذا القول ينسب إلى الخليل.

стр. 294

والقول الثالث: أنها تكتب منفصلة على كل حال. والذي ذكره ابن قتيبة أحسن الأقوال. غير أنه يحتاج إلى زيادة في البيان، ليعلم الموضع الذي يلزم فيه نصب الفعل، والموضع الذي يرفع فيه، وحينئذ يبين الموضع الذي يظهر فيه (أن) والموضع الذي لا يظهر فيه. * * * أعلم أن (أن) المشددة وضعت للعمل في الأسماء، وأن المخففة وضعت للعمل في الأفعال المستقبلة. فما دامتا على أصل وضعهما، فلا لبس بينهما، لأن أحداهما مشددة - والثانية مخففة، وإحداهما تعمل في السماء، والثانية في الأفعال. ثم إن المشددة يعرض لها في بعض المواضع التخفيف، وإضمار اسمها، فلا يظهر في اللفظ، ويعرض لها عند ذلك أن يليها الفعل، كما يلي المخففة في أصل وضعها، فيقع اللبس بينهما، فيحتاجان إلى ما يفصل بينهما، والفصل بينهما يكون من وجهين: أحدهما: أن المخففة من الشديدة تقع قبلها الأفعال المحققة، نحو علمت، وأيقنت، وتحققت، والناصبة للفعل تقع قبلها الأفعال التي ليست محققة، نحو رجوت وأردت وطمعت. والوجه الثاني: أن المخففة من المشددة يلزمها العوض من المحذوف منها، والعوض أربعة أشياء: السين، وسوف، وقد، ولا، التي للنفي، كقولك: حلمت أن سيقوم، وأيقنت أن سوف يخرج، وتحققت أن قد ذهب. وما يعترضني شك في أن لا يفعل. وإنما لزم وقوع الأفعال المحققة قبل المخففة من المشددة، والأفعال غير المحققة

стр. 295

قبل الناصبة للفعل، لأن (أن) المشددة إنما دخلت في الكلام لتحقيق الجمل وتأكيدها. فوجب أن يقع قبلها ل فعل محقق، لأنه مشاكل لها، ومطابق لمعناها. ولما كانت (أن) الناصبة للفعل، إنما وضعت لنصب الأفعال المستقبلة، والفعل المستقبل ممكن أن يكون، وممكن أن لا يكون، وجب أن يقع قبلها كل فعل غير محقق، لأنه موافق لمعناها، فإذا وقع قبلها الظن والحسبان، جاز أن تكون المخففة من الشديدة، وجاز أن تكون الناصبة للفعل، لأن الظن خاطر يخطر بالنفس، فيقوى تارة، ويضعف تارة. فإذا قوى وكثرت شواهده ودلائله، صار كالعلم، ولذلك استعملت العرب الظن بمعنى العلم. وإنما قلنا: إن إظهار (أن) في الخط إذا كانت مخففة من المشددة، وترك إظهار غير المخففة هو القياس، لأن سبيل ما يدغم في نظيره أو مقاربه ألا يكون بينه وبين ما يدغم فيه حاجز، من حركة ولا حرف، لأنه إذا كان بينه وبينه حاجز، بطل الإدغام. ولذلك لزم ألا يدغم شيء في مثله أو مقاربه، حتى تسلب عنه حركته، لأن الحركة تحول بينهما إذا كانت رتبة الحركة (أن) بعد الحرف. فلما كان اسم (أن) المخففة من الشديدة مضمراً بعدها، مقدراً معها، صار حاجزاً بينها وبين (لا)، فبطل إدغام النون من (أن) في لام (لا) لأجل ذلك. ولما كانت (أن) الناصبة للأفعال ليس بعدها شيء مضمر، باشرت النون لام (لا) مباشرة المثل للمثل، والمقارب للمقارب. فوجب إدغامها فيها، فانقلبت إلى لفظها، فلم يجز ذلك ظهورها في الخط.

стр. 296

باب من الهجاء [١] مسألة: قال في هذا الباب: "تكتب "إذا" بالألف، ولا تكتب بالنون، لأن الوقوف عليها بالألف، وهي تشبه النون الخفيفة في مثل قول الله تعالى: (لنسفعاً بالناصية). و (ليكونا من الصاغرين). إذا أنت وقفت، وقفت على الألف، وإذا وصلت، وصلت بنون. وقال الفراء: ينبغي لمن نصب بإذن الفعل المستقبل، أن يكتبها بالنون، فإذا توسطت الكلام فكانت لغواً كتبت بالألف. قال ابن قتيبة: وأحب إليّ أن تكتبها بالألف في كل حال، لأن الوقوف عليها بالألف في كل حال". (قال المفسر): قد اختلف الناس في (إذن) كيف ينبغي أن تكتب، فرأى بعضهم أن تكتب بالنون على كل حال، وهو رأي أبي العباس المبرد. ورأى قوم أن تكتب بالألف على كل حال، وهو رأي المازني. ورأى الفراء أن تكتب بالنون إذا كانت عاملة، وبالألف إذا كانت ملغاة. وأحسن الأقوال فيها قول المبرد. لأن نون (إذن) ليست بمنزلة التنوين، ولا بمنزلة النون الخفيفة، فتُجرى مجراهما في قلبها ألفاً. إنما هي أصل

стр. 297

من نفس الكلمة، ولأنها إذا كتبت بالألف أشبهت (إذاً) التي هي ظرف، فوقع اللبس بينهما. ونحن نجد الكتاب قد زادوا في كلمات ما ليس فيها، وحذفوا من بعضها ما هوا لفرق بينها وبين ما يلتبس بها في الخط، فكيف يجوز أن تكتب (إذا) بالألف، وذلك مؤد إلى الالتباس بإذا. وقد اضطربت آراء الكتاب والنحويين في الهجاء، ولم يلتزموا فيه القياس، فزادوا في مواضع حروفاً خشية اللبس، نحو واو عمرو، وياء أوخى وألف مائة وحذفوا في مواضع ما هو في نفس الكلمة، نحو خالد ومالك، فأوقعوا اللمس بما فعلوه، لأن الألف إذا حذفت من خالد صار (خلداً)، وإذا حذفت من مالك، صار (ملكاً)، وجعلوا كثيراً من الحروف على صورة واحدة، كالدال والذال، والجيم والحاء والخاء، وعولوا على النقط في الفرق بينها، فكان ذلك سبباً للتصحيف الواقع في الكلام. ولو جعلوا لكل حرف صورة لا تشبه صورة صاحبه، كما فعل سائر الأمم، لكان أوضح للمعاني وأقل للالتباس والتصحيف. لذلك صار التصحيف للسان العربي أكثر منه في سائر الألسنة. [٢] مسألة: وقال في آخر هذا الباب: "وتكتب: فرأيكما وفرأيكم، فإن نصبت رأيك، فعلى مذهب الإغراء، أي: فرأيك، وإن رفعت، لم ترفع على مذهب الاستفهام، ولكن على الخبر، (وكبتت،

стр. 298

[موفقاً إن أردت الرأي وموفقين، إن أردت الرجلين] وإن كتبت إلى حاضر فنصبت (فرأيك) لم يجز أن تنصب رأي الأمير، لأنه بمنزلة الغائب، ولا يجوز أن تُغرى به". (قال المفسر): كذا وقع في النسخ وهو خطأ لأن الغائب يغرى به الحاضر، وإنما الممتنع من الجواز أن يغري الغائب بغيره. ألا ترى أنك تقول: عليك زيداً. فيجوز أن يكون زيد حاضراً وغائباً والصواب أن يقول: ولا يجوز أن يغري. وأما زيادة قوله (به) فمفسر لما أراده، ومحيل له من الصواب إلى الخطأ. باب الحروف التي تأتي للمعاني هذا باب ظريف، لأنه ترجمه بباب الحروف التي تأتي للمعاني، فذكر في الباب (عسى) وهو فعل، وذكر (كلا وكلتا) وهما اسمان، وذكر فيه متى وأنى، وهما ظرفان. والظروف نوع من الأسماء وإن كانت مشتملة على غيرها. وجه العذر له في ذلك أن يقال: إنما استجاز ذكر هذه الأشياء مع الحروف لمضارعتها لها بالبناء، وعدم التصرف لأن كلا وكلتا مشبهان في انقلاب ألفهما إلى الياء مع المضمر بإلى وعلى فلما ضارعت حروف المعاني ذكرها معها. فإن قال قائل: قد وجدنا سيبويه سمى الأفعال المتصرفة

стр. 299

والأسماء المتمكنة حروفاً في كتابه، فقال حين تكلم على بناء الفعل الماضي: وإنما لم يسكنوا آخر هذه الحروف، لأن فيها بعض ما في المضارعة تقول: هذا رجل ضربنا فتصف به النكرة. وتقول: إن فعلت، فعلت، فتكون في موضع إن تفعل أفعل. وقال في باب ما جرى مجرى الفاعل الذي يتعدى فعله إلى مفعولين في اللف لا في المعنى: وأما قوله تعالى جده (فبما نقضهم ميثاقهم) فإنما جاء لأنه ليس (لما) معنى سوى ما كان قبل أن تجيء به إلا التوكيد، فمن ثم جاز ذلك، إذ لم ترد به أكثر من هذا، وكانا حرفين، أحدهما في الآخر عامل. ولو كان اسما أو ظرفا أو فعلاً، لم يجز يريد بالحرفين: الباء والخفض. فالجواب: أنه لا يمتنع أن تسمى الأقسام الثلاثة التي يدور عليها الكلام حروفاً. وإنما جاز ذلك لأنها لما كانت محيطة بالكلام، صارت كحدود الشيء الحاصرة له، المحيطة به. والشيء إنما يتحدد بأطرافه ونواحيه التي هي حروف له. فجاز أن تسمى الكلم الثلاث حروفاً لهذا المعنى. وكلام ابن قتيبة لا يسوغ فيه هذا التأويل، لأنه قال: باب الحروف التي تأتي للمعاني. والنحويون لا يسمون حرف معنى إلا الأدوات الداخلة على الأسماء والأفعال المبينة لأحوالها، المتعاقبة عليها. فلذلك تأولنا كلامه على الوجه الأول، ولم نتأوله على الوجه الثاني.

стр. 300

باب الهمزة التي تكون آخر الكلمة وما قبلها ساكن قال: وهي إذا كانت كذلك حذفت في الخفض والرفع نحو قول الله (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه). (لكم فيها دفء) و (ملء الأرض ذهباً). وكذلك إن كنت في موضع نصب غير منون، نحو قوله (يخرج الخبء) فإن كانت في موضع نصب منون، ألحقتها ألفاً، نحو قولك: أخجرت خبأ وأخذت دفأ. (قال المفسر): تفريقه بين المنصوب المنون والمنصوب غير المنون، يوهم من يسمعه أن للهمزة صورة مع المنون، وذلك غير صحيح. لأن الألف في قولك: أخرجت خبأ، وأخذت دفئاً. ليست صورة الهمزة، إنما هي الألف المبدلة من التنوين، كالتي في قولنا: ضربت زيداً. وقد تحرز ابن قتيبة من هذا الاعتراض بعض التحرز، بقوله: ألحقتها ألفاً. ولم يقل جعلتها ألفاً. ومما يبين لك ذلك أن الهمزة إنما تصور في معظم أحوالها بصورة الحرف الذي تنقلب إليه عند التخفيف، أو تقرب منه: فتكتب

стр. 301

لؤم الرجل بالواو، لأنك لو خففتها لجعلتها بين الهمزة والواو. وتكتب (جؤنا) بالواو، لأنك لو خففتها لكانت واواً محضة. فلما كانت الهمزة في الخبء والدفء إذا خففت ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت، وكان الوقف يزيل حركتها، وجب ألا تكون لها صورة في الخط. وهذه العلة بعينها موجودة فيها إذا كانت في موضع تنوين. ألا ترى أنك إذا خففت خبئاً ودفئاً، قلت: خبا ودفا، كما نقول: الخب والدف. فإن قال قائل: فإن من النحويين من يرى أن العلة التي من أجلها حذفت ولم يكن لها صورة في الخبء والدفء، أن الهمزة. إنما تدبرها حركة ما قبلها إذا كانت ساكنة أو حركتها في نفسها إذا كانت متحركة، إلا أن تعرض علة تمنع من أن تدبر بحركتها في نفسها فتدبر، أي تكتب حينئذ بحركة ما قبلها، مثل العلة العارضة في جؤن ومئر، لأنها لو دبرت ها هنا بحركتها في نفسها، لكانت ألفاً. ولا تصح الألف، إلا إذا انضم ما قبلها أو انكسرن فأدى ذلك إلى أن تدبر بحركة ما قبلها، فجعلت واو محضة في جؤن، وياء محضة في مئر. فما ينكر أن تكون الهمزة في الخبء والدفء لما كانت لا تثبت حركتها في الوقف، لم يجز أن تُدبر بحركتها في نفسها،

стр. 302

ولم يكن قبلها حركة ندبرها، فسقطت صورتها. ولما كانت في أخذت خبأ، ورأيت دفئاً ثابتة الحركة، لا يزيلها الوقف، وجب أن تدبر بحركتها في نفسها، فتجعل ألفان ثم اجتمعت ألفان، الألف التي هي صورة الهمزة، والألف التي هي بدل من التنوين، فحذفت إحداهما. قيل له هذا الاعتلال ممكن أن يعلل به. ولكن لا يخلو صاحب هذا الاعتلال من أن يكون حذف الألف التي هي صورة الهمزة، أو حذف التي هي بدل من التنوين. فلا يجوز أن تحذف التي هي بدل من التنوين عند أحد علمناه. فصح ن المحذوفة هي صورة الهمزة. فقد آل الأمر في التعليلين جميعاً أن الهمزة في خبء ودفء لا صورة لها في حال النصب والتنوين، كما لم يكن لها صورة في الرفع والخفض. ومع الألف واللام. وأن الألف المرئية في الخط إنما هي المبدلة من التنوين. باب ما يذكر ويؤنث قال في هذا الباب: (الموسى، قال الكسائي: هي فُعلى. وقال غيره: هو مفعل من أوسيت رأسه: إذا حلقته، وهو مذكر إذا كان مفعلاً، ومؤنث إذا كان فعلى). (قال المفسر): كون موسى على وزن مفعل، لا يمتنع من أن تكون مؤنثة، وتكون من الأسماء التي لا علم فيها للتأنيث، كالقوس،

стр. 303

والأرض، والشمس، ونحوها. وأحسب من أنكر كونها مؤنثة إذا كانت مفعلاً، توهم أنها لو كانت مؤنثة للزم أن يكون فيها علامة تأنيث، كما تقول: امرأة مكرمة، ولا يجوز امرأة مكرم. وهذا لا يجب، لأن موسى ليست بصفة جارية على فعل، فيلزم أن تلحقها الهاء. إنما هي اسم للدلالة التي يلحق بها، وهي مشتقة من أوسيت رأسه: إذا حلقته. وقيل: هي مشتقة من أسوت الشيء: إذا أصلحته. فأما على قول الكسائي، فيلزم أن تكون مؤنثة لا غير، لأن (فُعلى) في كلام العرب لا تكون ألفها لغير التأنيث. وتنوين العرب لها دليل على أنها لغير التأنيث، وأن ما قاله الكسائي من أن وزنها فعلى غير صحيح. وكان الكسائي يرى أنها مشتقة من ماس يميس: إذا تبختر. باب أوصاف المؤنث بغير هاء قال في هذا الباب: (وما كان على (مُفعل) فيما لا يوصف به مذكر، فهو بغير هاء، نحو امرأة مرضع، ومقرب، وملبن، ومشدن، ومطفل، لأنه لا يكون هذا في المذكر. فلما لم يخافوا لبسا، حذفوا الهاء فإذا أرادوا الفعل قالوا: مرضعة ...). (قال المفسر): هذا الذي قاله مذهب كوفي. وأما البصريون فيرون أن هذه الصفات كلها جاءت على معنى النسب، لا على الفعل.

стр. 304

والمعنى عندهم: ذات إرضاع، وذات إقراب، وذات ألبان، ونحو ذلك. ويدل على صحة قولهم، واستحالة قول الكوفيين، أنا وجدنا صفات كثيرة يشترك فيها المذكر والمؤنث بغير هاء، كقولهم رجل عاشق، وامرأة عاشق، ورجل حاسر، وامرأة حاسر، وفرس ضامر، ومهرة ضامر. فلو كانت العلة ما قالوه، للزم هذه الصفات التأنيث، قال ذو الرمة: ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي سافرا كاد يبرق وقال الأعشى: عهدي بها في الحي قد سربلت ... هيفاء مثل المهرة الضامر وقد خلط ابن قتيبة في كتابه المتقدم بين المذهبين جميعاً، لأن قوله في صدر الكلام: "وما كان على (مفعل) مما لايوصف به المذكر، فهو بغير هاء: مذهب كوفي. وقوله في آخر اللام: "فإذا أرادوا الفعل قالوا مرضعة، مذهب بصري، لأن إثباتهم الهاء إذا أرادوا الفعل، دليل على أن حذفهم إياها بناء للصفة على غير الفعل، وهذا رجوع إلى قول البصريين.

стр. 305

باب المستعمل في الكتب والألفاظ من الحروف المقصورة ذكر في هذا الباب أسماء مقصورة، أولها: (الهوى هوى النفس). وآخرها "مكاناً سوى" ثم قال بإثر ذلك: (هذا كله يكتب بالياء). (قال المفسر): وليس الأمر كما قال، لأنه ذكر في الجملة أسماء لا يجوز أن تكتب إلا بالألف، وأسماء يجوز فيها الأمران جميعاً. فمما لا يكتب إلا بالألف، الشجا في الحلق، والشجا: الحزن. لأنه يقال: شجوته أشجوه. وإنما غلط في ذلك لقولهم: شجى يشجى، وهو لا يعتد به، لأن أصل الياء فيه واو انقلبت ياء، لانكسار ما قبلها. ومنها: الخنا، لأنه يقال: خنا يخنو، وأخنى يخنى: إذا أفحش. ومنها: الحفا، لأنهم قالوا: الحفوة بالواو، وقد حكى حفية بالياء، وأصلها الواو، فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. ولم يحفل بالساكن، لأنه حاجز غير حصين. ومنها: النسا؛ لأنه قد ذكر بعد هذا أنه يثني نسوان ونسيان. وهذا يوجب أن يكتب بالياء وبالألف.

стр. 306

ومنها: الحشا: يكتب بالياء وبالألف، لأنه يقال في تثنيته: حشوان وحشيان، ذكر ذلك يعقوب وغيره. ثم قال ابن قتيبة ومما يكتب بالألف، وذكر فيما ذكر: خسا وزكا، فأما (زكا) فصحيح. وأما خسا، فذكره الخليل في باب الخاء والسين والياء. وهذا يوجب أن يكتب بالياء. وزعم الفراء أنه يكتب بالألف، لأن أصله الهمز وأحسب ابن قتيبة عول على قول الفراء. وذكر أيضاً: "الصغا: ميلك إلى الرجل". وهذا يجب أن يكتب بالياء وبالألف، لأنه قد ذكر بعد هذا في الكتاب أنه يقال: صفوت وصفيت. وذكر "قطا ولها" وهما يكتبان بالألف والياء، لأن الكسائي حكى أن العرب تقول: قطوات وقطيات، ولهوات ولهيات. والواو في هذين الحرفين أشهر من الياء، وما حكاه الكسائي نادر لا يلتفت إلى مثله. وذكر أيضاً: "شجر الغضا". وذكر الخليل الغضا في باب الغين والضاد والياء، وقال: يقال لمنبته: الغضياء، مثل الشجراء، وهذا يوجب أن يكتب بالياء، وكذا قال ابن جني.

стр. 307

باب أسماء يتفق لفظها وتختلف معانيها قال في هذا الباب: "الصبي من الصغر: مقصور بالياء. والصباء من الشوق: ممدود." وقال بعد هذا بألفاظ يسيرة: (والعدى: الأعداء: مقصور، بالياء." (قال المفسر): لا فرق بين الصبا والعدا في القياس، لأنهما كليهما من بنات الواو. ويقال: صبا يصبو، وعدا يعدو. فقياسهما أن يكتبا بالألف. وقد خلط ابن قتيبة في هذا الباب بين مذهب البصريين والكوفيين، ولم يلتزم قياس واحد منهم. فأخذ في الصبا بمذهب الكوفيين، وفي العدا بمذهب البصريين. ولا خلاف بين البصريين والكوفيين في أن الاسم الثلاثي المفتوح الأول، نحو الصفا والفتى، ينظر إلى أصله، فإن كان من ذوات الواو كتب بالألف، وإن كان من ذوات الياء كتب بالياء. واختلفوا في الثلاثي المكسور الأول والمضموم. فالبصريون يجرون ذلك مجرى المفتوح الأول، والكوفيون يكتبون كل ثلاثي مكسور الأول أو مضمومه بالياء، ولا يراعون أصله، وليست بأيديهم حجة يتعلقون بها فيما أعلم، غير أن الكسائي قال: سمعت العرب تثنى كل اسم ثلاثي مضموم الأول أو مكسوره بالياء، إلا الحمى والرضا فإني سمعتهم يقولون فيهما: حموان وحميان، ورضوان ورضيان. واحتج قوم منهم

стр. 308

لذلك، بالكسر الذي في أولهما، ولو كان الكسر يوجب التثنية بالياء، لم يثن الهدى والضحى بالياء على أصولهم ولو جب أن يقال: هدوان وضحوان. فالقياس الصحيح في هذا أن يجري مجرى المفتوح الأول في أن يُنظر إلى أصله. ولو كانت العرب تثنى كل مضموم ومكسور بالياء، لم يخف ذلك على البصريين، وإن كان الكسائي سمع ذلك من بعض العرب، فليس يجب أن يجعل ذلك حجة وقياساً على سائرهم. ومن النحويين من يرى أن يكتب كل هذا بالألف، حملا للخط على اللفظ، وهو الذي اختاره أبو علي في مسائله الحلبية. باب حروف المد المستعمل قال في هذا الباب: "الإساء: الأطباء" ذكره في الممدود المكسور الأول. وأنكر ذلك أبو علي البغدادي وقال: إنما هو الأساء، بضم الهمزة. فأما الإساء بالكسر فإنه الدواء. وقال أبو بكر بن القوطية: لا وجه لإنكار أبي علي لهذا، وآسٍ وإساء: بالكسر صحيح، كما قالوا: راع ورعاء. ثم رجع أبو علي بعد ذلك عن قوله، فحكى في كتابه في المقصور والممدود: والإساء: جمع الآسي. ذكره عن ابن الأنباري عن الفراء.

стр. 309

باب ما يُقصر فإذا غير بعض حركات بنائه مُد قال في هذا الباب: "والبؤسي، والعليا، والرغبى، والضحى، والعلى: كل ذلك إذا ضم أوله قصر وكتب بالياء، إلا العليا". (قال المفسر): كتابة الضحى والعُلى بالياء: مذهب كوفي. وقد ذكرنا مذهب البصريين والكوفيين. ومن كتب العلا بالياء، أقرب إلى القياس ممن كتب الضحى بالياء. لأن العُلا يمكن أن يكون جمع عليا، كما قالوا: الصغرى والصغر. وأصل الياء في العليا واو، فكأنهم بنوا الجمع على الواحد. وإذا كان العلى اسما مفرداً لا جمعا، فإن كتابته بالياء بعيدة في القياس. والدليل على أنه يكون اسماً مفرداً لا جمعاً، أنهم يفتحون أوله ويمدونه، فيقولون: العلاء، ولو كان جمعاً لم يجز فيه ذلك. باب الحرفين [اللذين] يتقاربان في اللفظ والمعنى ويختلفان فربما وضع الناس أحدهما موضع الآخر قال في هذا الباب: "الحمل: حمل كل أنثى، وكل شجرة. قال الله تعالى: (حملت حملاً خفيفاً). والحمل: ما كان على ظهر الإنسان".

стр. 310

(قال المفسر): هذا قول يعقوب ومن كتابه نقله. وقد رد على يعقوب، فكان ينبغي لابن قتيبة أن يجتنب ما رد عليه. ولا خلاف بين اللغويين في أن حمل البطن مفتوح، وأن الحمل الذي على الظهر مكسور. فأما حمل الشجرة ففيه الفتح والكسر. أما الفتح فلأنه شيء يخرج منها، فشبه بحمل البطن، وأما الكسر، فلأنه مرتفع عليها، فشبه بحمل الظهر والرأٍ. واختلف الرواة فيه عن أبي عبيدة، فروى أبو عبيد: حمل النخلة والشجرة: ما لم يكثر ويعظم، فإذا كثر وعظم فهو حمل بالفتح. وكذلك روى عنه أبو حنيفة وقال: ما أنه (لم يكثر). وروى غيرهما عنه أنه قال: الحمل إذا كان في البطن فهو مفتوح، وإذا كان على العنق فهو مكسور، وكذلك اختلفوا في حمل الشجرة. [٢] مسألة: وقال في هذا الباب، "وعدل الشيء بفتح العين، مثله. قال

стр. 311

الله (أو عدل ذلك صياماً). وعدل الشيء بكسر العين زنته". (قال المفسر): قد اختلف اللغويون في العَدل والعِدل. فقال الخليل: عدل الشيء (بالفتح): مثله وليس بالنظير. وعدله (بالكسر): نظيره. وقال الفراء العدل بفتح العين ما عادل الشيء من غير جنسه. والعدل (بالكسر): المثل. وذلك أن تقول: عندي عدل عبدك وشاتك، إذا كان عبدك يعدل عبده وشاتك تعدل شاته. فإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين وربما قال بعض العرب عدله: فإنه منهم غلط لتقارب معنى العدل والعدل. وقد أجمعوا على واحد الأعدال أنه عدل بالكسر. وقال ابن دريد: العدل بالتفح من قول عدلت الشيء بالشيء إذا جعلته بوزنه. والعدل بالكسر العِكم يعدل بمثله. [٣] مسألة: وقال في هذا الباب: "والسداد في المنطق والفعل بالفتح، وهو افصابة. والسداد بالكسر: كل شيء سددت به شيئاً، مثل سداد

стр. 312

القارورة، وسداد الثغر أيضاً. ويقال أصبت سداداً من عيش. أي ما تسد به الخلة، وهذا سداد من عوز". (قال المفسر): قد قال في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما: "ويقولون سداد، والأجود سداد. وقال في كتاب أبنية الأسماء: "سداد من عوز، وسداد"، فسوى بين اللغتين. [٤] مسألة: وقال في هذا الباب: "القوام بكسر القاف: ما أقامك من الرزق". (قال المفسر) قد قال في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما: ويقولون ما قوامي إلا بكذا (بالفتح) والأجود ما قوامي بالكسر. وقال في باب فَعالٍ وفعالٍ من كتاب الأبنية قوام وقوام، فأجاز اللغتين. [٥] مسألة: وقال في هذا الباب: "وليل تمام بالكسر لا غير، وولد تمام بالنصب وقمر تمام بالفتح والكسر".

стр. 313

(قال المفسر): يجوز في الولادة: تمام، وتمام بالفتح والكسر. كما يجوز في القمر سواء. ولا أدري لم فرق بينهما. وقد ذكر ابن قتيبة في أبنية الأسماء من تكابه هذا: ولد تمام، وتمام. فأجاز الوجهين جميعاً، بخلاف ما قاله هنا. وكذلك يروى قول الشاعر: تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام بالفتح والكسر. وأنكر أبو علي البغدادي عليه في هذا الموضع شيئاً آخر غير ما أنكرناه نحن فقال الصحيح: ولد المولود لتمام وتمام. وأما ولد تمام، على الصفة، فلا أعرفه. وهذاالذي قاله أبو علي هو المعروف. والذي قاله ابن قتيبة غير مدفوع، لأن التمام مصدر، والمصادر لا ينكر أن يوصف بها، كما قيل رجل عدل ورضا ونحو ذلك. فالذي عارض به لا يلزم ابن قتيبة. [٦] مسألة: وقال في هذا الباب: "الولاية: ضد العداوة. قال الله تعالى (ما لكم من ولايتهم من شيء) والولاية من وليت الشيء".

стр. 314

(قال المفسر): قد ذكر في باب فَعالة وفِعالة من كتاب الأبنية أنه يقال: (الولاية والولاية، من الموالاة، فأجاز الفتح والكسر. وقد قرأت القراء: (ما لكم من ولايتهم من شيء)، وولايتهم. [٧] مسألة: وقال في هذا الباب: "واللحن، بفتح الحاء: الفطنة. يقال: رجل لحن، واللحن، بالسكون: الخطأ في القول والكلام. (قال المفسر): الفتح والتسكين جائزان في كل واحد منهما، غير أن الفتح في الفطنة أشهر، وتسكين الحاء في الخطأ أشهر. وقد زعم الكوفيون أن كل اسم كان على مثال فعل وعين الفعل منه حرف من حروف الحلق، فالفتح فيه والسكون جائزان معاً، كالنهر والنهر والشعر الشعر. وأهل البصرة يجعلونه موقوفاً على السماع، وهو الصحيح. باب الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها [١] مسألة: قال في هذا الباب: "المنسر: جماعة من الخيل بفتح الميم وكسر السين. والمنسر بكسر الميم وفتح السين: منقار الطائر."

стр. 315

(قال المفسر): هذا قول أكثر اللغويين. وأما الأصمعي فقال، منسر في الخيل. والمنقار بكسر الميم وفتح السين. وقال ابن سيده: المنسر والمنسر من الخيل: ما بين الثلاثة إلى العشر. [٢] مسألة: وقال في هذا الباب: "البوص: السبق والفوت. والبوص: اللون والبوص بالضم العجز". (قال المفسر): قد حكى بعد هذا في كتاب الأبنية: أنه يقال للعجز بوص، وبوص، بالفتح والضم، فافهم. باب المصادر المختلفة عن الصدر الواحد [١] مسألة: قال في هذا الباب: "قالوا: وجدت في الغضب موجدة، ووجدت في الحزن وجدا، ووجدت الشيء وجداناً ووجوداً. وافتقر فلان بعد وُجد، بضم الواو".

стр. 316

(قال المفسر): قد قال بعد هذا في باب ما جاء فيه ثلاث لغات من [بنات الثلاثة]، الوجد والوُجد والوِجد: من المقدرة، فأجاز فيها الفتح، والضم، والكسر. وكذلك قال يعقوب، وباللغات الثلاث قرأ القراء: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدكم). [٢] مسألة: وقال في هذا الباب: "وجب القلب وجيبا ووجبت الشمس وجوباً، ووجب البيع جبة". (قال المفسر): قد حكى ثلب في البيع وجوباً وجبة. [٣] مسألة: وقال في هذا الباب: "أويت له مأوية وأية: أي رحمته وأويت إلى بني فلان آوى أويا. وآويت فلاناً إيواء".

стр. 317

(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى: "أويته وآويته: بمعنى، وأويت إلى فلان: مقصور لا غير". [٤] مسألة: قال في هذا الباب: "سكرت الريح تسكر سكوراً: أي سكنت بعد الهبوب، وسكرت البثق أسكره سكرا: إذا سددته، وسكر الرجل يسكر سكراً وسكراً". (قال المفسر): هذا مخالف لترجمة الباب، لأنه ترجم الباب بالمصادر المختلفة عن الصدر الواحد، وهذان صدران مختلفان، أحدهما: فعل مفتوح العين، والثاني فعل مكسور العين. فإن احتج له محتج بأنه أراد أنهما فعلان متفقان في أنهما ثلاثيان وإن اختلفا في كسر العين وفتحها، انتقض عليه ذلك. فإنه قد ذكر في هذا الباب: بلى وأبلى، وحمى وأحمى، وسفر وأسفر، ونزع ونازع، وعجز وعجز. وهذه كلها صدور مختلفة، بعضها ثلاثي وبعضها رباعي وبعضها أكثر من ذلك.

стр. 318

وقد ذكر أيضاً في هذا الباب: "فرس" جواد: بين الجودة والجودة، وهذا مصدر لا صدر له. والذي ينبغي أن يعتذر له به، أن يقال: إنها وإن اختلفت أوزانها، فهي مشتقة من أصل واحد، وبعضها متشبث ببعض، فلم يمكن أن يُذكر واحد منها دون صاحبه. [٥] مسألة: وقال في هذا الباب: "غار الماء يغور غوراً، وغارت عينه تغور غئوراً وغار على أهله يغار غيرة، وغار أهله: بمعنى مارهم يغيرهم غياراً. وغار الرجل: إذا أتى الغور وأنجد بالألف. وغارني الرجل يغيرني ويغورني: إذا أعطاك الدية، غيرة. وجمعها: غير". (قال المفسر): قد قالوا: غارت الشمس غئوراً وغياراً. قال امرؤ القيس: فلما أجن الشمس عني غيارها ... نزلت إليه قائماً بالحضيض وقال أبو ذؤيب: هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها وقد حكى ابن قتيبة في كتاب الأبنية: الغير، والغار في الغيرة. وأنشد لأبي ذؤيب:

стр. 319

لهن نشيج بالنشيل أنها ... ضرائر حرمى تفاحش غارها وقد قالوا: غرت في الغار والغور أغور غوراً وغئوراً. حكاه اللحياني، وحكى أيضاً: أغار بالألف: إذا أتى الغور، وكان يروى بيت الأعشى: نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا وكان الأصمعي لا يجيز أغار، وكنا يروى بيت الأعشى: لعمري غار في البلاد وأنجدا وعلى قوله: عول ابن قتيبة: وكان ينبغي لابن قتيبة أن يذكر أغار هاهنا مع غار، كام ذكر أحمي مع حمى، وأبلى مع بلى، فتركه ذلك إخلال برُتبه الكتاب.

стр. 320

[٦] مسألة: وقال في هذا الباب: "وقبلت المرأة القابلة قِبالة". (قال المفسر): وهذا غير معروف، إنما المعروف قبلت القابلة الولد قبالة: أخذته من الوالدة، كذا حكى اللغويون. وأغفل أيضاً، قبل الرجل الشيء، بفتح الباء، قبالة، بفتح القاف: إذ ضمنه، فهو قبيل. [٧] مسألة: وقال في هذا الباب: "خطبت المرأة خطبة حسنة، وخطبت على المنبر خطبة. الأولى بالكسر، والثانية بالضم، وجعلهما جميعاً مصدرين". (قال المفسر): قال أبو العباس ثعلب: الخطبة بالكسر: المصدر، والخطبة بالضم: اسم ما يخطب به. وقال ابن درستويه: الخطبة والخطبة: اسمان، لا مصدران، ولكنهما وضعا موضع المصدر. ولو استعمل مصدراهما على القياس لخرج مصدر ما لا يتعدى فعله منهما على (فعول)، فقيل خطب خطوباً، ولكان مصدر المتعدى منهما على (فعل) كقولك: خطبت المرأة خطباً، ولكن ترك استعمال ذلك لئلا يلتبس بغيره، ووضع غيره في موضعه، مما يغني عنه، ولا يلتبس بشيء.
следующие страницы →