Полный текст (952 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
البيت للفرزدق فيما ذكر أبو العباس المبرد. ورواه أبو العباس بالواو، (وقد) أنشده قبله:
تجمشني عيونكم بظفر ... ويغريني بأنياب حداد
والتجميش: المغازلة والمداعبة. وأراد بالظفر هنا: الظفرة، وهي جلدة تغشى العين، يقال فرت عينه تظفر ظفراً. ولم أسمع بالظفر إلا في هذا البيت، فيجوز أن تكون لغة في الظفرة، ويجوز أن تكون جمع ظفرة، كما قالوا أكمة وأكم وبدنة وبدن. ويجوز أن تكون هذه الأسماء كلها جمع الجمع، كأنهم جمعوها أولاً على أكم وبدن وظفرن ثم جمعوا الجمع، فقالوا: ظفر وبدن وأكم، كما قالوا أسد وأسد. وذكر بعض العلماء أن المبرد صحف هذا البيت، وأن صوابه:
يخمشني عميرتكم بظفر ... ويفريني بأنياب حداد
ومعنى يخمشني: يخدشني. وعميرة: اسم رجل. ويفريني: يقطعني. ووقع في كتاب الفرق لأبي عبيدة على ما رواه أبو العباس المبرد، ورواه أبو إسحاق الزجاج عن المبرد (تخمشني عشيرتكم بظفر) بالخاء معجمة. وروى في آخر البيت: (وثغر بين أنياب حداد) ولم أجده في شعر الفرزدق، فأقف منه على حقيقة.
* * *
وأنشد في باب معرفة الوحش:
(١٠٦)
(وكان انطلاق الشاة من حيث خيما)
стр. 667
البيت لأعشى بكره وصدره:
فلما أضاء الصبح قام مبادراً
ورواه أبوعلي عن ابن دريد في شعر الأعشى: (وحان انطلاق) وهو أجود يصف ثوراً وحشياً. وبعده:
فصبحه عند الشروق غدية ... لاب الفتى البكري عوف بن أرقما
* * *
وأنشد في باب فروق في أسماء الجماعات:
(١٠٧)
(أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف)
هذا البيت لجرير، في شعر يمدح به عبد الملك بن مروان. وقيل بل الممدوح به يزيد بن عبد الملك بن مروانن وهو الصحيح، لقوله في هذا الشعر:
يا ابن العواتك خير العالمين أبا ... قد كان يدفئني من ريشكم كنف
ويدل على ذلك أيضاً قوله في هذا الشعر:
الجود والحزم والإيمان قد نزلوا ... على يزيد أمين الله فاختلفوا
وعاتكة هي أم يزيد بن عبد الملك.
وإنما قال جرير هذا، لأنه قد كان قدم على عبد الملك بن مروان مع محمد ابن يوسف أخي الحجاج، في خبر فيه طول، فأنشده شعراً قال فيه:
стр. 668
تشكت أم حزرة ثم قالت ... رايت الموردين ذوى لقاح
تعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشيم القراح
فقال عبد الملك: أترى أم حزره ترويها مئة من الإبل؟ فقال جرير: إن كانت من نعم كلب ولم تروها، فلا أرواها الله. وكان جرير رأى عند دخوله عليه صدقه كلب قد وردت، فلذلك ذكرها، فأمر له بمئة منها، فقال جرير: يا أمير المؤمنين أنا شيخ، وليس في فضل عن راحلتي. فقال عبد الملك أتحب أن نأمر لك بثمنها، قال: فقلت: لا، ولكن الرعاء. فقال عبد الملك لجلسائه: كم يكفي مائة ناقة من الرعاء؟ فقالوا: ثمانية. فأمر له بثمانية عبيد: أربعة من النوبة، وأربعة من الصقالبة، فلذلك قال جرير: (أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية) ويقال لمئة من الإبل هنيدة ولمئتين: هند. ولثلثمائة: أمامة، كذلكقال صاعد اللغوي، وأنشد لعارق الطائي:
أيوعدني والرمل بيني وبينه ... تأمل رويداً ما أمامة من هند
стр. 669
ولم أر هذا الذي قاله لأحد من اللغويين. وذكر أبو عمر المطرز أن أمامة وهنداً في البيت جبلان. وقوله (ما في عطائهم من ولا سرف) فيه ثلاثة أقوال: قال قوم: السرف ههنا: الخطأ. ومعناه: أنهم لا يخطئون فيضعون النعمة في غير موضعها، كقول الآخر:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها طريق المصنع
وهذا هو الذي حكاه ابن قتيبة. وقال قوم: السرف ههنا الإغفال. ومعناه: لا يغفلون أمر من قصدهم وعول عليهم، وهو قول يعقوب. وحكى أن أعرابياً قال: مررت بكم فسرفتكم: أي أغفلتكم. وأنشد لطرفة:
إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلاً بماء سحابة شتمي
وقال أبو حاتم: السرف: الإكثار. ومعناه أنهم لا يستكثرون ما يهبون، وإن كان كثيراًن لجلالة أقدارهم.
* * *
وأنشد في باب معرفة في الآلات:
(١٠٨)
(قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا)
هذا البيت للحطيئة، يمدح به بني قريع بن عوف بن كعب، رهط بغيض بن عامر بن شماس بن لؤي بن جعفر، وكان جعفر يقال له أنف الناقة، وكانرهطه يغضبون من ذلك، حتى قال الحطيئة في هذا الشعر:
стр. 670
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بانف الناقة الذنبا
فصاروا يفخرون بذلك. وقد فسر ابن قتيبة العناح والكرب. وأراد الحطيئة أنهم إذا عقدوا عقداً أحكموه وأوثقوه، كإحكام عقد الدلو إذا شُد عليها العناج والكرب، وليس هناك عناج ولا كرب في الحقيقة، وإنما هو مثل.
* * *
وأنشد في باب أسماء الصناع.
(١٠٩)
(وشعبتا ميس براها إسكاف)
هذا الرجز للشماخ بن ضرار، قاله في بعض أسفاره وقد نزل يجدو بأصحابه في حكاية فيها طول، وقبله:
لم يتق إلا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف
يريد أن طول السفر أنحل أجسامهم، وأبلى ثيابهم وأمتعتهم" فلم يبق منها إلا هذا الذي وصفه. والمنطق والنطاق سواء ويعني بالطراف: ما بقي من الأمتعة والآلات التي ذهب معظمها بمكابدة السفر. ورواه بعضهم (منطق) بفتح الميم، وكسر الطاء وقال: يريد بالمنطق كلامه أو لسانه، وبالأطراف أصابعه. والريطة كل ملاءة لم تكن لفقين. والهفهاف: الخلق الرقيق والميس: شجر تتخذ منه الرحال، ثم يسمى الرحل نفسه ميساً ويريد بالشبعتين آخرة الرحل وقادمته.
* * *
стр. 671
وأنشد في هذا الباب:
(١١٠)
(طي القسامي برود العصاب)
هذا الرجز لرؤبة بن العجاج، وقبله:
طاوين مجهول الخروق الأجداب
شبه طيهم للفلوات بالمشي فيها، بطي القسامي للبرود. والخروق: جمع خرق، وهو القفر الذي ينخرق، وقيل هو الذي تنخرق فيه الرياح. والأجداب: المجدبة، جمع جدب والتقدير: طيا مثل طي القسامي، فحذف الموصوف، وأقام صفته مقامهن وحذف المضاف، وأناب المضاف إليه منابه. وقد تقدم قولنا فيه:
* * *
وأنشد في باب معرفة في الطير:
(١١١)
(وما من تهتفين به لنصر ... بأقرب جابة لك من هديل)
البيت للكميت الأسدي" يخاطب به قضاعة ويؤيسها من نصرة من يطمع في نصره، ويعلمها أن الذين يهتفون بهم لينصروهم، ولا يجيبونهم حتى يجيب الهديل الحمام. وإنما قال هذا، لأن قضاعة تركت نسبها في معد بن عدنان، وتيمنت، فادعت أنها من ولد مالك بن حمير، حتى قال في ذلك بعض شعرائهم:
قضاعة بن مالك بن حمير ... النسب المعروف غير المنكر
стр. 672
قال أبو رياش: فأنشد بعض العلماء بالنسب هذا الشعر، فقال بل والله النسب المنكر غير المعروف فوبخهم الكميت بتركهم أصلهم، واعتزائهم على غير أبيهم. وقيل هذا البيت:
فإنك والتحول عن معد ... كحالية تزين بالعطول
تغايظ بالتعطل جارتيها ... وبالأحماء تبدأ والحليل
فمهلا يا قضاعة لا تكوني ... كقدح خربين يدي محيل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١١٢)
(كأن الهديل الظالع الرجل وسطها ... من البغي شريب بغزة منزف)
هذا البيت لجران العود، وقد ذكرنا لم سمي بذلك فيما مضى، وقبله:
شبه الهديل في تغنيه وتمايله من المرح بشريب قد سكر فهو يتغنى. والمنزف: السكران. يروى بفتح الزاي وكسرها، لأنه قال: أنزف الرجل إذا سكر، ونزفه السكر وأنزفه قال الشاعر:
стр. 673
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى أنتم آل أبجرا
وقال العجاج:
وصرح ابن معمر لمن ذمر ... وأنزف العبرة من لاقى العبر
وغزة: بلدة بالشام. وروى أبو حاتم في كتاب الطير: (يغرد) من التغريد، فظننت أن أحد اللفظين مصحف من الآخر، حتى وجدت في شعر جران العود الروايتين جميعاً.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١١٣)
(أرى ناقتي عند المحصب شاقها ... رواح اليماني والهديل المرجع)
البيت: لذي الرمة. والمحصب: موضع رمي الجمار بمكة. يقول: لما رأت ناقتي أهل اليمن يروحون على بلادهم عند انقضاء الحج، والإبل ترجع هديلها، حنت إلى وطنها، وذكر ناقته وإنما يريد نفسه، ولم يرد باليماني رجلاً واحداً من أهل اليمن، إنما أراد جميع من كان بمكة من أهل اليمن. والهديل يكون للإبل، ويكون للحمام أيضاً، وبعد هذا البيت:
فقلت لها قرى فإن ركابنا ... وركبانها من حيث تهوين نزع
وهن لدى الأكوار يكسعن بالبرى ... على عجل منها ومنهن يكسع
* * *
стр. 674
وأنشد في هذا الباب:
(١١٤)
(كأبي براقش كل لو ... ن لونه يتخيل)
هذا الشعر ذكره الأصمعي عن أبي عمرو بن العلا أنه لبعض بني أسد، وقبله:
إن ينجلوا أو يجبنوا ... أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجليـ ... ـن كأنهم لم يفعلوا
هجا قوماً، فوصفهم بأنهم لا يلبثون على حال واحدة، فشبههم بهذا الطائر الذي يتلون بألوان شتى، ولذلك كنى بأبي براقش، لأنه يقال: تبرقش الروض: إذا ظهرت فيه أنواع الأزهار وتبرقش الرجل إذا تزين. وقال ابن الأعرابي، البرقشة: التفرق، وتركت البلاد براقش: أي ممتلئة زهراً مختلفاً من كل لون. وفي هذا الشعر من مشكل الإعراب، أن قوله (يغدوا عليك) بدل من قوله لا يحفلوا، لأن غدوهم مرجلين يدل على أنهم لم يحفلوا بما صنعوا ولا حجلوا منه، وليس ببدل من الفعل وحده، ولو كان كذلك لكان قد نفى عنهم الغدو مرجلين، كما نفى عنهم الحفل، ولكنه بدل من مجموع الفعل، ولا محمول على المعنى، لأنه إذا قال (يحفلوا) فقد ناب مناب قوله (تهاونوا بذلك) وقوله (كأنهم لم يفعلوا) في موضع نصب على الصفة لمرجلين، أو على الحال، كأنه قال مشبهين من لم يفعل. والكاف في (كأن) كاف التشبيه الجارة، دخلت على أن، وكان حكمها
стр. 675
أن تكون داخلة على الخبر، فإذا قلت كأن زيداً عمرو، فأصله إن زيداً كعمرو، فأرادوا العناية بحرف التشبيه، فقدموه إلى صدر الجملة، فانفتحت همزة أن لدخول الكاف عليها، كما تنفتح مع سائر العوامل الداخلة عليها، ولا موضع للكاف من الإعراب، ولا تعلق بظاهر ولا مضمر، لمفاقرتها موضعها الذي كان أخص بها، ولأنها قد ركبت مع أن وصارت كالجزء منها. والكاف من قوله (كأبي براقش) يجوز أن تكون في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هم كأبي براقش: ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال، كأنه قال مشبهين أبا براقش. وقوله (كل لون): منصوب على المصدر، وفيه مجاز من ثلاثة أوجه: أحدها: أن (كل) ليس من المصادر على الحقيقة، وإنما يصير مصدراً إذا أضيف إلى مصدر، كقولك: ضربته كل ضرب. والثاني: أنه وضع اللون وهو اسم، موضع التلون، الذي هو مصدر، والثالث: أنه أجرى (يتخيل) مجرى يتلون، لأنه إذا تخيل فقد تلون، فأنه يتلون لونه كل تلون. ويجوز أيضاً أن يكون وضع اللون موضع التلون، والتلون موضع التخيل، فكأنه قال: لونه يتخيل كل تخيل. ونظير هذا في حملك المصدر على الفعل مرة، وحملك الفعل على المصدر مرة، قولهم تبسمت وميض البرق، فلك أن تقدره ومضيت وميض البرق، ولك أن تقدره تبسمت تبسم البرق. ومثله: قعد زيد جلوساً، فلك أن تجعل (قعد) في تأويل (جلس)، ولك أن تجعل الجلوس في تأويل القعود. ويروى: (كل لون لونه يتحول) وفيه من الصنعة مثل ماء في يتخيل.
* * *
стр. 676
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١١٥)
(وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم)
هذا البيت لخيثم بن عدي ورواه أبو عبيد: (وليس بهياب) وزاد بعده:
ولكنه يمضي على ذاك مقدماً ... إذا صد عن تلك الهنات الخثارم
والخثارم: الذي يتطير. ويروى الخثارم بفتح الخاء، وهو جمع خثارم، وهذا من الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا ضم أوله وفتحه، كقولك جوالق وجوالق وقراقر وقراقر وعُذافر وعَذافر. وأراد بواق: الصرد، وبحاتم: الغراب. وقد فسر ذلك ابن قتيبة. والهياب: الكثير الهيب والخوف. والرحل للناقة السرج للفرس. ومعنى عداني: صرفني. مدح نفسه بأنه لا يرجع عن سفره خوفاً من طائر يتطير به. ونحوه قول الآخر:
ولقد غدوت وكيف لا ... أغد على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١١٦)
(وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الراس ابن ماء محلق)
стр. 677
البيت لذي الرمة، ووقع في نسخ أدب الكتاب (قطعت) وفي شعر ذي الرمة (وردت) وهو الصواب، لأن قبله:
وماء قديم العهد بالناس آجن ... كأن الدبا ماء الغضى فيه يبصق
وصف ماء قد علاه الطحلب، لعدم الاستسقاء منه، فاخضر، فكأن الدبا وهي الجراد بصقت فيه ماء الغضى. قال الأصمعي: وماء الغضى أخضر إلى السواد. والاعتساف: ركوب الفلاة بلا دليل، وقمة الراس أعلاه ومحلق: مستدير وإنما غلط ابن قتيبة في هذا البيت (فوضع قطعت موضع وردت) لأن قبله بأبيات في صفة الناقة:
قطعت عليها غول كل تنوفة ... وقضيت حاجاتي تخب وتعنق
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١١٧)
(إذا غرد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشاء والحمرات)
لا أعلم قائل هذا البيت. ومعناه: أن المكاء إنما يألف الرياض، فإذا غرد في غير روضة، فإنما يكون ذلك لإفراط الجدب وعدم النبات، وتلك حالة تهلك الشاء والحمير، فالويل لمن لم يكن له مال غيرها. وحمرات: جمع حمر، وحمر، جمع حمار، بمنزلة كتاب وكتب، ويجوز أن يكون جمع الحمير على حمر
стр. 678
فيكون بمنزلة قضيب وقضب. وقولهم: حمير ليس بجمع، ولكنه اسم للجمع، بمنزلة العبيد والكليب.
* * *
وأنشد في باب معرفة في الهوام والذباب وصغار الطير.
(١١٨)
(والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبداً آكل الأبارصا)
هذا البيت لا أعلم قائله، ولا ما يتصل به. والظاهر من معناه: أن قائله سيم خطة لم يرضها ورأى قدره يجل عنها، فقال لو كنت ممن يرضى بما سمتموني إياه، وأهلتموني له، لكنت كالعبد الذي يأكل الوزغ. ويروى آكل الأبارصا، أراد أكلاً الأبارص، فحذف التنوين لالتقاء السانين، ومثله ما أنشده سيبويه لأبي الأسود الدؤلي:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
وقال أبو العباس المبرد سمعت عمارة بن عقيل يقرأ ولا الليل سابق النهار بالنصب، فقلت ما تريد فقال أريد؟ سابق النهار. فقلت له: فهلا قلته فقال؟ لو قلته لكان أوزن.
* * *
стр. 679
وأنشد في هذا الباب:
(١١٩)
(كأنها من سمن واستيقار ... دبث عليها عارمات الأنبار)
الرجز لشبيب بن البرصاء - فيما ذكر أبو حاتم السجستاني. ويروى استيفار بالفاء" وهو استفعال من الشيء الوافر. ويروى استيقار بالقاف، يريد أنها أوقرت بالشحوم. والرواية هي الأولى.
يقول: كأن هذه الإبل من سمنها ووفورها دبت عليها الأنبار العارمة فلسعتها فانتفخت. ويروى ذربات الأنبار، وفيه قولان: أحدهما أنها الحديدة اللسع من قولهم سكين ذرب ومذرب أي حاد. والثاني: أنها المسمومة. يقال: ذربت السهم إذا سقيته السم. ويقال للسم الذواب. وبعد هذين البيتين:
يتبعها أسود جسم العوار ... حمش الشوى ليس من أهل الأمصار
ذو زندة في قلعة وزمار
يعني بالأسود: الراعي، والجم: الكثير، والعوار: القذى يكون في العين ويكون أيضاً الوجع الذي يكاد يعور العين. والحمش: الدقيق، والشوى: القوائم وقوله: ليس من أهل الأمصار: يريد أنه ستغرب في الغلوات وراء الإبل لا يألف المحاضر. والزندة: ما يقدح به النار. والقلع: الكنف الذي يحبس فيه الراعي ما يحتاج إليه ويعلقه من وسطه. وأراد بالزمار اليراع الذي يزمر فيه الرعاء.
* * *
стр. 680
وأنشد في هذا الباب:
(١٢٠)
(وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعداً)
والبيت: للحارث بن حلزة اليشكري، وقبله:
(ولقد رأيت معاشراً ... قد جمعوا مالاً وولدا)
يقول: رأيت معاشر من الناس قد رزقهم الله المال والأولاد، وهم مثل الزباب الحائر الذي لا يسمع الرعد لصممه. يريد أن الأرزاق لم تقسم على قدر العقول. والولد يكون واحداً وجمعاً. وقوله (لا تسمع الآذان رعداً) يجوز أن يكون من صفة الزباب، ويجوز أن يكون من صفة المعاشر، وتقديره، على مذهب البصريين: لا تسمع الآذان منها أو منهم، فحذف الضمير اختصاراً لما فهم المعنى. وتقديره على مذهب الكوفيين: لا تسمع آذانها او آذانهم، فنابته الألف واللام مناب الضمير.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٢١)
(سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في البلاد وناعل)
стр. 681
هذا البيت لحمران ذي الغصة، وكان خالد بن عبد الله القسرى ولاه بعض البوادي، فلما جاء المهرجان أهدى كل عامل إليه ما جرت عادة العمال بإهدائه؛ وأهدى إليه حُمران قفصاً مملوءاً ضباباً، وكتب إليه:
جبى المال عمال الخراج وجبوتي ... محذفة الأذناب صفر الشواكل
رعين الدبا والنقد حتى كأنما ... كساهن سلطان ثياب المراجل
ترى كل ذيال إذا اشمس عارضت ... سما بين عرسيه سمو المخايل
سيحل له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في البلاد وناعل
وذكر أبو عمر والشيباني في تاب الحروف أن ابن هبيرة استعمل رجلاً من أهله على ناحية البادية فأهدى إليه في المهرجان ضببن، وكتب إليه بهذا الشعر. والجبوة ما يجيبه العامل يقال جبوت الخراج وجيته. والشواكل: الخواصر، والدبا: الجراد. والنقد: ضرب من النبت، والمراجل: ثياب موشاة ويقال ثوب ممرجل، قال العجاج:
وكل براق الشوى مسرول ... بشية كشية الممرجل
стр. 682
وقال وضاح اليمن:
وأبصرت سعدي بين ثوبي مراجل ... وأثواب عصب من مهلهلة اليمن
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٢٢)
(وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يعدو بالواد)
هذا الرجز لا أعلم لمن هو وقائله أعرابي أكل الضباب، وعيب بذلك، فقال للذي عابه وعيره: إنما تنكر أكلها وتعيبها، لأنك لم تذق كشاها وأكبادها لو ذقتها لم تترك منها واحداً إلا وصدته. وهذا الرجز يدل على أن جميع العرب لم يكونوا يأكلون الضب كما زعمت الشعوبية ومثله قول الآخر:
فلو كان سيفي باليمين تباشرت ... ضباب الفلا من جمعهم بقتيل
يقول ذل في قوم كانوا يأكلون الضباب فقال: لو كان سيفي بيميني لقتلت منهم قتيلا فاستبشرت الضباب بقتله، لاستزاحتها من صيده إياها.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٢٣)
(ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم)
стр. 683
هذا البيت لأبي الهندي وقد أنشد ابن قتيبة هذا الشعر بكماله في عيون الأخبار وهو:
ألكت الضباب فما عفتها ... وإني لشهى قديد الغنم
ولحم الخروف حنيذاً وقد ... أتيت به فائزاً في الشيم
فأما البهط وحيتانكم ... فما زلت منها كثير السقم
وكم نلت منها كما نلتم ... فلم أر فيها كضب هرم
وما في البيوض كبيض الدجا ... ج وبيض الجراد شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم
الحنيذ: اللحم المشوي. والشبم، بكسر الباء: البارد. والبهط: الرز باللبن والقرم: الشهوة إلى اللحم فإذا كسرت الراء، فهو المشتهي للحم.
* * *
وأنشد في هذا الباب باب الحية والعقرب.
(١٢٤)
(أيغايشون وقد رأوا حفائهم ... قد عضه فقضى عليه الأشجع)
стр. 684
البيت: لجرير يهجو به الفرزدق. والمغايشة: المغالبة والمفاخرة. وقد شبه الفرزدق بالحفاث، وهي الحية التي تنفخ ولا تؤذى، وشبه نفسه بالأشجع وهو الذكر من الحيات. والألف في قوله (أيغايشون) ألف التوبيخ والإنكار. والأشجع: يرتفع على مذهب البصريين بكل واحد من الفعلين اللين قبله، ولا يجوز ارتفاعه في قول الفراء إلا بالأول، لأنه لا يجيز إضمار الفاعل قبل الذكر، كما لا يجيز إضمار المفعول. والبصريون يجيزون إضمار الفاعل قبل الذكر ولا يجيزون إضمار المفعول، وحجتهم أن الفاعل لا يستغني عنه فيضمر في هذا الباب قبل الذكر على شرط التفسير والمفعول يستغني عنه، فلذلك لم يضمر قبل الذكر، والكساء، يجيز ذلك ولا يضمر شيئاً.
وقد حكى السيرافي أن الفراء يجيز في قام وقعد زيد أن يرفع زيد بالفعلين معاً. وهذا غلط، لأنه لا يعمل عاملان في اسم واحد، في حال واحدة، فيلزم بحسب هذا الرأي الفاسد أن يرتفع الأشجع بعضه وقضى جميعاً. والضمير في يغايشون: يعود إلى مجاشع، لأنه قال قبل هذا البيت:
لا يعجبنك أن ترى لمجاشع ... جلد الرجال ففي القلوب الخولع
ويريب في رجع الفراسة فيهم ... وهل الطفاطف والعظام تخرع
إنا لنعرق من رجال مجاشع ... هذا الحفيف كما يحف الخروع
والخولع: الجبن الشديد الذي يخلع القلب والخروع: نبت لين. والنجار: الأصل.
* * *
стр. 685
وأنشد في باب معرفة في جواهر الأرض:
(١٢٥)
(ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلاً يحملن أم حديدا)
(أم صرفانا بارداً شديدا)
هذا الرجز للزباء، قالته حين جاءها قصير اللخمي بالجمال، وعليها صناديق فيها رجال عمرو بن عدي، وتقدم إليها وقال: قد جئتك بما صأى وصمت، فأشرفت فنظرت إلى الجمال تمشي مشياً ضعيفاً، لثقل ما على ظهورها، فقالت هذا الرجز، وبعده - (أم الرجال جثماً قعودا) وخبرها مشهور. وكان أبو حاتم يقول: هي الزبى مقصورة، ويجعلها تأنيث زبان، مثل سكران وسكرى. وقال غيره: إنما هي الزباء بالمد تأنيث الأزب: والصرفان فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو الرصاص. وقيل: هو الموت. لأنه انصراف عن الحياة. وقيل: هو نوع من النمر رزين. ذكر ذلك أبو حنيفة. وروى الكوفيون مشيها بالرفع والنصب والخفض، قالوا: فمن رفع أراد ما للجمال وئيدا مشيها، فقدم الفاعل ضرورة. ومن نصب فعلى المصدر لفعل مضمر، أراد تمشي مشيها، ومن خفض فعلى البدل، من الجمال. والبصريون لا يجيزون تقدم الفاعل قبل الفعل في اضطرار ولا غيره غيره. قال أبو علي الفارسي: من روى مشيها بالرفع، أبدله من الضمير في قوله (للجمال) المرفوع قال: وإن شئت جعته مبتدأ، ووئيدا: منتصب به وفي صلته. والخبر مضمر، والجملة في موضع نصب. قال: ويجوز أن يكون (وئيدا) حالا تسد مسد الخبر،
стр. 686
وهذه حال غريبة في الأحوال السادة مسد الأخبار، لأن النحويين يقدرون الحال السادة مسد الخبر بإذ وإذا، ويضمرون معهما كان التامةن لتكون عاملة في الحال، فإذا قلت: ضربى زيداً قائماً، فتقديره عندهم: إذا كان قائماً، وإذ كان قائماً، لأن الحال إنما جاز أن تسد في هذا الموضع مسد الخبر، لأنها نابت مناب ظرف الزمان المحذوف، ولذلك لم يجز أن تسد مسد خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ مصدراً، أو في تأويل المصدر، كما أن الزمان لا يكون خبراً إلا عن المصدر، وما سد مسده، ولا يجوز تقدير ذلك في بيت الزباء، ألا ترى أنك إن قلت: ما للجمال مشيها إذ كانت وئيدا وإذا كانت وئيدا، كان ذلك خطأ، لأن الزباء غنما قالت هذا القول في حال تشاهدها، ولم تقل ذلك في شيء ماض ولا مستقبل، فلا يصح دخول كان هاهنا ولا (إذ وإذا)، ومع ذلك فإن (وئيدا) على هذا التقدير لا يجوز أن يكون حالا إذ على بُعد من التأويل، فلأجل هذا الذي قلناه، صار كثير من النحويين ينكر قول أبي على هذا ويرده، لمخالفته المعهود من أمر الأحوال السادة مسد الأخبار. وتلخيص قول أبي علي ﵀: أن يكون التقدير: مشيها حين أراها ذات وئيد، يضمر الخبر، لأنه يقع على كل وقت ماض وحاضر ومستقبل، ويجعل (أراها) المضمر فعل حال، ويحذف (ذات) ويقيم (الوئيد) مقامها.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب نوادر:
(١٢٦)
(من بين جمع غير جماع)
стр. 687
البيت: لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، وصدره:
حتى تجلت ولنا غاية
وقبله:
نذودهم عنا بمستنة ... ذات عرانين ودفاع
كأنهم أسد لدى أشبل ... ينهتن في غيل وأجراع
فنذودهم: ندفعهم. ويعني بالمستنة: كتيبة لها استنان إلى القتال، وهو المدح والنشاط والتسرع. ويعني بالعرانين الرؤساء المتقدمين في الفضل والشجاعة. وأصل العرانين: الأنوف. والعرب تشبه السادة والأشراف بالرءوس والأنوف والأعناق، ونحوها من مقاديم الحيوان، وتشبه السقاط والسفلة بالأقدام والحوافر والزمعات، ونحوها من أسافل الحيوان. وأصل الدفاع: السيل الذي يندفع فلا يقدر على رده، فضربه مثلاً للتقدم إلى الحرب. والأشبل أولاد الأسد، واحدها: شبل. وإذا كانت السد عند أغيالها وأولادها كانت أشد بأساً وأحمى أنوفاً والغيل: الأجمة. والأجراع: معاطف الأودية. وينهتن: يصوتن، يقال نهت الأسد وزأر. وتجلت: تكشفت. والغاية: الراية: والجمع: المجتمعون. والجماع: المتفرقون. يقول: انجلت الحرب وجمعنا لم يفترق، فيعود جُماعاً.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٢٧)
(أماتهن وطرقهن فحيلا)
стр. 688
البيت: للراعي. وصدره:
كانت نجائب منذر ومحرق
النجائب: الإبل العتيقة المنجبة: وأراد بمنذر: المنذر ابن ماء السماء، ومحرق: عمرو بن هند، وكان يسمى محرقاً لأنه حرق مائة رجل من تميم. وقيل سمى محرقاً لأنه حرق نخل ملهم. وقيل سمى محرقاً لشدة ملكه وعتوه، كما سمي مضرم الحجارة، يقال للذي يكثر الشر والفساد: أضرم فلان الأرض ناراً. وهذا المعنى أراد الربيع ابن زيادة في قوله:
وحرق قيس على البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما
وقد ألم أبو الطيب المتنبي بهذا المعنى في قوله:
وما كان إلا النار في كل موضع ... يثير غبارا في مكان دخان
وأمات: جمع أم، وكذلك أمهات. والمشهور في الاستعمال وقوع أمهات لمن يعقل، وأمات لما لا يعقل، وقد استعمل كل واحد منهما مكان الآخر، قال ذو الرمة يصف ماء:
سوى ما أصاب الذئب منه وسربة ... أطافت به من أمهات الجوازل
وقال جرير:
لقد ولد الأخيطل أم سوء ... مقلدة من الأمات عارا
стр. 689
والطرق: الضراب. يقال: طرق الفحل الناقة يطرقها طرقا: إذا علاها. وقال أبو عمرو الشيباني: الطرق: الفحل بعينه، كأنه سمى بالمصدر، لكثرته منه، كما يقال للرجل إذا كان يكثر الأكل والشرب ما أنت إلا أكل وشرب وأما إعرابه فأماتهن: اسم كان، ونجائب: خبرها. وطرقهن معطوف على أماتهن. وفحيلا: معطوف على نجائب، كأنه قال: كانت أماتهن نجائب منذر ومحرق، وكان طرقهن فحيلا: كما تقول كان زيد قائماً، وعمرو قاعداًن فترد الاسم على الاسم، والخبر على الخبر، ومن جعل الطرق في هذا البيت الضراب، فالتقدير: وذو طرقهن. ثم حذف المضاف. ومن جعله الفحل بعينه، فلا حذف فيه، وبعد هذا البيت:
قودا تذارع غول كل تنوفة ... ذرع النواشج مبرما وسحيلا
* * *
وانشد في هذا الباب:
(١٢٨)
(ألح على أكتابهم قتب عقر)
هذا البيت للبعيث المجاشعي. وصدره:
(ألد إذا لقيت قوماً بخطة)
الألد: الشديد الخصومة. والقتب العقر الذي يعقر ظهر الدابة، أي يجرحه. مدح نفسه بأنه حاذق بالخصام، عارف بوجوه الحجاج والكلام، فإذا علق بخصم لم ينفصل عنه حتى يؤثر فيه ما يؤثر القتب العقر في ظهر الدابة.
стр. 690
وأنشد في باب تسمية المتضادين باسم واحد.
(١٢٩)
(يبادر الجونة أن تغيبا)
هذا الشعر للخطيم الضبابي، وليس على ما أنشده ابن قتيبة. وصوابه:
يبادر الآثار أن تئوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
الجونة: الشمس وتئوب ترجع. وكان أبو العباس ثعلب يروى (الآثار) جمع آثر، وكان الغالبي يروى (الأثآر) في وزن الأشعار، يجعلها جمع ثار، وكان أبو العباس ثعلب يروى الآثار جمع أثر. فأما رواية الغالبي فيجوز فيها وجهان أحدهما أن تكون (الآثار) جمع الثأر، الذي هو مصدر ثأرت به أثأر: إذا أدركت ثأره، فيكون على هذا قد نسب الإياب إلى الآثار. والمراد أصحابهما، كما قال تعالى: (ناصية كاذبة خاطئة)، وغنما الخطأ والكذب لصاحب الناصبة. والوجه الثاني: أن يكون الآثار جمع الثأر الذي يراد به المثئور منهن يقال: فلان ثأرى كما قال الفرزدق:
وقفت بها أذرى الدموع كأنني ... بها سلم في كف صاحبه ثأر
يريد رجلاً أسلم إلى طالبه بالقصاص ليقتله. ومعنى البيت في كلا الوجهين: أن هذا الفرس لسرعته يبادر المغيرين على الحي، فيدرك ثأره منهم قبل أن يثوبوا إلى أوطانهم.
стр. 691
وأما رواية أبي العباس ثعلب، ففيها أيضاً وجهان: أحدهما: أنه يريد أن يقتفي آثار المغيرين، فيدركهم قبل أن يثوبوا إلى بلادهم. والثاني: أنه يريد بالآثار الفنكات والوقعات، من قولهم: أثر فلان في القوم: إذا أوقع بهم، فيكون نحو الآثار في رواية الغالبي، وذكر الآثار في هذين الوجهين، وهو يريد أصحابهما، كما قلنا في رواية الغالبي.
وقال بعض أصحاب المعاني: يريد أنه إذا اتبع أثر طريدة بادرها ومنعها من أن تؤوب إلى ملجئها الذي خرجت منه فيكون مثل قول ابن مقبل يصف الفرس:
وصاحبي وهوه مستوهل وهل ... يحول بين حمار الوحش والعصر
وقوله: (وصاحب الجونة أن يغيبا) يريد أنه لو سابق الشمس إلى المغرب لسبقها إليه.
وقد أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى، وأوضحه بقوله:
ولو سابق الشمس من المشارق ... جاء إلى الغرب مجيء السابق
وأول من نبه على هذا المعنى النابغة الذبياني بقوله:
سماماً تبارى الشمس خوصاً عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع
وأنشد أبو عبيدة من هذا الرجز، في كتاب الديباجة، ما أنا منشده في هذا الموضع، وهو:
стр. 692
لا تسقه حزراً ولا حليبا ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا
ذاميعة يلتهم الجبوبا ... يترك صوان الصورى ركوبا
بزلقات قعبت تقعيباً ... يبرك في آثارها لهوبا
يبادر الآثار أن تثوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
كالذئب يتلو طمعاً قريباً
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٣٠)
(أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذوداً شصائصا نبلا)
البيت: لحضرمي بن عامر، وكان له تسعة إخوة، فماتوا فورثهم، وكان له ابن عم ينافسه، يقال له جزء، فزعم أن حضرمياً سر بموت إخوته، وما صار إليه من ميراثهم، فقال حضرمي هذا الشعر. وقبل هذا البيت:
стр. 693
يزعم جزء ولم يقل جللا ... أنى تروحت ناعماً جذلا
إن كنت أزننتني بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا
فجلس جزء على شفير بئر مع إخوته، وكانوا تسعة، فانخسفت البئر بهم، فهلك إخوته، ونجا هو. فقيل ذل لحضرمي فقال: إن لله كلمة وافقت قدراً وأبقت حقداً. وقوله (أفرح) أراد: أأفرح؟ على معنى التقرير والانكار، فترك ذكر الهمزة وهو يريدها حين فهم ما أراد. وهذا قبيح، وإنما يحسن حذفها مع (أم) كقولك:
بسبع رمين الجمر أم بثمان
ويروى: أغبط. والذود من الإبل: ما دون العشرة، وأكثر ما يستعمل في الإناث والشصائص: التي لا ألبان لها، واحدتها شصوص. يقال شصت الناقة وأشصت. والنبل: الصغار ههنا، والجلل: يكون العظيم، ويكون الحقير، هو من الأضداد، وهو ههنا الحقير. والجذل: الفرح المسرور. ويقال زننته بكذا وأزننته: إذا اتهمته به، ونسبته إليه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٣١)
(ينهل منها الأسل الناهل)
стр. 694
هذا البيت يروى لعبيد بن الأبرص، وصدره:
والطاعن الطعنة يوم الوغى
وقبله:
قومي بنو دودان أهل الندى ... يوماً إذا ألقحت الحائل
كم فيه من سيد أيد ... ذي نفحات قائل فاعل
من قوله قول ومن فعله ... فعل ومن نائله نائل
ويروى أيضاً للنابغة الذبياني في شعر يمدح به الحارث الأعرج الغساني وقبله:
والله والله لنعم الفتى ال ... أعرج لا النكس ولا الخاذل
الحارب الحافز والجابر الـ ... محروب والمرجل والحامل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٣٢)
(فمنها مستبين ومائل)
وجدت هذا البيت في شعر زهير بن أبي سلمى من رواية السكرى، في قصيدة أولها:
لسلمى بشرقي القنان منازل ... ورسم بصحراء اللبيين حائل
تحمل منها أهلها وخلت لها ... سنون فمنها مستبين ومائل
* * *
стр. 695
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٣٣)
(وخنذيذ ترى الغرمول منه ... كطي الزق علقه التجار)
هذا البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي، قال أبو جعفر بن النحاس: قال ابن الأعرابي، الخنذيذ من الخيل: الضخم الشديد، وشبه غرمولة بزق خلا مما فيه فعُلق. وقال أبو علي الفارسي: أراد تضامه وانثناءه كطي الزق، لأن الطي انثناء وتضام، فيشبه المعنى بالمعنى، ولا يشبه العين بالمعنى. قال أبو علي: ويجوز أن يكون أراد بالطي المطوي، مثل نسج اليمن وضرب الأمير، فيكون المعنى كمطوى الزق، فيشبه العين بالعين على هذا الوجه الثاني.
وبعد هذا البيت:
كأن حفيف منخره إذا ما ... كتمن الربو كير مستعار
يضمر بالإصائل فهو نهد ... أقب مقلص فيه اقورار
وقوله (وخنذيذ) بالخفض، لأنه معطوف على قوله قبله:
بكل قياد مسنفة عنود ... أضربها المسالح والفوار
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب إقامة الهجاء:
(١٣٤)
(فلما لبسن الليل أو حين نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح)
стр. 696
البيت: لذي الرمة. وقال ابن قتيبة في تفسيره: خبرت عن الأصمعي أنه قال: أراد أو حين أقبل الليل نصبت آذانها، وكانت مسترخية، والليل مائل عن النهار، فحذف. وهذا التفسير يحتاج إلى تلخيص وإيضاح. وحقيقته أنه حذف الجملة التي أضاف إليها حين أراد أو حين أقبل الليل، ولا يجوز أن يكون حين مضافاً على قول الأصمعي إلى نصبت، لأن (نصبت) عنده جواب لما، وإذا كان جواباً لم تجز إضافة حين إليه ومعنى لباسها الليل. دخولها فيه، والتقدير: فلما لبست الحمير الليل، أو حين أقبل الليل قبل أن تلبسه، نصبت آذانها، وتشوفت للنهوض إلى الماء، لأنها لا تنهض لورد الماء إلا ليلا، والخذا: استرخاء الأذنين، يريد أن آذانها كانت مسترخية من الحر، فلما أقبل الليل وضعف الحر، نصبت آذانها" وهذا كله على مذهب الأصمعي. وذهب غير الأصمعي على أن حين مضاف إلى (نصبت)، وأن جواب لما في البيت الذي بعد هذا، وهو قوله:
حداهن شحاج كأن سحيله ... على حافتيهن ارتجاز مفاضح
فتقديره على هذا: فلما دخلت الحمير في الليل، أو في الحين الذي تنصب فيه آذانه" وهو حين إقبال الليل، حداها الحمار نحو الماء. والهاء في قوله (له) عائدة على الليل، ولا يجوز أن تكون للتبعيض يريد أن مجيء الليل أذهب بعض حذا آذانها ولم يذهب جملته، وإنما تذهب جملته إذا تمكن الليل وقوى برد الهواءن وزال مابها من العطش بورود الماء. وقبل هذا البيت:
стр. 697
دعاهن من ثاج فأزمعن رده ... أو الأصهبيات العيون السوائح
فظلت بأجماد الزجاج سواخطا ... صياما تغنى تحتهن الصفائح
قال الأصمعي (ثاج): عين هي من البحرين على ليال. وأراد بالأصهبيات: عين أصهب، وهي وراء كاظمة، والسوائح: الجواري. وأجماد الزجاج: موضع. وصياما: واقفة. والصفائح: حجارة عريضة، وأراد بغنائها: بين أصواتها. أرجلها إذا وطئتها.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٣٥)
(فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما)
البيت للنمر بن تولب. وقبله:
وإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما
قال أصحاب المعاني: أراد فلا تتهيبها أن تقدم عليها، فقلب كما قال ابن مقبل:
ولا تهيبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
أراد: لا أتهيب الموماة. ويجوز عندي أن تكون الكاف في تهيبك حرف خطاب، لا موضع لها من الإعراب كالكاف التي في قولك في (أرأيتك زيداً ما صنع)؟ والنجاءك، فلا يكون مقلوبا، وكأنه قال: ولا تتهيب أن تقدم:
стр. 698
وأنشد في باب دخول ألف الاستفهام على ألف القطع:
(١٣٦)
(أيا ظبية الوعساء بين حلاحل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم)
هذا البيت لذي الرمة. والوعساء: رملة لينة، وحلاحل: موضع. بالجيم والحاء. وقوله: (آأنت أم أم سالم): أراد: أنت ظبية أم أم سالم؟ فقوله: أم أم سالم معطوفة على خبر المبتدأ المحذوف. وقبل هذا البيت:
أقول لدهناوية عوهج جرت ... لنا بين أعلى عرفة فالصرائم
أراد بدهناوية ظبية نسبها إلى الدهناء، وهي فلا معروفه من تميم. والعوهج: الطويلة العنق. وعرفة: اسم موضع. والصرائم: رمال تنقطع من غيرها، واحدتها: صريمة. ويروى أن أخاه مسعوداً اعترضه في هذا البيت فقال:
فلو تحسن التشبيه والوصف لم تقل ... لشاة النقا: آأنت أم أم سالم
جعلت لها قرنين فوق جبينها ... وظلفين مشقوقين تحت القوائم
فقال ذو الرمة:
هي الشبه إلا مدربيها وأذنها ... سواء، وإلا مشقة في القوائم
وهذه حاكية طريفة، لأن المشبه بالشيء إنما يشبه به في بعض معانيه. فليس يلزم هذا الاعتراض، ولا هذا الجواب. وهبه استثنى ما ذكر، فما الذي يصنع بسائر خلقها. أهـ.
стр. 699
وأنشد في باب حروف توصل بما وبإذ وغير ذلك.
(١٣٧)
(ويلمه رجلاً تابى به غبناً ... إذا تجرد لا خال ولا بخل)
البيت للمتنخل الهذلي. واسمه مالك بن عمرو، ويكنى أبا أثيلة. ويقال (المتنخل) بكسر الخاء وفتها، فمن كسرها أراد أنه يتنخل الشعر ويستجيده، ومن فتحها أراد أنه مقدم على الشعراء متخير منهم، وهذا البيت من شعر رثى به ابنته أثيلة، وهي التي يكنى بها، وقبله:
تبكي على رجل لم تبل جدته ... خلى عليك فجاجاً بينها سبل
والغبن، بفتح الباء، الخديعة في الرأي. والغبن بسكون الباء: الخديعة في الشراء والبيع. وفعل الأول: غبن يغبن، على مثال حذر يحذر، وفعل الثاني غبن يغبن، على مثال: ضرب يضرب. ومعنى التجرد هاهنا التشمير للأمر، والتأهب له. وأصل ذلك: إن الإنسان يتجرد من ثيابه إذا حاول فعل أمر أو الدخول في حرب، فصار مثلاً لكل من جد في الشيء وإن لم يتجرد من ثيابه. ويجوز أن يراد بالتجرد للأمر: الانسلاخ من جميع الأمور سواه. وقوله (لا خال) (ولا بخل) فيه وجهان: أحدهما أن يريد بالخال الاختيال والتكبر، من قولهم رجل فيه خال: إذا كانت فيه خيلاء، قال الشاعر:
فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل
стр. 700
فيكون تأويله على هذا لا فيه خال ولا بخل، فيكون مبتدأ محذوف الخبر، ويجوز أن يكون التأويل: لا ذو خال ولا ذو بخل. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. و (خال) في هذا الوجه: خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا هو ذو خال.
والوجه الثاني: أن يكون من قولهم: رجل خال: إذا كان متكبراً، كأنهم سموه بالخال الذي هو التكبر، لكثرته منه، كما يقال: ثوب نسج اليمن، أي منسوج، وكما يقال للرجل إذا كثر أكله وشربه ما أنت إلا أكل وشرب. ويجوز أن يكون صفة بنيت على مثال بطر وأشر، ويكون أصله خول، فانقلبت الواو ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيكون بمنزلة قولهم: (رجل مال، ويوم راح وكبش صاف)، فيرتفع (خال) في البيت على أنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: لا هو خال، ولا ذو بخل فيقدر في (بخل) حذف مضاف، لأنه مصدر، ولا تقدره مع خال، لأنه اسم وإن أجريت المصدر مجرى الاسم مبالغة في المعنى، كما ذكرنا، لم تقدر مضافاً محذوفاً في الثاني، كما لم تقدره في الأول. وقد روى: ولا بخل، بكسر الخاء، فهذا اسم فاعل لا مصدر. وأما من أجاز في (خال) الذي يراد به الرجل المتكبر، أن يكون مقلوباً من خايل، فلا يصلح في هذا الموضع، لأنه كان يجب أن يروى: لاخال، يكسر اللام، ولا نعلم أحداً رواه هكذا، وإن كان قد روى فهذا مجازه. وعلى هذا تأول بعضهم بيت امريء القيس:
وامنع عرسي أن يزن بها الخالي
стр. 701
ومن ذهب هذا المذهب في بيت امريء القيس، جاز أن يكون (الخالي) مفعولاً لم يسم فاعله، وجاز أن يكون صفة للمرء، كأنه قال: على المرء الخالي عرسه.
وأما من أعرب (خالاً) وأجراه مجرى مال ودار، وتأول عليه بيت امريء القيس، فإنه على هذا الاعتقاد صفة للمرء لا غير، وأما قوله (ويلمه): فمدح خرج بلفظ الذم. والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح، فتقول أخزاه الله ما أشعره، ولعنه الله ما أجراه، وكذلك يستعملون لفظ المدح في الذم، فيقولون للأحمق: يا عاقل، وللجاهل، يا عالم. ومعنى هذا يا أيها العاقل عند نفسه، أو عند من يظنه عاقلاً، فسموه عاقلاً على ما يعتقده في نفسه.
وأما قولهم: أخزاه الله ما أشعره، ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم، فلهم في ذلك غرضان: أحدهما أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه، ونطق باستحسانه فربما أصابه بعين، وأضرّ به، فيعدلون عن مدحه إلى ذمه، لئلا يؤذوه. والثاني: أنهم يريدون أنه قد بلغ غاية الفضل، وحصل في حد من يذم ويسب، لأن الفاضل يكثر حساده والمعادون له، والناقص لا يلتفت إليه، ولذلك كانوا يرفعون أنفسهم عن مهاجاة الخسيس، ومجاوبة السفيه، ولذلك قال الفرزدق:
وإن حراما أن أسب مقاعسا ... بآبائك الشم الكرام الخضارم
ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
стр. 702
وقال أبو الطيب:
صغرت عن المديح فقلت أهجى ... كأنك ما صغرت عن الهجاء
ويروى: ويلمه، بكسر اللام، وويلمه بضمها، فمن كسر اللام ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون أراد: ويل أمهن بنصب (ويل) وإضافته إلى الأم، ثم حذف الهمزة، لكثرة الاستعمال، وكسر لام (ويل)، إتباعاً لكسرة الميم، كما قالوا: مررت بامريء القيس، فكسروا الراء، لكسرة الهمزة. والثاني: أن يكون أراد (ويل) لأمه، برفع ويل على الابتدا، ولامه خبره، وحذف لام (ويل) وهمزة (أم) كما قالوا: أيش لك، يريدون أي شيء؟ فاللام المسموعة في (ويلمه) على هذا، هي لام الجر. والثالث: ألا يريد الويل، ولكنه أراد (وي) التي ذكرها عنترة في قوله:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فيكون على هذا قد حذف همزة (أم) لا غير، وهذا عندي أحسن هذه الأوجه، لأنه أقل للحذف والتقدير. واللام المسموعة في (ويلمه) أيضاً هي لام الجر. وأجاز ابن جني أن تكون اللام المسموعة هي لام (ويل)، على أن يكون حذف همزة (أم) ولام الجر، وكسر لام (ويل) إتباعاً لكسرة الميم. وهذا بعيد جداً. وأما من روى (ويلمه) بضم الميم، فإن ابن جني أجاز فيه وجهين أحدهما: أنه حذف الهمزة واللام، وألقى ضمة الهمزة على لام الجر، كما حكى عنهم: (الحمد لله) بضم لام الجر، وهي قراء إبراهيم بن أبي عبلة: والوجه الثاني: أن
стр. 703
يكون حذف الهمزة ولام الجر، وتكون اللام المسموعة هي لام (ويل) لا لام الجر.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب ما نقص منه الياء لاجتماع الساكنين:
(١٣٨)
(ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعاً)
هذا البيت لأعشى بكر، ولم تقع هذه القصيدة فيما رويناه عن أبي علي البغدادي من شعره وأنشد أبو عمرو الشيباني قبل هذا البيت:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بهن قدماً مولعاً
الخمر واللحم السمين وأطلى ... بالزعفران فلن أزال مروعاً
قال أبو عمرو: إذا قالوا: الأحمران، أرادوا اللحم والخمر. وإذا قالوا الأحامرة زادوا فيها الزعفران.
* * *
стр. 704
وأنشد في هذا الباب:
(١٣٩)
(رباعياً مرتبعاً أو شوقياً)
هذا البيت للعجاج. والمرتبع الذي ليس بطويل ولا قصير. والشوقب: الطويل. وأحسبه يصف حماراً وحشياً.
* * *
وأنشد في باب ما يكتب بالألف والياء من الأسماء:
(١٤٠)
(فلا يرمي بي الرجوان إني ... أقل القوم من يغني مكاني)
هذا البيت لعبد الرحمن بن الحكم، من شعر يقوله في أخيه مروان، وقد عتب عليه. وقبله:
ألا من مبغل مروان عني ... رسولاً والرسول من البيان
فلولا أن أمك مثل أمي ... وأنك من هجاك فقد هجاني
وأعلم أن ذاك هوى رجال ... هم أهل العداوة والشتان
لقد جاهرت بالبغضاء إني ... إلى أمر الجهارة ذو علان
стр. 705
قوله: (فلا يرمي بي الرجوان): مثل يضرب لمن يتهاون به، ولمن يعرض للمهالك، والرجوان: ناحيتا البئر. وأصل هذا: أن البئر إذا كانت مطوية بالحجارة، احتاج المستقى منها إلى أن يتحفظ بالدلو، لئلا يصيب أحد جانبي البئر فيتخرق أو ينقطع فيقال له عند ذلك: (أبن أبن) أي أبعد دلوك عن جانبي البئر. وإذا كان المستقي ممن يتهاون بالدلو، ويريد الإضرار بصاحبها، صدم له بها أحد جانبي البئر فانخزقت وانقطعت، فضرب ذلك مثلاً لمن يخاطر به، ويعرض للهلاك، ولهذا الذي وصفناه، قال بعض السقاة:
أما يزال قائل: ابن أبن ... دلوك عن حد الضروس واللبن
وقوله: (فلا يرمي) يجوز أن يكون (لا) بمعنى ليس. ويجوز أن تكون نهياً، وأثبت الألف ضرورة، وكان ينبغي أن يحذفها للجزم. وقد روى: (فلا يقذف) وهذا لا ضرورة فيه. (وأقل): مرفوع بالابتداء، ومن خبره. والجملة في موضوع خبر إن. ومعناه: قليل من القوم من يغني مكاني، وينوب منابي، فيكون على هذا التأويل قد أثبت أن في الناس من يقوم مقامه، إلا أنه قليل. والأجود أن تكون القلة ههنا بمعنى النفي، فيكون قد نفى أن يقوم أحد مقامه، لأنه يعم نفسه، والعرب تستعمل القلة بمعنى النفي، فيقولون: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد، وإنما جاز ذلك لأن الشيء إذا قل انتفى أكثره.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٤١)
(كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير)
следующие страницы →