Полный текст (952 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
شبه بعرق الشجرة. ومن نصب (غيرا) جعله مستثنى منقطعا، ليس من الأول لأن العرق الكريم، والامتناع من الخط على النمل ليس من العيوب، ومن رفع (غيرا) وجعله مردودا على موضع الاسم المنصوب بلا التبرئة، جعل ذلك من العيوب مجازا، كما تقول: ما في فلان عيب إلا السخاء. والمعنى أنه لا عيب فيه البتة، إلا أن يعتقد معتقد أن السخاء من العيوب، فيكون سخاؤه عيبا.
وأصحاب المعاني والنقد يجعلون هذا الاستثناء من محاسن الشعر وبديعه، كما يجعلون الطباق والتجنيس والتصدير والترصيع، ونحوها مما هو مشهور عند نقاد الكلام وجها بذته. والوجه في استعمال العرب هذا الاستثناء: أن اللثيم الطبع من الناس، لما كان مضادا للكريم الطبع، صار يعتقد في المحاسن أنها قبائح، وفي القبائح أنها محاسن، فيعتقد في السخاء أنه تبذير، وفي الشجاعة أنها هوج، وفي الحلم أنه ذل، ويرى أن الصواب والسداد في أضدادها.
ويروى أن رجلا قال للأحنف بن قيس ما أبالي: أمدحت أم هجيت فقال له الأحنف: استرحت يا أخي من حيث تعب الكرام.
وحرف الجر الذي في آخر البيت، متعلق بنخط، فلا موضع له، لتعلقه بالظاهر. وحرف الجر الذي في أول البيت متعلق بخبر لا التبرئة المقدر، فله موضع، لتعلقه بمحذوف. ومن رفع (غيرا) أجاز أن يكون مرتفعا على خبر لا التبرئة، ويكون (فينا) في موضع الصفة لعيب، وجاز أن يكون صفة لعيب
стр. 527
على الموضع، أو بدلا، ويكون خبر لا التبرئة في المجرور، وبعض هذه الوجوه متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. وقوله (وأنا لا نخط على النمل) جملة في موضع خفض بالعطف على العرق، كأنه قال: غير عرق لمعشر كرام، وامتناع من الخط على النمل. ويجوز أن يكون في موضع نصب عطفا على المعنى، لأنه إذا قال (غير عرق) فمعناه إلا عرقا. ومن رفع (غيرا) أجاز أن تكون الجملة في موضع رفع، لأنه إذا قال غير عرق، فكأنه قال: إلا عرق:
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣)
(وأران طربا في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل)
هذا البيت للنابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله، وقال أبو عمرو الشيباني: اسمه حيان بن قيس بن عبد الله بن ربيعة بن جعدة، ويكنى أبا ليلى، قاله في شعر يذكر به مقتل عثمان ﵁، ويوم الجمل ويم صفين، وأنشده ابن قتيبة شاهدا على أن الطرب يكون في الجزع، كما يكون في السرور. ويدل على ذلك قوله (طرب الواله أو كالمختبل)؛ لأن الواله: هو الذي ذهب عقله، أو قارب الذهاب، لفقد حبيب ذهب عنه. والمختبل: الذي قطع عضو من أعضائه. قال يعقوب: يقال: بنو فلان يطالبون بني فلان بدماء وخبول أي بقطع أيد وأرجل، ويكون المختبل أيضاً: الفاسد العقل، وهو نحو
стр. 528
من الواله، والتفسير الأول أجود في هذا الموضع، ليختلف المعنيان، لأنه قال أو كالمختبل. ويدل أيضاً على أن الطرب: الجزع، قوله قبل هذا البيت:
سألتني جارتي عن أسرتي وإذا ما عى ذو اللب سأل
سألتني عن أناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
وقوله (وأراني طربا في إثرهم): يجوز أن تكون هذه الرؤية رؤية علم، وهو الوجه، فيكون طربا مفعولاً ثانياً، ويجوز أن يكون رؤية عين، فيكون طربا منصوباً على الحال، لأن هذا مما يرى العين، ويرى بالقلب.
وإنما قلنا إن الأول هو الوجه، لقوله (أراني)، فعدى فعل الضمير المتصل إلى الضمير، وهما جميعاً للمتكلم، ولا يجيز سيبويه وأصحابه تعدى فعل الضمير المتصل، إلى نفسه إلا في الأفعال المتعدية إلى مفعولين، مما يدخل على مبتد أو خبر، كقولك: ظننتني خارجا، وحسبتك منطلقا، ولا يجيز ذلك في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، فلا تقول ضربتني، إنما تقول ضربت نفسي، ولا تقول للمخاطب. ضربتك إنما تقول: ضربت نفسك. وقد جاء ذلك في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، إلا أنه قليل، قالوا: فقدتني وعدمتني، قال قيس بن ذريح:
стр. 529
ندمت على ما كان مني فقدتني كما يندم المغبون حين يبيع
وقال عنترة:
فرأيتنا ما بيننا من حاجز إلا المجن ونصل أبيض مقصل
واستعمل ذلك أبو الطيب المتنبي، فقال:
يرى حده غامضات القلوب إذا كنت في هبوة لا أراني
وقوله (طرب الواله): مصدر مشبه به، أراد: طربا مثل طرب الوال فاجتمع فيه حذف الموصوف، وأقام صفته مقامه، وحذف المضاف، وإلى المضاف إليه منابه، على مثال قولهم: ضربته ضرب الأمير اللص، والو في موضع رفع بالطوب، كأنه قال: كما يطرب الواله.
стр. 530
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٤)
(يقلن لقد بكيت فقلت كلاً وهل يبكى من الطرب الجليد)
هذا البيت يروى لبشار بن برد، ويروى لعروة بن أذينة الفقيه، ورويناه عن أبي نصر عن أبي علي البغدادي: يقلن بالياء، والصواب: فقلن، لأن قبله:
كتمت عواذلي ما في فؤادي وقلت لهن ليتهم بعيد
فجالت عبرة أشفقت منها تسيل كأن وابلها فريد
ورواه أبو علي في النوادر، فقالوا، وقد ذكرت فيما تقدم بما أغني عن إعادته هنا. وكلا: كلمة معناها الزجر والردع، وقيل: منعاها النفي، ولا موضع لمن من الإعراب، لتعلقها بالظاهر، وهو يبكى.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٥)
(ولن يراجع قلبي ودهم أبداً زكنت منهم على مثل الذي زكنوا)
هذا البيت لقعنب بن أم صاحب، يقوله في أناس من قومه، كانوا يناصبونه العداوة، ويتتبعون عثراته، فيشهرونها في الناس. وبعد هذا البيت:
كل يداجى على البغضاء صاحبه ولن أعالنهم إلا كما علنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
стр. 531
ويجوز في ودهم النصب والرفع، لأن المراجعة فعل لا يصح وقوعه إلا من اثنين فما فوقهما ومن راجعك فقد راجعته.
وأنشد ابن قتيبة:
(٦)
(عشية قام النائحات وشققث جيوب بأيدي مأتم وخدود)
هذا البيت لأبي عطاء السندي، فيما ذكر أبو جعفر بن حبيب، مرزوق، وقال ابن الأعرابي: اسمه أفلح، مولى عنبر بن سماك بن حصين، من شعر يرثى به عمر بن هبيرة الفزاري، وقبله:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود
وعشية: ظرف أبدله من يوم واسط، ولا يصح أن يكون العامل فيه قام، لأنه بعض الجملة التي أضاف العشية إليها، ولا يجوز أن يعمل المضاف إليه في المضاف. وإنما العامل فيه لم تجد.
فإن قيل كيف جاز أن يعمل فيه (لم تجد) وقد حال الخبر الذي هو قوله (لجمود) بين العامل والمعمول فيه. ولو قلت: إن الضارب أخوك زيدا، وأن خارجا غير مصيب يوم الجمعة، لم يجز، وإنما تقول: إن الضارب زيدا أخوك، وإن خارجا يوم الجمعة غير مصيب.
فالجواب: أن العشية لما كانت بدلا من يوم واسط، والبدل يقدر من جملة أخرى، وتقدر معه إعادة العامل، بدليل ظهوره في نحو قوله (للذين
стр. 532
استضعفوا لمن آمن منهم) جاز ذلك. وقد أجاز النحويون تأخر الصفة بعد الخبر في نحو قولك إن زيدا خارج الكريم. والصفة أشد اتصالا بالموصوف من البدل، وأجازوا ذلك في المعطوف، كقولك إن زيدا خارج وعمراً، وعمرو على اللفظ وعلى الموضع، وإذا جاز في الصفة، كان في البدل أجوز.
وأنشد ابن قتيبة:
(٧)
(رمته أناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم)
هذا البيت لأبي حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع. وقوله (رمته أناة) أي فتنته بمحاسنها، وصادته بعينيها، فكأنها رمته من ألحاظها بسهم قتله. والشعراء يشبهون العيون بالسهام واليسوف والرماح. والأناة: المرأة التي فيها فتور عند القيام، وهي مشتقة من الونى، وهو الإعياء والفتور، والهمزة فيها منقلبة عن واو، ولم تبدل الهمزة من الواو المفتوحة إلا في ألفاظ يسيرة، هذا أحدها، وأكثر ما تبدل من الهمزة المضمومة، نحو وجوه وأجوه، ومن المكسورة في نحو وشاح وإشاح وهو أقل من إبدال المضمومة. وقوله من ربيعة عامر، في موضع رفع على الصفة لأناة، فمن متعلقة بمحذوف، وهو الصفة التي ناب المجرور عنابها كأنه قال: كائنة من ربيعة عامر ونحو ذلك. وقوله (مأتم): يجوز أن
стр. 533
تكون في موضع الصفة لأناة، أو في موضع الحال منها، لأن النكرة إذا وصفت قربت من المعرفة، فجازت الحال معها وحسنت. وقد تجيء الحال من النكرة دون صفة، إلا أن ذلك قليل، وفيه قبح، لأن النكرة أحوج إلى الصفة منها إلى الحال، فحرف الجر الذي هو (في) متعلق أيضاً بمحذوف في الموضعين: وبعد هذا البيت:
فجاء كخوط البان لا متتابع ولكن بسيمي ذي وقار وميسم
فقلن لها سرا فديناك لا يرح صحيحا وإن لم تقتليه فألممي
فالفت قناعادونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده وعينيه منها السحر قلن له: قم
فود بجدع الأنف لو أن صحبه تنادوا وقالوا في المناخ له: نم
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٨)
(وما هاج هذا الشوق إلا حمامة دعت ساق حر ترحة وترنما)
هذا البيت لحميد بن ثور الهلالي، وقد ذكر ذلك ابن قتيبة، وإنما قال: فالحمامة هنا قمرية، لأن (ساق حر): اسم لذكر القمارى، وسمى بذلك لحكاية
стр. 534
صوته؛ والترحة: الشوق. والترنم: الغناء، وهما مصدران واقعان موقع الحال من الضمير الفاعل في دعت. وقوله (دعت ساق حر) جملة في موضع الصفة لحمامة، وبعد هذا البيت:
إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة أو النخل من تثليث أو من يبنبما
محلاة طوق لم يكن من تميمة ولا ضرب صواغ بكفيه درهما
وأنشد ابن قتيبة للنابغة الذبياني:
(٩)
(أحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد)
اسم النابغة الذبياني: زياد بن معاويةن ويكنى أبا أسامة وأبا عقرب، بابنتين كانتا له، ولقب النابغة لأنه قال الشعر بعدما كبر.
وقيل سمى بقوله:
وحلت في بني القين بن جسر فقد نبغت لنا منهم شئون
وليس في بيت النابغة من الدليل على أنه أراد بالحمام القطا، مثل ما في بيت
стр. 535
حميد بن ثور، من الدليل على أنه أراد بالحمامة القمرية؛ وإنما علم ذلك بالخبر المروي عن زرقاء اليمامة، أنها نظرت إلى قطا فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ومثل نصفه ليه
إلى قطاة أهلنا إذا لنا قطاميه
وقد روى أنها قالت:
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه
ونصفه قديه تم الحمام مية
وقوله: (أحكم كحكم فتاة الحي) أي أصب في أمرك كإصابة فتاة الحي، فهو من الحكم الذي يراد به الحكمة، لا من الحكم الذي يراد به القضاء، قال الله تعالى (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) أي حكمة، ويقال من ذلك: حكم الرجل يحكم: إذا صار حكيما، قال النمر بن تولب:
وأحبب حبيبك حبا رويدا فليس يعولك أن تصرما
وأبغض بغيضك بغضا رويدا إذا أنت حاولت أن تحكما
وكان الأصمعي يروى (شراع) بالشين معجمة، يريد الذي شرعت في الماء وروى غيره (سراع) بالسين غير معجمة: والثمد: الماء القليل.
وجاز أن يصف حماما، وهي نكرة بوارد، وقد أضافه إلى المعرفة؛ لأن إضافته غير محضة، لأن الثمد مفعول في المعنى، وإن كان مخفوضاً في اللفظ،
стр. 536
وأفرد (واردا) وإن كان صفة لحمام، حملا على معنى أجمع. كما قال تعالى (من الشجر الأخضر نارا) والكاف في قوله (كحكم): متعلقة بمحذوف، لأنها في موضع صفة لمصدر مقدر، كأنه قال: احكم حكما كحكم.
وأنشد ابن قتيبة:
(١٠)
(قد أعسف النازح المجهول مسعفه في ظل أخضر يدعو هامه البوم)
هذا البيت لذي الرمة، واسمه غيلان بن عقبة، من عدى الرباب، ويكنى أبا الحارث، ولقب ذا الرمة لقوله في صفة الوتد:
لم يبق منها أبد الأبيد غير ثلاث ما ثلاث سود
стр. 537
وغير مشجوع القفا موتود فيه بقايا رمة التقليد
والرمة: الحبل البالي وقيل: بل لقبته بذلك مية وذلك أنه مر بخبائها قبل أن ينسب بها، فرآها فأعجبته، فأحب الكلام معها فخرق دلوه، وأقبل إليها وقال: يا فتاة اخرزي لي هذه الدلو فقالت إني خرقاء: والخرقاء: التي لا تحسن العمل:
فخجل غيلان، ووضع دلوه على عنقه وهي مشدودة بحبل بال، وولى راجعا، فعلمت منه ما أراد، فقالت: يا ذا الرمة انعطف، فانعطف، فقالت: إن كنت أنا خرقاء، فإن أمتى صناع، فاجلس حتى تخرز دلوك. ثم دعت خادمتها، وقالت: أخرزي له هذه الدلو، فكان ذو الرمة يسمى مية خرقاء، لقولها إني خرقاء، وغلب عليه ذو الرمة. وقد قيل إن الخرقاء غير مية. وقوله (قد أعسف النازح) العسف والاعتساف: ركوب الفلاة بلا دليل، والنازح: القفر البعيد. وقوله (يدعو هامه البوم): يريد أنه قفر خال موحش، يمدح نفسه بأنه يقطع القفار الخالية الموحشة، البعيدة عن الناس، التي يجهل الناس المشي فيها بالليل المظلم، وذلك أشد وأصعب على الماشي فيها. وقوله (يدعو هامه اليوم): جملة في موضع جر على الصفة لأخضر. وفي الكلام ضمير مقدر، يعود على الموصوف من صفته، كأنه قال: داع هامه البوم فيه. ويجوز أن يكون في موضع الحال من النازح. وفي الكلام أيضاً ضمير مقدر، يرجع إلى النازح، ويكون في البيت تقديم وتأخير، ويروى (في ظل أغضف). وبعد هذا البيت:
بالصهب ناصية الأعناق قد خشعت من طول ما وجفت أشرافها الكوم
стр. 538
ومعنى خشعت: تطأطأت وانخفضت من الهزال. وأراد بأشرافها أسمنتها، والكوم: العظام المرتفعة. ومعنى وجفت: أي أسرعت، وأطالت السير.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١١)
(تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي)
هذا البيت لامرئ القيس بن حجر، واسمه فيما ذكر بعض النسابين حندج، وامرؤ القيس: لقب له، ومعناه: رجل الشدة. كذا قال علي بن حمزة. وأنشد:
وأنت على الأعداء قيس ونجدة وللطارق العافي هشام ونوفل
ويكنى أبا وهب، وأبا الحارث. وقال غير علي بن حمزة: قيس: اسم صنم نسب إليه، ولهذا كان يكره الأصمعي أن يقول: امرؤ القيس، وكان يروي (عقرت بعيري يا امرأ الله فانزل) وقبل هذا البيت:
ولما رأت أن الشريعة همها وأن البياض من فرائصها دامي
стр. 539
والشريعة: مورد الماء حيث تشرع الدواب، والهم ههنا: المراد والمطلب الذي تهم به، والفرائص: جميع فريصة، وهي مضغة بين الثدي ومرجع الكتف. ومعنى تيممت: قصدت. وضارج: موضع في بلاد بني عبس، فيه ماء، والعرمض والطحلب والغلفق: سواء، وهي الخضرة تكون على الماء. وطام: مرتفع. يصف أنه ماء لا يرده أحد، فقد علاه الطحلب، وفي معنى هذين البيتين قولان: قيل يصف حمرا وحشية عطشت، فاحتاجت إلى ورود الماء، وخشيت إن وردت شريعة الماء رماها القانص في فرائصها، فدميت، فنكبت عن ذلك، وأنت عين ضارج، كأنها أمنت أن يكون عليها قانص يرميها. وقيل إنما يصف ناقته، ونسب الهم إليها، والمراد نفسه. ومعنى قوله (وأن البياض من فرائصها دامي) أن الماء إن تعذر وجوده، نحرت فاستخرج ما في جوفها من الماء، فشرب. وكذلك كانوا يفعلون في الفلوات إذا لم يجدوا ماء، قال الشاعر:
وشربة لوح لم أجد لسائقها بدون ذباب السيف أو شفرة حلا
كلا المعنيين يحتمله الشعر، وإنما يعمل مراد الشاعر منها بالوقوف على بقية الشعر:
ولم أجد هذا الشعر فيما رواه الطوسي وغيره لامرئ القيس، وإنما وجدته في بعض الحديث المروى عن النبي ﷺ . وعند، متعلقة بالاستقرار المقدر في صلة التي، كأنه قاله التي استقرت عند ضارج، ولا موضع لعند، وما تعلقت به من الإعراب، لأنها من تمام الاسم الموصول، كما لا موضع للدال من زيد.
стр. 540
وقوله (يفيء عليها الظل)، وقوله (عرمضها طامي): جملتان لهما موضع من الإعراب، وموضعهما النصب على الحال. أما الجملة الأولى ففي موضع نصب على الحال من العين، والعامل فيها تيممت، ولا يصح أن يعمل فيها الاستقرار، لأنه يصير المعنى: أنها مستقرة عنده في حال فيء الظل خاصة، دون سائر أحوالها. وأما الجملة الثانية فيجوز أن تكون حالاً من العين، والعامل فيها تيممت أيضاً. ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في عليها، والعامل فيها يفيء، ولا موضع لعلى هذه، لتعلقها بالظاهر.
وأنشد ابن قتيبة:
(١٢)
(إذا الأرطي توسد أبرديه خدود جوازئ بالرمل عين)
البيت للشماخ، واسمه معقل بن ضرار. وذكر ابن دريد أنه كان يكنى أبا سعيد. وهذا البيت من قصيدة مدح بها عرابة بن أوس الأنصاري، وقبله:
стр. 541
إليك بعثت راحلتي تشكى هزالا بعد محفدها السمين
إذا بركت على شرف وألقت عسيب جرانها كعصا الهجين
يعنى بالمحفد: السنام. والعسيب ههنا: عظم العنق. وفي غير هذا الموضع: عظم الذنب. والجران باطن العنق، وشبهه بعصا الهجين لخفته وطوله. وخص الهجين، لأن العبيد كانوا يرعون الإبل، ويستجيدون العصى. والأرطي: شجر تدبغ به الجلود. ومعنى توسد أبرديه: اتخذتهما كالوسادة. والأبردان: الظل. والفيء، سميا بذلك لبردهما. والأبردان أيضاً: الغداة والعشي. والجوازئ: الظباء وبقر الوحش سميت جوازئ لأنها تجزأ بأكل النبت الأخضر عن الماء أي تكتفي به، ويغنيها عن شرب الماء، وعين: واسعات الأعين: والمعنى أن الوحش تتخذ كناسين عن جانبي الشجر، تستتر فيهما من حر الشمس، فترقد قبل زوال الشمس في الكناس الغربي، فإذا زالت الشمس عن كبد السماء إلى ناحية المغرب، وتحول الظل، فصار فيئاً، زالت عن الكناس الغربي، ورقدت في الكناس الشرقي. فوصف الشماخ أنه قطع الفلاة في الهاجرة، حين تفر الوحش من حر الشمس إلى الظل. يمدح نفسه بالجلادة، والصبر على مشقة السفر، ويوجب على الممدوح بذلك رعاية حقه، وأن يثيبه ولا يخيب عناءه وتعبه. وأما إعرابه فإن إذا ظرف من ظروف الزمان، فيه معنى الشرط، غير أنه لا يجزم عند البصريين، ولا جواب له في هذا البيت، ولا بعده، لأن المتصل به قوله:
كأن محاز لحييها حصاة جناباً جلد أجرب ذي غضون
стр. 542
وإنما الجواب محذوف، أغنى عنه ما تقدم من قوله: (إليك بعثت راحلتي) كما تقول: أنا أشكرك إن أحسنت إلي، فلا تأتي للشرط بجواب، لأن قولك (أنا أشكرك) قد أغنى عنه، ولأجل ما ذكرناه من معنى الشرط الموجود في إذا، لا يجوز عند البصريين أن يرتفع الاسم بعدها بالابتداء، لأن الشرط يطلب الفعل: ظاهراً أو مضمراً، فلا يصح على مذهبهم أن يكون الأرطي ههنا مرفوعاً بالابتداء، ولكن يقدر له فعل يفسره ما بعده، كأنه قال: إذا توسد الأرطي توسد أبرديه.
والكوفيون يجيزون فيه الابتداء. وقوله (بالرمل) في موضع جر على الصفة لجوازئ، كأنه قال: جوازئ كائنة بالرمل، أو مستقرة، فللباء موضع، لتعلقها بمحذوف، وصفر جوازئ، ضرورة.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في هذا البيت حكاية مستظرفة، رأيت ذكرها في هذا الموضع.
حكى عن المدائني أن عبد الملك بن مروان نصب الموائد يطعم الناس، فجلس رجل من أهل العراق على بعض الموائد، فنظر إليه خادم، لعبد الملك فأنكره، فقال أعراقي أنت؟
قال نعم، فقال: بل أنت جاسوس. قال لا، ويحك دعني أتهنا بطعام أمير المؤمنين، ولا تنغصه على. ثم إن عبد الملك أقبل بطوف على الموائد، فوقف على تلك المائدة، فقال من القائل:
إذا الأرطي توسد أبرديه خدود جوازى بالرمل عين
وما معناه؟ ومن أجاب فيه أجزناه. فقال العراقي للخادم: أتحب أن أشرح لك ذلك؟ قال: نعم فقال: هذا البيت بقوله عدي بن زيد في صفة البطيخ الرمسي،
стр. 543
فنهض الخادم مسروراً إلى عبد الملك، فأخبره، فضحك عبد الملك حتى سقط فقال له الخادم: أخطأت يا مولاي أم أصبت؟ فقال: بل أخطأت. فقال هذا العراقي لفنني إياه. فقال: أي الرجال هو؟ فأراه إياه، فقال: أنت لقنته هذا؟ فقال: نعم. فقال: أصوابا لقتنه أم خطأ؟ فقال: بل خطأ. فقال: ولم؟ قال: لأني كنت متخرما بمائدتك، فقال لي كيت وكيت، فأردت أن أكفه عني، وأضحك منه. فقال له عبد الملك: فكيف الصواب؟ فقال: هذا البيت بقوله الشماخ بن ضرار الغطفاني، في صفة البقر الوحشية التي قد جزأت بالرطب عن عن الماء، فقال: صدقت، وأمر له بجائزة ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال تنحى هذا عن بابك، فإنه يشينه.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٣)
(حتى لحقنا بهم تعدى فوارسنا كأننا رعن قف يرفع الآلا)
стр. 544
البيت للنابغة الجعدي، من شعر يهجو به سوار بن أوفى القشيرئ والضمير في قوله (بهم): يعود إلى قوم ذكرهم قبل هذا البيت، فقال:
كفعلنا بابن حسان الرئيس وبا بن الجون إذ لا يريد الناس إقبالا
إذ أصعدت عامر لا شيء يحبسها حتى نرى دونهم هضبا وأغوالا
ومثلهم من بني عبس ندفهم دف الرحى الحب إدبارا وإقبالا
ثم استمرت شموس الريح ساكرة تزجى رباها ضعاف الوطء أطفالا
وقوله (تعدى فوارسنا) أراد تعدى فوارسنا الخيل، فحذف المفعول اختصارا لما فهم المعنى. (رعن القف): نادر يندر منه. والقف: ما ارتفع من الأرض، شبه أنفسهم في كثرة عددهم برعن قف رفعه الآل، فعظم ظله، وأراد: كأننا ظل رعن قف، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، لأنه إنما شبه أنفسهم بظل الرعن، لا بالرعن. وإنما أراد أن عددهم لكثرته قد ملأ الفضاء، كما يملأه ظل الرعن، إذا رفعه الآل.
وقد قيل إنما شبه حركتهم في عددهم بحركة القف في الآل، لأن الجبال في ذلك الوقت تخيل إلى الناظر أنها تضطرب، ولذلك قال العجاج.
كأن رعن الآل منه في الآل بين الضحا وبين قيل القيال
وإذا بدا دهانج ذو أعدال
فشبه الرعن لاضطرابه في الآل بجمل يسرع وعليه أعدال، فلا حذف في البيت
على هذا التأويل. وقال الأصمعي: إنما قال: يرفع الآل: لأنه ينزو في الآل،
стр. 545
فإذا نزا فكأنه قد رفع الآل. يريد أنه لا قلب في البيت، كما قال ابن قتيبة. وقوله (تعدى فوارسنا): جملة في موضع الحال من الضمير الفاعل في لحقنا. وقوله: (كاننا رعن قف) جملة في موضع الحال من الضمير الفاعل أيضاً. وقوله. (يرفع الآلا): جملة في موضع الصفة للقف، أو للرعن:
وأنشد ابن قتيبة:
(١٤)
(كأنها وقد براها الأخماس ودلج الليل وهاد قياس)
شرائج النبع براها القواس
الرجز للشماخ بن ضرار، قاله وهو يحدو بأصحابه في بعض أسفارهم. والضمير في قوله: كانها، يعود على الإبل ولم يتقدم لها ذكر في هذا الرجز، لأن هذا البيت أول الأرجوزة، وإنما أضمر لها من غير ذكر لها، استغناءً بالحال التي كان فيها، ولأن هذا الرجز إنما قاله بعد أراجيز قالها الحسن بن مزرد أخي الشماخ، وجليج ابن شريد، وجندب بن عمرو، وذلك أنهم كانوا في سفر، فتداولوا حداء الإبل، فكان كل واحد منهم ينزل عن بعيرة، ويحدو الإبل، ثم يركب وينزل الآخر.
والأخماس: جمع خمس، وهو أن ترد الإبل في كل خمسة أيام. ودلج الليل: سيره كله. والهادي: الدليل الذي يهديها. والشرائج. جمع شريجة، وهي القوس تصنع من عود يشق، فتعمل منه قوسان. والنبع: شجر صليب،
стр. 546
تتخذ منه القسي والسهام. والهادي القياس: الحاذق بالهداية والدلاية. ويروى: (وهاد قسقاس) وهو الشديد السوق، الذي لا يخلد إلى راحة. يقال قسقس ليلته: إذا سارها كلها حتى يصبح.
وقوله (وقد براها الأخماس): جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المنصوب بكان. وقوله (براها القواس): جملة في موضع الحال من الشرائج، والعامل في الحالين ما في كان من معنى التشبيه، لأن كأن تعمل في الأحوال، بخلاف إن، لأن كأن تدخل على الجمل، فتغير ألفاظها ومعانيها، فيقوى فيها معنى الفعل، (وإن) ليست كذلك، لأنها إنما تغير لفظ الجملة فقط، فضعف فيها معنى الفعل، فلم تقو على العمل في الأحوال ونحوها من اللواحق والفضلات، ويدل على ذلك قول النابغة:
كأنه خارجا ًمن جنب صفحته سفود شرب نسوة عند مفتاد
وبعد هذه الأبيات:
يهوى بهن بختري لباس كان حر الوجه منه قرطاس
ليس بما ليس به بأس باس ولا يضر البر ما قال الناس
يهوى: يسرع. والبختري. المتبختر في مشيه كبرا وإعجابا، ولباس يلبس بعضها بعض.
стр. 547
وأنشد بن قتيبة في هذا الباب:
(١٥)
(فباتوا يدلجون وبات يسري بصير بالدجى هاد غموس)
هذا البيت لأبي زبيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر وهو أحد من شهر بكنيته دون اسمه، يصف قوماً سروا والأسد يقفو آثارهم لكي ينتهز فيهم فرصة وبعد هذا البيت:
إلى أن عرسوا وأغب عنهم قريبا ما يحس له حسيس
خلا أن العتاق من المطايا حسين به فهن إليه شوس
وقوله بصير باتدجي يريد أنه بصير بالمشي في الظلم هاد فيه. والدجى: الظالم واحدتها دجية. وهذا مما خالف فيه التصريف القياس، لأن الفعل دجا يدجو. فكان القياس دجوة، ولهذا يجوز في الدجا أن يكتب بالياء حملا على واحدها، وبالألف حملا على فعلها، والغموس: الواسع الشدقين، من قولهم طعنة غموس: إذا كانت واسعة الشق عميقة. ويروى عموس بالعين غير معجمة، وهو الذي يتهافت في الأمور كالجاهل. يقال: فلان يتعامس، أي يتجاهل. ويروى هموس، وهو الخفيف الوطء الذي لا يحس بوطئه.
وأنشد ابن قتيبة:
(١٦)
(وتشكو بعين ما أكل ركابها وقيل المنادى أصبح القوم أدلجي)
стр. 548
البيت للشماخ بن ضرار، والركاب: الإبل. والقيل: القول والقال سواء. قال الله تعالى (ومن أصدق من الله قيلا) ويروى: وقال المنادي. يصف امرأة أتعبها طول السير ليلاً ونهاراص. فمعناه: وتشكو هذه المرأة السير الذي أكل ركابها، وتشكو قول المنادي عند الصباح: قد أصبح القوم فما تنتظرون بالسير. وقوله في أول الليل: (أدلجى) أي سيري بالليل، فلا راحة لها. ومعنى شكواها بعينها أن السفر لما طال عليها غارت عيناها، وانكسر طرفها، وصار النعاس يغالبها على ظهر المطية، فجعل ذلك كالشكوى، لأنه دليل على ما تكابده وتقاسيه ويروى (ما أكلت) فمن ذكر الضمير، أراد السير الذي أكل بها. ومن أنت أراد الحال التي أكلت ركابها، أو المشقة. وجاز ذلك، لأن (ما) تقع للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإنما يعلم مكانها من التذكير والتأنيث بضميرها العائد إليها، أو بغيره مما يدل عليه فحوى الكلام.
وقد قال بعض أصحاب المعاني إنه يصف ناقة، وذلك غلط، والدليل على أنه يصف امرأة قوله قبل هذا البيت:
ألا أدلجت ليلاك من غير مدلج هوى نفسها إذ إدلجت لم تعرج
وكيف أرجيها وقد حال دونها بنو الهون من جسر ورهط ابن حندج
تحل الشجا أو تجعل الرمل دونه وأهلي بأطراف اللوي فالموتج
стр. 549
وموضع (ما) نصب بتشكو. وقيل معطوف على (ما) وكذلك من روى (وقال). والمنادى مخفوض بإضافة القيل والقال إليه، وأصبح ههنا: لا خبر لها، لأن معناها دخلوا في الصباح، ولم تدخل على جملة فيلزم أن يكون لها خبر، إنما هي بمنزلة قولهم أظلم القوم: إذا دخلوا في الظلام، وأمسوا: إذا دخلوا في المساء، وما في هذا البيت هي الموصولة الجارية مجرى الذي، ولا يجوز أن تكون المصدرية، أعني التي تأتي بمعنى المصدر، كقولك أعجبني ما صنعت، أي أعجبني صنعك، كأنه قال: إكلال ركابها، وإنما لم يجز ذلك لأن في أكل ضميرا يرجع إليها، وما المصدرية حرف لا يعود إليها من صلتها ضمير، كما لا يعود إلى أن الموصولة إذا قلت: أعجبني أن تقوم.
وأنشد ابن قتيبة:
(١٧)
(هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء)
(فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء)
وهذا الشعر لحسان بن ثابت يخاطب به أبا سفيان بن الحارث، وكان هجا رسول الله ﷺ .
وروى محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا السكن بن سعيد، عن عباد بن عباد، عن أبيه قال: أنشد النبي ﷺ حسان بن ثابت قصيدته التي أولها:
стр. 550
عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء
حتى انتهى إلى قوله:
هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
فقال رسول الله ﷺ : جزاؤك على الله الجنة يا حسان، فلما انتهى إلى قوله:
فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
قال رسول الله ﷺ : وقاك الله يا حسان النار، فلما قال:
أتهجوه ولست له بند فشر كما لخير كما الفداء
قال من حضر: هذا أنصف بيت قالته العرب. وقوله: هجوت محمدا وأجبت عنه: كذا الرواية، وفيه شاهد على أن المعطوف بالواو قد يكون مرتباً يعد ما عطف عليه، لا ينوى به التقديم والتأخير إذا كان في الكلام دليل على الترتيب. فإن لم يكن في الكلام دليل على الترتيب، جاز أن يكون كل واحد من الاسمين هو المبدوء به، ومثل هذا قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها) فإخراج الأرض أثقالها إنما هو بعد الزلزلة. والعامل في (عند) الاستقرار، فمن رفع الجزاء بالابتداء، وجعل (عند) متضمناً لخبره، فلعند موضع من الإعراب. ومن جعل الجزاء مرفوعاً بالاستقرار، وهو مذهب الأخفش، فلا موضع لعند. واللام في قوله لعرض محمد في موضع نصب على الحال، من الوقاء، وهي حال لنكرة تقدمت عليها، لأنه لو قال: وقاء لعرض محمد،
стр. 551
لكان المجرور في موضع الصفة لوقاء، فلما تقدم صار في موضع نصب على الحال. وأما قوله (منكم وقاء) فالمعنى: وقاء منكم، كما تقول: وقيته بنفسي من المكروه، فحكم من أن تكون متعلقة بوقاء، ولكن لا يجوز أن تجعلها متعلقة به وقد قدمتها عليه، لأنك تقدم صلة المصدر عليه، ولكن تعلقها بفعل دل عليه وقاء، كأنه قال: يقونه منكم، والتقدير: ذو وقاء. فحذف المضاف. ويجوز أن يكون الأب والوالد والعرض الوقاء بعينه، مبالغة في المعنى، كما تقول للرجل ما أنت إلا مخلوق من الكرم: إذا كثر ذلك منه، ومثله قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل) ويجوز أن تجعل المصدر نائباً مناب اسم الفاعل، كأنه قال: لعرض محمد منكم وأقون، كما نقول: رجل عدل، وأنت تريد عادل. وقوله (في ذاك الجزاء) معناه: على ذاك، لأنك إنما تقول جازيته على كذا، ولا تقول جازيته في كذا. فهذا مكان على، لا مكان في، وقياسه قياس ما تقدم.
وأنشد ابن قتيبة:
(١٨)
(إذا ما انتحاهن شؤوبوبه رأيت لجاعرتيه غضونا)
البيت: لكعب: بن زهير بن أبي سلمى. ومعنى انتحاهن: اعتمدهن. وشؤبوبه: شدة دفعه في السير. والجاعرتان: موضع الرقمتين من مؤخر الحمار.
стр. 552
والغضون: الكسر والتشنج في الجلد، يقال تغض جلده: إذا تشنج. وواحد الغضون: غضن قال الراجز.
أريت إن سقنا سياقا حسنا نمد من آباطهن الغضا
وإنما وصف كعب بن زهير حمارا وحشياً يسوق أتنا، ويعنف عليهن في السوق، فترى جواعره تنبسط تارة، وتنغضن تارة.
وأنشد يعقوب بن السكيت بعد هذا البتي:
وبصبصهن بين أداني الغضى وبين غدانة شأوا بطينا
فصادفن ذا حنق لاطئاً لصوق البرام يظن الظنونا
والبصبصة: سرعة السير، يقال قرب بصباص: شديد [لا اضطراب فيه] والشأو: الطلق، والشأو أيضاً: السبق. وقوله: فصادفن ذا حنق: يعني القانص. والحنق: الغضب. والبرام، القراد.
стр. 553
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٩)
(عشنزوة جواعرها ثمان)
هذا صدر بيت لحبيب بن عبد الله الهذلي، وهو المعروف بحبيب الأعلم، يصف ضيعا وتمام البيت:
(فويق زماعها وشم حجول)
وبعده:
تراها الضبع أعظمهن رأساً جراهمة لها حرة وثيل
العشنزرة: الغليظة. ويقال: هي السريعة. يقال: سير عشنزو، قال الشاعر:
فهاتي لنا سيراً أحد عشنزرا
وذكر ابن قتيبة أنه لم يسمع من أحد علمائه في قوله (جواعرها ثمان) قولاً يرتضيه. وقال في كتابه الموضوع في المعان الشعر: سألت الرياشي عن قوله (جواعرها ثمان) فقال: الجواعر أربع، وهي في موضع الرقمتين من مؤخر الحمار. وأراد زيادة في تركيب خلقها.
وهذا الذي حكاه ابن قتيبة عن الرياشي قول حسن، إلا أنه يحتاج إلى تلخيص وزيادة بيان، ولذلك لم يرضه ابن قتيبة فيما أحسب.
стр. 554
وحقيقة ما ذهب إليه أن الشاعر لم يرد أن لها ثماني جواعر على الحقيقة، لأن الجواعر إنما هي أربع، وإنما أراد أن عجزها واسع عظيم، يحتمل لسعته أن يكون فيه ثمان جواعر. والعرب تخرج الشيء الممكن مخرج الشيء الذي قد وجب ووجد، فيقولون جاءنا بحفنة يقعد فيها ثلاثة رجال. وليس المراد أنه جاء بالجفنة وفيها ثلاثة رجال. وإنما المراد أنها تحتمل ذلك لعظمها، ومثله قول عوف ابن عطية:
لها حافر مثل قعب الوليد يتخذ الفأر فيه مغارا
أي: لو اتخذه فيه لأمكنه ذلك. وقوله (فويق زماعها) الزماع جمع زمعة، وهي شعرات مجتمعات خلف ظلف الشاة ونحوها شبيهة بالزيتونة، والوشم: خطوط تخالف معظم اللون والحجول: جمع حجل وهو البياض. ويجوز أن يكون جمع حجل، وأصله القيد، ثم يقال للخلخال حجل، تشبيهاً به، قال جرير في الحجل الذي يراد به القيد:
ولما اتقى القين العراقي باسته فزعت إلى العبد المقيد في الحجل
وقال النابغة الذبياني في الحجل، الذي هو الخلخال:
على أن حجليها وإن قلت أوسعا صموتان من ملء وقلة منطق
стр. 555
ويجوز أن تكون الحجول: جمع حجل، كقولك أسد وأسود، والحجل: التحجيل بعينه قال أبو النجم:
إغر في البرقع باد حجله نعلو به الحزن وما نسهله
والضبع جمع ضباع، وضباع: جمع ضبع. والجراهمة: العظيمة الرأس.
ويروى حراهمة، بالحاء غير معجمة، وهي الشديدة الغلمة وهي العراهمة أيضاً بعين غير معجمة ويروى زراهمة بزاء بعدها راء وهي العظيمة.
وأنشد ابن قتيبة:
(٢٠)
(أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد)
هذا البيت للراعي، واسمه عبيد حصين بن معاوية بن نوح النميري، ويكنى أبا جندل. وقال محمد بن حبيب: يكنى أبا نوح، ولقب الراعي، لأنه وصف راعى الإبل، فأجاد وصفة، فقالت العرب: ما هذا إلا راع، فغلب ذلك عليه، وشهر به. والحلوبة: الناقة التي تحلب، وكذلك الشاة، وهي بمعنى محلوبة،
стр. 556
كما يقال: ناقة ركوبة، أي مركوبة. وقوله (وفق العيال) أي لها لبن قمر كفايتهم، لا فضل فيه عنهم. وقيل قدر ما يقوتهم، وكل شيء طابق شيئاً وافقة، فهو وفق. والسيد: الشعر. وقيل الوبر. فإذا قيل ما له سيد ولا لبد، فمعناه: ما له ذو وبر ولا صوف متلبد، يكنى بهما عن الإبل والغنم. وقيل: يكنى بهما عن المعز والضأن. وقيل: يكنى بهما عن الإبل والمعز. فالوبر: للإبل، والشعر: للمعز. ثم كثر ذلك حتى صار مثلاً مضروباً للفقر، فقيل لكل من لا مال له، أي شيء كان.
ففي هذا الكلام مجاز من وجهين: أحدهما إيقاعهم النفي على السبد واللبد، وهم يريدون نفي ما له السبد واللبد. والثاني: استعمالهم ذلك في كل من لا مال له، وأصله أن يكون في الإبل والمعز والغنم خاصة.
وهذا البيت من قصيدة قالها الراعي في عبد الملك بن مروان، يشتكى فيها إليه عماله، ويصف جورهم على الناس في أخذ الصدقة. وقبله:
أزرى بأموالنا قوم بعثتهم بالعدل ما عدلوا فينا ولا قصدوا
نعطى الزكاة فما يرضى خطيبهم حتى نضاعف أضعافاً لها عدد
وأنشد ابن قتيبة:
(٢١)
(وإن بني ربيعة بعد وهب كراعي البيت يحفظه فجانا)
стр. 557
البيت: للنمر بن تولب العكلى، وكان يلقب الكيس بصناعة الشعر. وكان أبو حاتم يقول النمر بسكون الميم، ويزعم أن العرب لا تقوله إلا هكذا. وهذا الذي ذكره غير معروف. وقوله (بعد وهب) يريد بعد خيانة وهب، وليس يريد: (بعد هلاك وهب)، ولو كان كذلك لكان قد مدح وهبا، وليس بمدحه، إنما يذمه. والمعنى: أن وهبا كان أوثقهم وأجدرهم بالأمانة، فإذ قد خان وهب، فهم أجدر بالخيانة، والدليل على أنه يذم وهبا قوله قبل هذا البيت:
يريد خيانتي وهب وأرجو من الله البراءة والأمانا
فإن الله يعلمني ووهبا ويعلم أن سنلقاه كلانا
ويروى: (يحفظه) بضم الياء: أي يؤتمن عليه، يقال حفظ الرجل الشيء وأحفظته إياه، وهذا بين لا إشكال فيه.
ويروى (يحفظ) بفتح الياء، وفيه إشكال، لأن الحافظ لا يخون، فكيف وصفه بالحفظ والخيانة.
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أن الفاء في كلام العرب إنما وضعت لتدل على أن ما بعدها يقع عقيب ما قبلها. فمعناه: يحفظه أولا ثم يعقب الحفظ بالخيانة. والثاني أن يكون معنى يحفظه: يدعى أنه يحفظه وهو يخون، لأن العرب تنسب الفعل إلى من يدعيه كما تنسبه إلى من هو له بالحقيقة، فإذا قلت: هذا ضارب زيدا، جاز أن يكون معناه هذا الذي أوقع بزيد الضرب على
стр. 558
الحقيقة. وجاز أن يكون معناه هذا الذي يزعم أنه ضرب زيداً. وقد يقال أيضاً هذا ضارب زيد، إذا كان عازماً على ضربه، معتقداً لذلك. ويقال أيضاً هذا ضارب زيد: إذا أ/ر بذلك أو رضيه.
وأنشد ابن قتيبة:
(٢٢)
(لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يعض على شر سوقه الصفر)
البيت لأعشى باهلة، واسمه عامر بن الحارث بن رياح، ويكنى أبا قحافة، من شعر يرثى به المنتشر بن وهب الباهلي. وهذا البيت الذي أنشده ابن قتيبة، مركب من بيتين، والذي رواه أبو العباس المبرد في الكامل:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا تراه أمام القوم يقتفر
لا يغمز الساق من أين ولا وصب ولا يعض على شرسوفه الصفر
وغير بعيد أن يكون ما ذكره ابن قتيبة رواه ثانية. ومعنى البيت: أنه يمدحه بأن همته في طلب المعالي، فليس يرقب
стр. 559
نضج ما في القدر، إذا هم بأمر له فيه شرف، بل يتركها ويمضي لما يريده. وقوله (ولا يعض على شرسوفه الصفر) الشرسوف: طرف الضلع، والصفر حية تتخلق في البطن، وتعض على شراسيف الأضلاع إذا جاع الإنسان، ولم يرد أن يثبت أن في جوفه صفرا لا يعض على شراسيفه، وإنما أراد أنه لا صفر في جوفه، فيعض على شراسيفه. يصفه بشدة الخلق وصحة البنية. وهذا كقوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) أي لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف، ولم يرد أن يثبت أن لهم سؤالا لا إلحاف فيه، ومثله قول امرئ القيس:
على لا حب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا
أي ليس فيه منار، فتكون فيه هداية. وحروف الجر المذكورة في هذا البيت: لا موضع لها لتعلق كل واحد منهما بالظاهر، أو ما هو في حكم الظاهر. فاللام متعلقة بيتأرى، وعلى متعلقة ببعض، وفي متعلقة بالاستقرار المضمن في الصلة، وهو في حكم الملفوظ به. وقوله: (يرقبه): جملة موضعها نصب على الحال من الضمير في يتأرى، وهي على هذا التقدير حال جارية على من هي له. ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من (ما) وهي على هذا حال جارية على غير من هي له. وإنما جاز أن تكون حالاً منهما معاً، لأن فيها ضميراً عائداً على كل واحد منهما وجاز أن يستتر الضمير، وإن كانت قد جرت حالا على غير من هي
стр. 560
له، لأن الفعل يستتر فيه ضمير الأجنبي، كما يستتر ضمير ما ليس بأجنبي. ولو ظهرت الحال إلى اللفظ لقلت في أحد الوجهين (راقبه)، فلم تظهر الضمير، وقلت في الوجه الآخر (راقبه هو) فأظهرت الضمير.
وأنشد في هذا الباب:
(٢٣)
(وتبرد برد رداء العرو س بالصيف رقرقت فيه العبيرا)
البيت لأعشى بكر، واسمه ميمون بن قيس بن جندل، ويكنى أبا بصير، ويسمى: قتيل الجوع، لأنه دخل غارا يستظل فيه من الحر، فوقعت صخرة على فم الغار فمات فيه جوعا. ففي ذلك يقول جهنام يهجوه:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل وخالك عبد من خماعة راضع
وبعد قوله وتبرد برد رداء العروس:
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب إلا هريرا
يصف امرأة بصحة الجسم، واعتدال المزاج، فيقول إنك إذا ضاجعتها بالصيف وجدتها باردة الجسم كبرد رداء العروس إذا رقرق فيه العبير: أي جعل
стр. 561
رقيقاً وذلك حتى يصير أملس، وإذا ضاجعتها في البرد الشديد الذي لا يقدر فيه الكلب على النباح وجدت جسمها سخناً. والباء في قوله بالصيف: بمعنى في.
وفي البيت تقديم وتأخير، وتقديره: وتبرد بالصيف برد رداء العروس. فالباء متعلقة بتبرد، وبرد رداء العروس منصوب على المصدر المشبه به، والتقدير: وتبرد بردا مثل برد رداء العروس، فحذف الموصوف والمضاف، كما حذفا من قولك: ضربته ضرب الأمير اللص، وقوله. (رقرقرت فيه العبيرا): جملة في موضع نصب على الحال من الرداء، وهي حال جارية على غير من هي له. ولو جعلت مكان الفعل الحال المحضة لقلت: مرقرقاً فيه العبير أنت، فأبرزت الضمير. ولو قلت رقرق فيه العبير ثم أظهرت الحال لقلت: مرقرقاً فيه العبير، ولم تظهر الضمير، لجريان الحال على من هي له. وقوله فيه متعلق برقرقت، فلا موضع له لتعلقه بالظاهر.
وأنشد ابن قتيبة:
(٢٤)
(أشليت عنزي ومسحت قعبي)
وزاد يعقوب:
ثم تهيأت لشرب قاب
стр. 562
يصف أنه دعا عنزة ليحلبها، ومسح قعبه وهو القدح، ليحلب فيه، ثم تهيأ ليشرب شرباً قأباً وهو الكثير. يقال قئب من الشراب قأبا على مثال سم سأما وقأب قأبا على مثال زأر زأرا: إذا أكثر منه، والمسح في هذا الشعر بمعنى الغسل.
وأنشد ابن قتيبة:
(٢٥)
(وهل هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها نغل)
(فإن نتجب مهراً كريماً فبالحرى وإن يك إقراف فقد أقرف الفحل)
رواه أبو علي (فمن قبل الفحل) ورواه غيره (فما أنجب الفحل) وروى أبو علي (تجللها بغل) بالباء، وأنكر كثير من أصحاب المعاني هذه الرواية، وقالوا: هي تصحيف، لأن البغل لا ينسل. والصواب: (نغل) بالنون، وهو الخيس من الناس والدواب، وأصله: (نغل)، بكسر الغين، ثم نخفف الكسرة فيقال: (نغل)، كما يقال فخذ وفخذ: وأنكر ابن قتيبة تسكين الغين من (نغل) في هذا الكتاب، وجعله من لحن العامة، وقد ذكرناه في موضعه.
وروى غير ابن قتيبة: (وهل أنا إلا مهرة) وذكر أن الشعر لحميدة بنت النعمان ابن بشير، وهي أخت هند، وكان تزوجها أولا الحارث بن خالد المخزومي، وكان شيخا ففركته وقالت فيه:
стр. 563
ففدت الشيوخ وأشياعهم وذلك من بعض أقواليه
ترى زوجة الشيخ مغمومة وتمسى بصحبته قاليه
في أبيات غير هذين، فطلقها الحارث، وتزوجها روح بن زنباع، فهجته بهذا الشعر الذي أنشده ابن قتيبة، وقالت فيه أيضاً:
بكى الخز من روح وأنكر جلده وعجت عجيجا من جذام المطارف
وقال العباء نحن كنا ثيابهم وأكسية مضروجة وقطائف
فطلقها روح وقال: ساق الله إليك شابا يسكر ويقي في حجرك. فتزوجها الفيض ابن أبي عقيل الثقفي، وكان فتى شابا مولعا بالشراب، فسكر وقاء في حجرها، فقالت: أجيبت في دعوة روح. ثم هجت الفيض فقالت:
سميت فيضا ولا شيء تفيض به إلا بسلحك بين الباب والدار
فتلك دعوة روح الخير أعرفها سقى الإله صداه الأوطف الساري
ثم نرجع إلى تفسير معنى البيتين الأولين. فقولها: (وهل هند إلا مهرة): مثل ضربته. وذلك أنها كانت أنصارية، وكان روح بن زنباع جذامياً، والأنصار أشرف من جذام، فقالت إنما مثلى ومثل روح: مهرة عربية عتيقة علاها بغل، فإن ولدت مهرا كريماً فما أحراها وأحقها بذلك، لكرمها وعتقها، وإن كان مهرها خسيساً، فإنما جاءت الخساسة من قبل الأب، لا من قبلها، وقولها (فبالحرى) يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أن يكون من قولهم هو حرى بكذا: أي حقيق به، أي فبالحقيقة أن يكون مهرها كريماً: والثاني:
стр. 564
أن يريد فبالجهد والمشقة، أي لا يتخلص لها ولد كريم إلا بعد جهد، لخساسة الأب الغالبة عليه، فيكون بمنزلة قول الأعشى:
إن من عضت الكلاب عصاه ثم أثرى فبالحرى أن يجودا
أي أنه لا يجود إلا بعد جهد، لأنه قد جرب الأيام، وقاسى الفقر، وعلم قدر المال. والباء في قولها (فبالحرى): متعلقة بمحذوف، لأنها نابت مناب خبر مبتدأ مقدر، كأنها قالت: فبالحرى أن يكون ذلك، فأن يكون مبتدأ، وبالحرى: في موضع الخبر وكذلك (من) في رواية من روى (فمن قبل الفحل) لأن التقدير فذلك من قبل الفحل. فمن متعلقه بالخبر المقدر، كأنها قالت: فذاك كائن من قبل الفحل، أو واقع، أو نحو ذلك.
وأنشد. عن أبي زيد:
(٢٦)
(وكيف بأطرافي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح)
يريد بأطرافه: أجداده من قبل أبيه وأمه. والصلوح والصلاح والصلح: سواء، والباء في قوله بأطرافي يحتمل تأويلين: أحدهما أن تكون زائدة كزيادتها في قوله (كفى بالله شهيدا) وقولهم: بحسبك قول السوء. فتكون الأطراف في
стр. 565
موضع رفع بالابتداء، وكيف: متضمنة للخبر معموله له على مذهب سيبويه، أو في موضع رفع بالاستقرار على مذهب الأخفش. فإذا جعلت الأطراف مرفوعة بالابتداء، فموضع كيف رفع، فإذا جعلتها مرفوعة بالاستقرار، فموضع (كيف) نصب، والعامل في (كيف) في الوجهين: الاستقرار والتأويل. الثاني: أن تكون الباء غير زائدة، ويكون التقدير: وكيف أصالحك بأطرافي، وحذف ذكر المصالحة لدلالة الصلوح المذكور في آخر البيت عليه، فالباء على هذا متعلقة بالفعل المقدر، وهو العامل في كيف، ويكون في الكلام على هذا مجازان. أحدهما: حذف الفعل. والثاني: حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن التقدير: كيف أصالحك بشتم أطرافي: وكان الأخفش يقدر (كيف) تقدير الظروف، وكان سيبويه يقدرها تقدير الأسماء:
والدليل على صحة قول سيبويه: أنك تفسرها بالأسماء، كقولك كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ وتجيب عنها بالأسماء. فإذا قال قائل كيف زيد؟ قلت: صالح. ولو كانت ظرفا لم يجز أن تفسر، ولا يجاب عنها إلا بالظروف.
وحجة الأخفش أنها تقدر تقدير الجار والمجرور، وذاك أنك إذا قلت: كيف زيد؟ فمعناه على أي حال هو؟ والحروف للظروف وما يجرى مجراها. وليس في هذا دليل قاطع، لأننا قد نقدر حرف الجر فيما لا خلاف فيه أنه اسم. ألا ترى أن كل مضاف إليه تقدر فيه اللام أو من، إلا أن تكون إضافته غير صحيحة
следующие страницы →