Полный текст (952 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
باب
فعل (بفتح العين) يفعل ويفعل (بفتحها وضمها)
ذكر في هذا الباب: "شم يشم ويشم".
(قال المفسر): شم الذي يفتح شينه في مضارعه ليس ماضيه على فعل مفتوح العين كما توهم. ولو كان ذلك لكان شاذاّ ولزمه أن يذكره مع أبي يأبى، وركن يركن وإنما ماضيه فعل بكسر العين.
وأما شم الذي يضم شينه في مضارعه، فهو فعل مفتوح العين بمنزلة رد وشد، ولا يجوز في هذه اللغة أن يكون ماضيه مكسور العين، ولو كان كذلك لكان شاذاّ، ولزم أن يذكره مع مت تموت ونعم ينعم مما قد ذكره بعد هذا.
باب
فعل (بفتح العين) يفعُل ويفعِل (بفتحها وكسرها)
ذكر في هذا الباب:"عام إلى اللبن يعام ويعيم".
(قال المفسر): هذا غلط، ولو كان يعام على ما توهم لكان شاذاً، ولزمه أن يذكره مع أبي يأبى، وركن يركن، لأن مستقبل فعل المفتوح العين، لا يأتي بالفتح إلا إذا كانت عين الفعل منه، أو لامه أحد حروف الحلق، وأما الفاء فإنها لا تراعى، وإذا كان كذلك، وجب أن يعتقد
стр. 422
أن عام يعام كخاف يخاف، وهاب يهاب، ويعتقد أن عام يعيم كباع يبيع، والعين من عام ياء، لقولهم في مصدره العيمة.
وذكر في هذا الباب من الأفعال الشاذة عن الجمهور، أبى يأبى، وركن يركن. وزاد الكوفيون غشا الليل يغشى، وقلى يقلى، وشجى يشجى، وحى يحيا. وحكى كراع عثا يعثى، مقلوب من عاث يعيث: إذا فسد.
باب
فعل (بكسر العين) يفعل ويفعل (بفتحها وكسرها)
وقع في روايتنا عن أبي نصر عن أبي علي البغدادي، في هذا الباب، بئس يبأس ويبئس من لفظ البؤس، ضد نعم ينعم وينعم، ويئس ييأس وييئس، من اليأس ضد الرجاء. ووقع ي بعض النسخ يبس ييبس وييبس من اليبس ضد الرطوبة. وكلاهما صحيح، حكاه أبو إسحاق الزجاج وابن كيسان. فتكون الأفعال الشاذة من الصحيح على هذا خمسة.
قال ابن قتيبة: وأما المعتل: فمنه ما جاء ماضيه ومستقبله بالكسر وذكر ثمانية أفعال وهي: ورم يرم وولى يلي، ووثق يثق، وومق يمق،
стр. 423
وورع يرع، وورث يرث، وورى الزند يرى، ووفق أمره يفق، وأغفل وطيء يطأ ووسع يسع، لأن أصل هذين الفعل ينكسر العين، وإنما انفتحا من أجل حروف الحلق، والدليل على أن الأصل في عينيهما الكسر، سقوط الواو منهما، ولو كانا مفتوحين في أصل وضعهما، لصحت الواو، لصحتها في وجل يوجل.
وهذه الأفعال النادرة كلها، فاء الفعل منها واو. ولم يسمع فعل يفعل في شيء مما الواو فيه عين أو لام، إلا في فعل واحد من المعتل العين. قالوا: آن الشيء يئين. وإنما حكمنا عليه بأنه فعل يفعل مكسور العين، لأن معناه حان يحين، فهو من معنى الأوان. فلو كان ماضيه مفتوح العين، لكان مضارعه يؤون كقال يقول، لأن ذوات الواو من هذا الباب لا يجيء مضارعها على يفعل مكسور العين.
وقد حكى أبو زيد أنه يقال: آن الشيء يئين أيناً. فظاهر هذا أن من ذوات الياء كباع يبيع بيعاً، ويقوى هذا أنهم قلبوه، فقالوا: أنى يأنى، على مثال رمى يرمي. وهذا كله تقوية لقول من يجعل (آن) من ذوات الياء، وهذه نقطة من ألفاظ التصريف المشكلة.
فأما طاح الشيء يطيح، فمعناه: أن نجعله كآن يئين، وإن كانوا قد قالوا: تطوح يتطوح، لأنا وجدناهم قد قالوا: طوحته وطيحته. فكان حمله على ما يقتضيه الباب، أولى من حمله على الشذوذ.
فإن قال قائل: فلعل طيحت إنما وزنه يعلت بمنزلة بيطرت، وأصله طيوحت، فقلبت واوه ياء، لوقوع ياء فيعلت الساكنة قبلها، كما قالوا: سيد وميت.
стр. 424
فالجواب: أن مجيء مصدره على التطيح دليل على أن وزنه فعلت لا فيعلت، لأن مصدر فيعل إنما يجيء على فيعلة، كبيطر بيطرة، وأما التفعيل فإنه خاص بمصدر فعل المشدد العين.
وقد يجوز لقائل أن يقول: إذا كان قولهم: طيح يوجب عندك أن يكون طاح يطيح، كباع يبيع، فيجب أن يكون قولهم طوح يقتضي أن يكون طاح يطيح، كآن يئين، لأنه وجدنا من قال: طوح، ومن قال طيح، قد اتفقوا على أن قالوا طاح يطيح، ولم يحك أحد عنهم طاح يطوح، وهذا اعتراض صحيح، يوجب النظر في هذه الكلمة، والقول فيه يخرجنا عما نحن عليه، فلذلك نترك القول فيه.
باب
فعل (بكسر العين) يفعل ويفعل (بضمها وفتحها)
ذكر ابن قتيبة من شواذ هذا الباب حرفين من الصحيح وهما: فضل يفضل ونعم ينعم. وحرفين من المعتل وهما: مت تموت، ودمت تدوم، وقد جاء من الصحيح ثلاثة أفعال نوادر غير ما ذكره. وحكى يعقوب حضر بحضر، وحكى ابن درستويه: نكل عن الشيء ينكل، وشمل يشمل.
стр. 425
باب
المُبدل
ذهب ابن قتيبة في هذا الباب مذهب أهل اللغة، فجميع ما ذكره فيه من المبدل. وذلك غير صحيح على مقاييس النحويين، لأن البدل عندهم لايصح إلا في الحروف التي بينها تجاور في المخارج، أو تناسب في بعض الأحوال، وما مثل أشرت العودونشرته ووشرته، وجاحفت عنه وجاحشت، ولبج به، ولبط به، فلا يرونه بدلا، وإنما هي ألفاظ تتقارب صيغها ومبانيها، وتتدانى أغراضها ومعانيها، فيتوهم المتوهم أن أحدهما بدل من الآخر، ولو كان هذا التوهم صحيحا، لجاز لقائل أن يقول: إن الراء في سبطر ودمثر زائدة، لأنهم قد قالوا: سبط ودمرث، وهما مساويان لهما في المعنى ومقاربان في الصيغة والمبنى. وكذا كان ينبغي أن يقال: إن اللام في ازلغب الفرخ زائدة لقولهم في معناه زغب، وهذا يوجب أن يكون وزن سبطر ودمثر (فعلوا) ووزن ازلغب افلعل، وهذه أمثلة مرفوضة غير متناسبة.
وقد جمع النحويون حروف البدل، وحصروها، وعددها عندهم اثنا عشر حرفاً يجمعها قولنا: إن طال وجدى همت، وجمعها أبو علي البغدادي في قول: طال يوم أنجدته، كما جمعوا الحروف التي يحكم عليها بالزيادة، فجعلوها عشرة، يجمعها قولنا: هويت السمان، وقوله: (أسلمني وتاه). وجعلوا للزيادة والإبدال مواضع مخصوصة لا تعدوها، ولا يحكمون على حرف أنه بدل من غيره، ولا زائد إلا بدليل وقياس، يعرف ذلك من أحكم صناعة التصريف.
стр. 426
باب
الإبدال من المشدد
هذا الذي ذكره ابن قتيبة في هذا الباب، مذهب الكوفيين، لأنهم يرون أنه إذا اجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، جاز أن يبدل من الأوسط حرف مماثل لفاء الفعل، نحو صرصر وقلقل وكمكم ونحو ذلك، إلا أنهم لا يجعلونه قياساً يقاس عليه، وإنما هو موقوف على السماع.
وأما البصريون فلا يرون ذلك، ويجعلون صر وقل وكم ونحوها أصولاً ثلاثية، وصرصر وقلقل وكمكم ونحوها أصولاً رباعية. ولذلك قال أبو العباس المبرد في الكامل: وليست الثرة عند النحويين البصريين من لفظ الثرثارة، ولكنها في معناها. وفي القولين جميعاً نظر، ليس هذا موضعه.
باب
ما أُبدل من القوافي
[١] مسألة:
أنشد في هذا الباب:
أن أصوات القطا المنغص ... بالليل أصوات الحصى المنقز
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: هكذا رويناه عن ابن قتيبة:
стр. 427
(المنغص) بالغين المعجمة، والصاد غير المعجمة، وأصله من الغصص وهو الاختناق. يقال غصصت أغص، ورويته عن غيره: (المتقض) بالقاف، والضاد المعجمة، من الانقضاض، وهو الصحيح.
[٢] مسألة:
أنشد في هذا الباب عن الفراء:
كأن تحت درعها المنقد ... شطا رميت فوقه بشط
(قال المفسر): أنشد أبو حاتم هذا الرجز لأبي النجم، ورواه: المنعط (بالطاء وعين غير معجمة ٩، وهذا صحيح لا ضرورة فيه، وسنذكر الرجز بكماله، إذا انتهينا إلى شرح الأبيات إن شاء الله.
[٣] مسألة:
وأنشد في هذا الباب:
كأنها والعهد منذ أقياظ ... أس جراميز على وجاذ
(قال المفسر): كذا رويناه عن أبي نصر، عن أبي علي، (منذ) بالنون، وحرف الروى مقيد، ووزنه غير صحيح، والصواب إسقاط النون من منذ، وإطلاق حرف الروى. كذا أنشده الشيباني في أرجوزة دالية أولها:
стр. 428
هل تعرف الدار بذي أجراذ ... دارا لسلمى وابنتي معاذ
وسنذرها عند وصولنا إلى شرح الأبيات إن شاء الله تعالى.
[٤] مسألة:
وأنشد في هذا الباب:
حشورة الجنبين معطاء القفا ... لا تدع الدمن إذا الدمن طفا
إلا بجزع مثل أثباج القطا
(قال المفسر): هذا الرجز، بين فيه ابن قتيبة على أن الفاء حرف الروى، فلذلك جعله من هذا الباب، وقد يجوز أن تكون الألف هي حرف الروى، فلا يكون في الرجز عيب، ويكون خارجاً من باب الإجازة، إلا أن تكون هذه الأبيات من قصيدة التزم الراجز في جميعها الفاء، حاشا البيت الذي ذكر فيه القطا، فيكون حينئذ من هذا الباب.
[٥] مسألة:
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب في صقع
(قال المفسر): قد روى صقغ بالغين معجمة، فهو خارج عن هذا الباب.
стр. 429
(ومن المقلوب)
(قال المفسر) عول ابن قتيبة في القلب على مذهب أهل اللغة فسمى جميع ما ضمنه هذا الباب مقلوباً كما فعل في باب المبدل، وليس جميع ما ذكره مقلوباً عند أهل التصريف من النحويين، وإنما يسمى مقلوباً عندهم ما انقلب تفعيله بانقلاب نظم صيغته، كقولهم في (أشياء) إنها لفعاء، مقلوبة من شيئاء، وفي (سأى) إنه مقلوب من (ساء). أما مالا ينقلب تفعيله بانقلاب نظم صيغته، فإنهم لا يسمونه مقلوباً، وإن كانت حروفه قد تغير نظمها، كتغيير نظم المقلوب. كقولنا رقب وربق وقرب وقبر وبقر بورقن ونحو هذا مما سماه أبو بكر الزبيدي مقلوباً في كتاب العين.
فكل واحد من هذه الألفاظ يقال إن وزنه فعل، وليس بعضها أولى بأن يكون أصلاً في بابه من بعض. وكما أن المبدل والمزيد لهما مقاييس يعرفان بها، ومواضع يستعملان فيها، لا يتعديانها إلى غيرها، فكذلك المقلوب.
ولولا أن التشاغل بهذا الشأن يخرج كتابنا عن أن يكون كتاب لغة على أن يكون كتاب تصريف، لتكلمنا على كل كلمة تضمنها هذا الباب، وذرنا وجه القياس فيها، ولنا نذكر جملة من ذلك تنبه قارئها على بقية هذا الباب إن شاء الله.
فمن مقاييس هذا الباب، أن يوجد لأحد اللفظين مادة مستعملة ولا توجد للآخر، فتحكم للذي له المادة المستعملة بأنه الأصل، كقولهم: ما أطيبه، وما أيطبه، لأنا نجد لأطيب مادة مستعملة مصرفة، وهي طاب
стр. 430
يطيب طيبا فهو طيب ولا نجد لأيطب مادة مصرفة، فنقضي على أطيب أنه الأصل، وأيطب مقلوب فيه، وكذلك قول الشاعر:
حتى استفأنا نساء الحي ضاحية ... وأصبح المرء عمرو مثبتاً كاعي
فإنا نزعم أن كاعياً مقلوب من كائع، لأنا وجدنا لكائع مادة مستعملة ولم نجد كعا مستعملاً إلا في هذا البيت، وهذا على مذهب يعقوب لأنه جعل هذا من المقلوب، وقد يجوز أن يكون من قولهم: كع يكع ويكون أصله كاعا بالتشديد، فأبدل من أحد المثلين ياء كما قال الآخر:
نزور امرءاً أما الإله فيتقى ... وأما بفعل الصالحين فيأتمي
أراد يأتمن وكذلك قولهم رأى وراء، وجدناهم يقولون: رأى يرى رؤية، ولم نجد لراء تصرفا في مستقبل ولا في مصدر، ولا غير ذلك مما يتصرف فيها في رأي، من أمر نهي واسم فاعل واسم مفعول.
وبهذا الدليل قضينا على (أيس) بأنه مقلوب من (يئس).
ومن ذلك قولهم: أنى الشيء يأنى، وآن يئين. زعم الأصمعي أن أنى له مصدر وهو إني على وزن رضا، ولا مصدر لآن، فينبغي على قوله أن يكون آن هو المقلوب عن أنى.
وحكى أبو زيد (آن) يئين أيناً. فعلى قول أبي زيد لا يجب أن يكون واحد منهما مقلوباً عن الآخر، ويجب على قوله أن يكون (آن) من ذوات الياء.
ومنها أن يوجد صيغة الجمع مخالفة لصيغة واحده، أعني أن يكون نظم حروفه الأصلية مختلفاً في الموضعين بالتقديم والتأخير نحو شيء وأشياء، لأنك تجد الهمزة في شيء آخراً: وتجدها في أشياء أولاً.
стр. 431
وكذلك قولهم: ناقة وأينق، وقوس وقسى. وكذلك قول الشاعر:
هم أوردوك الموت حين لقيتهم ... وجاشت إليك النفس عند الترانق
يريد (التراقي)، لأنها جمع ترقوة، وقياس ترقوه، أن تجمع تراقي لا ترتق، لأن ترانق إنما ينبغي أن يكون جميع تريقه كسفينه وسفائن وتريقة غير مستعملة. وكذلك لم تستعمل منها تروقة ونحوها، مما يمكن أن يجمع هذا الجمع، وكذلك قول ذي الرمة:
تكاد أواليها تفرى جلودها ... ويكتحل التالي بعود وحاصب
الأوالى فيه: مقلوبة عن الأوائل، لأن لها واحداً مستعملاً على نظم حروفها، ولا واحد لأوالى.
ومما يعلم به أيضاً القلب، أن يرد لفظان لم يستعمل أحدهما إلا في الشعر، والآخر في الكلام كقول العجاج:
ولا يلوح نبته الشتى ... لاث به الاشاء والعبري
فإن لاثيا مستعمل في الكلام، وله فعل مصرف، يقال: لاث يلوث. و (لثا) غير مستعمل، ولا له فعل مصرف في معنى لاث يلوث. وقد
стр. 432
يُستدل أيضاً على أن (الأوالى) مقلوبة عن الأوائل بنحو من هذا الدليل، لأنها غير مستعملة في الكلام استعمال الأوائل.
[١] مسألة:
ذكر في باب المقلوب: "أجحمت عن الأمر، وأحجمت".
(قال المفسر): زعم بعض اللغويين أن أجحمت بتقديم الجيم بمعنى تقدمت، وأحجمت بتأخير الجيم بمعنى تأخرت، والمشهور ما قاله ابن قتيبة.
[٢] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "ثنت اللحم ونثت".
(قال المفسر): أنكره أبو علي البغدادي، وقال: الذي أحفظه نثت اللحم، وثنت، بالثاء المثلثة مقدمة فيهما جميعاً.
[٣] مسألة:
وذكر فيه أيضاً: "عقاب عقبناة وعبنقاة".
(قال المفسر): حكى ابن الأعرابي بعنقاة وحكاها أبو عبيد أيضاً.
[٤] مسألة:
وذكر فيه أيضاً، شآني الأمر وشاءني بالشين معجمة: إذا حزنك".
стр. 433
(قال المفسر): في كتاب سيبويه: سآني الأمر، وساءني، بالسين غير معجمة، وأنشد:
لقد لقيت قريظة ما سآها ... وحل بدارهم ذل ذليل
وذكرهما يعقوب بن السكيت جميعاً في كتاب القلب والإبدال، وأنشد:
مر الحمول فما شأونك نقرة ... ولقد أراك تشاء بالأظعان
باب
ما تتكلم به العرب من الكلام الأعجمي
[١] مسألة:
حكى في هذا الباب عن أبي عبيدة: "عزل شخت: أي صلب، بالشين معجمة".
(قال المفسر): أنكر ذلك أبو علي البغدادي وقال: الرواية عن أبي عبيدة: سخت بالسين غير معجمة. وكذلك حكى في البارع عن أبي عمرو: السخيت: الشديد، وهو عجمي معرب، بالسين غير معجمة، على وزن ظريف. وحكى عن يعقوب، كذب سخت، على وزن فلس،
стр. 434
وسخيت على وزن ظريف: أي خالص، وأما الشخت (بالشين معجمة)، فهو الرقيق من كل شيء، وليس الصلب، وهو أيضاً أعجمي معرب، قال رؤبة: (في جسم شخت المنكبين قوش).
[٢] مسألة:
وأنشد للأعشى: بساباط حتى مات وهو محرزق".
وقال: هو بالنبطية هزروق: أي محبوس، أو نحو ذلك".
(قال المفسر): كان الأصمعي يرويه محرزق بتقديم الراء على الزاي، وكذلك رواه أبو زيد، وكان أبو عمرو الشيباني يرويه، بتقديم الزاي على الراء، فذكر ذلك لأبي زيد، فقال: أبو عمرو أعلم بهذا منا، يريد أن أبا عمرو أعلم باللغة النبطية، لأن أمه كانت نبطية.
باب
دخول بعض الصفات مكان بعض
هذا الباب أجازه قوم من النحويين، أكثرهم الكوفيون، ومنع منه قوم، أكثرهم البصريون وفي القولين جميعاً نظر، لأن من أجازه دون
стр. 435
شرط وتقييد، لزمه أن يجيز سرت إلى زيد، وهو يريد مع زيد، قياساً على قولهم: إن فلاناً لظريف عاقل، إلى حسب ثاقب، أي مع حسب، ولزمه أن يجيز زيد في عمرو، أي مع عمرو، قياساً على قول النابغة الجعدي: (ولوح ذراعين في بركة)
أي مع بركة، ويلزمه أن يجيز مررت في زيد، أي بزيد، قياساً على قوله:
وخضخضن فينا البحر حتى قطعته ... على كل حال من غمار ومن وحل
ويلزمه أن يجيز في زيد ثوب، أي عليه، قياساً على قول عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس يتوأم
وهذه المسائل لا يجيزها من يجيز إبدال الحروف، ومن منع ذلك على الإطلاق، ولزمه أن يتعسف في التأويل لكثير مما ورد في هذا الباب،
стр. 436
لأن في هذا الباب أشياء كثيرة، يبعد تأويلها على غير وجه البدل، كقوله:
إذا ما امرؤ ولي على بوده ... وأدبر لم يصدر بإدباره ودى
وقوله:
إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
ولا يمكن المنكرين لهذا أن يقولوا: إن هذا من ضرورة الشعر، لأن هذا النوع قد كثر وشاع، ولم يخص الشعر دون الكلام. فإذا لم يصح إنكار المنكرين له، وكان المجيزون له لا يجيزون في كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على السماع، غير جائز القياس عليه، ووجب أن يطلب له وجه من التويل، يزيل الشناعة عنه، ويعرف كيف المأخذ فيما يرد منه، ولم أر فيه للبصريين تأويلا أحسن من قول ذكره ابن جني في كتاب الخصائص. وأنا أورده في هذا الموضع، وأعضد بما يشاكله من الاحتجاج المقنع، إن شاء الله تعالى.
стр. 437
(اعلم)، أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف جر، والثاني بحرف جر آخر، فإن العرب قد تتسع، فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه مجازا، وإيذاناً بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر. كما صححوا عور وحول، إيذاناً بأنهما لما كانا في معنى أعور واحول واجتوروا بمعنى تجاوروا. وكما جاءوا بمصادر بعض الأفعال، على غير ما يقتضيه القياس، حملاً لذلك الفعل على فعل هو في معناه كقوله:
وإن شئتم تعاوذنا عاوذا
وكان القياس تعاوذا، فجاء به على عاوذ، إذ كان تعاوذ راجعاً إلى معنى عاوذ؛ وكذلك قول القطامي:
(وليس بأن تتبعه اتباعاً)
والقياس تتبعاً، ولكن لما كان تتبع يؤول إلى معنى اتبع، حمل عليه وكذلك وجدنهم يحملون الشيء على الشيء إذا كانت بينهما علاقة لفظية، أو معنوية فاللفظية كحملهم (تعد، وتعد، وأعد) على (يعد) في حذف الواو، ونكرم، وتكرم ويكرم، على (أكرم) في حذف الهمزة، وأما المعنوية فكقول أبي كبير الهذلي:
ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل
لأن قوله: ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق، يفيد أنه طاوٍ، فأنابه لذلك مناب الفعل، لو ذكره، فصار كقوله: طوى طي
стр. 438
المحمل، ولهذا نظائر كثيرة في كلامهم، فكذلك حملوا بعض هذه الحروف على بعض، لتساوي المعاني وتداخلها. فمن ذلك قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)، وأنت لا تقول رفث إلى المرأة، إنما تقول: رفث بها، أو رفث معها، ولكن لما كان الرفث بمعنى الإفضاء، وكان الإفضاء يتعدى بإلى، كقولك: أفضى إلى الشيء، أجرى الرفث مجراها لفظا، لموافقته له معنى، وكذلك قول القحيف العقيلي.
إذا رضيت على بنو قشير ... لعمرو الله أعجبني رضاها
إنما عدى فيه رضي بعلى، لأنا الرضا بمعنى الإقبال. وقولك أقبلت عليه بودي، بمعنى رضيت عنه. وكان الكسائي يقول: حمله على ضده، وهو سخطت، لأن العرب قد تحمل الشيء على ضده، كما تجعله على نظيره، وكذلك قول الآخر:
إذا ما امرؤ ولى على بوده ... وأدبر لم يصدر بإدباره ودى
إنما عدى فيه (ولى) بعلى، وكان القياس أن يعديها بعن، لأنه إذا ولى عنه بوده، فقد ضن عليه وبخل، فأجرى التولي بالود، مجرى الضنانة والبخل، أو مجرى السخط، لأن توليه عنه بوده، لا يكون إلا عن سخط عليه، وكذلك قول عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحة
стр. 439
إنما استعمل (في) مكان (علي)، لأن ثيابه، إذا كانت عليها، فقد صارت السرحة موضعاً لها، كما أن من ركب دابة واستوى عليها، فقد صار هرها موضعاً له، فتأويله تأويل الظرف، وكذلك قول الآخر:
وخضخضن فينا البجر حتى قطعته ... على كل حال من غمار ومن وحل
إنما كان ينبغي أن يقول: خضخضن بنا، ولن خضخضتهن البحر بهم: إنما هو سعي فيما يرضيهم، وتصرف في مرادهم. كما أنك إذا قلت: نهضت بزيد إلى السوق، أفاد قولك: نهضت به إلى ما يفيده، وقولك: سعيت في مراده، وتصرفت في أمره. وكذلك قول زيد الخيل:
ويركب يوم الروع فيها فوارس ... يصيرون في طعن الأباهر والكلى
إنما كان الوجه أن يقول: يصيرون بطعن، ولكن قولك: هو بصير بكذا، يرجع إلى معنى هو حكيم فيه، متصرف في وجوهه، وكذلك قول النابغة:
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلى به القار أجرب
إنما كان وجهه أن يقول: عند الناس أو في الناس، ولكنه إذا كان عندهم وفيهم بهذه المنزلة، فهو مبغض إليهم، وكذلك قول الراعي:
стр. 440
رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار التي فيها واستغارا
كان الوجه أن يقول: وخلالها، كما قال الآخر:
دار لقابلة الغرانق ما بها ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها
ولكن قوله: وخلالها، يفيد ما يفيده قوله: إنه وقف عليها وكذلك قوله تعالى (من أنصارى إلى الله): إنما صلح ذكر (إلى) هاهنا لتضمن أنصارى معنى الإضافة لأن من نصره، فقد أضاف نصرته إلى نصرة الله تعالى.
وكذلك قول الشاعر:
شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد
إنما صلح ذكر (إلى) هاهنا، لأن الغرة إذا شدخت ملأت الجبهة: فوصلت إلى اللمة.
وقد يعدون الفعل بحرف الجر وهو غنى عنه، إذا كان في معنى ما لا يتعدى إلا به، كقول الفرزدق:
كيف تراني قالباً مجنى ... أقلب أمرى ظهره للبطن
قد قتل الله زياداً عني
стр. 441
وقتل لا يحتاج في تعديه إلى (عن) ولا غيرها. ولكن لما كان الله تعالى قد صرفه عنه حين قتله، أجرى قتل مجرى صرف، هذا قول ابن جني. وقد يجوز أن يكون بمنزلة قولهم ججبت البيت عن زيد أي نبت في ذلك منابه، وفعلت في ذلك مراده، فيكون معنى (قد قتل الله زياداً عني) أي فعل به ما كنت أنا أفعله لو قدرت عليه ولا يكون على ما قاله ابن جني.
فعلى نحو هذه التأويلات، ينبغي أن يحمل ما ورد من هذا الباب، وهو مقصور على السماع، لا يجوز القياس عليه، ولكن ما سُمع منه فهذا مجازه.
وجميع ما أورده ابن قتيبة في هذا الباب، إنما نقله من تاب يعقوب ابن السكيت في المعاني، وفيه أشياء غلط فيها يعقوب، واتبعه ابن قتيبة على غلطه، وأشياء يصح أن تتأول على غير ما قاله، ونحن نبين ذلك ن شاء الله تعالى.
[١] مسألة:
أنشد في هذا الباب لطرفة:
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
وقال: معناه: في ذروة [البيت]، وهذا لا يلزم، لأنه يمكن
стр. 442
أن يريد آويا إلى ذروة، كما قال تعالى: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) فليس فيه على هذا حجة.
وكذلك ما ذكره من قولهم: جلست إلى القوم [أي فيهم]، إنما تأويله: جلست منضماً إلى القوم، أو آويا إليهم:
[٢] مسألة:
وقال في هذا الباب: "رميت على القوس: أي عنها وأنشد:
(أرمي عليها وهي فرع أجمع)
(قال المفسر): إنما جاز استعمال (على) هاهنا، لأنه إذا رمى عنها، فقد وضع السهم عليها للرمي، وكذلك ما أنشده من قول ذي الإصبع العدواني:
لم تعقلا جفرة على ولم ... أود صديق ولم أنل طمعسا
إنما جاز استعمال (على) هاهنا، لأنها إذا عقلاها عنه، اعتدا بها عليه، فكأنه قال لم تعقلا جفرة تستدان بها على، وقد يقال: ضربت على يديك، أي بسبك من أجلك.
[٣] مسألة:
وقال في هذا الباب: "حدثني فلان من فلان: أي عنه، ولهيت من فلان: أي عنه".
стр. 443
(قال المفسر): إنما جاز استعمال (من) هاهنا مكان (عن) لأنه إذا حدثه عنه، فقد أتاه بالحديث من قبله. وكذلك إذا لهى عنه، فقد لهى من أجله وبسببه، فتكون (من) الأولى هي التي يراد بها ابتداء الغاية، (ومن) الثانية، إن شئت جعلتها التي يراد بها الغاية وإن شئت جعلتها التي بمعنى من أجل كقوله تعالى: (الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف).
[٤] مسألة:
وقال في هذا الباب: "إنما تأتي الباء بمعنى عن بعد السؤال" قال الله جل ذكره (فاسأل به خبيرا) [أي عنه] ويقال: أتينا فلاناً نسأل به: أي عنه.
وأنشد لعلقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
(قال المفسر): إنما جاز استعمال الباء مكان (عن) بعد السؤال، لأن السؤال عن الشيء إنما يكون عن عناية به، واهتبال بأمره فلما كان السؤال بمعنى العناية والاعتبال، عدى مما يعديان به. وأما قوله تعالى: (فاسأل به خبيرا) فإنه يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن يكون فاسأل عنه العلماء ذوى الخبر من خلقه، فيكون من هذا الباب.
стр. 444
والثاني: أن يريد فاسأل بسؤالك إياه خبيراً. أي إذا سألته فقد سألت خبيراً عالماً، كما تقول: لقيت بزيد الأسد، أي لقيت الأسد بلقائي إياه. فالمسئول في هذا الوجه: هو الله ، والباء على وجهها والمسئول في الوجه الأول غير الله تعالى، والباء بمعنى عن والقول الثاني عندي أجود، وإن كان الأول غير بعيد.
[٥] مسألة:
وقال في هذا الباب: "رميت عن القوس، بمعنى: بالقوس، وأنشد لامريء القيس:
(تصد وتبدى عن أسيل وتتقى)
وقال: يريد باسيل، وحكى عن أبي عبيدة في قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) أي بالهوى".
(قال المفسر): قد قال قبل هذا، إن قولهم: رميت على القوس، معناه: عن القوس، وأن (على) بمعنى (عن)، ثم ذكر هاهنا أن (عن) بمعنى الباء، فحصل من كلامه أن (على) بدل من (عن)، و (عن) بدل من الباء. فهي إذن بدل من بدل، وهذا غير صحيح، لأن (عن) في قولهم: رميت عن القوس، ليست ببدل من شيء، لأن معنى عن التجاوز، كقولك خرجت عن البلد. وهذا المعنى موجود في الرمي، لأن السهم يتجاوز القوس، ويسير عنها.
стр. 445
فهي على بابها، وكذلك قولهم: رميت بالقوس، ليست الباء فيه بدلا من حرف آخر، لأنه بمنزلة قول رميت بالحجر زيداً. والمعنى رميت السهم بالقوس، كما تقول: دفعته عن نفسي بالسيف.
وقد أنكر بعض اللغويين استعمال الباء هاهنا، وقال: لا يجوز رميت بالقوس إلا أن تلقيها عن يدك، وإنما الصواب: رميت عن القوس، كما قال طفيل:
رمت عن قسي الماسخي رجالنا ... بأجود ما يبتاع من نبل يثرب
وإنما أنكر هذا المنكر ذلك، لأنه توهم قولهم: رميت بالقوس، بمنزلة قولك: رميت بالشيء: إذا ألقيته عن يدك، وليس المعنى على ما ظن، إنما المعنى رميت السهم بالقوس، على ما ذكرناه.
وأما قوله في بيت امرئ القيس: إنه أراد بأسيل، فإنما يلزم ما قال، إذا جعل (عن) متعلقة بتصد، على إعمال الفعل الأول. فكان يجب على هذا أن يقول تعد بأسيل، كما تقول: صد بوجهه. وإذا جعلت (عن) متعلقة بتبدى، لم يلزم ما قال: لأنه يقول: أبديت عن الشيء: إذا أهرته، قال عبد بني الحسحاس - يصف ثوراً يحضر في أصل شجرة كناساً له:
стр. 446
يهيل ويبدى عن عروق أنها ... أعنة خراز جديداً وباليا
والوجه في هذا البيت أن يعمل الفعل الثاني، ويجعل (عن) متعلقة به، لأنه لو أعمل الأول، للزمه أن يقول: تصد وتبدى عنه بأسيل، لأن الفعل الأول إذا أعمل، فحكم الفعل الثاني: أن يضمر فيه.
وأما ما حكاه عن أبي عبيدة: أن معنى قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) أي: ما ينطق بالهوى، فإنه لا يلزم. و (عن) في الآية على بابها، غير بدل من شيء آخر، والمراد: أن نطقه لا يصدر عن هوى منه، إنما يصد رعن وحي.
[٦] مسألة:
وقال في قوله تعالى: (فردوا أيديهم في أفواههم) معناه: إلى أفواههم.
(قال المفسر): هذا التأويل لا يلزم، و (في) هاهنا: على بابها المتعارف في اللغة، لأن الأيدي هاهنا لا يخلو أن يراد بها الأيدي التي هي الجوارح، والأيدي التي هي النعم؛ فإن كان المراد بها الجوارح، فالمعنى أنهم عضوا أيديهم من الغيظ على الرسل، فيكون قوله تعالى: (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) ولا يعضون على
стр. 447
أيديهم إلا بأن يدخلوها في أفواههم. ويدل على هذا قول الشاعر:
يردون في فيه عشر الحسود
وإن كان المراد بالأيدي النعم، فالمعنى أنهم ردوا كلام الرسل وإنذارهم عليهم، فلم يقبلوه، وسمى ما جاءت به الرسل من إنذارهم نعما، لأن من خوفك من عاقبة ما تصير إليه، وأمرك بما فيه نجاتك، فقد أنعم عليك. فصار هذا بمنزلة قول القائل: رددت كلامه في فيه، إذا لم تقبله منه، فالأيدي والأفواه على هذا التأويل للرسل، وهي في القول الأول للكفار.
[٧] مسألة:
وأنشد: (نلوذ في أم لنا ما تعتصب). وقال: المعنى بأم.
وأنشد للأعشى: (وإذا تنوشد في المهارق أنشدا).
(قال المفسر): إنما يقال: لذت بالشيء: إذا لجأت إليه، وإنما جاز استعمال (في) هاهنا، لأن المراد بالأم سلمى، وهي أحد جبل طيء، وجعله أما لهم: إذ كان يحفظهم ممن يروقهم، كما تفعل الأم. وإذا لاذوا بالجبل، فقد صاروا فيه. وأما قول الأعشى:
ربى كريم لايكدر نعمة ... فإذا تنوشد في المهارق أنشدا
стр. 448
فإن المعروف أن يقال: نشدتك بالله. وإنما صلح ذكر (في) هاهنا لأنه إذا حلف بالمهارق، فإنما يحلف بما فيها من كلام الله تعالى:
[٨] مسألة:
قال: ويقال: سقط لفيه: أي على فيه، وأنشد:
(فخر صريعاً لليدين وللفم)
وأنشد:
كأن مخواها على ثفناتها ... معرس خمس وقعت للجناجن
(قال المفسر): إنما جرت العادة بأن يقال: سقط على رأسه، أو على صلاه، أو قفاه، وإنما جاز استعمال اللام هاهنا، لأنه إذا سقط على عضو من أعضائه، فقد حصل التقدم لذلك العضو، على كل ما تبعه من بقية الأعضاء، فإذا قال: سقط لفيه، فكأنه قال:
سقط مقدما لفيه ... وكذلك بقية هذا الباب
стр. 449
[٩] مسألة:
وأنشد لابن أحمر:
(يسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا)
وقال: معناه منى".
(قال المفسر): هذا من مواضع (مِنْ) وجاز استعمال (إلى) هاهنا، لأن الري من الماء ونحوه لا يكون إلا عن ظمإ إليه. فلما كان الظمأ هو السبب الداعي إلى الرين استعمل الحرف الذي يتعدى به الظمأ، مكان الحرف الذي يتعدى به الري، فصار استعمالهم الحرف الذي يتعدى به أحد الضدين، مكان الحرف الذي يتعدى به ضده، كاستعمالهم (على) التي يتعدى بها السخط، مكان التي يتعدى بها الرضا في قوله:
(إذا رضيت على بنو قشير)
ويجوز أن يكون أراد يسقى ابن أحمر، فلا يروى ظمؤه إلىَّ، فترك ذكر الظمأ لما كان المعنى مفهوما، وليس ينبغي لك أن تستوحش من تركه ذكر الفاعل، لأنه قد أقام الضمير الذي كان مضافاً إليه مقامه، فصار مستتراً في الفعل. ألا ترى أن التقدير: فلا يروى هو، ويشبه هذا قولهم: (هذا جحر ضب خرب) في أحد القولين. ألا ترى
стр. 450
أن تقديره خرب جحره، فحذف الجحر، الذي كان فاعلا، وأقام الضمير الذي كان الجحر مضافاً إليه مقامه، فصار مستتراً في خرب.
وقد وجدناهم يحذفون الفاعل دون أن يقيموا أشياء مقامه، اتكالاً على ما فهم السامع، كقوله تعالى: (حتى توارث بالحجاب) وقول عنترة:
وأدفئه إذا هبت شمالاً ... بليلاً حرجفا بعد الجنوب
وأنشد أبو علي البعدادي في نوادره:
سقى دمنتين ليس لي بهما عهد ... بحيث التقى الدارات والجرع الكبد
وقال أبو الحسن الأخفش: إذا قلت: عجبت من ضرب زيد، فالفاعل محذوف، لعلم السامع، وليس بمضمر في الضرب، لأن المصادر أجناس، والأجناس، لا يضمر فيها.
[١٠] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال: هو أشهى إلى من كذا، أي عندي إلى آخر الفصل".
стр. 451
(قال المفسر): (إلىَّ) و (عند) في هذا الموضع تتقارب معانيهما فلذلك تسد كل واحدة منهما مسد الأخرى. ألا ترى أنه إذا قال: هو أشهى عندي من العسل، فمعناه أنه أحب إليه منه، (وإلى) في هذا الموضع أشد تمكناً من (عند).
وكذلك قوله:
"تقال إذا راد النساء حزيدة ... صناع فقد سادت إلى الغوانيا
[أي عندي]
لأنها إذا سادت عنده العواني، فقد صارت أحبهن إليه.
وقوله:
وكان إليها كالذي اصطاد بكرها ... شقاقاً وبغضاً أو أطم وأهجرا
فإنما جاز استعمال (إلى) هاهنا، لأنه إذا كان عندها كالذي اصطاد بكرها في البغض، كان بغيضاً إليها مثله.
وأما قوله:
(وذكرك سبات إلى عجيب)
стр. 452
فيجوز أن يكون على ما تأولناه في الأول، لأنه إذا كان عجيباً عنده، كان حبيباً إليه. ويجوز أن يكون (عجيب) بمعنى معجب، فيكون التقدير: وذكرك معجب لي، فتكون (إلى) في هذا الوجه بمنزلة اللام.
وأما قوله:
لعمرك إن المس من أم جابر ... إلى ونلم آته لبغيض
فليس من هذا الباب، لأن معناه: لبغيض إلى. فإلى فيه على بابها.
[١١] مسألة:
وأنشد في هذا الباب لذي الإصبع العدواني:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتحزوني
وقال معناه: لم تفضل في الحسب علي."
(قال المفسر): من ذهب هذا المذهب الذي ذكره ابن قتيبة، وهو الذي حكاه يعقوب، فإنما جعل أفضلت من قولهم: أفضلت على الرجل، إذا أوليته فضلاً. فلذلك جعل (عن) بمعنى (علي). وجاز استعمال عن هاهنا - وإن كان الموضع لعلى - لأنه إذا أفضل عليه، فقد جاز الإفضال عنه، واستبد به دونه. وقد يجوز أن يكون أفضلت، بمعنى صرت ذا فضل، فتكون (عن) على بابها غير واقعة
стр. 453
موقع (على). كأنه قال: لم تنفرد بفضل عني. وأما قول قيس ابن الخطيم:
لو أنك تلقى حنظلاً فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب
فإنه يصف شدة انضمام بعضهم إلى بعض وتدانيهم، فيقول: أو القيت حنظلاً فوق بيضنا، لتدحرج عليها، ولم يسقط إلى الأرض. وجاز ذكر (عن) هاهنا لأنه إذا تدحرج عليها، انتقل عن بعضها إلى بعض.
[١٢] مسألة:
وأنشد:
(لقحت حرب وائل عن حيال
وقال معناه: بعد حيال.
(قال المفسر): (عن) و (بعد) يتقارب معناهما ويتداخلان، فلذلك يقع كل واحد منهما موقع الآخر، لأن (عن) تكون لما عدا الشيء وتجاوزه، و (بعد) لما تبعه وعاقبه، فقولك: أطعمه عن جوع، وكساه عن عُرى، يفيد أنه فعل الإطعام بعد الجوع، والكسوة بعد العرى. وكذلك إذا قال: لقحت الناقة بعد حيال، أفاد ذلك أن اللقاح عدا وقت الحيال وتجاوزه. وعلى نحو هذا يتأول جميع ما ذكره في هذا الباب.
стр. 454
[١٣] مسألة:
وقال في هذا الباب في قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) أي في مُلكه. وكان ذلك على عهد فلان أي في عهده".
(قال المفسر): (في) و (على) يتداخل معنياهما في بعض المواضع، فلذلك يقع بعضهما موقع بعض، لأن معنى على: الإشراف والارتفاع، ومعنى في: الوعاء والاشتمال وهي خاصة بالأمكنة، ومكان الشيء قد يكون عالياً مرتفعاً، وقد يكون متسفلاً منخفضاً. ويدل على ذلك استعمالهم فوق وتحت في الظروف، وأحدهما يدل على العلو، والآخر على السفل، ومما يبين ذلك قول عنترة:
(بطل كأن ثيابه في سرحة
وهو يريد: على سرحة، لأنها إذا كانت عليها، فقد صارت ظرفاً لها. وأما قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) فقد يجور أن يكون من هذا الباب، وقد يمكن أن تكون (على) إنما استعملت هاهنا، لأن معناه: أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه، كما يقال: تقولت عليه ما لم يقل.
* * *
ونحن نشرح أمر (على) هذه شرحا يدفع الإشكال عنها، ويُجعل مثالاً يقاس عليه ما ورد في الكلام منها، إن شاء الله:
(اعلم) أن أصل (على): العلو على الشيء وإتيانه من فوقه كقولك:
стр. 455
أشرفت على الجبل، ثم يعرض فيها إشكال في بعض مواضعها التي تتصرف فيها، فيظن الضعيف في هذه الصناعة أنها قد فارقت معناها.
فمن ذلك قول القائل: زرته على مرضى، وأعطيته على أن شتمني، وإنما جاز استعمال (على) هاهنا، لأن المرض من شأنه أن يمنع من الزيارة. وكذلك الشتم بمنع المشتوم من أن يعطى شاتمه شيئاً. والمنع قهر للممنوع، واستيلاء عليه، فهي إذن لم تخرج عن أصلها بأكثر من أن الشيء المعقول، شبه بالشيء المحسوس، فخفي ذلك على من لا دربة له في المجازات والاستعارات.
ويدل على دخول معنى الاستعلاء في هذا قولهم اجعل هذا الأمر تحت قدمك، فيستعملون فيه لفظة التحت. ومثل هذا قولهم: فلان أمير على البصرة. إنما المراد أنه قد ملكها، وصارت تحت حكمه ونظره. واستعمالهم لفظتي التحت والفوق هاهنا، يوضح ما قلناه. ألا تراهم يقولون: فلان تحت يد فلان، وتحت نظره وإشرافه، وهو فوقه في المنزلة والمكانة، وإن كان دونه في ما يحسس ويرى. وكذلك قولهم: تقولت عليه في ما لم يقل، إنما جازا استعمال (على) فيه، لأنه إذا نسب إليه القول، فقد حمله إياه، وعصبه به. والتحميل: راجع إلى معنى العلو، يدل على ذلك قولهم: هذا الأمر معصوب برأسه، ومقلد من عنقه. ويوضح ذلك قول الشاعر:
وما زلت محمولاً على ضغينة ... ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع
ألا تراه قد جعل الضغينة محمولة عليه، كما يحمل الشيء على
стр. 456
الظهر. وجعل نفسه مضطلعة بذلك، كاضطلاع الحامل بحمله. وكذلك قولهم: كان ذلك على عهد كسرى: إنما استعملت فيه (على)، لأنه إذا كان في عهده، فقد صار العهد متحملاً له، والشيء المتحمل في الأمور المحسوسة، من شأنه أن يكون عالياً على حامله.
ونبين ذلك - وإن كان ما قدمناه يغني عنه نحو قولهم اتصل بي هذا الأمر على لسان فلان. وقوله تعالى: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم) أي على لسانه. وقولهم: تقلدت الأمر. ويقول المتضمن للشيء المتكفل به. هذا الأمر في عنقي وعلى أن أقوم به وهذا المعنى أراد الشاعر بقوله:
إن لي حاجة إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد
ومن ظريف هذا الباب قول ابن الرقيات.
ألا طرقت من آل بثنة طارقه ... على انها معشوقة الدل عاشقه
وأبين ما فيه: أن تكون (عاشقة) صفة لطارقة، على معنى التقديم والتأخير، كأنه قال: طارقة عاشقة، على أنها معشوقة. وذلك أن من شأن المعشوق أن يُعرض عن عاشقه ويهجره، فيريد أن هذه الطارقة لا يمنعها معرفتها بعشق محبها لها أن تعشقه، فهو من باب قولهم: زرته على مرضي، وأكرمته على أنه أهانني.
فقس ما يرد عليك من هذا الباب على هذه الأمثلة، فإنك تجده غير خارج عما وضعت عليه هذه اللفظة من معنى الإشراف: حقيقة ومجازاً، إن شاء الله تعالى.
стр. 457
[١٤] مسألة:
وأنشد في هذا الباب لأبي ذؤيب:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نثيج
وقال: معناه شربن من ماء البحر.
ثم قال بعد هذا في باب زيادة الصفات في قوله تعالى: (عينا يشرب بها عباد الله): إن معناه يشربها. ولا أعلم من جعل الباء في الآية زائدة. وفي بيت أبي ذؤيب: بمعنى (من). ولا فرق بين الموضعين، فإذا احتج له محتج بأنه لا يجوز تقدير زيادة الباء في البيت، لأنه يصير التقدير: شربن ماء البحر، وماء البحر لا يشرب كله، إنما يشرب بعضه، لزمه مثل ذلك في العين.
وأيضاً، فإن العرب تقول: أكلت الخبز، وشربت الماء، ومعلوم أنه لم يأكل جميع نوع الخبز، ولم يشرب جميع نوع الماء، وإنما مجاز ذلك على وجهين:
أحدهما: أن العموم قد يوضع موضع الخصوص، كما يوضع الخصوص موضع العموم.
стр. 458
والآخر: أن الأنواع والأجناس، ليس لأجزائها أسماء تخصها من حيث هي أجزاء، إنما يسمى كل جزء منها باسم جنسه أو نوعه، فيقال لكل جزء من الماء ماء، ولكل جزء من العسل عسل، ونحو ذلك، ولا يحكم على الباء بالزيادة، لأنها بدل في كل موضع، ولكن لها مواضع مخصوصة، سنذكرها إذا انتهينا إلى باب الصفات، إن شاء الله تعالى.
[١٥] مسألة:
وقال في هذا الباب:"يقال: إن فلاناً لظريف عاقل، إلى حسب ثاقب: أي مع حسب".
(قال المفسر): (إلى) و (مع): تتداخلان في معنييهما، فيوجد في كل واحدة منهما معنى صاحبتها، لأن الشيء إذا كان مع الشيء، فهو مضاف إليه وإذا كان مضافاً إليه فهو معه. ألا ترى أنه إذا قال: فلان ظريف عاقل إلى حسب، فمعناه أن له ظرفاً وعقلاً مضافين إلى حسب ثاقب، وكذلك جميع ما ذكره في هذا الباب.
وأما قول ابن مفرغ:
شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد
فيجوز أن يكون من هذا الباب، ويجوز أن يريد أن غررهم شدخت في وجوههم، حتى انتهت إلى اللمام، فلا يكون من هذا الباب.
[١٦] مسألة:
وقال في هذا الباب:"يقال: هديته له وإليه".
стр. 459
(قال المفسر): جاز وقوع اللام موقع (إلى)، ووقوع (إلى) موقع اللام، لما بين معنييهما من التداخل والتضارع. ألا ترى أن اللام لا يخلو من أن تكون بمعنى الملك، أو الاستحقاق، أو التخصيص، أو العلة والسبب. وإلى للانتهاء والغاية. وكل مملوك فغايته أن يلحق بمالكه، وكل مستحق فغايته أن يلحق بمستحقه، وكل مختص فغايته أن يلحق بمختصه، وكل معلول فغايته أن يلحق بعلته، فكلها، يوجد فيها معنى (إلى)، وموضوعها الذي وضعت له.
[١٧] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال اركب على اسم الله: أي باسم الله. ويقال: عنف عليه، وبه، وخرق عليه، وبه" إلى آخر الفصل.
(قال المفسر) قد ذكرنا (على) فيما تقدم، وقلنا إنها موضوعة لمعنى العلو: حقيقة أو مجازاً، حسا أو عقلاً، وإنما جاز استعمالها ههنا بمعنى الباء، لأن (الباء) و (على)، تقعان جميعاً موقع الحال ويشتركان في ذلك، فيقال: جاء زيد بثيابه، وجاءني زيد وعليه ثيابه، فيكون المعنى واحداً، وقد يكون لقوله: جاء زيد بثيابه، معنى آخر وهو أن يراد أن جاء بها، غير لا بس لها. فهذا غير ما نحن بسبيله.
والفرق بين المسألتين أن الباء تتعلق في هذا الوجه الآخر بالفعل الظاهر، وفي الوجه الأول، تتعلق بمحذوف، لأن كل حرف جر، وقع موقع حال أو صفة أو خبر، فإنه يتعلق أبداً بمحذوف، وذلك المحذوف هو ما ناب الحرف منابه، ووقع موقعه، ولأجل هذا لم يجب أن يكون
стр. 460
قولنا: اركب على اسم الله: بمنزلة قولنا: اركب على الفرس، لأن (على) هاهنا متعلقه بنفس الفعل الظاهر، ولا موضع لها من الإعراب. وهي في قولنا: اركب على اسم الله متعلقة بمحذوف، ولها موضع من الإعراب، وهي متعلقة بالحال التي نابت منابها، والتقدير: اركب معتمداً على سام الله، وكذلك قوله:
شدوا المطي على دليل دائب
أي معتمدين على دليل دائب.
وأما ما حكاه من قولهم: عنف به، وعنف عليه، فليسا من هذا الباب، إنما عنف به: كقولك: ألصق به العنف وعنف عليه، كقولك: أوقع عليه العنف، فكل واحد من الحرفين، يمكن فيه أن يكون أصلاً على موضعه الذي وضع له.
وكذلك خرق به، وخرق عليه.
وأما قول أبي ذؤيب:
وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع
فليس كقولهم: اركب على اسم الله، ولا كقول الآخر:
شدوا المطى على دليل دائب
следующие страницы →