Полный текст (952 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: ودابة فيها قماص، ولا يقال قماص".
(قال المفسر): الضم والكسر جائزان، ذكر ذلك غير واحد.
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "تمر شهريز وسهريز، بالكسر ولا يضم أولهما".
(قال المفسر) أما الذي بالشين معجمة فلا أحفظ فيه غير الكسر. وأما الذي بالسين غير معجمة، فإن أبا حنيفة حكى فيه الكسر والضم، وحكى نحو ذلك اللحياني وذكر أنه يقال: تمر سهريز على الصفة وتمر سهريز على الإضافة، وكذلك بالشين معجمة.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: "نحن في العلو وهم في السفل".
(قال المفسر) الضم والكسر فيهما جائزان والضم فيهما أشهر من الكسر.
باب
ما جاء على فعلت (بكسر العين) والعامة تقوله على فعلت (بفتحها)
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "صدقت في يمينك وبررت بها".
стр. 387
(قال المفسر): حكى ابن الأعرابي: صدقت وبررت، فوردا بالفتح والكسر. فأما بررت والدي فلا أعرف فهي لغة غير الكسر.
باب
ما جاء على فعلت (بفتح العين) والعامة تقوله على فعلت (بكسرها)
قال في هذا الباب: "نكلت عن الشيء أنكل نكولاً، وحرصت على الأمر أحرص حرصاً".
(قال المفسر): حكى ابن درستويه في شرح الفصيح: أنه يقال نكلت وحرصت، بالكسر.
وحى ابن القوطية في حرصت الفتح والكسر، في كتاب الأفعال، ولم يذكر نكلت.
باب
ما جاء على فعلت (بفتح العين) والعامة تقوله على فعلت (بضمها)
قال في هذا الباب: "البصريون يقولون: حمض الخل وطلقت المرأة لا غير".
(قال المفسر): هذا يدل على أن الكوفيين يجيزون الفتح والضم. وإذا كان كذلك، فلا وجه لإدخال ذلك في حلن العامة، ومع ذلك فقد حكاه يونس، وهو من جملة البصريين.
وكذلك ذكر: خثر اللبن يخثر، وشحب لونه يشحب في هذا الباب، ولا وجه لذلك، لأن الضم والفتح جائزان فيهما، وقد حكى ذلك
стр. 388
في موضع آخر من كتابه هذا، وذكر يعقوب أن خثر، بكسر الثاء: لغة ثالثة.
باب
ما جاء على يفعل (بضم العين) مما يغير
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "همعت عينه تهمع وكهن الرجل يهن".
(قال المفسر): الفتح جائز فيهما جميعاً.
[٢] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "نكل عن الأمر ينكل".
(قال المفسر): قد ذكرنا أن نكلت، بكسر الكاف: لغة ذرها ابن درستويه، فينبغي أن يقال في المستقبل من هذه اللغة: أنكل، بالفتح.
[٣] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "در له الحلب يدر".
(قال المفسر): الكسر فيه جائز، وهو أقيس من الضم، لأنه قد قال بعد هذا في الكتاب: أنكل ما كان على فعلت، بفتح العين، من ذوات التضعيف، غير متعد، فالعين من فعله المستقبل مكسورة، إلا ألفاظاً شذت، فجاءت بالضم.
стр. 389
باب
ما جاء على يفعل بكسر العين مما يُغير
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "نعر ينعر، من الصوت. وزحر يزحر، ونحت ينحت، وبغمت الظبية تبغم".
(قال المفسر): الفتح جائز في هذه الأفعال كلها، وقد حكى في بغمت الظبية ضم الغين في المستقبل وكذا قرأناه في الغريب المصنف.
[٢] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "نشرت الثوب أنشره".
(قال المفسر): الضم فيه أشهر من الكسر.
[٣] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "أبق يابق".
(قال المفسر): قد حكى بعد هذا في باب فعل يفعل ويفعل أنه يقال: أبق يأبق ويأبق، ونسى ما قاله هاهنا.
[٤] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "نعق بالشاء ينعق".
(قال المفسر): الفتح فيه أيضاً جائز.
стр. 390
[٥] مسألة:
وذكر: "هررت الحرب أهرها".
(قال المفسر): الضم فيه أقيس من الكسر. وقد قال بعد هذا أن ما انك على فعل مفتوح العين من المضاعف متعدياً، فقياس مستقبله أن يكون مضموم العين، إلا ألفاظاً شذت عما عليه الأكثر.
باب
ما جاء على يفعل (بفتح العين) مما يغير
قد ذكر في هذا الباب: "شم يشم، وعسر على الأمر يعسر".
(قال المفسر): أما شم يشم فقد ذكر بعد هذا في باب فعل يفعل ويفعل: شم يشم ويشم، ونسي ذلك في هذا الموضع.
وله في هذه اللفظة غلط آخر، نذكره إذا انتهينا إلى بابه إن شاء الله تعالى.
وأما عسر يعسر ففيه لغتان: عسر يعسر فهو عسر، مثل حذر يحذر فهو حذر، وعسر يعسر فهو عسير، على وزن ظرف يظرف فهو ظريف.
стр. 391
باب
ما جاء على لفظ ما لم يسم فاعله
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "عنيت بالشيء، فأنا أعنى به، ولا يقال: عنيت".
(قال المفسر) قد حكى ابن الأعرابي: عنيت بأمره أعنى، وأنابه عان، على مثال: خشيت أخشى، وأنا خاش، والذي قاله ابن قتيبة هو المعروف وهذا نادر، وأنشد ابن الأعرابي
عان بآخرها طويل الشغل ... له حفيران وأي نبل
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "بُهت الرجل. وحكى عن الكسائي: بهت بكسر الهاء وبهت، على صيغة ما لم يسم فاعله.
(قال المفسر): يقال: بهت على صيغة ما لم يسم فاعله، وبهت بكسر الهاء وفتح الباء على مثال علمت. وبهت بضم الهاء على مال ظرف، وبهت بفتح الهاء على مثال رددت، حكى ذلك ابن جني.
стр. 392
باب
ما ينقص منه ويزاد فيه، ويبدل بعض حروفه بغيره
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "هو السرجين، بكسر السين والجيم. قال الأصمعي: هو فارسي، ولا أدري كيف أقوله، فأقول: الروث".
(قال المفسر): قد حكى أبو حنيفة في كتاب النبات: انه يقال سرجين وسرقين بالجيم والقاف، وفتح السين وكسرها، وسرجنت الأرض وسرقنتها، وهي لفظة فارسية. ولذلك جاءت مخالفة كلام العرب؛ لأنه ليس في كلام العرب فعليل ولا فعلين، بفتح الفاء، وهذا كقولهم: آجر وسيسنبر وشاهسفرم ومرزجوش ومرزنجوش، ونحو ذلك من الألفاظ المعربة، المخالفة لأمثلة الكلام العربي، وهي كثيرة.
ورأيت ابن جني قد قال في بعض كلامه: الوجه عندي أن تكسر الشين من شطرنج، ليكون على مثال جردحل، وهذا لا وجه له. وإنما كان يجب ما قاله هنا، لو كانت العرب تصرف لك ما تعربه من الألفاظ العجمية إلى أمثلة كلامها. وإذا وجدنا فيما عربوه أشياء كثيرة مخالفة لأوزان كلامهم، فلا وجه لهذا الذي ذكره، وقد ورد من ذلك ما لا أحصيه كثرة، ومنه قول الأعشى.
стр. 393
لنا جلسان عندهم وبنفسج ... وسيسنبر والمززجوش منمنما
وآس وخيرى ومرو وسوسن ... إذا كان هنزمن ورحت مخشما
وشاهسفرم والياسمين ونرجس ... يصبحنا في كل دجن تغيما
ومستق بينين وعود وبربط ... يجاوبه صنج إذا ما ترنما
وقال لبيد:
فخمة ذفراء ترقى بالعرا ... قردمانيا وتركا كالبصل
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب:"وهي القاقوزة، والقازوزة، ولا يقال: قاقزة".
(قال المفسر): الذي أنكره ابن قتيبة ولم يجزه هو قول الأصمعي.
قال الأصمعي: هي القاقوزة، ولا أعرف قاقزة. وهي لفظة فارسية عربت، فلذلك كثر الاختلاف في حقيقة اللفظ بها.
стр. 394
[٣] مسألة
وقال في هذا الباب:"هي البالوعة".
(قال المفسر): قد حكى ابن درستويه: بالوعة وبواليع، وبولعة وبلاليع. وهو الذي أنكره ابن قتيبة.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقال: شتان ما هما بنصب النون، ولا يقال ما بينهما، وأنشد للأعشى:
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر
قال: وليس قول الآخر:
(لشتان ما بين اليزيدين في الندى) بحجة.
(قال المفسر): هذا قول الأصمعي، وإنما لم ير البيت الثاني حجة، لأنه لربيعة الرقى، وهو من المحدثين. ولا وجه لإنكاره إياه، لأنه صحيح في معناه، وهو في مبنى لفظه، تكون (ما) فاعلة بشتان، كأنه قال بعد الذي بينهما، وهي في بيت الأعشى زائدة، وقد أنكر الأصمعي أشياء كثيرة، كلها صحيح، فلا وجه لإدخالها في لحن العامة من أجل إنكار الأصمعي لها.
стр. 395
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب:"ويقال: هذا ماء ملح، ولا يقال: مالح. قال الله تعالى: (هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج). ويقال: سمك مليح، ومملوح، ولا يقال: مالح. وقد قال عذافر، وليس بحجة
بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها المالح والطريا
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة قد قال مثله يعقوب وأبو بكر بن دريد وغيرهما ورواه الرواة عن الصمعي وهو المشهور من كلام العرب. ولكن قول العامة لا يعد خطأ. وإنما يجب أن يقال: إنها لغة قليلة، وقد قال ابن الأعرابي: يقال: شيء مالح، كما قالوا: شيء حامض، وقال أيضاً: الحمض كل شيء مالح له أصل، وليس على ساق، وروى الأثرم عن أبي الجراح الأعرابي: الحمض: المالح من الشجر والنبت. وقد قال جرير يهجو آل المهلب:
آل المهلب جذ الله دابرهم ... أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتروا كنعدا من مالح جدفوا
وقال غسان السليطي:
وبيض غذاهن الحليب ولم يكن ... غذاهن نينان من البحر مالح
أحب إلينا من أناس بقرية ... يموجون موج البحر والبجر جامح
стр. 396
وأنشد أبو زياد الكلابي، قال: أنشدني أعرابي فصيح:
صبحن قوا والحمام واقع ... وماء قو مالح ونابع
وإنما لم ير الأصمعي عذافر حجة، لأنه كان حضرياً غير فصيح، وعذافر وإن كان غير فصيح كما قال، فقد جاء مالح فيما قدمنا ذكره، وقد جاء في خبر عذافر الذي من أجله قال هذا الرجز ما فيه حجة.
حكى أبو زياد الكلابي قال: أكرى رجل من بني فقيم رجلاً من أهل البصرة وامرأة له يقال لها: شعفر [والبصري رجل من بني حنيفةن وامرأته من بني حنيفة، عربيان، وذكر خبراً طويلا] ثم قال:
فقال الفقيمي:
لو شاء ربي لم أكن كريا ... ولم أسق لشعفر المطيا
بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها المالح والطريا
قال: فاندفع الحنفي يقول:
قد جعل الله لنا كريا ... مقبحاً ملعنا شقيا
أكريت خرقا ماجدا سريا ... ذا زوجة كان بها حفيا
يطعمها المالح والطريا ... وجيد البر لها مقليا
فقد قال الحنفي مالحاً، كما قال عذافر، وهو الفقيمي، واتفقا على ذلك.
стр. 397
وقد حكى ابن قتيبة في باب فعل وأفعل باتفاق المعنى: ملح الماء وأملح، بضم اللام منملح، فينبغي على هذا أن يقال: ماء مليح ومملح، ولا يستنكر أن يقال من هذا ماء مالح، على معنى النسب، كما قالوا: أدرس الشجر فهو دارس، وأبقل المكان فهو باقل.
وأما قولهم: سمك مالح، فلولا الرواية وما أنشدناه من الأشعار المتقدمة، لكان قياسه ألا يجوز، لأنه يقال: ملحت الشيء: إذا جعلت فيه الملح بقدر، فإن أكثرت فيه من الملح قلت: أملحت. فالقياس أن يقال: سمك مالح ومملوح، فإن أكثر فيه من الملح قيل سمك مملح. فأما ما حكوه من قولهم سمك مالح فينبغي أن يكون من المنسوب الذي يأتي فيه المفعول على لفظ فاعل، كقولهم: ماء دافق، وعيشة راضية، ونحو ذلك.
وحكى على بن حمزة عن بعض اللغويين: أنه يقال: ماء ملح. فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة، قال: ولا يقال ماء مالح، لأن الماء هو الملح بعينه، وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس، لأن صفة الماء بأنه مالح، أقرب إلى القياس من وصف السمك، لأنهم قالوا: ملح الماء وأملح، فأسندوا إليه الفعل، كما يسند إلى الفاعل. ولم يقل ملح السم. إنما قالوا: ملحت السمك: إذا جعلت فيه الملح.
[٦] مسألة:
قال في هذا الباب: "ويقال قد فاظ الميت يفيظ فيظا ويفوظ فوظا هذا رواه الأصمعي، وأنشد لرؤبة - لا يدفنون فيهم من فاظا.
стр. 398
قال: ولا يقال: فاظت نفسه، وحكاها غيره. قال: ولا يقال: فاضت إنما يفيض الماء والدمع، وأنشد الأصمعي:
كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذا ثوى حشو ريطة ويرود
فذكر النفس وجاء بأن مع كاد".
(قال المفسر): كان الأصمعي لا يجيز فاظت نفسه لا بالظاء ولا بالضاد، وكان يعتقد في قول الشاعر (كادت النفس أن تفيظ عليه أنه شاذ أو ضرورة اضطر إليها الشاعر.
فقيل للأصمعي، قد قال الراجز:
اجتمع الناس وقالوا عرس ... ففقئت عين وفاضت نفس
فقال الأصمعي: ليست الرواية هكذا، وإنما الرواية: وطن الضرس.
وقال بعض اللغويين: يقال: فاظ الميت (بالظاء). فإذا ذكرت النفس قيل فاضت نفسه (بالضاد)، يشبه خروجها بفيض الإناء، وحكى مثل ذلك أبو العباس المبرد في الكامل.
قال أبو العباس: وحدثني أبو عثمان المازني، أحسبه عن أبي زيد قال كل العرب يقولون: فاضت نفسه بالضاد. إلا بني ضبة،
стр. 399
فإنهم يقولون: فاظت نفسه بالظاء، وإنما الكلام الفصيح فاظ بالظاء: إذا مات.
[٧] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال: هو أخوه بليان أمه، ولا يقال بلبن أمه، إنما اللبن الذي يُشرب من ناقة أو شاة أو غيرهما من البهائم".
(قال المفسر): قد روى عن رسول الله ﷺ في لبن الفحل أنه يحرم. كذا رواه الفقهاء، وتفسيره: الرجل تكون له المرأة وهي مرضع بلبنه، فكل من أرضعته بذلك اللبن فهو ابن زوجها، محرمون عليه، وعلى ولده من تلك المرأة وغيرها، لأنه أبوهم جميعاً، والصحيح في هذا أن يقال: إن اللبان للمرأة خاصة، واللبن عام في كل شيء.
[٨] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الرزداق، ولا يقال: الرستاق".
(قال المفسر): كذا قال يعقوب. والرستاق صحيح، حكاه غير واحد، وكذا روى بيت ذي الرمة.
فهذا الحديث يامرأ القيس فاتركي ... بلا دتميم والحقي بالرساتق
стр. 400
[٩] مسألة:
وقال في هذا الباب: "جاء فلان بالضح والريح، أي بما طلعت عليه الشمس، وجرت عليه الريح، ولا يقال: الضيح".
(قال المفسر): قد حكى بعض اللغويين أنه يقال: الريح والضيح إتباعاً للريح. والضح والرح بغير ياء: إتباعاً للضح. ذكر ذلك أبو حنيفة. وقال الخليل: الضيح إتباعاً للريح. فإذا أفرد لم يكن له معنى.
[١٠] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وقد عار الظليم يعار عرارا، ولا يقال: عر".
(قال المفسر): قد حكى أبو عبيد في الغريب المصنف عن أبي عمرو: عر الظليم بغير ألف.
[١١] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقال: نثل درعه، ولا يقال: نثرها".
(قال المفسر): نثل ونثر لغتان صحيحتان، ويقال للدرع: نثلة ونثرة. قد حكى ذلك غير واحد من اللغويين.
стр. 401
[١٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "هو مضطلع بجمله: أي قوى عليه، وهو مفتعل من الضلاعة، ولا يقال مطلع".
(قال المفسر): يجوز على مقاييس النحويين، مضطلع ومطلع (بالطاء والضاد). وعلى هذا أنشدوا بيت زهير:
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظطلم
ويطلم (بالطاء غير معجمة، ويظلم بالظاء معجمة، ولذلك أنشدوا قول الآخر:
لما رأى أن لا دعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فاضطجع
ويروى فاضجع وفاطجع (بالطاء غير معجمة)، والكلام في هذا ليس هذا موضعه، فلذلك ندعه.
[١٣] مسألة:
وقال في هذا الباب عن أبي عبيدة: "رجل مشناء: يبغضه الناس، على تقدير مفعال. وكذلك فرس مثناء. والعامة تقول مشنأ".
(قال المفسر): مشنأ بفتح الميم مهموز مقصور: جائز وهو
стр. 402
مصدر جاء على وزن مفعل، كالمعلم والمجهل، فالملك لا يثنى ولا يجمع، فيقال: رجل مشنأ، ورجلان مشنأ، ورجال مشنأ، وكذلك المؤنث. وهو أقيس من مشناء، لأن مفعالاً إنما بابه أن يكون من صفات الفاعل، لا من صفات المفعول، نحو رجل مضحاك: للكثير الضحك، ومضارب للكثير الضرب، فكذلك مشناء: حكه أن يكون للذي يبغض الناس كثيراً. وأما المفعول فحمكه أن يقال فيه مشنوء على مثال مضروب ومقتول، فقولهم: مشناء للمفعول: نادر، خارج عن القياس.
وأما المصدر فقد كثر وصف الفاعل والمفعول به، وأنا أحسب الذي وقع في الدبن والعامة تقول مشناء، مفتوح الميم ممدود. فإذا كان هكذا فهو لحن، لأنه ليس في الكلام مفعال، بفتح الميم.
[١٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: سكران ملطخ: خطأ. إنما هو ملتخ: أي مختلط، لا يفهم شيئاً، لاختلاط عقله".
(قال المفسر): حكى يعقوب في إصلاح المنطق: ملتخ وملطخ: [أي مختلط] ويقال أيضاً: ملتبك، حكاه اللحياني.
стр. 403
[١٥] مسألة:
وقال في هذا الباب. ويقولون: تؤثر وتحمد، والمسموع: توفر وتحمد، من قول: قد وفرته عرضه أفره وفرا".
(قال المفسر): تؤثر وتحمد: صحيح، حكاه يعقوب في القلب والابدال، وذهب إلى أن الثاء بدل من الفاء، وقد يجوز أن يكون ل واحد من الحرفين أصلاً، غير مبدل من الآخر، فيكون توفر من قولك: وفرته ماله ووفرته عرضه، ويكون تؤثر من قولك: آثرته أوثره إيثاراً: إذا فضلته.
[١٦] مسألة:
وقد قال في هذا الباب: "تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها، يذهبون إلى أنها لا تأكل لحم الثدي، وهو خطأ. والصواب ولا تأكل بثدييها أي لا تسترضع، فتأخذ على ذلك الأجرة".
(قال المفسر) أما ما يذهب إليه العامة من أن المعنى لا تأكل لحم الثدي، فهو خطأ، لا وجه له. ولكن يجوز لا تأكل ثدييها على تأويلين: أحدهما: أن يراد أجر ثدييها، أو ثمن ثدييها ويحذف المضاف ويقام المضاعف إلي مقامه. وهذا كثير في الكلام، تغني كثرته عن ذكر أمثلته.
والتأويل الثاني على غير حذف، ويكون المعنى أنها إذا أكلت أجر ثدييها، فكأنها قد أكلت الثديين أنفسهما. ونحو من هذا قول الشاعر:
إذا صب ما في القعب فاعلم بأنه ... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أودعه
يعني رجلاً قُتل أبوه، فأخذ ديته إبلاً، يقول: إذا شربت لبن الإبل التي أخذتها في دية أبيك، فكأنك إنما شربت دمه.
[١٧] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقولون: النقد عند الحافر، يذهبون إلى
стр. 404
أن النقد عند مقام الإنسان، ويجعلون القدم هاهنا الحافر. وإنما هو النقد عند الحافرة: أي عند أول كلمة".
(قال المفسر): قد ذكر بعض اللغويين أن قول العامة: النقد عند الحافر: صحيح، وقال: أصله أن الخيل كانت أفضل ما يباع، فكان الرجل إذا اشترى فرساً قال له صاحبه: النقد عند الحافر، أي عند حافر الفرس في موضعه قبل أن يزول، ثم صار مثلاً في كل شيء لا نظرة فيه، كما قالوا: دفعوه إليه برمته، وأصله في الإبل، ثم صار مثلاً في مالا رمة له، ومثل هذا كثير.
[١٨] مسألة:
وحكى في هذا الباب عن الأصمعي:"رجل دائن: إذا كثر ما عليه من الدين، ولا يقال من الدين دين فهو مدين ولا مديون: إذا كثر عليه الدين، ولكن يقال: دين الملك فهو مدين: إذا دان له الناس."
(قال المفسر): قد حكى الخليل: رجل مدين، ومديون، ومُدان، ودائن، وادان، واستدان، ودان: إذا أخذ بالدين، وأنشد:
إن المدين غمسه طري ... والدين داء كاسمه دوى
[١٩] مسألة:
وقال في هذا الباب: "كساء منبجاني، ولا يقال: أنبجاني. لأنه منسوب إلى منبج، وفتحت باؤه في النسب، لأنه خرج مخرج منظراني، ومخبراني".
стр. 405
(قال المفسر): قد قيل: أنبجاني، وجاء ذلك في بعض الحديث. وقد أنشد أبو العباس المبرد في الكامل في وصف لحية:
كالأنبجاني مصقولاً عوارضها ... سوداء في لين خد الغادة الرود
ولم ينكر ذلك، وليس في مجيئه مخالفاً للفظ منبج، ما يبطل أن يكون منسوباً إليها، لأن المنسوب يرد خارجاً عن القياس كثيراً، كمروزي ورازي، ونحو ذلك.
[٢٠] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الدرياق، وأنشد:"
سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلين عظامي تلن
(قال المفسر): قد حكى أبو حنيفة أنه يقال: ترياق، ودرياق، وطرياق، ودراق، بمعنى واحد، ويقال له أيضاً مسوس. يريدون أنه يمس الداء فيبرأ. ولهذا قالوا: ماء مسوس: يريدون أنه يمس الغلة فتذهب. قال الشاعر:
стр. 406
لو كنت ماء كنت لا ... عذب المذاق ولا مسوسا
ملحا بعيد القعر قد ... فلت حجارته الفؤوسا
[٢١] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب "وهو الحندقوق، نبطي معرب، ولا يقال حندقوقي".
(قال المفسر): حندقوقي: لغة صحيحة حكاها أبو عبيد في الغريب، وحكاها أبو حنيفة وغيرهما
باب
ما يُتكلم به مثنى
قال في هذا الباب: "تقول: اشتريت مقراضين وجلمين. ولا يقال: مقراض ولا مقص، ولا جلم".
(قال المفسر): قد حكى يعقوب: أنه يقال: جلم، وحكى الحليل: أنه يقال مقراض وأنشد أبو تمام في الحماسة لسالم بن وابصة:
داويت صدراً طويلاً غمره حقداً ... منه وقلمت أظفاراً بلا جلم
стр. 407
وقال أعرابي:
فعليك ما اسطعت الظهور بلمتي ... وعلى أن ألقاك بالمقراض
باب
ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "ويقولون: أصابه سهم غرب، والأجود عرب".
(قال المفسر) لم يختلف اللغويون في أنهما لغتان، وإنما اختلفوا في أفصح اللغتين؛ فكان الأصمعي والكسائي يختاران فتح الراء، وهو الذي اختاره ابن قتيبة، وكان أبو حاتم يختار تسكين الراء.
[٢] مسألة:
وقد قال في هذا الباب: "ويقولون للعالم: حبر والأجود حبر".
(قال المفسر): اختار ابن قتيبة كسر الحاء. وكان أبو العباس ثعلب يختار فتح الحاء.
وقد أجاز ابن قتيبة في هذا الباب أشياء كثيرة أنكرها فيما تقدم من الكتاب.
стр. 408
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقولون: بححت والأجود: بححت".
(قال المفسر): كذا وقع في روايتنا عن أبي نصر عن أبي علي: بححت، بحاءين غير معجمتين، من البحح في الحلق، واختار كسر الحاء على فتحها. ووقع في بعض النسخ: ويقولون بجحت بالأمر، والأجود: بجحت (بجيم بعدها حاء غير معجمة). والجيم في اللغة الأولى مضمومة، وفي الثانية مكسورة. وهذا أيضاً صحيح، وقد حكى أبوبكر بن دُريد اللغتين جميعا، ومعناهما: فرحت وسررت.
باب
ما يُغير من أسماء
[١] مسألة:
قال في هذا الباب: "هو وهب مسكن الهاء ولا يفتح".
(قال المفسر): قد قال زهير:
ولا شاركت في الموت في دم نوفل ... ولا وهب منهم ولا ابن المخزم
стр. 409
فيجوز أن يكون حرك الهاء ضرورة. ويجوز أن تكون لغة. وقد قال الكوفيون: كل ما كان وزن فعل وعين الفعل منه حرف من حروف الحلق، فإن الفتح والإسكان جائزان فيه، كالبعر والبعر، والنهر والنهر، والبصريون يجعلونه موقوفاً على السماع، وهو الصحيح.
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو كسرى بكسر الكاف، ولا تفتح".
(قال المفسر): الفتح والكسر فيه جائزان واختلفوا في المختار منهما فكان أبو حاتم يختار الكسر، وكان المبرد يختار الفتح.
[٣] مسألة:
وقال: "وهو دحية الكلبي، بفتح الدال".
(قال المفسر): هذا الذي قاله الأصمعي، وحكى يعقوب. دحية بكسر الدال، فهما لغتان.
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قال الأصمعي: وعند جفينة الخبر اليقين، ولم يعرف جهينة ولا حقينة".
(قال المفسر): قد اختلف العلماء في هذا المثل، فكان الأصمعي
стр. 410
يقول: جفينة بالجيم والفاء، وقال: وهو خمار. وكذلك قال ابن الأعرابي.
وكان أبو عبيدة يقول: حفينة، بحاء غير معجمة، وكان ابن الكلبي يقول: جهينة بالجيم والهاء وهو الصحيح، وذلك أن أصل هذا المثل: أن حصين بن عمر بن معاوية بن كلاب خرج في سفر ومعه رجل من جهينة، يقال له الأخنس بن شريق، فنزلا في بعض منازلهما، فقتل الجهني الكلابي، وأخذ ماله، وكانت لحصين أخت تسمى ضُمرة، فكانت تبكيه في المواسم، وتسأل الناس عنه، فلا تجد من يخبرها بخبره، فقال الأخنس:
وكم من فارس لا تزدريه ... إذا شخصت لمونقه العيون
أذل له العزيز وكل ليث ... حديد الناب مسكنه العرني
علوت بياض مفرقه بعضب ... يطير لوقعه الهام السون
فأضحت عرسه ولها عليه ... هدوا بعد زفرتها أنين
ضمرة إذ تسائل في مراح ... وفي جرم وعلمهما ظنون
تسائل عن حضين كل ركب ... وعند جهية الخبر اليقين
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: وهو الجلودي (بفتح الجيم) منسوب إلى جلود، وأحسبها قرية بإفريقية".
стр. 411
(قال المفسر): كذا قال يعقوب، وقال على بن حمزة البصري: سألت أهل إفريقية عن جلود هذه التي ذكرها يعقوب، فلم يعرفها أحد من شيوخهم، وقالوا: إنما نعرف كدية الجلود، وهي كدية من كدي القيروان. قال: (والصحيح): أن جلود: قرية بالشام معروفة.
[٦] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وفرافصة: بضم الفاء ولا تفتح".
(قال المفسر): حكى أبو حاتم: الفرافصة (بفتح الفاء): اسم رجل، وبضمها: الأسد.
وحكى أبو علي البغدادي في الأمالي، عن أبي بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن أشياخه، قال: كل ما في العرب فرافصة (بضم الفاء)، إلا فرافصة أبا نائلة امرأة عثمان بن عفان، فأته بفتح الفاء لا غير.
[٧] مسألة:
وقال في هذا الباب: "رؤبة بن العجاج بالهمز".
(قال المفسر): قد ذكر في باب المسمين بالصفات، ما في الرؤبة من المعاني وإن كان قد أغفل بعضها، ثم قال بإثر كلامه:
وإنما سمي رؤبة بواحدة من هذه، وهذا يوجب أن (رؤبة) يهمز
стр. 412
ولا يهمز، ومنع هنا من ترك همزه كما ترى، ولا خلاف بين النحويين أن تخفيف الهمزة جائز، وأنه لغة.
[٨] مسألة:
وقال في هذا الباب: "الدول (في حنيفة) بالضم، والدئل في (عبد القيس): بالسر. والدئل في كنانة (بضم الدال وكسر الهمزة)، وإليهم نسب أبو الأسود الدؤلي".
(قال المفسر): هذا الذي ذكره ابن قتيبة هو قول يونس، وأما أبو جعفر بن حبيب فيذكر في كتابه في المؤتلف والمختلف: أن الذي في كنانة: (الدئل) بن بكر بن عبد مناة بن نانة، رهط أبي السود بكسر الدال، كالذي في عبد القيس، وحكى عن محمد بن سلام مثل قول يونس. وذكر السيرافي أن أهل البصرة يقولون: أبو الأسود الدؤلي، (بضم الدال وفتح الهمزة)، وأن أهل الكوفة يقولون: أبو الأسود الديلي (بكسر الدال وياء ساكنة).
[٩] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقولون: بستان ابن عامر، وإنما هو بستان ابن معمر".
(قال المفسر): بستان ابن معمر غير بستان ابن عامر، وليس
стр. 413
أحدهما الآخر. فأما بستان ابن معمر، فهو الذي يعرف ببطن نخلةن وابن معمر هذا هو عامر بن عبيد الله بن معمر التميمي. وأما بستان ابن عامر، فهو موضع آخر قريب من الجحفة. وابن عامر هذا: هو عبد الله بن عامر بن كرز، استعمله عثمان ﵁ على أهل البصرة، وكان لا يعالج أرضاً إلا أنبط فيها الماء. ويقال: إن أباه أتى به رسول الله ﷺ وهو صغير فعوذه وتفل في فيه، فجعل يمتص ريق رسول الله ﷺ فقال: نه لمسقي، فكان لا يعالج أرضاً إلا أنيط فيها الماء.
باب
ما يغير من أسماء البلاد
قال في هذا الباب: "أسمنة: جبل بقرب طِحفة بضم الألف".
(قال المفسر): قد حكى أسنمة بفتح الألف، وهو من غريب الأبنية، لأن سيبويه قال: ليس في السماء والصفات أفعل (بفتح الهمزة)، إلا أن يكسر عليه الواحد للجمع، نحو أكلب وأعبد. وذكر ابن قتيبة أنه جبل، وذكر صاحب كتاب العين أن أسنمة رملة معروفة.
стр. 414
باب
فعلت وأفعلت باتفاق معنى
هذا الباب أجاز فيه ابن قتيبة أشياء كثيرة، منع منها فيما تقدم من كتابه، قد ذكرناها في مواضعها.
وذكر في هذا الباب: "هرقت الماء وأهرقته". وهذا الذي قاله قد قاله بعض اللغويين ممن لا يحسن التصريف، وتوهم أن هذه الهاء في هذه الكلمة أصل، وهو غلط، والصحيح أن هرقت وأهرقت فعلان رباعيان معتلان، أصلهما: أرقت، فمن قال هرقت، فالهاء عنده بدل من همزة أفعلت، كما قالوا: أرحت الماشية وهرحتها، وأنرت الثوب وهترته، ومن قال أهرقت، فالهاء عنده عوض من ذهاب حركة عين الفعل عنها، ونقلها إلى الفاء، لأن الأصل أريقت، أو أروقت، بالياء أو بالواو، على الاختلاف في ذلك، ثم نقلت حركة الواو أو الياء إلى الراء، فانقلبت حركة العلة ألفاً، لانفتاح ما قبله، ثم حذف لسكونه وسون القاف. والساقط من أرقت يحتمل أن يكون واواً، فيكون مشتقاً من راق الشيء يروق، ويحتمل أن يكون ياء، لأن الكسائي حكى راق الماء يريق: إذا انصب، والدليل على أن الهاء في هرقت وأهرقت ليست فاء الفعل، على ما توهم من ظنها كذلك، أنها لو كانت كذلك للزم أن يجري هرقت في تصريفه مجرى ضربت. فيقال: هرقت أهرق، كما تقول: ضربت أضرب ضرباً، أو مجرى غيره من الأفعال الثلاثية
стр. 415
التي يجيء مضارعها بضم العين، وتجيء مصادرها مختلفة، وكان يلزم أن يجري أهرقت في تصريفه مجرى أرمت ونحوه من الأفعال الرباعية، الصحيحة، فيقال: أهرقت أهرق إهراقاً، كما تقول: أكرمت أكرم كراما، ولم تقل العرب شيئاً من ذلك، وإنما يقولون في تصريف هرقت أهريق فيفتحون الهاء، وكذلك يفتحونها في اسم الفاعل، فيقولون مهريق، وفي اسم المفعول: مهراق، لأنها بدل من همزة لو ثبتت في تصريف الفعل لكانت مفتوحة، ألا ترى أن لو صرفت أرقت على ما ينبغي من التصريفن ولم تحذف الهمزة منه، لقلت في مضارعه يؤريق، وفي اسم فاعله: مؤريق، وفي اسم مفعوله مؤراق. وقالوا في المصدر: هراقة، كما قالوا إراقة. وذا صرفوا أهرقت قالوا في المضارع: أهريق، وفي المصدر إهراقة، وفي اسم الفاعل مهريق، وفي اسم المفعول مهراق، فأسكنوا الهاء في جميع تصريفا لكلمة، فهذا يدل على أنه فعل رباعي معتل وليس بفعل صحيح، وأن الهاء فيه بدل من همزة أرقت، أو عوض كما قلنا. قال العديل بن الفرخ:
فكنت مهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابية صلد
وقال ذو الرمة:
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت ... لأعزلة عنها وفي النفس أن أثنى
وقال الأعشى في أراك:
في أراك مرد تكاد إذا ما ... ذرت الشمس ساعة تهراق
стр. 416
[١٠] مسألة:
ذكر ابن قتيبة في هذا الباب أفعالاً على زنة فعل مضمومة العين، وهي: وقح الحافر وخلق الثوب، وملح الماء، ونتن الشيء، ومرع الوادي، ورحبت الدار، وأفعالا مكسورة العين وهي: ألفت المكان، ونكرت القوم، ونعم الله بك عينا، وجدب الوادي، وخصب، ووبئت الأرض، وحطبت، وعشبت، وضبعت الناقة، ولحقته، وقويت الدار، وزكنت الأمر، وخطئت، وردفته. وفي بعض هذه الأفعال لغتان: الضم والفتح، وهو مرع الوادي ومرع، ومنها ما فيه الضم والكسر، وهو رحبت الدار ورحبت ولم يكن غرضي في ذكر هذه الأفعال الرد على ابن قتيبة، لإدخاله إياها في باب (فعل) المفتوح العين، وإنما ذكرتها لأني رأيت كثيراً من المستورين في هذه الصناعة، المنتحلين لها، يصرفونها كلها إلى الفتح. وقد وقعت إلى نسخ كثيرة من هذا الكتاب، مقروءة على قوم مشهورين، ووجدت أكثر هذه الألفاظ فيها مبشورة مصلحة، ورأيت قوماً يعتقدون أن ابن قتيبة غلط في إدخالها في باب (فعل) المفتوح العين. وهذا الذي اعترضوا به غير صحيح، لأن الأفعال الماضية كلها كيفما تصرفت صيغها، يجوز أن يعبر عنها بفعل، وإنما تراعى مقابلة الحركات بالحركات والسواكن بالسواكن في موضع آخر غير هذا، وشهرة هذا عند العارفين بصناعة التصريف تغنينا عن إطالة القول فيه.
стр. 417
باب
فعلت وأفعلت باتفاق المعنى واختلافها في التعدي
ذكر في هذا الباب: "رفقت به وأرفقته".
(قال المفسر): قد قال في باب ما جاء مضموماً والعامة تفتحه: رفق الله بك، ورفق عليك، وأرفقك إرفاقاً، فأنكر الفتح، وروى عنه هاهنا بالفتح.
باب
فعل الشيء، وفعل الشيء غيره
قال في هذا الباب "سرحت الماشية وسرحتها، ورعت ورعيتها.
(قال المفسر): أنكر أبو علي البغدادي رعيتها، وقال: ليس معنى رعيتها جعلتها ترعى، إنما معنى رعيتها: حفظتها. وإنما يقال من الرعي للنبات: رعيت الماشية وأرعيتها، بالألف.
(قال المفسر): حكى صاحب العين: الترعية (بتشديد الياء):
стр. 418
الرجل الحسن الالتماس وارتياد الكلأ للماشية، ورعيت رعية يومي، والرعية: فعلك بها. وهذا نحو مما قاله ابن قتيبة. يدل على ذلك قول الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هناك المرتع!
وقال الراجز:
أرعيتها أكرم عود عودا ... الصل والصفصل واليعضيدا
والخاز باز السنم المجودا ... بحيث يدعو عامر مسعودا
أراد أن الراعي يضل في النبات لكثرته وطوله، فيحتاج صاحبه أن يطلبه.
стр. 419
باب
فعلت وأفعلت بمعنيين متضادين
قال في هذا الباب:"خفيت الشيء: أظهرته وكتمته".
(قال المفسر): هذا غلط، إنما اللغتان في (أخفيت) الذي هو فعل رباعي، وقد ذكره في باب تسمية المتضادين باسم واحد. فأما خفيت الثلاثي، فإنما هو بمعنى أظهرت لا غير.
وقد ذكر أبو علي البغدادي هذا في جملة ما رده على ابن قتيبة، وقد غلط أبا عبيد القاسم بن سلام في هذه اللفظة كما غلط ابن قتيبة.
باب
تفعلت ومواضعها
ذكر في هذا الباب: "تدهقنت: أي تشبهت بالدهاقين".
(قال المفسر): ليس تدهقنت من هذا الباب، لأن وزنه في قول من جعل نونه أصلية تفعللت، وفي قول من جعلها زائدة تفعلنت. والقياس أن تكون أصلية لا زائدة.
стр. 420
باب
ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز، بمعنى واحد
كذا وقعت هذه الترجمة في روايتنا عن أبي نصر عن أبي علي البغداي. وتأملتها في عدة نسخ فوجدتها كذلك، ولا وجه لذكر الأوسط في هذه الترجمة، لأن جميع ما أورده في هذا الباب ليس فيه شيء مهموز الأوسط، إلا ذأى العود يذأى. وسائر ما ذكره إما مهموز اللام، نحو رقأت في الدرجة، ورقأ الدم، وناوأت الرجل، ودارأته، ونحو ذلك، وإما مهموز الفاء، نحو تأممتك، والواجب إسقاط الأوسط من الترجمة ليصح الكلام.
باب
فعل (بفتح العين) يفعُل ويفعِل (بضمها وبكسرها)
قال في هذا الباب:"أبق الغلام يأبق ويأبق".
(قال المفسر): قد أنكر يأبق بالضم في باب ما جاء على يفعل مما يغير، ثم ثنى هنا ما قاله هناك، وأجازه كما ترى. وما قاله في هذا الباب هو الصحيح، وما تقدم غلط.
стр. 421
باب
فعل (بفتح العين) يفعل ويفعل (بفتحها وضمها)
ذكر في هذا الباب: "شم يشم ويشم".
(قال المفسر): شم الذي يفتح شينه في مضارعه ليس ماضيه على فعل مفتوح العين كما توهم. ولو كان ذلك لكان شاذاّ ولزمه أن يذكره مع أبي يأبى، وركن يركن وإنما ماضيه فعل بكسر العين.
وأما شم الذي يضم شينه في مضارعه، فهو فعل مفتوح العين بمنزلة رد وشد، ولا يجوز في هذه اللغة أن يكون ماضيه مكسور العين، ولو كان كذلك لكان شاذاّ، ولزم أن يذكره مع مت تموت ونعم ينعم مما قد ذكره بعد هذا.
باب
فعل (بفتح العين) يفعُل ويفعِل (بفتحها وكسرها)
ذكر في هذا الباب:"عام إلى اللبن يعام ويعيم".
(قال المفسر): هذا غلط، ولو كان يعام على ما توهم لكان شاذاً، ولزمه أن يذكره مع أبي يأبى، وركن يركن، لأن مستقبل فعل المفتوح العين، لا يأتي بالفتح إلا إذا كانت عين الفعل منه، أو لامه أحد حروف الحلق، وأما الفاء فإنها لا تراعى، وإذا كان كذلك، وجب أن يعتقد
стр. 422
أن عام يعام كخاف يخاف، وهاب يهاب، ويعتقد أن عام يعيم كباع يبيع، والعين من عام ياء، لقولهم في مصدره العيمة.
وذكر في هذا الباب من الأفعال الشاذة عن الجمهور، أبى يأبى، وركن يركن. وزاد الكوفيون غشا الليل يغشى، وقلى يقلى، وشجى يشجى، وحى يحيا. وحكى كراع عثا يعثى، مقلوب من عاث يعيث: إذا فسد.
باب
فعل (بكسر العين) يفعل ويفعل (بفتحها وكسرها)
وقع في روايتنا عن أبي نصر عن أبي علي البغدادي، في هذا الباب، بئس يبأس ويبئس من لفظ البؤس، ضد نعم ينعم وينعم، ويئس ييأس وييئس، من اليأس ضد الرجاء. ووقع ي بعض النسخ يبس ييبس وييبس من اليبس ضد الرطوبة. وكلاهما صحيح، حكاه أبو إسحاق الزجاج وابن كيسان. فتكون الأفعال الشاذة من الصحيح على هذا خمسة.
قال ابن قتيبة: وأما المعتل: فمنه ما جاء ماضيه ومستقبله بالكسر وذكر ثمانية أفعال وهي: ورم يرم وولى يلي، ووثق يثق، وومق يمق،
стр. 423
وورع يرع، وورث يرث، وورى الزند يرى، ووفق أمره يفق، وأغفل وطيء يطأ ووسع يسع، لأن أصل هذين الفعل ينكسر العين، وإنما انفتحا من أجل حروف الحلق، والدليل على أن الأصل في عينيهما الكسر، سقوط الواو منهما، ولو كانا مفتوحين في أصل وضعهما، لصحت الواو، لصحتها في وجل يوجل.
وهذه الأفعال النادرة كلها، فاء الفعل منها واو. ولم يسمع فعل يفعل في شيء مما الواو فيه عين أو لام، إلا في فعل واحد من المعتل العين. قالوا: آن الشيء يئين. وإنما حكمنا عليه بأنه فعل يفعل مكسور العين، لأن معناه حان يحين، فهو من معنى الأوان. فلو كان ماضيه مفتوح العين، لكان مضارعه يؤون كقال يقول، لأن ذوات الواو من هذا الباب لا يجيء مضارعها على يفعل مكسور العين.
وقد حكى أبو زيد أنه يقال: آن الشيء يئين أيناً. فظاهر هذا أن من ذوات الياء كباع يبيع بيعاً، ويقوى هذا أنهم قلبوه، فقالوا: أنى يأنى، على مثال رمى يرمي. وهذا كله تقوية لقول من يجعل (آن) من ذوات الياء، وهذه نقطة من ألفاظ التصريف المشكلة.
فأما طاح الشيء يطيح، فمعناه: أن نجعله كآن يئين، وإن كانوا قد قالوا: تطوح يتطوح، لأنا وجدناهم قد قالوا: طوحته وطيحته. فكان حمله على ما يقتضيه الباب، أولى من حمله على الشذوذ.
فإن قال قائل: فلعل طيحت إنما وزنه يعلت بمنزلة بيطرت، وأصله طيوحت، فقلبت واوه ياء، لوقوع ياء فيعلت الساكنة قبلها، كما قالوا: سيد وميت.
стр. 424
فالجواب: أن مجيء مصدره على التطيح دليل على أن وزنه فعلت لا فيعلت، لأن مصدر فيعل إنما يجيء على فيعلة، كبيطر بيطرة، وأما التفعيل فإنه خاص بمصدر فعل المشدد العين.
وقد يجوز لقائل أن يقول: إذا كان قولهم: طيح يوجب عندك أن يكون طاح يطيح، كباع يبيع، فيجب أن يكون قولهم طوح يقتضي أن يكون طاح يطيح، كآن يئين، لأنه وجدنا من قال: طوح، ومن قال طيح، قد اتفقوا على أن قالوا طاح يطيح، ولم يحك أحد عنهم طاح يطوح، وهذا اعتراض صحيح، يوجب النظر في هذه الكلمة، والقول فيه يخرجنا عما نحن عليه، فلذلك نترك القول فيه.
باب
فعل (بكسر العين) يفعل ويفعل (بضمها وفتحها)
ذكر ابن قتيبة من شواذ هذا الباب حرفين من الصحيح وهما: فضل يفضل ونعم ينعم. وحرفين من المعتل وهما: مت تموت، ودمت تدوم، وقد جاء من الصحيح ثلاثة أفعال نوادر غير ما ذكره. وحكى يعقوب حضر بحضر، وحكى ابن درستويه: نكل عن الشيء ينكل، وشمل يشمل.
стр. 425
باب
المُبدل
ذهب ابن قتيبة في هذا الباب مذهب أهل اللغة، فجميع ما ذكره فيه من المبدل. وذلك غير صحيح على مقاييس النحويين، لأن البدل عندهم لايصح إلا في الحروف التي بينها تجاور في المخارج، أو تناسب في بعض الأحوال، وما مثل أشرت العودونشرته ووشرته، وجاحفت عنه وجاحشت، ولبج به، ولبط به، فلا يرونه بدلا، وإنما هي ألفاظ تتقارب صيغها ومبانيها، وتتدانى أغراضها ومعانيها، فيتوهم المتوهم أن أحدهما بدل من الآخر، ولو كان هذا التوهم صحيحا، لجاز لقائل أن يقول: إن الراء في سبطر ودمثر زائدة، لأنهم قد قالوا: سبط ودمرث، وهما مساويان لهما في المعنى ومقاربان في الصيغة والمبنى. وكذا كان ينبغي أن يقال: إن اللام في ازلغب الفرخ زائدة لقولهم في معناه زغب، وهذا يوجب أن يكون وزن سبطر ودمثر (فعلوا) ووزن ازلغب افلعل، وهذه أمثلة مرفوضة غير متناسبة.
وقد جمع النحويون حروف البدل، وحصروها، وعددها عندهم اثنا عشر حرفاً يجمعها قولنا: إن طال وجدى همت، وجمعها أبو علي البغدادي في قول: طال يوم أنجدته، كما جمعوا الحروف التي يحكم عليها بالزيادة، فجعلوها عشرة، يجمعها قولنا: هويت السمان، وقوله: (أسلمني وتاه). وجعلوا للزيادة والإبدال مواضع مخصوصة لا تعدوها، ولا يحكمون على حرف أنه بدل من غيره، ولا زائد إلا بدليل وقياس، يعرف ذلك من أحكم صناعة التصريف.
следующие страницы →