← Адаб

Адаб · id 17681

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (952 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الظهر. وجعل نفسه مضطلعة بذلك، كاضطلاع الحامل بحمله. وكذلك قولهم: كان ذلك على عهد كسرى: إنما استعملت فيه (على)، لأنه إذا كان في عهده، فقد صار العهد متحملاً له، والشيء المتحمل في الأمور المحسوسة، من شأنه أن يكون عالياً على حامله. ونبين ذلك - وإن كان ما قدمناه يغني عنه نحو قولهم اتصل بي هذا الأمر على لسان فلان. وقوله تعالى: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم) أي على لسانه. وقولهم: تقلدت الأمر. ويقول المتضمن للشيء المتكفل به. هذا الأمر في عنقي وعلى أن أقوم به وهذا المعنى أراد الشاعر بقوله: إن لي حاجة إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد ومن ظريف هذا الباب قول ابن الرقيات. ألا طرقت من آل بثنة طارقه ... على انها معشوقة الدل عاشقه وأبين ما فيه: أن تكون (عاشقة) صفة لطارقة، على معنى التقديم والتأخير، كأنه قال: طارقة عاشقة، على أنها معشوقة. وذلك أن من شأن المعشوق أن يُعرض عن عاشقه ويهجره، فيريد أن هذه الطارقة لا يمنعها معرفتها بعشق محبها لها أن تعشقه، فهو من باب قولهم: زرته على مرضي، وأكرمته على أنه أهانني. فقس ما يرد عليك من هذا الباب على هذه الأمثلة، فإنك تجده غير خارج عما وضعت عليه هذه اللفظة من معنى الإشراف: حقيقة ومجازاً، إن شاء الله تعالى.

стр. 457

[١٤] مسألة: وأنشد في هذا الباب لأبي ذؤيب: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نثيج وقال: معناه شربن من ماء البحر. ثم قال بعد هذا في باب زيادة الصفات في قوله تعالى: (عينا يشرب بها عباد الله): إن معناه يشربها. ولا أعلم من جعل الباء في الآية زائدة. وفي بيت أبي ذؤيب: بمعنى (من). ولا فرق بين الموضعين، فإذا احتج له محتج بأنه لا يجوز تقدير زيادة الباء في البيت، لأنه يصير التقدير: شربن ماء البحر، وماء البحر لا يشرب كله، إنما يشرب بعضه، لزمه مثل ذلك في العين. وأيضاً، فإن العرب تقول: أكلت الخبز، وشربت الماء، ومعلوم أنه لم يأكل جميع نوع الخبز، ولم يشرب جميع نوع الماء، وإنما مجاز ذلك على وجهين: أحدهما: أن العموم قد يوضع موضع الخصوص، كما يوضع الخصوص موضع العموم.

стр. 458

والآخر: أن الأنواع والأجناس، ليس لأجزائها أسماء تخصها من حيث هي أجزاء، إنما يسمى كل جزء منها باسم جنسه أو نوعه، فيقال لكل جزء من الماء ماء، ولكل جزء من العسل عسل، ونحو ذلك، ولا يحكم على الباء بالزيادة، لأنها بدل في كل موضع، ولكن لها مواضع مخصوصة، سنذكرها إذا انتهينا إلى باب الصفات، إن شاء الله تعالى. [١٥] مسألة: وقال في هذا الباب:"يقال: إن فلاناً لظريف عاقل، إلى حسب ثاقب: أي مع حسب". (قال المفسر): (إلى) و (مع): تتداخلان في معنييهما، فيوجد في كل واحدة منهما معنى صاحبتها، لأن الشيء إذا كان مع الشيء، فهو مضاف إليه وإذا كان مضافاً إليه فهو معه. ألا ترى أنه إذا قال: فلان ظريف عاقل إلى حسب، فمعناه أن له ظرفاً وعقلاً مضافين إلى حسب ثاقب، وكذلك جميع ما ذكره في هذا الباب. وأما قول ابن مفرغ: شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد فيجوز أن يكون من هذا الباب، ويجوز أن يريد أن غررهم شدخت في وجوههم، حتى انتهت إلى اللمام، فلا يكون من هذا الباب. [١٦] مسألة: وقال في هذا الباب:"يقال: هديته له وإليه".

стр. 459

(قال المفسر): جاز وقوع اللام موقع (إلى)، ووقوع (إلى) موقع اللام، لما بين معنييهما من التداخل والتضارع. ألا ترى أن اللام لا يخلو من أن تكون بمعنى الملك، أو الاستحقاق، أو التخصيص، أو العلة والسبب. وإلى للانتهاء والغاية. وكل مملوك فغايته أن يلحق بمالكه، وكل مستحق فغايته أن يلحق بمستحقه، وكل مختص فغايته أن يلحق بمختصه، وكل معلول فغايته أن يلحق بعلته، فكلها، يوجد فيها معنى (إلى)، وموضوعها الذي وضعت له. [١٧] مسألة: وقال في هذا الباب: "يقال اركب على اسم الله: أي باسم الله. ويقال: عنف عليه، وبه، وخرق عليه، وبه" إلى آخر الفصل. (قال المفسر) قد ذكرنا (على) فيما تقدم، وقلنا إنها موضوعة لمعنى العلو: حقيقة أو مجازاً، حسا أو عقلاً، وإنما جاز استعمالها ههنا بمعنى الباء، لأن (الباء) و (على)، تقعان جميعاً موقع الحال ويشتركان في ذلك، فيقال: جاء زيد بثيابه، وجاءني زيد وعليه ثيابه، فيكون المعنى واحداً، وقد يكون لقوله: جاء زيد بثيابه، معنى آخر وهو أن يراد أن جاء بها، غير لا بس لها. فهذا غير ما نحن بسبيله. والفرق بين المسألتين أن الباء تتعلق في هذا الوجه الآخر بالفعل الظاهر، وفي الوجه الأول، تتعلق بمحذوف، لأن كل حرف جر، وقع موقع حال أو صفة أو خبر، فإنه يتعلق أبداً بمحذوف، وذلك المحذوف هو ما ناب الحرف منابه، ووقع موقعه، ولأجل هذا لم يجب أن يكون

стр. 460

قولنا: اركب على اسم الله: بمنزلة قولنا: اركب على الفرس، لأن (على) هاهنا متعلقه بنفس الفعل الظاهر، ولا موضع لها من الإعراب. وهي في قولنا: اركب على اسم الله متعلقة بمحذوف، ولها موضع من الإعراب، وهي متعلقة بالحال التي نابت منابها، والتقدير: اركب معتمداً على سام الله، وكذلك قوله: شدوا المطي على دليل دائب أي معتمدين على دليل دائب. وأما ما حكاه من قولهم: عنف به، وعنف عليه، فليسا من هذا الباب، إنما عنف به: كقولك: ألصق به العنف وعنف عليه، كقولك: أوقع عليه العنف، فكل واحد من الحرفين، يمكن فيه أن يكون أصلاً على موضعه الذي وضع له. وكذلك خرق به، وخرق عليه. وأما قول أبي ذؤيب: وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع فليس كقولهم: اركب على اسم الله، ولا كقول الآخر: شدوا المطى على دليل دائب

стр. 461

لأن (على) في بيت أبي ذؤيب، متعلقة بنفس يفيض، لأنه يقال: أفاض بالقداح إذا دفع بها. فالظاهر من أمر (على) هذه، أن تكون بدلاً من الباء، وإنما جاز لعلى أن تقع موقع هذه الباء، لأنه إذا قال: دفعت به، فمعناه كمعنى أوقعت عليه الدفع. وهذا التفسير، على قول من جعل يصدع في هذا البيت بمعنى يفصل الحكم ويبينه، من قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر)، ومن قال: إن (يصدع) هاهنا: بمعنى يصبح، فيجوز على قوله، أن تكون (على) متعلقة بيصدع، كأنه قال: ويصدع على القداح، كقولك يصيح عليها، فتقدم الجار هاهنا على ما يتعلق به، كتقدم الظرف في قول طرفة تلاقي وأحياناً تبين كأنها ... بنانق غر في قميص مقدد أراد، وتبين أحياناً، والقول الأول: هو الوجه. [١٧] مسألة: وأنشد في هذا الباب للبيد أن مصفحات في ذراه ... وأنواحاً عليهن المآلي وقال: على بمعنى مع".

стр. 462

(قال المفسر): لا وجه لهذا الذي قاله، و (على) هنا غير موضوعة موضع غيرها. وأحسب الذين زعموا أن (على) هاهنا بمعنى (مع)، إنما قالوا ذلك، لأن (على) يراد بها الإشراف على الشيء. والمآلي: ليست مشرفة على الأنواح، إنما هي خرق يمسكنها في أيديهن، وهذا غلط وسهو، لأن العرب تجعل ما أشرف على جزء من الجسم بمنزلة ما أشرف عليه كله، فيقولون: جاء وعليه خف جديد، ورأيته وعليه خاتم فضة، ويجوز أن يريد: على أيديهن المآلي، فيحذف المضاف، ويقيم المضاف إليه مقامة، ويدل على ما ذكرناه من توسعهم في هذه المعاني، قول الهذلي: فرميت فوق ملاءة محبوكة ... وأبيت للإشهاد حزة ادعى وإنما أراد أنه رمى بالسهام وعليه ملاءة. [١٩] مسألة: وأنشد في هذا الفصل أيضا للشماخ وبردان من خال وسبعون درهماً ... على ذاك مقروظ من القد ماعز (قال المفسر): قوله: على ذاك يريد مع ذاك. يصف قواساً ساوم بقوس، فطلب من مشتريها هذه الأشياء، وطلب منه مع ذلك جلداً مقروظاً أي مدبوغاً بالقرظ ماعزاً، وهو الشديد المحكم وسنذكر هذا في شرح الأبيات بأبلغ من هذا إن شاء الله تعالى. والقول عندي في هذا البيت أن (على) فيه على وجهها، وإنما

стр. 463

أراد من المبتاع أن يزيده على ما اشترط من الثمن جلدا مقروظاً، كما تقول: أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا درهما، وتزيدني على ذلك ثوباً. وقال بعض أصحاب المعاني: غنما أراد منه أن يعطيه ما ذكر من الثمن مجموعاً في عيبة مقروظة. وهذا التأويل أيضاً يوجب أن تكون (على) غير مبدلة من شيء، لأن الشيء إذا جُعل في وعاء، صار الوعاء عليه، لأنه يحيط به من جهاته. [٢٠] مسألة: وحكى عن أبي عبيده أنه قال في قوله تعالى: (إذا اكتالوا على الناس يستوفون) أن معناه من الناس، وأنشد لصخر الغي: متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث (قال المفسر): إنما قال أبو عبيدة هذا، لأنه يقال: اكتلت من زيد الطعام، أي سألته أن يكيله على، واكتال منى طعاما، أي سألتني أن اكتاله عليه، فيستعملون (من) في البائع و (على) في المبيع منه، وجاز استعمال (على) هاهنا، لأن معنى كال عليه، عرض عليه كيله. فكان يجب أن يقال في الآية: إذا اكتالوا من الناس، لأن المراد، استدعوا منهم أن يكيلوا عليهم.

стр. 464

وأما هذا البيت، فليس لصخر الغي، إنما هو لأبي المثلم الهذلي في شعر، يخاطب صخراً الغي. وهذا مما غلط فيه يعقوب فنقل ابن قتيبة كلامه، ورواه يعقوب في كتاب المعاني: (متى أقطارها) وقال: أراد من أقطارها. وحكى أن هذيلاً تستعمل (متى) بمعنى (من)، وفسره فقال: يريد كتيبة. أي متى (ما تقولوا ما هذه، فتشكوا فيها، ترد عليكم فيها الدماء تنفثها نفثاً. وكذلك قال السكري في أشعار الهذليين: إنه يعني كتيبة. وهذا التفسير ظريف، لأن الشعر كله لا ذكر فيه المكتيبة. وسنتكلم في حقيقة معناه، ونقول فيه ما يجب، عند انتهائنا إلى الكلام في معاني الأبيات، إن شاء الله تعالى. [٢١] مسألة: وأنشد لامرئ القيس: وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال وقال: معناه من ثلاثة أحوال. (قال المفسر): كذا حكي يعقوب عن الأصمعي أن (في) هاهنا بمعنى من، وأجاز أيضاً أن تكون بمعنى (مع) كما قال: (ولوح ذراعين في بركة) وكونها بمعنى (مع)، أشبه من كونها بمعنى (من)، رواه الطوسي:

стр. 465

أو ثلاثة أحوال" وكل هؤلاء ذهبوا إلى أن الأحوال هاهنا الستون، جمع حول. والوجه فيه عندي أن الأحوال هاهنا جمع حال، لا جمع حول. وإنما يريد، كيف ينعم من كان أقرب عهده بالنعيم ثلاثين شهراً وقد تعاقبت عليه ثلاثة أحوال، وهي اختلاف الرياح عليه، وملازمة الأمطار له، والقدم المغير لرسومه. فتكون (في) هاهنا هي التي تقع بمعنى واو الحال في نحو قولك: مرت عليه ثلاثة أشهر في نعيم، أي وهذه حاله. [٢٢] مسألة: وقال في هذا الباب: يقال: فلان عاقل في حلم، أي مع حلم، وأنشد: قول الجعدي: (ولوح ذراعين في بركة وقال معناه مع بركة. (قال المفسر): إنما جاز استعمال (في) بمعنى (مع)، لتقاربهما في معنييهما، لأن الشيء، إذا كان في الشيء، فهو معه. [٢٣] مسألة: وأنشد لعمرو بن قميئة. بودك ما قومي على أن تركتهم ... سليمي إذا هبت شمال وريحها وقال: معناه: على ودك. (قال المفسر): كذا قال يعقوب في كتاب المعاني، ومنه نقل

стр. 466

أكثر هذه الأبواب. وقد غلط يعقوب في معنى البيت، واتهمه ابن قتيبة على غلطه. وليس في هذا البيت حرف أبدل من حرف، ولا (ما) فيه زائدة، على ما قال. إنما الباء هاهنا بمعنى القسم، و (ما) استفهام في موضع رفع على الابتداء، وقومي: خبره. والمعنى: بحق المودة التي بيني وبينك: أي شيء [قومي] في الكرم والجود عند هبوب الشمال. يريد زمان الشتاء، لأنهم كانوا يتحدثون بإطعام الطعام فيه، كما قال طرفة: نحن في المشتاة ندعوا الحفلى ... لاترى الآدب فينا ينتقر ويعني بريحها، النكباء، التي تناوحها، كما قال ذو الرمة. (إذا النكباء ناوحت الشمالا) ويروى: بودك، بفتح الواو، فمن رواه هكذا، فمعناه بحق صنمك الذي تعبدين. ومن رواه بضم الواو، جاز أن يريد المودة، وجاز أن يريد الصنم، لأن الصنم يقال له: ود وود، قريء بهما جميعاً. ويقال في المودة أيضاً: ود، وود (بالفتح، والكسر). ولو أراد على مودتك قومي على ما توهم يعقوب وابن قتيبة، لم

стр. 467

يقل: إذا هبت شمال وريحها. إنما كان يجب أن يقول: ما هبت شمال وريحها، كما تقول: لا أكلمك ما هبت الريح، وما طار طائر، ونحو ذلك. باب زيادة الصفات سمي ابن قتيبة في هذه الأبواب حروف الجر صفات، وهي عبارة كوفية لا بصرية. وإنما سموها صفات، لأنها تنوب مناب الصفات، وتحل محلها. فإذا قلت: مررت برجل من أهل الكوفة، أو رأيت رجلاً في الدار، فالمعنى: مررت برجل كائن من أهل الكوفة، ورأيت رجلاً مستقراً في الدار. وحروف الجر تنقسم من طريق الزيادة وغير الزيادة ثلاثة أقسام: قسم لا خلاف بين النحويين في أنه غير زائد. وقسم لا خلاف بينهم في أنه زائد، وإن كان في ذلك خلاف لم يلتفت إليه، لشذوذ قائله عما عليه الجمهور. وقسم ثالث فيه خلاف، وإنما خصصنا الباء بالذكر دون غيرها نم حروف الجر، لأن ابن قتيبة، لم يذكر في هذا الباب حرفاً غير الباء، إلا ما ذكره من بيت حميد في آخر الباب. فالباءات التي لا يجوز أن يقال فيها إنها زائدة: تسعة أنواع، منها الباء التي لا يصل الفعل إلى معموله إلا بها، كقولك: مررت بزيد. وهذه هي التي تسمى باء الإلصاق، وباء التعدية. ومنها الباء التي تدخل على الاسم المتوسط بين العامل ومعموله،

стр. 468

كقولك ضربت بالسوط زيداً، وكتبت بالقلم الكتاب، وشربت بالماء الدواء. وهذه الباء تسمى باء الاستعانة. والفرق بينها وبين الأولى: أن الفعل في النوع الأول متعد إلى الاسم الذي باشرته الباء، من غير توسط شيء بينهما. وفي النوع الثاني تتعدى إلى شيء بتوسط شيء آخر. وقد يقتصرون على أحد الاسمين، فيقولون: ضربت بالسوط، وكتبت بالقلم، ولا يذكرون المضروب ولا المكتوب، وقد يقولون ضربت زيداً وتبت الكتاب، ولا يذكر الاسم المتوسط، الذي بوساطته باشر العامل معموله. ومنها الباء التي ننوب مناب واو الحال كقولهم: جاء زيد بثيابه: أي وثيابه عليه، وقوله: ومستنة كاستنان الخروف ... قد قطع الحبل بالمرود أي والمرود فيه: دفوع الأصابع ضرح الشمـ ... وس نجلاء مؤنسة العود ومنها الباء التي تأتي بمعنى البدل والعوض كقولهم: هذا بذاك ومنها الباء التي تأتي بمعنى (عن) بعد السؤال، كقوله: فإن تسأوني بالنساء فإنني ... بصير بادواء النساء طبيب

стр. 469

ومنها الباء التي تأتي بمعنى القسم. ومنها الباء التي تقع في التشبيه، كقولهم: لقيت به الأسد، ورأيت به القمر، أي لقيت بلقائي إياه الأسد، ورأيت برؤيتي إياه القمر. ومنها الباء التي تقع بعد ما ظاهره غير الذات، وإنما المراد الذات بعينها، كقوله: إذا ما غزا لم يسقط الخوف رمحه ... ولم يشهد الهيجا بألوث معصم أي لم يشهد الهيجاء من نفسه برجل ألوث. وكذلك قوله: يا خير من يركب المطى ولا ... يشرب كأساً بكف من بخلا ومنها ياء السبب كقوله غلت تشذر بالذحول كأنها ... جن البدى رواسيا أقدامها أي بسبب الذحول، ومن أجلها. فجميع هذه الباءات لاتجوز زيادتها، لا أعرف في ذلك خلافاً لأحد. وأما الزائدة التي لا خلاف في زيادتها إلا ما لا يعتد به، فكل باء

стр. 470

دخلت على الفاعل في نحو قوله تعالى: (وكفى بالله شهيداً) وقول الشاعر: ألم يأتيك والانباء فنمى ... مما لافت لبون بنى زياد وهذا البيت أول القصيدة. وكذلك ما دخل منها على المبتدء في نحو قوله: بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غنى مضر وإنما لزم أن تكون هنا زائدة، لأن الفاعل لا يحتاج إلى واسطة بينه وبني فعله لشدة اتصاله. والمبتدأ سبيله أن يكون معرى من العوامل اللفظية. * * * وأما الباء التي فيها خلاف، فكل باء دخلت على معمول وعامله، يمكن أن يتعدى إليه نفسه، من غير وساطه حرف بينهما، كقوله تعالى (عيناً يشرب بها عباد الله).

стр. 471

وقول أبي ذؤيب: (شربن بماء البحر ...) فللنحويين في هذا النوع من الباءات أقوال مختلفة، وهي كثيرة ولنا نذكر ما تضمنه هذا الباب عنها إن شاء الله تعالى. [١] مسألة: أما قوله تعالى (تنبت بالدهن) فإنه يقرأ بفتح التاء وضمها. فمن قرأ بالفتح - وعليه أكثر القراء - فالباء غير زائدة. ومن قرأ بضم التاء - وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير - ففي هذه القراءة ثلاثة أقوال: أحدها: ما ذكره ابن قتيبة: من زيادة الباء، وأحسبه قول أبي عبيدة. ويقوى هذا القول ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: (يخرج الدهن). والقول الثاني: أن تكون هاهنا هي الباء التي تعاقب واو الحال في نحو ما حكيناه من قول الشاعر: (قد قطع الحبل بالمرود أي والمرود فيه. فيكون المعنى: تنبت نباتها والدهن فيه والقول الثالث: أن تكون على حدها في قراءة من فتح التاء، لأنه قد حكى نبت البقل وأنبت بمعنى واحد. [٢] مسألة: وأما قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) وتأوياه إياه على زيادة

стр. 472

الباء، فقول غير مختار، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما ذكره، والثاني: أن تكون الباء غير زائدة، ولكنها على بابها في الإلصاق، كأنه قيل: ألصق قراءتك باسم ربك. فالمقروء في هذين القولين هو الاسم والقول الثالث: أن تكون الباء بمعنى الاستعانة، والمقروء غير الاسم، كأنه قال: اقرأ كل ما تقرأ باسم ربك. أي قدم التسمية قبل قراءتك. وهذا خير الأقوال، لأن السنة غنما وردت بتقديم التسمية قبل كل ما يقرأ من القرآن، فهو إذن من باب بريت بالسكين القلم: في أن الفعل يصل إلى أحد المفعولين بتوسط الاسم الآخر. [٣] مسألة: أما قوله تعالى (عينا يشرب بها عباد الله) ففيه أيضاً ثلاثة أوجه أحدها زيادة الباء، والثاني: أن يكون بمعنى (من) كالتي في قول أبي ذؤيب: (شربن بماء البحر ...) والثالث: أن يكون المعنى أنهم يلصقون بها شربهم. وهذا على رأي من لا يرى زيادة شيء من القرآن. [٤] مسألة: وأما قول أمية: "إذ يسقون بالدقيق" وقول الراعي، "لا يقرأن بالسور"، ففيهما أيضاً قولان: الزيادة، والإلصاق على ما قدمناه.

стр. 473

وأما قوله: بواد يمان ينبت الشت صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان فيحتمل وجهين: أحدهما زيادة الباء، فيكون موضع المجرور بها نصباً عطفاً على الشت كما نقول: ضرب زيد عمراً وبكر خالداً. فتعطف الفاعل على الفاعل والمفعول على المفعول. والثاني: أن تكون غير زائدة، فيكون قوله: وأسفله، مرفوعاً بالابتداء. وقوله بالمرخ: في موضع رفع على خبره، كأنه قال: وأسفله مثمر بالمرخ، ونحو ذلك من التقدير. [٥] مسألة: وأما قول الأعشى: (ضمنت برزق عيالنا أرماحنا). فإنما جاز دخول الباء فيه على الرزق، لأن ضمنت بمعنى تكفلت، والتكفل يتعدى بالباء. تقول: تكلفت بكذا، فصار نحو ما قدمناه من حملهم الفعل على نظيره. وكذلك قول الراجز: (نضرب بالسيف ونرجو بالفرج)

стр. 474

إنما عدي الرجاء بالباء، لأنه بمعنى الطمع، والطمع يتعدى بالباء، كقولك: طمعت بكذا قال الشاعر: طمعت بليلى أن تريع وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع [٦] مسألة: وأما قوله تعالى: (وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً)، فإن في هذه الآية وجوهاً من القراءات والإعراب: فمن قرأ يساقط بباء مضمومة أو بتاء مضمومة وخفف السين، وكسر القاف، فالباء على قراءته زائدة، أو للإلصاق، على ما قدمناه من رأى من يرى أن القرآن ليس فيه شيء زائد. والهز بحسب هاتين القراءتين والرأيين ليس فيه شيء زائد، وهو واقع على الجذع. وقوله (رطباً): مفعول تساقط، وفي تساقط ضمير فاعل، فمن قرأ يساقط، فذكر، كان الضمير عائداً إلى الجذع. ومن قرأ تساقط فأنث، كان الضمير عائداً إلى النخلة. وقد قيل: إنه عائد على الجذع، وأنث الجذع إذ كان مضافاً على مؤنث هو بعضه. كما قالوا ذهبت بعض أصابعه. ومن قرأ يساقط عليك، ففتح الياء، وشدد السين، وفتح القاف، وذكر الضمير. فلا يكون الضمير على قراءته إلا عائداً على الجذع. ومن فتح وشدد وأنث الضمير، كانالضمير الفاعل عائداً على النخلة، أو على الجذع، ويكون الهز في هاتين القراتين، واقعاً أيضاً على الجذع، والباء زائدة، أو للإلصاق، كما كان في القراءتين

стр. 475

المتقدمتين غير أن الرطب في هاتين القراءتين الأخريين، ينصب على التمييز والتفسير، لأن التساقط لا يتعدى إلى مفعولين، كما تتعدى المساقطة. ويجوز في هاتين القراءتين الثانيتين، أن يكون الرطب منتصباً بهزي، أي هزي رطباً جنياً بهزك جذع النخلة. فيكون كقولهم: لقيت بزيد كرماً وبراً. أي لقيت الكرم والبر بلقائي إياه، فتكون الباء على هذا غير زائدة. ويكون الضمير الفاعل في تساقط، عائداً على الرطب، لا على الجذع. وكذلك في قراءة من أنث، يكون عائداً على الرطب، لا على النخلة، لأن الرطب يذكر ويؤنث. وفي تأنيث الضمير، وهو عائد على الرطب نظر، لأنه قد قال ﵎: (جنيا) فذكر صفته، وكان يجب على هذا أن تكون جنية، غير أنه أخرج بعض الكلام على التذكير، وبعضه على التأنيث، كما قال الأعشى: قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ... وأرى ثيابك بايات همدا فقال: باليات على تأنيث الجمع، وهمدا على تذكيره، وقد جاء في القرآن ما هو أظرف من هذا وأغرب وهو قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) فأفرد اسم كان، على

стр. 476

لفظ (من)، وجمع خبرها على معناها، فصار بمنزلة قول القائل لا يدخل الدار إلا من كان عقلاء. وهذه مسألة قد أنكرها كثير من النحويين، وقد جاء نظيرها في كتاب الله تعالى كما ترى. [٧] مسألة: وأما قوله تعالى (فستبصر ويبصرون، بأيكم المفتون). فإنما ذهب من ذهب إلى زيادة الباء هنا، لأنه اعتقد أن المفتون اسم المفعول من فتنته، فوجب على هذا الاعتقاد أن يقال: أيكم المفتون على الابتداء والخبر. وصارت الباء هاهنا زائدة، كزيادتها في قولهم: بحسبك قول السوء، وقول الشاعر: بحسبك في القوم أن يسلموا ... بأنك فيهم غنى مضر والأجود في هذه الآية، أن يكون المفتون مصدراً جاء على زنة المفعول، كقولهم: خذ ميسوره، ودع معسوره، فيرتفع بالابتداء، يكون قوله: بأيكم، في موضع رفع على أنه خبره كأنه قال: بأيكم الفتون، كما تقول: بأيكم المرض .. وقد قيل إن الباء هاهنا فمعنى في، كما تقول زيد بالبصرة وفي البصرة. والمفتون: اسم مفعول لا مصدر، ومرفوع بالابتداء، والمجرور: متضمن لخبره، كأنه قال: في أيكم المفتون؟ كما تقول: في أيكم الضال؟ وفي أي الطافتين الكافر؟

стр. 477

[٨] مسألة وأما قول امريء القيس: (هصرت بغصن ذي شماريخ ميال. فنه محمول على الوجهين المتقدمين من زيادة الباء، أو من معنى الإلصاق. ويقوى قول من قاله بالإلصاق في هذه الأشياء، أنه لو قال: أوقعت الهصر بالغصن، لأفاد ما يفيده قوله هصرت غصناً. وكذلك لو قال: أوقع الهز بالجذع، والشرب بالماء، لأفاد ما يفيده قوله: هز الجذع، واشرب الماء، فكأنه كلام حمل على ما هو مثاله في المعنى، على ما تقدم من حملهم بعض الأشياء على بعض. [٩] مسألة: وأما قول حميد بن ثور: أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاه تروق فإنما جعل (على) فيه زائدة، لأن راق يروق، لا يحتاج في تعديه إلى حرف جر إنما يقال الشيء يروقني. والمعنى: تروق كل أفنان. وإنما استعمل (على) هاهنا، لأنها إذا راقتها، كان لها فضل وشرف عليها. وقد يمكن في هذا البيت، على رأى من ينكر الزيادة، أن بقدر في الكلام محذوف، كأنه قال: أبى الله لا أن أفنان سرحة مالك.

стр. 478

فيكون قوله: على كل أفنان في موضع خبر (أن)، كما يقال: أبى الله إلا أن فضل ربى على كل فضل، أي فوق كل فضل فالأفنان على هذا القول: جمع فنن، وهو الغصن. وعلى هذا القول حكاه ابن قتيبة، وهو قول يعقوب: ينبغي أن يكون جمع فن وهو النوع، كأنه قال: تروق كل أنواع العضاه. وقد يجوز أن يقدر في صدر البيت من الحذف مثل ما قدرناه، فتكون الأفنان: الأغصان. كما أنه يمكن في القول الثاني، أن تكون الأفنان: الأنواع، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف. باب إدخال الصفات وإخراجها هذا الباب موقوف على السماع، ولا يجوز القياس عليه، وإنما لم يجز أن يجل مقياساً كسائر المقاييس، لأن الفعل نما يحتاج في تعديه إلى وساطة الحرف، إذا ضعف عن التعدي إلى معموله بنفسه، فتعديه بلا واسطة، دليل على قوته، وتعديه بواسطة، دليل على ضعفه، فمن أجاز تعديه بنفسه تارة، وتعديه بواسطة تارة، من غير أن يكون بين الحالتين اختلاف، كان كمن أجاز اجتماع الضدين. ولهذا والذي ذكرناه، أنكر هذا الباب قوم من النحويين واللغويين ودفعوه، وتكلفوا أن يجعلوا لكل واحد من اللفين معنى غير معنى الآخر، فأفضى بهم الأمر إلى تعسف شديد. وإن ذهبنا إلى الكلام على كل لفظة من الألفاظ التي تضمنها هذا

стр. 479

الباب، على الرأيين جميعاً، طال ذلك جداً، واحتجنا إلى أن نتكلف ما تلكفه المنكرون له. ولكنا نقول في ذلك قولاً متوسطاً بين القولين أخذاً بطرف من كلا المذهبين، ينتفع به من يقف على معناه، ويستدل به على سواه، إن شاء الله تعالى. * * * (اعلم) أن العرب قد تحذف حروف الجر من أشياء هي محتاجة إليها، وتزيدها في أشياء هي غنية عنها. فإذا حذفوا حرف الجر مما هو محتاج إليه، فذلك لأسباب ثلاثة: أحدها: أن يكثر استعمال الشيء، ويفهم الغرض منه والمراد فيحذف الحرف تخفيفاً، كما يحذفون غير ذلك من كلامهم، مما لا يقدر المنكرون على أن يدفعوه، كقولهم: (أيش لك)، يريدون: أي شيء. و (يلمه)، وهم يريدون: ويل أمه، وويل لامه. وذلك كثير جداً، كحذفهم المبتدأ تارة، الخبر تارة، وغير ذلك مما يعلمه أهل هذه الصناعة. والثاني: أن يحمل الشيء على شيء آخر وهو في معناه، ليتداخل اللفظان، كما تداخل المعنيان، كقولهم: استغفر الله ذنبي، حين كان بمعنى استوهبه إياه: والثالث: أن يضطر إلى ذلك شاعر، كنحو ما أنشده الكوفيون من قول جرير: تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم على إذن حرام

стр. 480

وإنما زاد حرف الجر فيما هو غنى عنه، فذلك لأسباب أربعة: أحدها: تأيد المعنى وتقوية عمل العامل، وذلك بمنزلة من كان معه سيف صقيل، فزاده صقلاً، وهو غني عنه، أو بمنزلة من أعطى آلة يفعل بها، وهو غير محتاج إليها، مئونة له على فعله. والثاني: الحمل على المعاني، ليتداخل اللفظان، كتداخل المعنيين، كقول الراجز: (نضرب بالسيف ونرجو بالفرج فعدى الرجاء بالباء حين كان بمعنى الطمع، وكقول الآخر: أردت لكيلا يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود حين كان بمعنى إرادتي واقعة لهذا الأمر. والثالث: أن يضطر شاعر. والرابع: أن يحدث بزيادة الحرف معنى لم يكن في الكلام. وهذا النوع أظرف الأنواع الأربعة، وألطفها، مأخذاً، وأخفاها صنعة. ومن أجل هذا النوع، أراد الذين أنكروا هذا الباب أن يجعلوا لكل معنى غير معنى الآخر، ضاق عليهم المسلك، وصاروا إلى التعسف. وهذا النوع كثير في الكلام، يراه من منحه الله طرفا ًمن النظر، ولم يمر عليه معرضاً عنه. فمن لك قولهم: شكرت زيداً، وشكرت لزيد، يتوهم كثير من أهل هذه الصناعة: أن دخول اللام هاهنا كخروجها، كما توهم ابن قتيبة ويعقوب، ومن كتبه نقل ابن قتيبة ما ضمنه هذا الباب، وليس كذلك، لأنك إذا قلت: شكرت زيداً، فالفعل متعد إلى مفعول واحد. وإذا قلت: شكرت لزيد، صار

стр. 481

بدخول اللام متعدياً إلى مفعولين، لأن المعنى، شكرت لزيد فعله. وإنما يترك ذلك الفعل اختصاراً. ويدلك على ظهور المفعول في قول الشاعر: شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... وما ضاعمعروف يكافئه شكر ومن هذا النوع قولهم: كلت الطعام، ووزنت الدراهم، فيعدونهما إلى مفعول واحد، ثم يدخلون اللام فيعدونهما إلى مفعولين، فيقولون: كلت الطعام لزيد، ووزنت الدراهم لعمرو. وإذا قالوا: كلت لزيد، ووزنت لعمرو، فإنما يتركون ذكر المكيل والموزون اختصاراً. وكذلك إذا قالوا: كلت زيداً ووزنت عمراً، حذفوا حرف الجر والمفعول الثاني اختصاراً، وثقة بفهم السامع. وذكر ابن درستويه، أن نصحت زيداً، ونصحت لزيد من هذا الباب، وأن اللام إنما تدخله لتعديه إلى مفعول آخر، وأنهم إذا قالوا: نصحت لزيد، فإنما يريدون نصحت لزيد رأيي، أو مشورتي، فيترك ذكر المفعول اختصاراً، كما يتركون ذكره في قولهم: سكرت لزيد. وذكر أنه من قولهم نصحت الثوب: إذا خطته فان معنى نصحت لزيد رأيي: أحكمته، أي كما يحكم الثوب إذا خيط. فعلى تلك الأوجه التي ذكرتها ينصرف هذا الباب. [١] مسألة: وذكر في هذا الباب قول الله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) وقال معناه يخوفكم بأوليائه.

стр. 482

(قال المفسر): يريد أنه مثل قولهم: خوفت زيداً الأمر، وخوفته بالأمر. فالمخوفون على ما قاله: هم المؤمنون، والأولياء، وهم الكفار، هم المخوف منهم. وقد يجوز أن يكون الأولياء هم المخوفين، دون المؤمنين، ويكون المعنى أن الشيطان إنما يخوف الكفار لأنهم يطيعونه. وأما المؤمنون، فلا سلطان له عليهم. كقوله تعالى موضع آخر: (إنما سلطانه على الذين يتولونه) فليس في هذا تقدير حرف محذوف. أبنية الأسماء (فَعلة وفِعلة): قال في هذا الباب: "العُقاب: لقوة، ولقوة، فأما التي تسرع اللقح فهي لقوة بالفتح". (قال المفسر): هذا الذي قاله، قول أبي عمرو الشيباني، وحكى الخليل غيره: (لقوة) بكسر اللام، للتي تسرع اللقح. وكذا حكى أبو عبيد في الأمثال: "كانت لقوة صادفت قبيساً". والقبيس الفحل السريع اللقاح. يضرب مثلاً للرجلين يلتقيان وهما على مذهب واحد، وخلق واحد، فيتفقان في سرعة.

стр. 483

(فُعلة وفِعلة): قال في هذا الباب "خُصية وخِصية". (قال المفسر): قد أنكر خصية بكسر الخاء في باب ما جاء مضموماً والعامة تكسره، ثم أجازها في هذا الموضع كما ترى. (فَعلة وفَعلة) قال في هذا الباب: "الوسمة والوسمة التي يختضب بها". (قال المفسر): قد أنكر تسكين السين في باب ما جاء محركاً والعامة تسكنه، ثم أجازه هاهنا. * * * (فَعال وفِعال): قال في هذا الباب: "سداد من عوز، وسداد. وهذا قوامهم وقوامهم، وحكى فيه: ولد تمام وتمام". (قال المفسر): لم يجز في باب الحرفين يتقاربان في اللفظ والمعنى، في السداد من العوز والقوام من الرزق، غير الكسر. وأجاز فيهما هاهنا: الفتح. وكذلك لم يجز في الباب المذكور غير ولد تمام، بالفتح، وأجاز فيه هاهنا الكسر. * * * فعَال وفُعال: قال في هذا الباب: "خوان وخوان".

стр. 484

(قال المفسر): قد أنكر ضم الخاء من خوان في باب ما جاء مكسوراً والعامة تضمه، ثم أجازه هاهنا. (فُعال وفَعيل): قال في هذا الباب: "وحكى الفراء صغار وصغير". (قال المفسر): كذا وقع في بعض النسخ بالغين معجمة، ووقع في بعضها صفار وصفير بالفاء. وكلاهما جائز. وهكذا اختلفت نسخ إصلاح المنطق في هذه اللفظة، في رواية أبي علي البغدادي، وحكى الفراء عن بعضهم، قال: قال في كلامه: رجل صغار يريد صغيراً. وذكر أن أحمد بن عبيد رواه صغار بالتشديد. وفي رواية ثعلب التي رويناها عن عبد الدايم بن مرزوق القيرواني: وحكى الفراء عن بعضهم قال: في كلامه صفار يريد صفيراً. كذا وقع بالفاء، جعله مصدر صفر بضمه. * * * (فعَالة وفِعالة): ذكر في هذا الباب: "الجنازة والجنازة". (قال المفسر): قد أنكر فتح الجيم في باب ما جاء مكسوراً والعامة تفتحه، وقد تكلمنا في هذا هناك، وإنما أذكر هذا ونحوه لأنبه على المواضع التي اختلف فيها قوله. * * *

стр. 485

(فْعَالة وفُعالة) قال في هذا الباب:"عليه طلاوة من الحسن وطلاوة" (قال المفسر): قد أنكر فتح الطاء في باب ما جاء مضموماً والعامة تفتحه، ثم أجازه هاهنا. (مَفعل ومَفْعِل): قال في هذا الباب: "وما كان من ذوات الياء والواو مثل مغزى من غزوت، ومرمى من رميت، فمفعل منه مفتوح: اسماً كان أو مصدراً، إلا مأقي العين، ومأوى الإبل، فإن العرب تكسر هذين الحرفين، وهما نادران". (قال المفسر): هذا قول الفراء، وقد حكاه عنه في شواذ الأبنية، وأكثر ما يجيء هذا المثال بالهاء كالمعصية والمأييه: مصدر أبيت، ومحنية الوادي. وقالوا حميت من الأنفة حمية ومحمية، وقليت الرجل مقلية: إذا أبضغته، فأما مأقى العين، فذهب غير الفراء إلى أن الميم فيه أصل غير زائدة، واستدل على ذلك بقولهم في معناه: (ماق) على وزن فلس، وجعل وزنه (فاعلاً) منقوصاً، كقاضٍ وغازٍ. وحكى أيضاً (مؤق) منقوص على وزن معط، وإن كان يخالفه في زيادة الميم، ووزنه فُعل. وذكر ابن جني هذين الاسمين في الأبنية المستدركة على سيبويه، وأجاز فيهما أن يكونا مخففين من موقى على مثال كرسين ومأقى على مثال دهري، وجعلهما مما جاء على صورة المنسوب، ويقوى

стр. 486

هذا القول: أن مأق العين قد جاءت فيه لغات كثيرة، الميم في جميعها أصل. فسبيل الميم في المأقى والموقى المنقوصين ألا يكون كذلك. وليس يبعد على قول الفراء، أن تكون الميم في هذين الحرفين زائدة، وإن كانت في سائر الكلمة أصلاً، ويكون هذا من الألفاظ التي تتقارب صيغها مع اختلاف أصولها، كقولهم: عين ثرة وثرثارة في قول البصريين، وكذلك قولهم: سبط وسبطر. ومن المعتل: شاة وشياه وشوى. وقالوا في جمع مسيل الماء: مسل ومسلان، فجعلوا الميم أصلا، وهم يقولون مع ذلك سال الماء يسيل، ومثل هذا كثير. * * * (مُفعل ومِفعل): ذكر في هذا الباب أنه يقال: منتن ومنتن [بكسر الميم لا يعرف غيره] ثم قال: فمن أخذه من أنتن، قال: منتن ومن أخذه من (نتن) قال: منتن". (قال المفسر): يمكن أن يكون منتن المكسور الميم والتاء، من أنتن أيضاً، غير أنهم كسروا الميم اتباعاً لكسرة التاء، كما قالوا: المغيرة، وهي من أغار، وقد قالوا أيضاً منتن بضم الميم والتاء، جعلوا التاء تابعة لضمة الميم، وقد ذكر ابن قتيبة نحواً من هذا في باب شواذ الأبنية.

стр. 487

(مِفعل وفعِال): قال في هذا الباب: "مقرم وقرام". (قال المفسر): المعروف مقرمة (بالهاء)، وكذا حكى أبو عبيد والخليل، وقد رواه عنه أبو علي البغدادي. * * * (مِفعل ومِفعال): قال في هذا الباب: "مقول ومقوال". (قال المفسر): كذا وقع في النسخ بالقاف، وأنكره أبو علي البغدادي وقال: "الذي أحفظ منول ومنوال بالنون". والمنول بالنون: الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب. والأشهر فيه (منوال) بالألف، كما قال امرؤ القيس: بعجلزة قد أترز الجرى لحمها ... كميت أنها هراوة منوال وأما المقول والمقوال بالقاف، فالخطيب الكثير القول، وأما المقول الذي يراد به اللسان، والمقول الذي يراد به (القيل) فلا أحف فيها غير هذه اللغة.

стр. 488

(مَفعلة ومَفْعِلة): قال في هذا الباب: "مضربة السيف ومضربته". (قال المفسر): وقع في تعاليق الكتاب عن أبي علي البغدادي: أنه قال: لا يقال مضربة، ومضربة، إنما هو مضرب ومضرب. (قال المفسر): مضربة ومضربة: صحيحتان، حكاهما يعقوب وغيره. * * * (فُعْلُل وفُعْلَل) قال في هذا الباب: "قنفذ وقنفذ، وعنصل وعنصل (للبصل البري ٩ وعنصر وعنصر". (قال المفسر): قياس النون في هذه الأمثلة أن تكون زائدة، ووزنها فنعل، لا فعلل. ويدل على ذلك جواز الفتح والضم فيها، وليس في الكلام (فعلل) بفتح اللام، إلا ما حكاه الكوفيون من طحلب وجؤذر وقعدد وذحلل، على أنهم قد قالوا: تقنفذ القنفذ: إذا اجتمع، وليس في هذا دليل قاطع بكون النون أصلاً، لأنهم قد قالوا: تقلنس الرجل: إذا لبس القلنوسه، وقلنسته، وقالوا: تمسكن، وشمدرع، فأثبتوا الميم والنون في تصريفا لفعل من هذه الألفاظ، وهما زائدتان.

стр. 489

(فَعلل وفِعلل): ذكر في هذا الباب: "الأثلب والإثلب، والأبلمة والإبلمة". (قال المفسر): قياس الهمزة في هذه الأمثلة أن تكون زائدة لا أصلية، فوزن أثلب أفعل لا فعلل، وذلك إبلمة، إفعلة، لا فعللة. باب ما يُضم ويكسر ذكر في هذا الباب أنه يقال: "جُندب وجندب". (قال المفسر): رد ذلك أبو علي البغدادي، وقال: إنما هو جندب، بضم الدال، وجندب بفتحها، والجيم مضمومة في اللغتين، وأما كسر الجيم مع فتح الدال فلا أعرفه. أهـ. (قال المفسر): جندب بكسر الجيم: صحيح، حكاه سيبويه في الأمثلة، والذي قاله أبو علي: غلط. باب ما يكسر ويفتح ترجم ابن قتيبة هذا الباب مما يكسر ويفتح، وأدخل أشياء مخالفة للترجمة، لأنه ذكر فيه ما يخفف فيمد، فإذا شُدد قصر.

стр. 490

ومن ذلك: (القبيطي، والقبيطاء) و (الباقلي، والباقلاء)، ونحو ذلك فيما لا يليق بالترجمة. والقول في ذلك عندي، أن ذلك مردود على ألو الباب، لأه قال: ما جاء فيه لغتان من حروف مختلفة الأبنية، ثم نوع ما تضمنته هذه الترجمة، فقال: ما يضم ويكسر، ثم قال: ما يضم ويفتح، ثم قال: ما يسر ويفتح، ثم جعل هذه الأشياء المختلفة نوعاً رابعاً، وإن كان لم يترجمه، لأن ترجمته أول الباب قد ضمنت ذلك وحصرته. [١] مسألة: وأنشد في هذا الباب لصخر السلمي: ولقد قتلتكم ثناء وموحداً ... وتركت مرة مثل أمس الدابر (قال المفسر): كذا وقع في النسخ والصواب: المدبر، لأن بعده: ولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء تزغل مثل غط المنخر

стр. 491

باب ما جاء فيه ثلاث لغات من حروف مختلفة الأبنية ذكر في هذا الباب: " (الأبلمة) بضم الهمزة واللام، و (الأبلمة) بفتحهما، (والإبلمة) بكسرهما". (قال المفسر): حكى قاسم بن ثابت: (إبلمة) بكسر الهمزة، وفتح اللام، ففيها على هذا أربع لغات. باب ما جاء فيه أربع لغات من بنات الثلاثة [١] مسألة: ذكر في هذا الباب: "العفو، والعفو، والعفو، والعفا: ولد الحمار. قال: وأنشد المفضل. وطعن كتشهاق العفا هم بالنهق (قال المفسر): قد حكى يعقوب ن ابن الأعرابي أنشده عن المفضل: (كتشهاق العفا) بكسر العين، فينبغي أن تكون هذه لغة خامسة. [٢] مسألة: وذكر في هذا الباب؛ أن في العضد والعجر أربع لغات: عضد وعجز،

стр. 492

بفتح الأول، وضم الثاني، وعضد وعجز، بتخفيف الضمة، وإقرار أولهما على الفتح، وعضد وعجز، بتخفيف الضمة، ونقلها إلى الأول، وعضد وعجز، بضم الأول والثاني". (قال المفسر) حكى يعقوب: عضد وعجز، بفتح الأول، وكسر الثاني، فهذه لغة خامسة. ويجوز التخفيف أيضاً في هذه اللغة، ونقل الكسرة إلى الأول، فتكون لغة سادسة. [٣] مسألة: وذكر في هذا الباب أيضاً: اسم، بكسر الهمزة، واسم، بضمها، وسم، بسين مكسورة، وسم، بسين مضمومة. (قال المفسر): وزاد النحويون سما على وزن هدى وهي أغربها. باب ما جاء فيه أربع لغات من حروف مختلفة الأبنية حكى في هذا الباب: أن في صداق المرأة أربع لغات: صداق، بالفتح، وصداق بالكسر، وصدقة، بضم الصاد، وضم الدال، وصدقة، بضم الصاد، وسكون الدال".

стр. 493

(قال المفسر): هذا على تخفيف الضمة، ونقلها إلى ما قبلها، وقد حكى أبو إسحاق: أن منهم من يخفف ولا ينقل الضمة إلى الصاد، فهذه لغة خامسة. وذكر في هذا الباب: أن في الإصبع أربع لغات، وقد ذكرنا فيما سلف: أن فيها عشر لغات. باب ما جاء فيه خمس لغات قال في هذا الباب: ريح الشمال، على وزن فذال، والشمأل، الهمزة بعد الميم، والشأمل، الهمزة بعد الميم، والشأمل، الهمزة قبل الميم، والشمل، والشمل بفتح الميم وتسكينها من غير همز". (قال المفسر) قد قيل: شمول، على وزن رسول، وروى في بيت الأخطل: فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبة شمول حكى ذلك أبو علي البغدادي.

стр. 494

باب معاني أبنية الأسماء قال في هذا الباب: وقالوا: سهك ولخن ولكد ولكن وحسك وقتم، كل هذا للشيء يتغير من الوسخ ويسود". (قال المفسر): وقع في النسخ قتم، بالتاء، كأنه من القتام، وهو الغبار، وأنكره أبو علي البغدادي، وقال: "لست أذكر (قتم) في هذا المعنى، إنما أذكر (قنم) بالنون. يقال: يدى من كذا وكذا قنمة". أهـ. (قال المفسر): فتم بالتاء والنون جائزان، وهما متقاربان في المعنى، لأن القنمة بالنون: خبث الريح، فيما حكى يعقوب. وقال أبو زيد قنم الطعام والثريد قنما: إذا فسد وعفن. والقنم: مثل النمس، وهو في الطعام: مثل العفن، وفي الدهن: فساد ريحه، والقنم بالتاء: السواد غير الشديد. يقال: قتم قتماً وقتمة، والقتم: ريح ذات غبار، قال الشاعر: كأنما الأسد في عرينهم ... ونحن الليل جاش في قتمه

стр. 495

باب شواد الأبنية [١] مسألة: قال في هذا الباب، حكاية عن سيبويه: ليس في الأسماء ولا في الصفات (فُعِل)، ولا تكون هذه البنية إلا للفعل. قال: وقال لي أبو حاتم [السجستاني]: سمعت الأخفش يقول: قد جاء على فعل حرف واحد وهو الدئل، لدويبة صغيرهن تشبه ابن عرس". (قال المفسر): قد جاء حرف آخر، وهو: رئم، اسم من أسماء الإست، والوجه في هذين الاسمين: أن يجعلا فعلين في أصل وضعهما، نقلا إلى تسمية الأنواع، كما ينقل الفعل إلى العلمية، فيسمى الرجل ضرب، فإذا اعتقد فيهما هذا، لم يكونا زيادة على ما حكاه سيبويه. وقد جاء نقل الفعل إلى تسمية النواع، كما نقل إلى تسمية الأعلام، قالوا: تنوط وتبشر، وهما طائران سميا بالفعل. [٢] مسألة: وذكر في هذا الباب: أن سيبويه قال: "ليس في الكلام (فعل)
следующие страницы →