← Адаб

Адаб · id 17681

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (952 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

رقيقاً وذلك حتى يصير أملس، وإذا ضاجعتها في البرد الشديد الذي لا يقدر فيه الكلب على النباح وجدت جسمها سخناً. والباء في قوله بالصيف: بمعنى في. وفي البيت تقديم وتأخير، وتقديره: وتبرد بالصيف برد رداء العروس. فالباء متعلقة بتبرد، وبرد رداء العروس منصوب على المصدر المشبه به، والتقدير: وتبرد بردا مثل برد رداء العروس، فحذف الموصوف والمضاف، كما حذفا من قولك: ضربته ضرب الأمير اللص، وقوله. (رقرقرت فيه العبيرا): جملة في موضع نصب على الحال من الرداء، وهي حال جارية على غير من هي له. ولو جعلت مكان الفعل الحال المحضة لقلت: مرقرقاً فيه العبير أنت، فأبرزت الضمير. ولو قلت رقرق فيه العبير ثم أظهرت الحال لقلت: مرقرقاً فيه العبير، ولم تظهر الضمير، لجريان الحال على من هي له. وقوله فيه متعلق برقرقت، فلا موضع له لتعلقه بالظاهر. وأنشد ابن قتيبة: (٢٤) (أشليت عنزي ومسحت قعبي) وزاد يعقوب: ثم تهيأت لشرب قاب

стр. 562

يصف أنه دعا عنزة ليحلبها، ومسح قعبه وهو القدح، ليحلب فيه، ثم تهيأ ليشرب شرباً قأباً وهو الكثير. يقال قئب من الشراب قأبا على مثال سم سأما وقأب قأبا على مثال زأر زأرا: إذا أكثر منه، والمسح في هذا الشعر بمعنى الغسل. وأنشد ابن قتيبة: (٢٥) (وهل هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها نغل) (فإن نتجب مهراً كريماً فبالحرى وإن يك إقراف فقد أقرف الفحل) رواه أبو علي (فمن قبل الفحل) ورواه غيره (فما أنجب الفحل) وروى أبو علي (تجللها بغل) بالباء، وأنكر كثير من أصحاب المعاني هذه الرواية، وقالوا: هي تصحيف، لأن البغل لا ينسل. والصواب: (نغل) بالنون، وهو الخيس من الناس والدواب، وأصله: (نغل)، بكسر الغين، ثم نخفف الكسرة فيقال: (نغل)، كما يقال فخذ وفخذ: وأنكر ابن قتيبة تسكين الغين من (نغل) في هذا الكتاب، وجعله من لحن العامة، وقد ذكرناه في موضعه. وروى غير ابن قتيبة: (وهل أنا إلا مهرة) وذكر أن الشعر لحميدة بنت النعمان ابن بشير، وهي أخت هند، وكان تزوجها أولا الحارث بن خالد المخزومي، وكان شيخا ففركته وقالت فيه:

стр. 563

ففدت الشيوخ وأشياعهم وذلك من بعض أقواليه ترى زوجة الشيخ مغمومة وتمسى بصحبته قاليه في أبيات غير هذين، فطلقها الحارث، وتزوجها روح بن زنباع، فهجته بهذا الشعر الذي أنشده ابن قتيبة، وقالت فيه أيضاً: بكى الخز من روح وأنكر جلده وعجت عجيجا من جذام المطارف وقال العباء نحن كنا ثيابهم وأكسية مضروجة وقطائف فطلقها روح وقال: ساق الله إليك شابا يسكر ويقي في حجرك. فتزوجها الفيض ابن أبي عقيل الثقفي، وكان فتى شابا مولعا بالشراب، فسكر وقاء في حجرها، فقالت: أجيبت في دعوة روح. ثم هجت الفيض فقالت: سميت فيضا ولا شيء تفيض به إلا بسلحك بين الباب والدار فتلك دعوة روح الخير أعرفها سقى الإله صداه الأوطف الساري ثم نرجع إلى تفسير معنى البيتين الأولين. فقولها: (وهل هند إلا مهرة): مثل ضربته. وذلك أنها كانت أنصارية، وكان روح بن زنباع جذامياً، والأنصار أشرف من جذام، فقالت إنما مثلى ومثل روح: مهرة عربية عتيقة علاها بغل، فإن ولدت مهرا كريماً فما أحراها وأحقها بذلك، لكرمها وعتقها، وإن كان مهرها خسيساً، فإنما جاءت الخساسة من قبل الأب، لا من قبلها، وقولها (فبالحرى) يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أن يكون من قولهم هو حرى بكذا: أي حقيق به، أي فبالحقيقة أن يكون مهرها كريماً: والثاني:

стр. 564

أن يريد فبالجهد والمشقة، أي لا يتخلص لها ولد كريم إلا بعد جهد، لخساسة الأب الغالبة عليه، فيكون بمنزلة قول الأعشى: إن من عضت الكلاب عصاه ثم أثرى فبالحرى أن يجودا أي أنه لا يجود إلا بعد جهد، لأنه قد جرب الأيام، وقاسى الفقر، وعلم قدر المال. والباء في قولها (فبالحرى): متعلقة بمحذوف، لأنها نابت مناب خبر مبتدأ مقدر، كأنها قالت: فبالحرى أن يكون ذلك، فأن يكون مبتدأ، وبالحرى: في موضع الخبر وكذلك (من) في رواية من روى (فمن قبل الفحل) لأن التقدير فذلك من قبل الفحل. فمن متعلقه بالخبر المقدر، كأنها قالت: فذاك كائن من قبل الفحل، أو واقع، أو نحو ذلك. وأنشد. عن أبي زيد: (٢٦) (وكيف بأطرافي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح) يريد بأطرافه: أجداده من قبل أبيه وأمه. والصلوح والصلاح والصلح: سواء، والباء في قوله بأطرافي يحتمل تأويلين: أحدهما أن تكون زائدة كزيادتها في قوله (كفى بالله شهيدا) وقولهم: بحسبك قول السوء. فتكون الأطراف في

стр. 565

موضع رفع بالابتداء، وكيف: متضمنة للخبر معموله له على مذهب سيبويه، أو في موضع رفع بالاستقرار على مذهب الأخفش. فإذا جعلت الأطراف مرفوعة بالابتداء، فموضع كيف رفع، فإذا جعلتها مرفوعة بالاستقرار، فموضع (كيف) نصب، والعامل في (كيف) في الوجهين: الاستقرار والتأويل. الثاني: أن تكون الباء غير زائدة، ويكون التقدير: وكيف أصالحك بأطرافي، وحذف ذكر المصالحة لدلالة الصلوح المذكور في آخر البيت عليه، فالباء على هذا متعلقة بالفعل المقدر، وهو العامل في كيف، ويكون في الكلام على هذا مجازان. أحدهما: حذف الفعل. والثاني: حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن التقدير: كيف أصالحك بشتم أطرافي: وكان الأخفش يقدر (كيف) تقدير الظروف، وكان سيبويه يقدرها تقدير الأسماء: والدليل على صحة قول سيبويه: أنك تفسرها بالأسماء، كقولك كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ وتجيب عنها بالأسماء. فإذا قال قائل كيف زيد؟ قلت: صالح. ولو كانت ظرفا لم يجز أن تفسر، ولا يجاب عنها إلا بالظروف. وحجة الأخفش أنها تقدر تقدير الجار والمجرور، وذاك أنك إذا قلت: كيف زيد؟ فمعناه على أي حال هو؟ والحروف للظروف وما يجرى مجراها. وليس في هذا دليل قاطع، لأننا قد نقدر حرف الجر فيما لا خلاف فيه أنه اسم. ألا ترى أن كل مضاف إليه تقدر فيه اللام أو من، إلا أن تكون إضافته غير صحيحة

стр. 566

وكذلك قوله تعالى (أن تسترضعوا أولادكم) أي لأولادكم، ويقوى قول الأخفش أن كيف موضوعة للأحوال، والأحوال مضارعة للظروف، فلذلك صار القولان متقاربين. وأنشد ابن قتيبة: (٢٧) (وقولا لها ما تأمرين بوامق له بعد نومات العيون أليل) هذا البيت لابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد، وميادة: أمه. ووقع في كتاب طبقات الشعراء لابن قتيبة: أنه الرماح بن يزيد، وهو غلط من ابن قتيبة، أو وهم وقع في النسخ. والدليل على أن اسم أبيه أبرد قول بعض الشعراء يهجوه: أبوك أبوك أبرد غير شك أحلك في المخازى حيث حلا ووقع في الحماسة (أبوك أبوك أربد غير شك) وهو غلط أيضاً. وروينا عن أبي نصر، عن أبي علي البغدادي: (وقولا لها ما تأمرين) على مخاطبة الاثنين. ووقع في غير أدب الكتاب: (وقولي لها) على مخاطبة المؤنث. وكذا في إصلاح المنطق، ولا أعلم كيف الصواب فيه؟ لأني لم أر شيئاً من الشعر أستدل به على ذلك، وقوله (ما تأمرين) ما: في موضع نصب: ويقدر الاسم

стр. 567

الذي وقعت (ما) في موضعه منتصباً انتصاب المصادر، وإن كان غير مصدر محض، لأن تقديره: أي أمر تأمرين بهذا الوامق، ومن شأن (أي) إذا أضيفت إلى مصدر أن تصير مصدرا، كقولك أي مرور تمر بزيد؟ وأي ضرب تضرب عمراً؟ والباء متعلقة بنفس الفعل الظاهر، فلا موضع لها لأنها من صلته. وأما اللام من قولك (له) فيحتمل تأويلين إن شئت جعلت الأليل مرتفعا بالابتداء، وجعلت (له) في موضع خبر، فتكون اللام متعلقة بالخبر مقدرا ويكون موضع الجملة جراً على الصفة لوامق، وإن شئت رفعت الأليل بالاستقرار وجعلت (له) في موضع جر على الصفة لوامق، على حد ارتفاع الأسماء بالصفات التي تكون صفات لما قبلها: وأفعالاً لما بعدها، في نحو قولك (مررت برجل قائم أبوه)، فيكون التقدير بوامق كائن له بعد نومات العيون أليل. والفرق بين هذا الوجه والوجه الأول: أن المحذوف الذي تتعلق به اللام في الوجه الأول: خبر، والمحذوف الذي تتعلق به في الوجه الثاني: صفة، وأن الجملة في القول الأول تقدر تقدير جملة مركبة من مبتدأ وخبر، نابت مناب صفة، وتقدر في القول الثاني تقدير جملة مركبة من فعل وفاعل، نابت مناب صفة. ومن النحو بين من يرى أن الاسم في نحو هذه المسألة لا يرتفع بالابتداء، وإنما يرتفع بالاستقرار، لأن الاستقرار قد اعتمد على ما قبله، وإنما يقبح رفع الاسم بالاستقرار إذا لم يعتمد على شيء قبله، كقولك: في الدار زيد، فإذا كان

стр. 568

معتمداً على ما قبله جاز رفع الاسم به. ومعنى اعتماده على ما قبله أن يكون صفة لموصوف، أو حالا لذي حال، أو خبرا لذي خبر، أو صلة لموصول، أو معتمدا على أداة من أدوات الاستفهام، أو ما ولا النافيتين. ومن النحو بين من يرى أنه يرتفع بالابتداء أبدا، وإن لم يعتمد على ما قبله ولم ينكر رفعه بالاستقرار، وهو رأي السيرافي. ولسيبويه في هذا الموضع من كتابه عبارة مشكلة، تحتمل المذهبين جميعاً وهو قوله في بعض أبواب الصفات: واعلم أنك إذا نصبت في هذا الباب، فقلت: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، فالنصب على حاله، لأن هذا ليس بابتداء، ولا يشبه (فيها عبد الله قائم) غداً، لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع، فإذا صار الاسم مجروراً، أو عاملاً فيه فعل، أو مبتدأ، لم تلغه، لأنه ليس يرفعه الابتداء. وفي الظروف إذا قلت: فيها أخواك قائمان، يرفعه الابتداء. والأظهر عندي من هذا الكلام الرفع بالاستقرار. وأنشد ابن قتيبة: (٢٨) (باتت تبيا حوضها عكوفاً)

стр. 569

هذا الرجز لأبي محمد الفقعسي أنشده أبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي: وبعده: مثل الصفوف لاقت الصفوفا وأنت لا تغنين عني فوقا يصف إبلا اصطفت حول الحوض لتشرب الماء، بعضها من هذا الجانب، وبعضها من هذا الجانب، فشبهها بخيل اصطفت بحذاء خيل غيرها للقتال، وقوله: عكوفا، أي ملازمة للحوض لا تفارقة، لشدة عطشها، وهذا نحو قول الآخر: حرقها حمض بلا دفل وغنم نجم غير مستقل فما تكاد نيبها تولى أي ما تكاد تولى عن الحوض، لشدة حاجتها إلى الماء. وقوله: (لا تغنين عني فوفا) الفوف: جمع فوفة، وهي القشرة التي تكون على النواة. والفوف، أيضاً: البياض التي يكون في الظفر. يخاطب زوجه، ويعنفها على امتناعها عن معونته على سقى إبله، يقول: نالني الجهد والنصب في سقيها، ولم تغن عني من التعب قدر فوف، وكانوا يستعينون بنسائهم على سقي الإبل، ولذلك قال الراجز: قد علمت إن لم أجد معينا ... لأخلطن بالخلوق طينا

стр. 570

يقول: قد علمت أني إن لم أجد من يعينني على سقي إبلي، فإني أستعين بها، فيختلط الطين بخلوقها. وفي انتصاب (عكوف) ثلاثة أوجه من الإعراب: أحدها: أن يكون مصدرا محضاً، محمولاً على معنى الفعل الذي قبله، لأنه إذا قال: (تبياً حوضها) فقد ناب مناب قوله (تعكف)، عليه، فيكون نحواً من قولهم: قعد زيد جلوسا، وتبسمت وميض البرق. والثاني: أن يكون مصدراً وقع موقع الحال، كأنه قال: قد تبياً حوضها عاكفة، فيكون من باب جئته ركضاً، أي راكضاً. والثالث: أن تجعل عكوفا جمع عاكف، ولا تجعله مصدراً، فيكون حالاً محضة. وأنشد ابن قتيبة: (منا يزيد وأبو محيأة وعسعس نعم الفتى تبيأه) وعسعس ههنا اسم رجل. يقول: هو نعم الفتى إذا قصدته. وقوله (نعم الفتى): جملة سدت مسد خبر المبتدأ، وهي عارية من ضمير يرجع إليه، وحكم كل جملة سدت مسد خبر المبتدأ أن يكون فيها ضمير يعود إليه، ففي هذا ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الغرض في ذكر الضمير: أن يربط الخبر بالمخبر عنه، فلما كان (الفتى) اسماً يراد به جميع النوع، وكان عسعس بعض الفتيان، ارتبط

стр. 571

بهم ارتباط الجزء بالكل، فأغنى ذلك عن ذكر الضمير. هذا قول الفارسي، وهو الذي أشار إليه سيبويه. والقول الثاني: أن الفتى ههنا سد مسد الضمير، وهذا القول هو الذي أشار إليه أبو القاسم الزجاج، في قوله في باب (نعم وبئس) وهو في موضع المضمر العائد على زيد، إلا أنه جاء مظهرا. وتلخيص معنى هذا القول: أن الاسم الفاعل إذا تقدم على فعله الرافع له، لزم إضماره فيه؛ ألا ترى أنك تقول: قام زيد، فإذا قدمت زيدا قلت: زيد قام، فأضمرت في قام ضميرا يعود على زيد، فكذلك كان القياس إذا قلت: زيد نعم الرجل، أن تضمر في نعم ضميرا يرجع على زيد، إلا أن الضمير لا يجوز ارتفاعه بنعم، لأنها لا ترفع إلا ما فيه الألف واللام، أو ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام. فلما لم يجز ذلك، وضع الظاهر موضع المضمر، فقيل زيد نعم الرجل. والقول الثالث: أن العائد مقدر في الجملة، وحذف اختصارا، والتقدير: زيد نعم الرجل هو، وعسعس نعم الفتى هو، فاستغنى عن ذكر هو، لأن الاسم الأول قد أغنى عن ذكره. والدليل على صحة هذا القول: أن حكم (نعم) أن يظهر بعدها اسمان، أحدهما اسم النوع، والآخر: المقصود بالمدح، فإذا ترك ذكر أحدهما، علم أنه مراد، وقد جاء حذف المقصود بالمدح، في نحو قوله (نعم العبد إنه أواب) وفي نحو قول الشاعر: نعم الفتى فجعت به إخوانه يوم البقيع حوادث الأيام

стр. 572

فإن قيل: ما بالك لم تجعل الهاء في (تبباه) عائدة على عسعس؟ فالجواب: أن الهاء في (تبياه) إنما تعود على الفتى، لأن (تبياه) في موضع نصب على الحال منه، وحكم الحال أن يكون فيها ضمير يرجع إلى صاحبها، فلذلك احتيج إلى ضمير آخر، يرجع إلى عسعس بحكم الخبر. وقد يجوز أن يقال: لما كان (الفتى) هو عسعس، اكتفى بالضمير العائد عليه، من الضمير العائد على (عسعس). وهذه حال جرت على غير من هي له، لأن القاصد إنما هو المخاطب، واستتر الضمير الفاعل فيها، لأن الفعل من شأنه أن يتحمل ضمير الأجنبي، ولو صيرتها اسم فاعل لقلت متبيئاً له أنت، فظهر الضمير، ولو كانت حالاً محضة للفتى، لقلت: نعم الفتى متبيا على صفة اسم المفعول، ولم تحتج إلى أن يظهر الضمير فتقول: هو. وأنشد ابن قتيبة: (لعمر بني شهاب ما أقاموا صدور الخيل والأسل التياعا) البيت: لدريد بن الصمة الجشمي، ويكنى أبا قرة، وأمه ريحانة أخت عمرو بن معدى كرب و (ما) في هذا البيت نفى، وليست مصدراً واقعاً موقع

стр. 573

الظرف، لأنه يذم بني شهاب، ويذكر أنهم فروا وولوا الدبر وإنما أقسم بأعمارهم على سبيل الهزء بهم، ويدل على ذلك قوله بعد هذا البيت: ولكني كررت بفضل قومي فخرت مكارما وحويت باعا وذلك فعلنا في كل حي وننتجع الأقاصي انتجاعا ويروى: (فجدت بنعمة ومددت باعا) والباع ههنا الشرف. وقوله: (الأقاصي) قياسه: الأقاصي بتخفيف الياء، ولكنه أشبع كسرة الصاد، فنشأت بعدها ياء، وأدغمها في الياء الأصلية، على حد قول الفرزدق: نفى الدراهم تنقاد الصياريف وأنشد ابن قتيبة: (٣١) (فقلت له هذه هاتها بأدماء في حبل مقتادها) البيت لأعشى بكر، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم، وإنما يضاف إلى بكر للبيان، لأن في الشعراء جماعة يسمى كل واحد منهم الأعشى، فيضاف كل واحد منهم إلى رهطه، ليعرف به، فيقال أعشى بكر، وأعشى باهلة، وأعشى همدان،

стр. 574

وأعشى طرود ونحو ذلك. والأدماء: الناقة البيضاء. والأدمة: على ثلاثة معان: إذا وصف بها الرجال، فالمراد بها السمرة، وإذا وصف بها الإبل، فالمراد بها البياض، وإذا وصف بها الظباء فالمراد بها سمرة في ظهورها، وبياض في بطونها. والمقتاد: القائد. والهاء في قوله (له) عائدة إلى خمار ذكره قيل هذا البيت، في قوله: فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها يعني بالحداد: الخار، لأنه يمنع من الخمر ويحفظها، وكل من حفظ شيئاً ومنع، فهو حداد. وذكر صاحب كتاب العين؛ أن الخمار يقال له جداد بالجيم. وهذه الكلمة من الأشياء التي نسب فيها إلى التصحيف. وهذه إشارة إلى الجونة المذكورة. وهي الخابئة، جعلها جونة لاسودادها من القار. والمعنى: هات هذه الجونة، وخذ هذه الناقة الأدماء بحبل قائدها. وذكر الأعشى بعد هذا البيت أن الخمار لم يقنع منه بالناقة الأدماء، حتى زاده تسعة دراهم، وذلك قوله: فقال تزيدونني تسعة وليست بعدل لأندادها فقلت لمنصفنا أعطه فلما رأى حضر إشهادها أضاء مظلته بالسرا ج والليل غامر جدادها دراهمنا كلها جيد فلا تحبسنا بتنقادها وحرف الجر في قوله (فقلت له) متعلق بظاهر، وفي قوله (بأدماء) وفي (حبل): متعلق بمحذوف غير ظاهر. والباء في قوله (بأدماء) في موضع نصب

стр. 575

على الحال، كأنه قال (مشتراة بأدماء) و (في) من قوله (في جبل): في موضع خفض على الصفة لأدماء، كأنه قال: (بأدماء مشدودة في حبل مقتادها). ويجوز أن تكون مبنية على مبتدأ محذوف، كأنه قال: (بأدماء وهي في حبل مقتادها) وتكون الجملة في موضع الحال من (أدماء)، فتكون بمنزلة قولهم: جاء زيد بثيابة، أي وهو في ثيابة، وجازت الحال هنا من النكرة، لأنها صفة نابت مناب موصوف، لأن المعنى بناقة أدماء، فالناقة في حكم ما هو ملفوظ به، فقربت النكرة ههنا من المعرفة بالصفة. والوجه الأول أجود وإن كان هذا الثاني غير بعيد. والظاهر من كلام ابن قتيبة أنه جعل (في) في هذا البيت، بمعنى الباء، لأنه ذكر قولهم ادفعوه إليه برمته، ثم قال: وهذا المعنى أراد الأعشى في قوله للخمار. ثم أنشد البيت، وقال في تفسيره: أي يعني هذه الخمر بناقة برمتها، وقد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا إنه إذا أمكن حمل الشيء على موضوعه، وظاهر لفظه، لم يجب أن يعدل عنه إلى غيره، و (في) يوجد فيها من معنى الصفة والحال، ما يوجد في الباء، ألا ترى أن قولك جاءني زيد بثيابه، وفي ثيابه، سواء وأن المجرور في كل واحد من المسألتين في موضع الحال، لأن المعنى جاءني زيد وثيابه عليه. وكذلك قولهم: ادفعوه إليه برمته، أي ورمته عليه، وكذلك قول أبي ذؤيب في صفة الحمير: يعثرن في حد الظباة كأنما كسيت برود بني تزيد الأذرع

стр. 576

و (في) قد نابت فيه مناب الباء في قول الآخر: ومستنة كاستنان الخرو ف قد قطع الحبل بالمرود دفوع الأصابع ضرح الشمو س نجلاء مؤيسة العود لأن المعنى بعثرن والظبات فيهن، وقد قطع الحبل والمرود فيه. وأنشد ابن قتيبة: (٣٢) (ولم يقلب أرضها البيطار ولا لحبليه بها حبار) الرجز: لحميد الأرقط، وقبله: لارحح فيها ولا اصطرار يصف فرسا بالعتق. يقول لم تحتج إلى بيطار يقلب قوائمها، لينظر: هل بها علة؟ وذكر أبو العباس المبرد أنه يروى: (ولم يقلم) بالميم، وقال: معناه: أن حوافرها لا تتشعث فتحتاج إلى أن تقلم، كما قال علقمة: ولا السنابك أفناهن تقليم

стр. 577

وهذا التأويل فيه بعد، لأن تقليم الحوافر ليس من عمل البيطار، ويمكن أن تكون الميم بدلاً من الباء، كما قالوا: ما هذا بضربة لازب، ولازم، وأرض الدابة قوائمها. وزعم بعض اللغويين أنها تكتب بالظاء، والصحيح أنها تكتب بالضاد، لأنها مشتبهة بالأرض التي توطأ، ويدل على ذلك قول الشاعر: وأحمر كالديباج أما سماؤه فرياً وأما أرضه فمحول فتسميته أعلاه سماء، ووصفه أرضه بالمحل، دليل على غلط من قال القول الأول. والعرب تجعل أعلى كل شيء سماء، وأسفله أرضاً، على التمثيل والاستعارة، والحبار والحبر: الأثر. والاصطرار: ضيق في الحافر. وقد ذكرنا فيما تقدم أن الرحح نوعان: محمود ومذموم، وأن المحمود منه ما كان سعة مع تقعب، والمذموم ما كان سعة ليس معها تقعب، وهذه هي الفرشخة التي نفاها الراجز عن الحافر بقوله- ليس بمصطر ولا فرشاخ. وأنشد ابن قتيبة: (٣٣) (قد أركب الالة بعد الآلة وأترك العاجز بالجدالة) والآلة: الحالة. يمدح نفسه بالجلد في السفر، والدؤوب على السير، إذا عجز صاحبه عن المشي، وسقط إلى الجدالة من الإعياء. والجدالة: الأرض. وبعد هذين البيتين:

стр. 578

(مُنْعفرا ليست له محالة). والمنعفر: الذي قد لصق بالعفر، وهو التراب، والمحالة: الحيلة. ونظير هذا الرجز: ما أنشده يعقوب من قول الآخر: إن دليما قد ألاح بعشى وقال أنزلني فلا إيضاع بي والباء في قوله (بالجدالة) في موضع الحال، كانه قال: لاصقا بالجدالة، فهي متعلقة بمحذوف. ويجوز أن تكون بمعنى (في) كقولهم زيد بالكوفة يريدون الكوفة. وأنشد ابن قتيبة: (٣٤) (ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا) البيت: لأبي أسماء بن الضريبة. وقيل: بل هو لعطية بن عفيف. ولم يقع شطر البيت الأول في كثير من النسخ، ووقع في بعضها: ولقد طعنت (بضم التاء) وهو غلط. والصواب: فتحها، لأن الشاعر خاطب بها كرزا العقيلي، وكان طعن أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى يوم الحاجر. ويدل على ذلك قوله قبل هذا البيت: يا كرز إنك قد فتكت بفارس بطل إذا هاب الكماة وجببوا

стр. 579

وقوله جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا، أي كسبت فزارة الغضب عليك. وقول الفراء: وليس قول من قال: (حق لفزارة الغضب) بشيء، رد منه على سيبويه والخليل، لأن معناه عندهما أحقت فزارة بالغضب، (فأن يغضبوا) على تأويلهما: مفعول سقط منه حرف الجر، وهو على قول الفراء مفعول، لا تقدير فيه لحرف جر، وكلا التأويلين صحيح. وقوله (جرمت فزارة): جملة لها موضع، لأنها في تأويل الصفة للطعنة، كأنه قال: طعنة حارمة. وأنشد ابن قتيبة: (٣٥) (إذا الدليل استاف أخلاق الطرق) البيت: لرؤبة بن العجاج بن رؤبة، ويكنى أبا الحجاف، وقبل هذا البيت: تنشطته كل مغلاة الوهق مضبورة قرواء هرجاب فنق مسودة الأعطاف من وشم العرق مائرة العضدين مصلات العنق قوله (تنشطته) قال أبو حاتم: هو أن تمد يدها وتسرع ردها، والمغلاة من النوق: التي تبعد الخطو وتغلو فيه، أي تفرط. والوهق: المباراة في السير. والمضبورة: المجموعة الخلق، المكتنزة. والقرواء: الطويلة القرا، وهو الظهر. والفنق: المنعمة في عيشها. وقال الأصمعي: هي الفتية الضخمة. ومائرة: يمور ضبعاها، أي يذهبان ويجيئان لسعة إبطيها. والعضدان: مثنى العضد، وهو غليظ الذراع، الذي بين المرفق والكتف. والمصلات: التي انحسر. الشعر عن عنقها.

стр. 580

هذا قول الزيادي. وقال غيره: هي التي تنصلت في السير: أي تتقدم. وأخلاق الطرق: أي القديمة، التي قد أخلقت. واحدها: خلق، شبهها بالثوب الخلق، وخص الأخلاق من الطرق، لأن الاستدلال بثم التراب إنما يكون في الطرق القديمة، التي كثر المشي فيها، فتوجد فيها رائحة الأرواث والأبوال. وأنشد ابن قتيبة: (٣٦) (عيوا بأمرهم كما عيت بيضتها الحمامة) (جعلت لها عودين: من نشم، وآخر من ثمامه) الشعر لعبيد بن الأبرص الأسدي، من كلمة له يخاطب بها حجرا أبا امرئ القيس، ويستعطفه لبني أسد، وذلك أن حجرا كان يأخذ منهم إتاوة، فمنعوه إياها، فأمر بقتلهم بالعصي، فلذلك سموا عبيد العصا، ونفى من نفى منهم إلى تهامة، وأمسك منهم عمرو بن مسعود وعبيد بن الأبرص، وكانا أسيرين عنده، فلذلك قال عبيد في هذه الكلمة: ومنعتهم نجداً فقد حلوا على وجل تهامه أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامة فرق لهم حجر وأمر برجوعهم إلى ديارهم، فاضطغنوا عليه ما فعل بهم، فقتلوه. وأصحاب المعاني يقولون في قوله:

стр. 581

جعلت لها عودين: من نشم، وآخر من ثمامه إنه أراد: جعلت لها عودين: عودا من نشم، وآخر من ثمامة، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه. فقوله (وآخر) على هذا التأويل ليس معطوفاً على عودين، لأنك إن عطعفته عليهما كانت ثلاثة، وإنما هو معطوف على الموصوف الذي حذف، وقامت صفته مقامه، فهو مردود على موضع المجرور. وهذا قبيح في العربية، لأن إقامة الصفة مقام الموصوف، إنما يحسن في الصفات المحضة، كقولك جاءني العاقل ومررت بالظريف، ولا يحسن أيضاً في الصفة المحضة حتى تكون صفة مختصة بالموصوف، دالة عليه، وكلما ازدادت الصفة عموماً ضعف إحلالها محل موصوفها، فقولك: جاءني العاقل، أحسن من قولك: جاءني الطويل لأن العاقل يختص بالإنسان، ولا يختص به الطويل. وإذا لم تكن الصفة محضة، وكانت شيئاً ينوب مناب الصفة، من مجرور، أو جملة، أو فعل، لم يجز إقامتها مقام الموصوف. فلا يحسن أن تقول جاءني من بني تميم، وأنت تريد رجلاً من بني تميم، ولا لقيت يركب، وأنت تريد رجلاً يركب، وقد جاء من ذلك شيء قليل، لا يقاس عليه، أنشد سيبويه: لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم

стр. 582

وقال النابغة: كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن أراد الأول: أحد يفضلها. وأراد الثاني جمل من جمال بني أقيش: وأما تشبيه عبيد أمر بني أسد بأمر الحمامة، فتلخيصه أنه ضرب النشم مثلاص لذوي الحزم وصحة التدبير، وضرب الثمام مثلاً لذوي العجز والتقصير، فأراد أن ذوي العجز منهم شاركوا ذوي الحزم في آرائهم، فأفسدوا عليهم تدبيرهم، فلم يقدر الحلماء، على إصلاح ما جناه السفهاء، كما أن الثمام لما خالط النشم في بنيان العش، فسد العش وسقط، لوهن الثمام وضعفه، ولم يقدر النشم على إمساكه بشدتد وقوته ونظير هذا قول الآخر: ولكن قومي عزهم سفهاؤهم على الرأي حتى ليس للرأي حامل تظوهر بالعدوان، واحتبل بالغني، وشورك في الرأي الرجال الأماثل

стр. 583

وأنشد ابن قتيبة: (٣٧) (أنا الذي سمتني أمي حيدره) الرجز: لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قاله يوم خيبر. وبعده: أضرب بالسيف رقاب الكفرة كليث غابات غليظ القصره أكليكم بالسيف كيل السندرة أراد: (أنا الذي سمتني أمي أسداً) فلم يمكنه ذكر الأسد، من أجل القافية، فذكر حيدره، لأنه اسم من أسمائه. وإنما قلنا ذلك، لأن أمة لم تسمه حيدرة، وإنما سمته أسداً. قال أبو محمد بن قتيبة في شرح غريب الحديث: سألت بعض آل أبي طالب عن قوله: أنا الذي سمتني أمي حيدره فذكر أن أم علي، وهي فاطمة بنت أسد، ولدت علياً وأبو طالب غائب، فسمته أسداً باسم أبيها، فلما قدم أبو طالب كره هذا، الذي سمته أمه به، وسماه علياً، فلما كان يوم خيبر، رجز علي، ذكر الاسم الذي سمته به أمه فكأنه قال: أنا الأسد. والغابات: جمع غابة، وهي أجمة الأسد. والقصرة: أصل العنق.

стр. 584

وأنشده ابن قتيبة في شرح الحديث: (كريه النظرة)، وروى أيضاً: أوفيهم بالصاع كيل السندرة وفسر السندرة فقال: هي شجرة يعمل القسى والنيل. فيحتمل أن يكون مكيالاً يتخذ من هذه الشجرة، سمى باسمها، كما تسمى نبعة باسم الشجرة التي أخذت منها، قال: ويحتمل أن تكون امرأة كانت تكيل كيلاص وافياً، أو رجلاً. وذكر أبو عمر المطرز في كتاب الياقوت أن السندرة امرأة. وأنشد في باب المسمين بأسماء الهوام: (٣٨) (مدراج شيئان لهن هميم) هذا البيت لساعدة بن جؤية الهذلي، وصدره: (ترى أثره في جانبيه كأنه) وقوله: فورك ليناً لا يثمثم نصله إذا صاب أوساط العظام صميم قوله (فورك لينا): أي حمل عليهم سيفاً ابن المهز ليس بكز، فذلك أقطع له، ومن روى (يثمثم) بفتح الثاء أراد: لا يرد ولا يمنع عما يقوم به، وهو نحو قولهم: (سبق السيف العدل)، ونحو قول طرفة:

стр. 585

أخي ثقة لا ينثنى عن ضريبة إذا قيل مهلاً قال حاجزه قدي ومن روى (يثمثم) بكسر الثاء، جعل الفعل للسيف. ومعناه: لا يتعتع ولا يتوقف في الضريبة. وصاب وأصاب: بمعنى واحد، وصميم: مصمم. وأثره: فرنده. والمدارج: الطرق التي تدرج فيها، أي تدب: والهميم: الدبيب. شبه فرند السيف بطرق الشبئان إذا دبت، كما قال الآخر: وصقيل كأنما درج النمـ ـل على متنه لرأي العيون والقول في قوله (لهن هميم) كالقول في قول ابن ميادة- (له بعد نومات العيون أليل) وقدم تقدم ذكره. وأنشد في باب المسمين بالصفات وغيرها: (٣٩) (ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة سقنه نجيعا من دم الجوف أشكلا) البيت: لسوار بن حبان المنقري، يفتخر بطعن الحوفزان، واسمه الحارث ابن شريك الشيباني، ولم يكن سوار الحافز له، وإنما الحافز له قيس بن عاصم المنقري

стр. 586

في يوم جدود وذلك أن الحارث كان رئيس بني شيبان في هذا اليوم، فلما انهزمت بنو شيبان، أدرك قيس بن عاصم المنقري الحارث، فقال: أستأسر يا حارث لخير آسر. فقال الحارث ما شاء الزند. والزند اسم فرسه، فلما رآه لا يستأمر وخشي أن يفوته ذرقه بالرمح ذرقة أصابت خُرابة وركه، وهجمت على جوفه وأفلت الحارث مطعوناً، ففخر بذلك سوار، فقال: (ونحن حفرنا الحوفزان)، وبعده: وحُمران أدته إلينا رماحنا فعالج غلا في ذراعيه مقفلا فمالك من أيام صدق تعدها كيوم جواثى والنباج وثيتلا فلست بمسطيع السماء ولن ترى لعزٍّ بناه الله فوقك منقلا والنجيع الدم: الطرى. فإذا يبس قيل له: جسد. وقيل النجيع دم الجوف خاصة، والأشكل الذي يخالطه بياض من الزبد. ... وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٤٠) (فألفاهم القوم روبى نياما) هذا البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي، وصدره: فأما تميمٌ تميم بن مرٍّ

стр. 587

قال هذا الشعر في إيقاع بني أسد بني تميم بالجفار، وبني عامر يوم النسار، ولذلك قال في الشعر: ويوم النسار ويوم الجفا ر كانوا عذابا وكانوا غراماً فأما تميم تميم بن مر فألقاهم القوم روبى نياما وأما بنو عامر بالنسار غداة لقونا فكانوا نعاما واختلف في قوله روبى، فقال أبو عبيدة: معنى روبى: خثراء الأنفس مختلطون. والخثراء: الكسالى، وروى مثل ذلك عن أبي الحسن الأخفش. وقال ابن الأعرابي: مسنى روبى: لم يحكموا أمرهم. وهو نحو قول أبي عبيدة والأخفش. وقال أبو عمرو الشيباني في نوادره: روبت إبل بني فلان: أعيت، وروب القوم: أعيو، ورجل رائب: معي. وأنشد هذا البيت: وقال أبو علي البغدادي يقال. رجل رائب: إذا سكر من النوم، وقد راب يروب روبا. وبعضهم يقول: أروب، وقوم روبى. وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أنه قال الروبي السكارى من اللبن الرائب. وأنكره في كتاب المعاني، وقال: ليس هذا القول بشيء.

стр. 588

وأنشد ابن قتيبة، في باب صفات الناس: (٤١) (وبات شيخ العيال يصطلب) البيت: للكميت الأسدي، وهو الكميت بن زيد، ويكنى أبا المستهل، وصدر هذا البيت: واحتل برك الشتاء منزله والبرك: الصدر، وحقيقته: أنه الموضع الذي يبرك عليه البعير من صدره، ثم سمى الصدر بركاً، ولا برك للشتاء، وإنما هو مثل. أراد: أن الشتاء لزم منزله، كما يلزم البعير مبركه، وإذا ذكروا الشتاء في مثل هذا، فليسوا يريدون الشتاء بعينه، إنما يريدون ما فيه من الضيق وشظف العيش، وهذا المعنى أراد الخطيئة بقوله: إذا نزل الشتاء بجار قوم تجنب جار بيتهم الشتاء والشتاء نفسه لا يقدر أحد على الامتناع منه. وقوله (وبات شيخ العيال يصطلب) أي يجمع عظام الجزر التي ينحرها أهل الثروة والغناء، ويطبخها ليأتدم بما يخرج من ودكها، لشدة الزمان، وضيق المعيشة عليه. وأنشد في هذا الباب: (٤٢) (ترى لعظام ما جمعت صليبا)

стр. 589

البيت: لأبي خراش الهذلي، واسمه: خويلد بن مرة، وهو أحد من شهر بكنيته دون اسمه، يصف عقاباً. وصدر البيت: (جريمة ناهض في رأس نيق) وقبله: كأني إذ عدوا ضمنت بزي من العقبان خائتة طلوبا يقول: كأني لسرعتي في العدو، ألبست بزي عقابا خائتة، وهي المنقضة من الجو على الصيد لتأخذه. والطلوب: التي تطلب الصيد. والبزههنا: السلاح. والجريمة التي تكسب لفرخها القوت، وتجمعه له. والناهض: الذي قد قوى على النهوض واشتد. والنيق: الشمراخ من الجبل. والصليب: الودك. يريد: أنها تأتي بما تصطاد من الطير وغيرها إلى فرخها، فياكله، وتبقى عظامه يسيل منها الودك، لما يصيبها من حر الشمس. وأنشد في باب معرفة في السماء والنجوم، لهند بنت عتبة: (٤٣) (نحن بنات طارق نمشي على النمارق) هذا الشعر لهند بنت عتبة، قالته يوم بدر تحرض المشركين على قتال النبي ﷺ . وبعده:

стр. 590

المسك في المفارق والدر في المخانق إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق ونفرش النمارق فراق غير وامق وهذا الشعر ليس لهند بنت عتبة، وإنما تمثلت به، وإنما الشعر لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، قالته حين لقيت إياد جيش الفرس بالجزيرة، وكان رئيس إياد يومئذ بياضة بن رياح طارق الإيادي، وقع ذلك في شعر أبي داود الإيادي. وذكر أبو رياش وغيره أن بكر بن وائل لما لقيت تغلب يوم قضة، ويسمى يوم التحليق، ويوم التحاليق أقبل الفند الزمان وكان معه بنتان بذيتان جريئتان فتكشفت إحداهما تحرض الناس وتقول: وعى وعى حر الجلاد والتظى وملئت منه الصحارى والربا يا حبذا المحلقون بالضحا وجعلت الأخرى تقول: نحن بنات طارق نمشي على النمارق

стр. 591

الشعر. (فطارق) على رواية من روى هذا الشعر لهند بنت عتبة أو لبنت الفند الزماني: تمثيل واستعارة، لا حقيقة. إنما شبهت أباها بالنجم الطارق، في شرفه وعلوه. وعلى رواية من رواه لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق: حقيقة، ليس باستعارة، لأن طارقا كان جدها، والأظهر من هذا أن الشعر لهند بنت بياضة، وإنما قاله غيرها متمثلاً. ويروى (بنات) بالرفع و (بنات) بالنصب. فمن رفعه فعلى خبر المبتدأ. ومن نصبه فعلى المدح والتخصيص، ويكون الخبر قولها (نمشي على النمارق) ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم: نحن العرب أقوى الناس للضيف. ومثله قول نهشل بن حرى: إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه، ولا هو بالأبناء يشرينا وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٤٤) (أراقب لوحاً من سهيل كأنه إذا بدا من آخر الليل يطرف) البيت لجران العود النميري، وجران العود: لقب غلب عليه، لقوله: خذا حذرا يا خلتي فإنني رأيت جران العود قد كان يصلح فشهر بذلك حتى صار اسمه مجهولاً، لا يكاد يعرف. والعود: الجمل المسن. وجرانه: باطن عنقه، وكان اتخذ منه سوطاً ليضرب به زوجتيه. ويروى: (يا حنتي) وحنة الرجل: زوجته سميت بذلك، لأنها تحن إليه ويحن إليها،

стр. 592

وأما الخلة فهي: الصديقة، وتسمى الزوجة خلة أيضاً. وبعد قوله (أراقب لوحاً): يعاوض عن مجرى النجوم وينتحى كما عارض الشول البعير المؤنق بدا لجران العود والبحر دونه وذو حدب من سر وحمير مشرف اللوح: الظهور. يقال لاح النجم: إذا تلألأ. وشبه سهيلا لحركته واضطرابه، بعين تطرف: أي تحرك أجفانها. قال أبو حاتم: سهيل، كوكب يطلع في آخر الليل، فلا يمكث إلا قليلاً حتى يغيب، وهو يطرف كما تطرف العين، لقربه من الأفق. (وقوله يعارض عن مجرى النجوم): يريد أنه لا يقطع السماء، كما تقطعها النجوم، فيطلع عن يسار قبلة العراق، ويرتفع قليلاً، ثم ينحط راجعاً. والشول: الإبل التي جفت ألبانها، وجفت ضروعها. والبعير المؤنف الذي يضم إلى الإبل وليس منها، فهو يعتزلها ويرعى في ناحية عنها، ولا يختلط بها، فشبه سهيلا به لميله عن مجرى النجوم، ولذلك قال الراجز: إذا سهيل لاح كالوقود فردا كشاة البقر المطرود وقوله (وذو حدب) يعني البحر. والحدب: الموج، وسرو حمير: أعلى بلادها. كذا فسروا هذا البيت وهو عندي غير صحيح، لأنه قد ذكر البحر، فلا وجه لذكره مرة ثانية، وإنما أراد (بذي حدب) موضعاً مرتفعاً بين بلاد

стр. 593

حمير، والحدب ما أشرف من الأرض. قال الله تعالى: (وهم من كل حدب ينسلون): وأنشد: (٤٥) (كثور العداب الفرد يضربه الندى تعلى الندى في متنه وتحدرا) البيت: لعمرو بن أحمر بن فراص الباهلي، وهو أحد العور الخمسة، من شعراء قيس، فيما ذكر ابن دريد. وقبل هذا البيت: فلما غسا ليلى وأيقنت أنها هي الأربى جاءت بأم حبوكرا فزعت إلى القصواء وهي معدة لأمثالها عندي إذا كنت أوجرا قال هذا الشعر حين هرب من يزيد بن معاوية، وكان اتصل به عنه: أنه هجاه، فطلبه ففر. ومعنى (غسا) أظلم. والأربى، وأم حبوكر، وأم حبوكري:

стр. 594

من أسماء الدواهي. والقسواء: اسم ناقته. والقصواء من الإبل: المقطوعة طرف الأذن والأوجر والأوجل: الخائف. يقال: وجرت منه ووجلت: إذا خفت. وقوله (كثور العداب) شبه ناقته بثور وحشي، في نشاطها وقوتها وسرعتها. والعداب: منقطع الرمل، حيث يذهب معظمه، ويفضى إلى الجدد، وخصه لأن بقر الوحش تألفه لخصبه، وخوفاً من القانص، فإذا فاجأها القانص، اعتصمت بركوب الرمل، فلا تقدر الكلاب عليها ولذلك قال العجاج: يركب كل ما قر جمهور مخافة وزعل المحبور والهول من تهول الهبور حتى احتداه سنن الدبور وقاله (يضربه الندى): يريد أنه في سلوة من العيش وخصب، فهو أقوى له. ويحتمل أن يريد أنه بات والمطر يضر به، كما قال النابغة: أو ذو وسوم بحوضي بات منكرساً في ليلة من جمادى أخضات ديما وقوله: (تعلى الندى في متنه وتحدرا): يقول: سمن أعلاه وأسفله. والندى، ههنا: الشحم، سمى ندى لأنه عن الندى يكون وهو النبات، وسمى النبات ندى: لأنه عن المطر يكون وهذا يسمى التدريج. ومعناه: أن يدرج

стр. 595

الشيء من حال إلى حال، فيسمى الشيء باسم ما هو سبب له، فمنه ما يسمى بالسبب الأقرب، ومنه ما يسمى بالسبب الأبعد. فما سمي بالسبب الأقرب قولهم للقوة طرق، لأنها تكون على الطرق، وهو الشحم، ومما سمي بالسبب الأبعد قوله تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ولم ينزل الله تعالى اللباس بعينه، وإنما أنزل المطر، فأنبت النبات، ثم رعته البهائم فصار صوفاً وشعراً عليها، ثم غزل الصوف، ونسج الشعر، فاتخذ منها اللباس. فالمطر: سبب للباس، ولكنه سبب بعيد منه، لأن بينه وبين اللباس مراتب كثيرة، ونحو قول الراجز: الحمد لله العزيز المنان صار الثريد في رؤوس العيدان يعني: السنبل، وبينه وبين الثريد مراتب كثيرة، والكاف في قوله (كثور العداب): يجوز أن يكون في موضع رفع على ضمير مبتدأ مضمر كأنه قال: هي كثور العداب. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من القصواء، أو من ضميرها. وقوله (يضربه الندى) وقوله: (تعلى الندى): جملتان في موضع نصب على الحال من الثور، والعامل فيهما معنى التشبيه.

стр. 596

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٤٦) (إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا) البيت: لمعاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب، ويسمى معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة: سأعقلها وتحملها غني وأورث مجدها أبداً كلابا أعود مثلها الحكماء بعدي إذا ما الحق في الحدثان نابا وقوله (إذا سقط السماء بأرض قوم): يقول: إذا نزل المطر بأرض قوم، فأخصبت بلادهم، وأجدبت بلادنا، سرنا إليها، فرعينا نباتها، وإن غضب أهلها لم نبال بغضبهم، لعزنا ومنعتنا. ومثله قول أبي الغول: ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلوا ولا روض الهدون

стр. 597

وقوله (رعيناه): أراد: رعينا نباته، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وبعد هذا البيت: بكل مقلص عبل شواه إذا وضعت أعنتهن ثابا ودافعة الحزام بمرفقيها كشاة الربل آنست الكلابا وأنشد في هذا الباب: (٤٧) (إن ديموا جاد، وإن جادوا وبل) وشرح ابن قتيبة هذا البيت في غريب الحديث، فذكر أنه يمدح رجلاً، ويفضله على غيره في الكرم. وقال غيره: هذا غلط. إنما يمدح فرساً والدليل على ذلك قوله قبل هذا البيت: أنا الجواد ابن الجواد ابن سبل

стр. 598

وسبل: فرس عتيق، تنسب إليه الخيل العتاق، كما تنسب إلى الوجيه ولاحق. وكان سبل لغني، وقيل لبني جعدة، وقد ذكره النابغة الجعدي في قوله: وعناجيج جياد نجب نجل فياض ومن آل سبل والضمير في قوله: جادوا. يرجع إلى أرباب الخيل المتسابقين. أرد: إن جاء أصحاب الخيل يجري يشبه الديمة، جاء هذا الفرس يجري يشبه الجود، وإن جاءوا بجري يشبه الجود، جاء بجري يشبه الوابل. والديمة: مطر يدوم في سكون، فإذا زاد وقوي وقعه، قيل له جود، فإذا أفرط وعظم فطره، قيل له وابل. وفي قوله (ديموا) شذوذ وخروج عن النظائر، وذلك أن الديمة أصل

стр. 599

الياء فيها واو، لأنها مشتقة من الدوام، ولكن الواو لما سكنت وانكسر ما قبلها قلبت ياء، فكان ينبغي حين ذهبت الكسرة الموجبة لانقلاب الواو؛ أن ترجع إلى أصلها، فيقول: (دوموا) كما أن من قال: قيل إذا بنى منه فعل قال: قول ولكن هذا من البدل الذي يلتزمونه. مع ذهاب العلة الموجبة له، وقد جاءت من ذلك ألفاظ تحفظ ولا يقاس عليها، كقولهم: عيد وأعياد، وريح وأرياح في لغة بني أسد، وغيرهم يقول (أرواح) على القياس. وأنشد في باب ذكور ما شهر منه الإناث: (٤٨) (أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان ما بالت عليه الثعالب) البيت: لغاوي بن ظالم السلمي. ويروى لأبي ذر الغفاري. ويروى للعباس ابن مرداس السلمي. ورواه جمهور اللغويين (الثعلبان) كما روى ابن قتيبة ورواه أبو حاتم الرازي في كتاب الزينة (الثعلبان) بفتح الثاء واللام وكسر النون، تثنية ثعلب. وذكر أن بني سليم كان لهم صنم يعبدونه، وكان له سادن يقال له غاو، والسادن: خادم الأصنام، فبيتا هو ذات يوم جلس أقبل ثعلبان يشتدان، نشغر كل واحد منهما رجله، وبال على الصنم، فقال: يا بني سليم، والله ما يضر ولا ينفع، ولا يعطى ولا يمنع. ثم قال البيت، وكسر الصنم: وأتى النبي

стр. 600

صلى الله عليه وسلم فأسلم. فقال: من أنت؟ فقال: غاوي بن ظالم، فقال له: لا. أنت راشد بن عبد ربه. فهذا الخبر يوجب أن يكون (ثعلبان) على التثنية. وأنشد في هذا الباب: (٤٩) (لترتحلن مني على ظهر شيهم) البيت: لأعشى بكر: يخاطب به جهنام بن عبيد الله بن المنذر، وكانت بينهما مهاجاة، فجمع بينهما، واجتمع حولهما الناس لينظروا من الغالب منهما، فلذلك قال في هذا الشعر: دعوت خليلي مسحلاً ودعوا له جهنام جذعا للهجين المذمم فإني وثوبي راهب اللج والتي بناها قصي وحده وابن جرهم لئن جد أسباب العداوة بيننا لترتحلن مني على ظهر شيهم يقول: لئن تمادت العداوة بيننا واتصلت، لترتحلن مني وقد حملتك على أمر صعب، لا قرار لك عليه، كما لا قرار لمن ركب على ظهر القنفذ. وهذا قول نحو قول الأخطل: لقد حملت قيس بن عيلان حربنا على يابس السيساء محدودب الظهر
следующие страницы →