Полный текст (952 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ومن ذهب هذا المذهب في بيت امريء القيس، جاز أن يكون (الخالي) مفعولاً لم يسم فاعله، وجاز أن يكون صفة للمرء، كأنه قال: على المرء الخالي عرسه.
وأما من أعرب (خالاً) وأجراه مجرى مال ودار، وتأول عليه بيت امريء القيس، فإنه على هذا الاعتقاد صفة للمرء لا غير، وأما قوله (ويلمه): فمدح خرج بلفظ الذم. والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح، فتقول أخزاه الله ما أشعره، ولعنه الله ما أجراه، وكذلك يستعملون لفظ المدح في الذم، فيقولون للأحمق: يا عاقل، وللجاهل، يا عالم. ومعنى هذا يا أيها العاقل عند نفسه، أو عند من يظنه عاقلاً، فسموه عاقلاً على ما يعتقده في نفسه.
وأما قولهم: أخزاه الله ما أشعره، ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم، فلهم في ذلك غرضان: أحدهما أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه، ونطق باستحسانه فربما أصابه بعين، وأضرّ به، فيعدلون عن مدحه إلى ذمه، لئلا يؤذوه. والثاني: أنهم يريدون أنه قد بلغ غاية الفضل، وحصل في حد من يذم ويسب، لأن الفاضل يكثر حساده والمعادون له، والناقص لا يلتفت إليه، ولذلك كانوا يرفعون أنفسهم عن مهاجاة الخسيس، ومجاوبة السفيه، ولذلك قال الفرزدق:
وإن حراما أن أسب مقاعسا ... بآبائك الشم الكرام الخضارم
ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
стр. 702
وقال أبو الطيب:
صغرت عن المديح فقلت أهجى ... كأنك ما صغرت عن الهجاء
ويروى: ويلمه، بكسر اللام، وويلمه بضمها، فمن كسر اللام ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون أراد: ويل أمهن بنصب (ويل) وإضافته إلى الأم، ثم حذف الهمزة، لكثرة الاستعمال، وكسر لام (ويل)، إتباعاً لكسرة الميم، كما قالوا: مررت بامريء القيس، فكسروا الراء، لكسرة الهمزة. والثاني: أن يكون أراد (ويل) لأمه، برفع ويل على الابتدا، ولامه خبره، وحذف لام (ويل) وهمزة (أم) كما قالوا: أيش لك، يريدون أي شيء؟ فاللام المسموعة في (ويلمه) على هذا، هي لام الجر. والثالث: ألا يريد الويل، ولكنه أراد (وي) التي ذكرها عنترة في قوله:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فيكون على هذا قد حذف همزة (أم) لا غير، وهذا عندي أحسن هذه الأوجه، لأنه أقل للحذف والتقدير. واللام المسموعة في (ويلمه) أيضاً هي لام الجر. وأجاز ابن جني أن تكون اللام المسموعة هي لام (ويل)، على أن يكون حذف همزة (أم) ولام الجر، وكسر لام (ويل) إتباعاً لكسرة الميم. وهذا بعيد جداً. وأما من روى (ويلمه) بضم الميم، فإن ابن جني أجاز فيه وجهين أحدهما: أنه حذف الهمزة واللام، وألقى ضمة الهمزة على لام الجر، كما حكى عنهم: (الحمد لله) بضم لام الجر، وهي قراء إبراهيم بن أبي عبلة: والوجه الثاني: أن
стр. 703
يكون حذف الهمزة ولام الجر، وتكون اللام المسموعة هي لام (ويل) لا لام الجر.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب ما نقص منه الياء لاجتماع الساكنين:
(١٣٨)
(ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعاً)
هذا البيت لأعشى بكر، ولم تقع هذه القصيدة فيما رويناه عن أبي علي البغدادي من شعره وأنشد أبو عمرو الشيباني قبل هذا البيت:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بهن قدماً مولعاً
الخمر واللحم السمين وأطلى ... بالزعفران فلن أزال مروعاً
قال أبو عمرو: إذا قالوا: الأحمران، أرادوا اللحم والخمر. وإذا قالوا الأحامرة زادوا فيها الزعفران.
* * *
стр. 704
وأنشد في هذا الباب:
(١٣٩)
(رباعياً مرتبعاً أو شوقياً)
هذا البيت للعجاج. والمرتبع الذي ليس بطويل ولا قصير. والشوقب: الطويل. وأحسبه يصف حماراً وحشياً.
* * *
وأنشد في باب ما يكتب بالألف والياء من الأسماء:
(١٤٠)
(فلا يرمي بي الرجوان إني ... أقل القوم من يغني مكاني)
هذا البيت لعبد الرحمن بن الحكم، من شعر يقوله في أخيه مروان، وقد عتب عليه. وقبله:
ألا من مبغل مروان عني ... رسولاً والرسول من البيان
فلولا أن أمك مثل أمي ... وأنك من هجاك فقد هجاني
وأعلم أن ذاك هوى رجال ... هم أهل العداوة والشتان
لقد جاهرت بالبغضاء إني ... إلى أمر الجهارة ذو علان
стр. 705
قوله: (فلا يرمي بي الرجوان): مثل يضرب لمن يتهاون به، ولمن يعرض للمهالك، والرجوان: ناحيتا البئر. وأصل هذا: أن البئر إذا كانت مطوية بالحجارة، احتاج المستقى منها إلى أن يتحفظ بالدلو، لئلا يصيب أحد جانبي البئر فيتخرق أو ينقطع فيقال له عند ذلك: (أبن أبن) أي أبعد دلوك عن جانبي البئر. وإذا كان المستقي ممن يتهاون بالدلو، ويريد الإضرار بصاحبها، صدم له بها أحد جانبي البئر فانخزقت وانقطعت، فضرب ذلك مثلاً لمن يخاطر به، ويعرض للهلاك، ولهذا الذي وصفناه، قال بعض السقاة:
أما يزال قائل: ابن أبن ... دلوك عن حد الضروس واللبن
وقوله: (فلا يرمي) يجوز أن يكون (لا) بمعنى ليس. ويجوز أن تكون نهياً، وأثبت الألف ضرورة، وكان ينبغي أن يحذفها للجزم. وقد روى: (فلا يقذف) وهذا لا ضرورة فيه. (وأقل): مرفوع بالابتداء، ومن خبره. والجملة في موضوع خبر إن. ومعناه: قليل من القوم من يغني مكاني، وينوب منابي، فيكون على هذا التأويل قد أثبت أن في الناس من يقوم مقامه، إلا أنه قليل. والأجود أن تكون القلة ههنا بمعنى النفي، فيكون قد نفى أن يقوم أحد مقامه، لأنه يعم نفسه، والعرب تستعمل القلة بمعنى النفي، فيقولون: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد، وإنما جاز ذلك لأن الشيء إذا قل انتفى أكثره.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٤١)
(كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير)
стр. 706
البيت لمهلهل بن ربيعة التغلبي. ويريد بقوله وبنى أبينا: بكر بن وائل. وعنيزة: موضع، كانت فيه وقعة بين تغلب وبكر ابني وائل، وشبه الجيش برحيين يديرهما مدير للطحن، ورحى الحرب: وسطها ومعظمها لأنهم يستديرون فيها عند القتال، أو لأنها تهلك من حصل فيها كما تطحن الرحى الحب، ألا ترى إلى قول ربيعة بن مقروم:
فدارت رحانا بفرسانهم ... فعادوا كأن لم يكونوا رمما
وبعد بيت مهلهل:
فلولا اريح أسمع من بحجرٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور
قال أبو جعفر ابن النحاس: يقال: إن هذا أول كذب سمع بالشعر، وإن قوله (كأنا غدوة) أول تناصف سمع في الشعر. وهذا الذي حكاه غير صحيح، لأن الشعر موضوع على الكذب والتخييل، إلا القليل منه، وإنما أراد قائل هذا أن يقول: إن هذا أول غلو سمع في الشعر، لأن قتالهم كان بالجزيرة، وحجر: قصبة اليمامة، وبين الموضعين مسافة عظيمة، فعبر عن الغلو بالكذب.
* * *
وأنشد في باب ما يجري عليه العدد في تذكيره وتأنيثه:
(١٤٢)
(فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا)
стр. 707
البيت للنابغة الجعدي، يصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت ثلاثة أيام وثلاث ليال تطلبه، ولا إنكار عندها ولا غناء إلا الإضافة، وهي الجزع والإشفاق. والجؤار: هوا لصياح، والنكير: الإنكار، وهو من المصادر التي أتت على (فعيل) كالنذير والعذير، وأكثر ما يأتي هذا النوع من المصادر في الأصوات التي على (فعيل) كالهدير والهديل: قال الله تعالى (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) وبعد هذا البيت:
فألفت بياناً عند آخر معهد ... إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا
وخدا كبرقوع الفتاة ملمعاً ... وروقين لما يعدوا أن تقشرا
أراد: أنها وجدت عند آخر معهد عهدته فيه، ما بين لها وحقق عندها، أن السبع أكله، ثم فسر ذلك البيان بما ذكره بعد ذلك. والإهاب: الجلد. والمعبوط: الدم الطرين والروقان: القرنان. وشبه خده لما فيه من السواد والبياض، ببرقوع الفتاة، لأن الفتيات يزين براقعهن، وبقر الوحش بيض الألوان، لا سواد فيها إلا في قوائمها، وفي خدودها، وفي أكفالها ويقال: برقع بضم القاف، ويرقع بفتحها، وبرقوع بالواو.
* * *
стр. 708
وأنشد في باب ما لا ينصرف:
(١٤٣)
(لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد في العلب)
هذا البيت يروى لجرير، ويروى لعبد الله بن قيس الرقيات. والتلفع: الاشتمال بالثوب، والالتحاف فيه. والعلب: جمع علبة، وهو إناء يصنع من جلود الإبل. وصف أن دعداً نشأت في الرفاهية والنعمة، ولم تكن من البدويات اللواتي يتلفعن بالمآزر، وتشربن الألبان في العُلب. وهذا ضد قول بعض الأعراب:
لعمري لأعرابية في عباءة ... تحل دماثاً من سويقة أو فندا
أحب إلى القلب الذي لج في الهوى ... من اللابسات الخز يظهرن لي كندا
ويجوز في (دعد) الأولى الصرف وترك الصرف، ولا يجوز في الثانية الصرف، لفساد وزن الشعر. وكرر ذكر دعد ولم يضمرها تنويهاً بذكرها، وإشارة أو تلذذاً لاسمها واستطابة كما قال الآخر:
عذاب على الأفواه ما لم يذقهم ... عدو وبالأفواه أسماؤهم تحلو
وقد تكرر العرب ذكر الاسم، على غير وجه الإشارة والاستطابة، ولكن لضرب من المبالغة، أو على وجه الضرورة، فإذا كان ذلك في جملتين حسن الإظهار والإضمار، لأن كل جملة تقوم بنفعها، كقولك جاءني زيد، وزيد رجل فاضل. وإن شئت قلت: وهو رجل فاضل. وإذا كان في جملة واحدة
стр. 709
قبح الإظهار، ولم يكد يوجد إلا في الشعر، كقولك زيد جاء زيد، فمن الأول قوله تعالى: (لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته). ومنه قول الفرزدق:
لعمرك ما معن تبارك حقه ... ولا منسيء معن ولا متيسر
ومن الثاني قول سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فإذا اقترن بالثاني حرف الاستفهام لمعنى التعظيم والتعجب، كان الباب الإظهار، كقوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة) و (القارعة ما القارعة)؟ والإضمار جائز كما قال (فأمه هاوية، وما أدراك ما هية): ويروى بالعُلب، وفي العلب، وإنما حسن دخول (في) هاهنا لن تأويله لم تسق اللبن في العلب: ويروى ولم تغذ. وقد تقدم في كلامنا في حروف الجر التي يقع بعضها موضع بعض ما فيه كفاية.
* * *
وأنشد في باب أوصاف المؤنث بغير هاء:
(١٤٤)
(أبي حبي سليمي أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقا جديدا)
هذا البيت لا أعلم قائله. وقد فسر ابن قتيبة الجديد ههنا بأنه المقطوع. وانتصابه على وجهين: أحدهما: على الصفة لخلق. والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر. ومعنى يبيد: يهلك. يقول محبتي لها لم تذهب، وإن كان وصلها قد ذهب.
стр. 710
وأنشد في هذا الباب:
(١٤٥)
(أيا جارتا بيني فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقة)
البيت: لأعشى بكر. والجارة، هاهنا الزوجة. وكان تزوج امرأة من هزان، فوجد عندها فتى شابا، فقال لها من هذا؟ فقالت: ابن عمي فنهاها عنه، فلما رآها لا تنتهي طلقها، وقال هذا البيت، وبعده:
وبيني فإن البين خير من العصا ... وألا تزال فوق راسك بارقه
وما ذاك من جرم عظيم جنيته ... ولا أن تكوني جئت فينا ببائقه
وذوقي فتى قوم فني ذائق ... فتاة أناس مثل ما أنت ذائقه
فقد كان في فتيان قومك منكح ... وفتيان هزان الطوال الغرانقه
وقوله: (كذاك أمور الناس): مبتدأ، وخبره في المجرور، وقوله (غاد وطارقه): يرتفعان على وجهين أحدهما أن تجعل كل واحد منهما خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: بعضها غاد، وبعضها طارقه. والثاني: أن تجعل كل واحد منهما مبتدأ وتضمر له خبراً، كأنه قال: منها غادٍ، ومنها طارقه، فطارقة معطوفة على غاد على حد عطف الجمل على الجمل، لا على حد عطف المفرد على المفرد، وإنما كان كذلك، لأنه تقسيم وتبعيض، فلزم ذكر حرف التبعيض مع كل واحد من القسمين، ولو عطفت الثاني على الأول، كعطف المفرد على المفرد، ولم تقدر للثاني من الإضمار مثل ما قدرته للأول، لصار القسمان قسماً واحداً، واحتجت إلى قسم آخر يستوفي ما تضمنه المجمل الذي أردت تقسيمه،
стр. 711
ومثله قوله : (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك، منها قائم وحصيد) أراد: ومنها حصيد، ومثله قول الكميت:
لنا راعياً سوء مضيعان منهما ... أبو جعدة العادي وعرفاء جيأل
وأنشد في باب أسما يتفق لفظها ويختلف معانيها:
(١٤٦)
(إذا عاش الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب التخيل والفتاء)
هذا البيت للربيع بن الفزاري، وقبله:
إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قر ... فسربال رقيق أو رداء
والتخيل: الخيلاء ويروى: اللذاذة، ويروى المسرة، ويروى المروءة.
* * *
وأنشد في باب ما يمد ويقصر:
(١٤٧)
(بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل)
البيت: لحسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري، ويكنى أبا الوليد، ويقال له ابن الفريعة، وهي أمه، وهو من شعر رثى به حمزة بن عبد المطلب، وبعده:
стр. 712
على أسد الإله غداة قالوا: ... أحمزة ذاكم الرجل الفتيل
أصيب المسلمون به جميعاً ... هناك وقد أصيب به الرسول
وأراد: وما يغني البكاء ولا العويل شيئاًن فحذف المفعول، (وما): نفى، ويبعد أن يكون استفهاماً في موضع نصب بيغني، لظهور حرف النفي بعده، إلا أن تجعل (لا) زائدة كزيادتها في قوله تعالى (ما منعك ألا تسجد) وذلك تكلف.
* * *
وأنشد في باب الحرفين يتقاربان في اللفظ والمعنى:
(١٤٨)
(تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويداً تكاد تنغرف)
البيت: لقيس بن الخطيم بن عدي الأنصاري، وصف امرأة نشأت في رفاهية ونعمة، فهي تنام لجلالة شأنها وأن لها من يكفيها المؤنة. فإذا قامت قامت في سكون وضعف، وكادت تنغرف، لرقة خصرها، وثقل ردفها، ويقال انغرف الغصن من الشجرة: إذا انقطع ونحو منه قول امريء القيس:
نؤم الضحا لم تنطق عن تفضل
стр. 713
وقوله (قامت رويداً) أراد قياماً رويداً، فحذف المصدر وأقام صفته مقامه. ويجوز أن يكون منصوباً على الحال، وبعد هذا البيت:
حوراء جيداء يستضاء بها ... كأنها خوط بانة قصف
تغترق الطرف وهي لاهية ... كأنما شف وجهها نزف
والحوراء: التي في عينها حور، وهو صفاء سواد العين وصفاء بياضها، وقال الأصمعي: الحور: أن ترى العين سوداء كلها، تشبيهاً لها بالظبية والبقرة، والجيداء: الطويلة العنق والخوط: الغصن والقصف: المنكسر للينه، وقوله تغترق الطرف: أي تشغل نظر الناظر، فلا ينظر إلى غيرها، لكمال حسنها، وهي غير مستعدة ولا متزينة.
وقوله: كأنما شف وجهها نزف، يريد أنها قليلة لحم الوجه غير جهمة فكأن دمها نزف.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٤٩)
(شدا سريعاً مثل إضرام الحرق)
стр. 714
البيت: لرؤبة بن العجاج، ويكنى أبا الجحاف؛ ووجدت هذا البيت في شعر رؤبة رواية أبي بكر بن دريد، على خلاف ما أنشده ابن قتيبة، وهو:
تكاد أيديها تهاوى في الزهق ... من كفتها شدا كإضرام الحرق
قال ابن دريد: يقال فرس رهق: إذا تقدم الخيل، فيقول تكاد أيدي الحمر تهوى فتزلج وتذهب من شدة ما يقدمها الحمار والكفت: شدة القبض، والشد: الجرى الشديد، وشبهه باضطرام النار، لما فيه من الخفيف والصوت، كما قال العجاج:
كأنما يستضرمان العرفجا
والحرق النار بعينها، والحرق: الاحتراق، وبعده:
سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تقليل ما قارعن من سمر الطرق
والمساحي: ههنا: الحوافرن سماها مساحي لأنها تسحو الأرض أي تقشرها يقول سوت الطرق حوافر هذه الحمير كما تسوى الحقق؛ والحقق جمع حقة وهي وعاء من عود يتخذ للطيب وغيره. والتقليل هو الفاعل الذي سواها، ونصب تقطيط الحقق على المصدر المشبه به والتقدير تسوية مثل تقطيط الحقق فحذف المصدر، وأقام صفته مقامه، وحذف المضاف، وأناب المضاف إليه مقامه وهذا من المصادر المحمولة على معنى الفعل، لا على لفظه لأن التسوية هي التقطيط في المعنى، فصار كقولك قعد زيد جلوس عمرو، وتبسمت وميض البرق.
* * *
стр. 715
وأنشد في هذا الباب للنابغة:
(١٥٠)
(كذي العر يكوى غيره وهو راتع)
وصدر هذا البيت مختلف فيه، فكان الأصمعي يروى:
لكلفتني ذنب امريء وتركته
وروى ابن الأعرابي وأبو عبيدة:
حملت على ذنبه وتركته
والعربضم العين: قروح تخرج في مشافر الإبل وقوائمها، والراتع المقيم في المرعى. وفي معنى هذا البيت أربعة أقوال: أحدها أن هذا أمر كان يفعله جهال الأعراب، كانوا إذا وقع العُر في إبلهم اعترضوا بعيراً صحيحاً من تلك الإبل فكووا مشفره وعضده وفخذه، يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب العُر من إبلهم كما كانوا يعلقون على أنفسهم كعوب الأرانب خشية العطب، ويفقؤون عين فحل الإبل، لئلا تصيبها العين. وهذا قول الأصمعي وأبي عمرو وأكثر اللغويين. وقول آخر "كالثور يضرب لما عافت البقر. قال يونس: سألت رؤبة بن العجاج عن هذا فقال: هذا شيء كان قديماً ثم تركه الناس.
стр. 716
ويدل عليه هذا الرجز.
فكان شكر القوم عند المتن ... كي الصحيحات وفقأ الأعين
وقيل إنما كانوا يكوون الصحيح، لئلا يعلق به الداء، لا ليبرأ السقيم. حكى ذلك ابن دريد، وأما أبو عبيدة فقال: هذا أمر لم يكن وإنما هذا مثل لا حقيقة. أي أخذت البريء وتركت المذنب، فكنت كمن كوى البعير الصحيح وترك السقيم لو كان هذا مما يكون. قال ونحو من هذا قولهم: يشرب عجلان ويسكر ميسرة. ولم يكونا شخصين موجودين وقيل أصل هذا أن الفصيل إذا أصابه العُر لفساد في لبن أمه عمدا إلى أمه فكووها فتبرأ ويبرأ فصيلها، لأن ذلك الداء إنما كان ليسرى إليه في لبنها، وهذا أغرب الأقوال وأقربها إلى الحقيقة.
والكاف في قوله كذى العر تحتمل وجهين: أحدهما أن تكون في موضع الحال من الهاء في تركته، كأنه قال وتركته مشبهاً ذا العر.
والثاني أن تكون صفة لمصدر محذوف كأنه قال تركته تركاً مثل ترك ذي العر، ففي هذا الوجه حذف مضافاً وأقام ما أضيف إليه مقامه، وحذف موصوفاً وأحل صفته محله، وفي الوجه الأول لم يحذف شيئاً. وقوله: وهو راتع جملة في موضع الحال، أي يكوى غيره في حال رتوعه. وأما قوله: (يكوى غيره وهو راتع) فجملة لا موضع لها من الإعراب لأنها مفسرة لما قبلها، كأنه لما قال وتركته كذى العر. قيل: وما شأن ذي العر، فقال يكوى غيره وهو راتع، ونظير هذا لم أر أعجب من أمر زيد يضرب أخوه وهو يضحك، فقولك وهو يضحك جملة لها موضع، وقولك أخوه يضرب وهو يضحك جملة مفسرة لا موضع لها.
стр. 717
ومن روى كذي العر بفتح العين فقد غلط لأن العر الجرب، ولم يكونوا يكوون من الجرب إنما كانوا يكوون من القُروح التي تخرج في مشافر الإبل وقوائمها خاصة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٥١)
(وأوثر غيري من عيالك بالطعم)
هذا البيت لأبي خراش الهذلي واسمه خويلد بن مرة وصدره:
(أرد شجاع البطن قد تعلمينه)
وبعده:
مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم
قال الأصمعي قوله شجاع البطن مثل أن يقول الجوع يتلظى في جوفي كما يتلظى الشجاع، والشجاع الحية، وقيل، يريد بالشجاع الصفر وهي حية تتخلق في البطن تعض على شراسيف الجائع وهي التي ذكرها أعشى باهلة في قوله:
(ولا يعض على شر سوفه الصفر)
* * *
стр. 718
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٥٢)
(واغتبق الماء القراح فأنتهى ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم)
وهذا البيت لأبي خراش يتصل بقوله- (أرد شجاع البطن) - يقول أغتبق الماء القراح فاكتفي به تكرما وأوثر غيري بقوتي إذا كان المزلج يحب الطعام ولا يؤثر به. والاغتباق: افتعال من الغبوق وهو ما يشرب بالعشى، والمزلج: الضعيف من الرجال. وعيش مزلج إذا كان فيه نقص عن التمام. والقراح من الماء: الخالص الذي لا يشوبه شيء. وهذا مثل قول عروة ابن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
* * *
وانشد في هذا الباب:
(١٥٣)
(الذم يبقى وزاد القوم في حور)
стр. 719
كذا الرواية والصواب والذم لأن صدره:
(واستعجلوا عن ضعيف المضع فازدردوا)
وأنشد ابن الأعرابي قبل هذا الشعر في نوادره ولم يسم قائله وهو:
نبهت زيداً فلم أفزع إلى وكل ... رث السلاح ولا في الحي مكثور
سالت عليه شعاب المجد حين دعا ... أنصاره ووجوه كالدنانير
إن ابن آل ضرار حين أدركها ... زيداً معى لي سعياً غير مكفور
لولا الإله ولولا سعي صاحبها ... تلهو جوها كما نالوا من العير
واستعجلوا من ضعيف المضغ فازدردوا ... والذم يبقى وزاد القوم في حور
* * *
وانشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٥٤)
(كأن راكبها غصن بمروحة ... إذا تدلت به أو شارب ثمل)
قال أبو علي البغدادي: هذا البيت أنشده عمر بن الخطاب ﵁ وقد ركب ناقة مهرية فسارت به سيراً حسناً، فلا يدري أتمثل به أم قاله. والمروحة:
стр. 720
الفلاة التي تخرقها الرياح، فالغصن يكثر فيا التثني والاضطراب، فشبه به راكب الناقة لتبخترها به في مشيها، والتدلي سير في رفق وسكون، يقال: دلوت الناقة أدلوها دلواً. قال الراجز:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا
والقلو: سير سريع.
* * *
وأنشد في باب الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها:
(١٥٥)
(الحافظو عورة الشعيرة لا ... يأتيهم من ورائنا وكف)
البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري في بعض الروايات وقبله:
أبلغ بني حججبي وقومهم ... خطمة أنا وراهم أنف
وأننا دون ما يسومهم ... الأعداء من ضيم خطة نكف
العورة: المكان الذي تخاف منه العدو، والوكف ههنا: العيبن ويروى نطف وهو نحو الوكف. يقول نحن نحفظ عورة عشيرتنا فلا يتيهم من ورائنا شيء يعابون به من يبيع ثغرهم وقلة رعايته. هذا على رواية من روى من ورائنا
стр. 721
ومن روى من ورائهم أخرج الضمير مخرج الغيبة على لفظ الألف واللام، لأن معنى (الحافظ وعورة) نحن الذين يحفظون عورة. كما تقول أنا الذي قام، فيخرج الضمير مخرج الغيبة وإن كانت تعني نفسك، لأن معناه أنا الرجل الذي قام، وقد يقولون أنا الذي قمت. فعلى هذا رواية من روى من ورائنا.
* * *
وأنشد لطرفة:
(١٥٦)
(وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون فقر)
الملاسنة: المفاخرة، وتكون الملاسنة أيضاً أن تعاتب الرجل وتعاتبك. والموهون: الضعيف، يقال: وهنه وأوهنه. والفقر في قول الأصمعي: المكسور الفقار، والذي يشتكي فقاره ويقال فقير بالياء وهو بمعنى مفقور كما يقال قتيل بمعنى مقتول قال لبيد:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
وقال أبو عبيدة: الفقر: البادي العورة الممكن لمن أراده من قولهم قد أفقرك الصيد فارمه أي أمكنك. يقول أبين عن نفسي كما تبين عن نفسها وأعاتبها كما تعاتبني ولست كالضعيف الذي لا يستطيع أن يقيم حجته، ويعرب عن نفسه وينقاد لخصمه، وإنما يمدح نفسه بعلو الهمة وانه ليس من يغلب عليه الهوى.
* * *
стр. 722
وأنشد للحطيئة:
(١٥٧)
(اررغتني وزعمت أنـ ... ـك لابن بالضيف تامر)
هذا الشعر هجا به الحطيئة الزبرقان بن بدر، وزعموا أن الأصمعي كان يصحفه ويرويه (لاتني بالصيف تامر) أي تأمر بإكرامه وإنزاله. ومعنى تنى: تفتقر، من قولك ونى في الأمر يني ونيا وونيا. إذا فتر وتكاسل عنه. ويقال ونى بكسر النون وبعده:
فلقد كذبت وما خشيت ... بأن تدور بك الدوائر
ولحيتني في معشر ... هم ألحقوك بمن تفاخر
يعني بالمعشر بنى قريع بن عوف بن كعب من آل الزبرقان بن بدر، وكان الحطيئة نزل على الزبرقان فلم يحمده واستدعاه القريعيون إلى أنفسهم وتوسعوا له في البر والإكرام فانتقل إليهم وهجا الزبرقان.
* * *
وأنشده ابن قتيبة في باب الأفعال:
(١٥٨)
(هل لشباب فات من مطلب ... أم ما بكاء البدن الأشيب)
هذا البيت للأسود بن يعفر أحد بني حارثة بن سلمى بن جندل ويكنى أبا الجراح، وهو أحد الشعراء العمى، ولذلك قال:
стр. 723
ومن النوائب لا أبالك أنني ... ضربت على أرض بالأسداد
لا أهندى فيها لموضع تلعة ... بين العذيب وبين أرض مراد
يقول: هل يمكن طلب الشباب الغائب واسترجاعه، بل كيف يبكي الرجل شيب شوقاً إلى أحبته وذلك لا يليق به، وهذا قول العجاج.
بكيت والمحتزن البكى ... وإنما يأتي الصبا الصبي
أطربا وأنت قنسري
والقنسري: الشيخ المسن.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٥٩)
(وكنت خلت الشيب والتبدينا ... والهم مما يذهل القرينا)
البيت لحميد بن الأرقط، والتبدين: الكبر، ويذهل، ينسى، والقرين: صاحب. يقول كنت حسبت أن كبر السن وتواتر الهم والحزن مما يذهل عن قرين ويسلى عن الحبيب والحزين، فوجدت حنيني إلى أحبتي في حال الكبر، ثنيني إليهم في حال الصغر.
* * *
стр. 724
أنشد في هذا الباب:
(١٦٠)
(وخافق الراس فوق الرحل قلت له ... زع بالزمام وجوز الليل مركوم)
البيت لذي الرمة، وأراد بقوله وخافق الرأس رجلاً يضطرب رأسه فوق رحله من شدة النعاس؛ وصف نفسه بالجلد في السفر والصبر على مقاسات السهر وأن صاحبه ينام على الرحل ويخرج عن الطريق فيوقظه، ويقول: زع ناقتك بالزمام فقد جارت عن القصد. وجوز الليل: وسطه، ومركوم متراكب الظلام. وبعد هذا البيت:
كأنه بين شرخي رحل ساهمة ... حرف إذا ما استرق الليل مأموم
وشرخا الرحل: قادمته وآخرته، والساهمة: الناقة التي أضعفها السفر، والحرف: الهزيل، والمأموم: الذي شج شجة وصلت إلى أم دماغه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٦١)
إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل)
هذا البيت لذي الرمة أيضاً، وجواب إذا في بيت آخر متصل بهذا، وبه كمال المعنى وهو:
стр. 725
تبسمن عن نور الأقاحي في الثرى ... وفترن من أبصار مضروجة نجل
الأحنة: الحقد، والذحل: طلب الثأر، ويعني بالمضروجة: عيوناً واسعة الشق. يقال ضرجت الثوب: إذا شققته، والنجل: العظام الحدق.
* * *
أنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٦٢)
(ايشهد مثغور على وقد رأى ... سميرة منا في ثناياه مشهدا)
البيت: لجرير بن الخطفي، ويروى سميرة على لفظ التكبير وسميرة على لفظ التصغير. ووقع في كتاب النقائض لأبي عبيدة معمر بن المثنى:
أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... نميلة منا في ثناياه شهدا
ومثغور هذا هو عبيد بن غاضرة السلمى، وسمى مثغوراً لأن ثنيتيه انتزعتا في قود كان عليه، وكان المثولي لذلك من بني رياح، ولذلك قال جرير بعد هذا البيت:
متى ألق مثغوراً على سوء ثغره ... أضع فوق ما أبقى الرياحي مبردا
стр. 726
وإنما قال جرير هذا لأن عبيد بن عاضرة كان قد سئل عن الفرزدق وجريراً أيهما أشعر فقضى للفرزدق بالتقدم، فقال: كيف تقبل شهادته علينا وقد وترناه بنزع ثنيتيه وليس من العدل أن تقبل شهادة الموتور على من وتره. ومن روى مشهداً جعله مصدراً بمعنى الشهادة، لحقت الميم أوله كما تلحق المصادر دلالة على أنها مفعولات. ومن روى شهدا، أراد أفعالاً شهدا وأموراً شهدا ونحو ذلك من التقدير.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٦٣)
(أدين وما ديني عليكم بمغرم ... ولكن على الشم الجلاد القراوح)
هذا البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، وزاد أبو حنيفة بعد هذا البيت:
على كل خوار كأن جذوعها ... طلين بقار أو بحمأة ماتح
وصف أن قومه لاموه على التعين والأخذ بالدين من الناس، فقال: لست أعول في قضاء ديني على أن تؤدوه عني من أموالكم فيشق عليكم ذلك، وإنما أعول في قضائه على غلة نخلي، والشم من النخل: الطوال، والجلاد: القوية الصابرة على الجدب، والقراوح: القليلة السعف. وقد توهم قوم أنه يصف إبلاً، وذلك غلط، والبيت الذي أنشدناه بعده، يدل على أنه يصف نخلاً ووصف
стр. 727
جذوعها بالسواد لأن ذلك إنما يكون عن عتقها وكثرة دبسها، وعلى الأولى في موضع نصب على الحال من المغرم، وهي صفة نكرة تقدمت عليها، لأن التقدير بمغرم عليكم. فكان الجار والمجرور في موضع خفض على الصفة لمغرم، فلما قدمه صار في موضع نصب على الحال. وعلى الثانية في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر كأنه قال: ولكن ديني على الشم. وقد ذكرنا فيما تقدم أن كل حرف وقع موقع صفة أو حال أو خبر فإنه يتعلق بالمحذوف الذي ناب منابه. والباء في قوله بمغرم لا تتعلق بشيء لأنها زائدة مؤكدة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٦٤)
(أدان وأنبأه الأولو ... ن بأن المدان مليء وفي)
هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي، والضمير في قوله أدان يعود على كاتب ذكره قبل هذا البيت في قوله:
عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزيره الكاتب الحميري
ومعنى أدان: باع بدين. ويعني بالأولين: من سبقه إلى معاملة الذي داينه. شبه رسوم الدار بكتاب كتبه كاتب حميري عامل رجلا وأخبره من سبق
стр. 728
إلى معاملته بأنه مليء الذمة، وفي بما عليه، فعقد عليه عقداً، وتغافل عن طلبه بما فيه حتى درس كتابه. وخص الكاتب الحميري لأن أصل الخط العربي لحمير، ومن عندهم انتشر في سائر العرب، وكانلهم خط يسمى المسند فولد منه خط آخر سمي الجزم، لأنه جزم منه: أي قطع، وهو الخط الذي بأيدي الناس اليوم.
وبعد هذا البيت:
فنمنم في صحف كالريا ... ط فيهن إرث كتاب محي
وهذا عند أصحاب المعاني من أحسن التشبيه وأبلغه، لأنه شبه رسوم الدار بكتاب كتب في صحف كان فيها كتاب قديم فبشر وبقيت منه آثار. وإنما قال ذلك لأنه أراد أن رسوم الديار منها ما تقادم عهده، ومنها ما هو حديث العهد، فشبه الرسوم القديمة بما بقي من الخط القديم، وشبه الرسوم الحديثة بالخط الحديث.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٦٥)
(وأعدني بالسجن والأداهم)
هذا الرجز لا أعلم لمن هو وبعده:
(رجلي، ورجلي شئنة المناسم)
стр. 729
يقول هددني بالسجن والأداهم وهي الكبول، ولم يعلم بأن رجلي شئنة، تبالي بذلك ولا تكثرت له، وهو نحو من قول جعفر بن علبة الحارثي:
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدهم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
والشئنة: الغليظة الخشنة، والمناسم: جمع منسم وهو طرف خف البعير استعاره للإنسان. وحسن ذلك ههنا لما ذكره من جلده وقوته، وبذلك يصفون أنفسهم، ألا ترى إلى القول الآخر:
أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك
وقوله رجل بدل من الضمير في قوله أوعدني، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً حذف منه حرف الجر اختصاراً كأنه أراد لرجل، وأتى بالرجل الثانية مظهرة غير مضمرة تعظيماً لأمرها وإشادة بذكرها، ولأنها وقعت في جملة ثانية، وقد قدم من قولنا إنه إنما يقبح إظهار المضمر إذا كان في جملة واحدة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٦٦)
(وقد ألاح سهيل بعدما هجعوا ... كأنه ضرم بالكف مقبوس)
стр. 730
هذا البيت للمتلمس واسمه جرير بن عبد المسيح الضبعي، قال ابن قتيبة: ويقال إنه جرير بن عبد العزى وسمى المتلمس بقوله:
فهذا أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
والضرم: الشعلة من النار، ويقال قيست النار إذا أخذتها، وأقبستها: إذا أعطيتها، وقبل هذا البيت:
حنت قلوصي بها والليل معتكر ... بعد الهدوء وشاقتها النواقيس
معقولة ينظر الإشراق راكبها ... كأنه طرب للرمل مسلوس
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٦٧)
(فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنابطن حقف ذي ركام عقنقل)
هذا البيت مشهور لامرئ القيس بن حجر ومعنى أجزنا: قطعنا وخلفنا، وساحة الحي: فناؤه، وانتحى: اعترض. والحقف: الكثيب من الرمل يعوج وينثنين وبطنه: ما انخفض وغمض، وركامه: ما تراكم منه بعضه فوق بعض، والعقنقل: ما تعقد ودخل بعضه في بعض. وفي جواب لما أربعة أقوال؛ فمذهب الكوفيين أن انتحى هو جوابها، وأن الواو زائدة، وكذلك قالوا في قوله تعالى: (إذا جاءوها وفتحت أبوابها) ومذهب أكثر البصريين أن الجواب
стр. 731
محذوف تقديره عندهم فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن الحقف نلت أملي منها ونحو ذلك، وكذلك الآية تقديرها عندهم حتى إذا جآوها وفتحت أبوابها صادفوا ما وعدوا به. واحتجوا بأن الجواب قد جاء محذوفاً في مواضع لا يمكن المخالف إنكارها ولا أن يتأول فيها وجهاً غير الحذف كقوله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ولم يقل لكان هذا القرآن وكذلك قول الراجز:
لو قد حداهن أبو الجودي ... برجز مسحنفر الروى
مستويات كنوى البرني
أراد لأسرعن مستويات.
والواو في قوله وانتحى على قول الكوفيين زائدة، وعلى قول البصريين واو العطف، ولا موضع لقوله: وانتحى بحسب الرأيين جميعاً.
وكان بعض النحويين فيما حكى أبو إسحاق الزجاج يذهب في ما كان من هذا النوع مذهباً يخالف فيه البصريين والكوفيين، فكان يقول تقدير الآية (حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوها. وكذلك بيت امريء القيس على رأيه، تقديره فلما أجزنا ساحة الحي أجزناها وانتحى، فالجواب على رأيه محذوف، والواو واو الحال، وفي الكلام (قد) مضمرة لتقرب الماضي من الحال كالتي في قوله (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) فالمعنى على قوله جاؤوها وقد فتحت أبوابها وأحزناها قد
стр. 732
انتحى، وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه روى بعد هذا البيت
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشج ريا المخلخل
فالجواب هصرت على روايته، والعامل في (لما) فيه ثلاثة أقوال؛ أما على قول الكوفيين فالعامل فيها انتحى، وأما على رأي البصريين فالعامل فيها الجواب المحذوف، وأما على رأي أبي عبيدة فالعامل فيها هصرت. ولا يجوز أن يكون العامل فيها أجزنا لأن لما مضافة إليه، ولا يعمل المضاف إليه في المضاف، وكذلك لا يصح أن يعمل فيها انتحى على مذهب البصريين لأن انتحى عندهم معطوف على أجزنا، وداخل فيما أضيفت إليه لما، وكذلك على رأي من حكى عنه أبو إسحاق، لأن الجواب المقدر عنده هو العامل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٦٨)
(فما برحوا حتى رأى الله صبرهم ... وحتى أشرت بالأكف المصاحف)
هذا البيت للحصين بن الحمام المزي قاله في حرب صفين، وذلك أن معاوية لما رأى أمر علي ﵁ يقوى وأمره يضعفن شاور عمرو بن العاص وقال له: ما ترى؟ فقال له مر الناس برفع المصاحف، فأمر بخمسمائة مصحف فرفعت، فلما رأى أصحاب عليّ ذلك كفوا عن القتال، فقال لهم علي: إن هذه خديعة. فسألوهم ما شأن هذه المصاحف، فقال معاوية: نجعل القرآن حكماً
стр. 733
بيننا ونثوب إلى السلم، فكان ذلك سبب تحكيم الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وخروج الخوارج على علي ﵁ وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
وأيام صفين لو جئتنا ... رأيت المنية جونا شميطا
فعاذ الجزوع برفع الكتاب ... ونادى إلى السلم حكما وسيطا
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٦٩)
(نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري)
البيت للمسيب بن علس الخُماعي فيما ذكر الأصمعي، وكان أبو عبيدة يروى هذا الشعر لأعشى بكر؛ وكذلك قال ابن دري وصف غائصاً غاض على درة فانتصف النهار وهو في الماء لم يخرج ورفيقه لا يدري أهو حي أم ميت؟ وقوله: الماء غامره جملة في موضع نصب على الحال، وكذلك الجملة التي بعدها، وكان ينبغي أن يقول والماء غامره، فيأتي بواو الحال، ولكنه اكتفى بالضمير منها، ولو لم يكن في الجملتين ضمير عائد إلى صاحب الحال، لم يجز حذف الواو، فأما صاحب هاتين الحالين فليس بمذكور في البيت ولكنه مذكور في البيت الذي قبله:
كجمانة البحري جاء بها ... غواصها من لجة البحر
* * *
стр. 734
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٧٠)
(لها أمر حزم لا يفرق مجمع)
هذا البيت لأبي الحسحاس الأسدي وصدره:
(يُهل ويسعى بالمصابيح وسطها)
وبعده:
نمدهم:
نمدهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما ضاق أمر يوسع
يصف إبلاً، والإهلال: رفع الصوت. يقول يدعو بعضنا بعضاً: هاتوا ما عندكم من القِرى وعجلوا به، والمصابيح ههنا: الآنية التي يصبح بها، أي يسقى بها الصبوح. وقوله (لها أمر حزم لا يفرق مجمع) يقول أصحاب هذه الإبل آخذون في أمرها بالحزم لا تختلف كلمتهم ولا يخذل بعضهم بعضاً، وقوله: نمدهم بالماء: يقول: إذا أكثر علينا الأضياف وقل اللبن شبناه بالماء، وليس ذلك من هوان الضيفان علينا. ولكن لقلة اللبن عندنا، وكذلك يفعلون بالمرق، ولذلك قال الشاعر:
وسع بمدك ماء اللحم تقسمه ... وأكثر الشرب إن لم يكثر اللبن
стр. 735
وأنشد في باب ما لا يهمز والعوام تهمزه:
(١٧١)
(إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب)
هذا البيت لزرارة بن سبيع الأسدي فيما ذكر يعقوب، وذكر الجاحظ أنه لخالد بن فضلة الجحواني من بني أسد، والعدى: الغرباء، والعدى أيضاً الأعداء، والأكل والعلف ههنا مثلان مضروبان للموافقة وترك المخالفة. وكان هذا الشاعر قد راغم قومه وعتب عليهم ثم جاور غيرهم فلم يحمد جوارهم، وندم على مفارقة قومه ولذلك قال قبل هذا البيت:
لعمري لقوم المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب
من الجانب الأقصى، وإن كان ذاغني ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب
تبدلت من دودان نصرا وأرضها ... فما ظفرت كفى ولا طاب مشربي
стр. 736
وقوله لست منهم جملة في موضع خفض على الصفة، ولو صيرتها صفة لفظية غير معنوية لزمك أن تقول: غير كائن منهم، أنت، لأن ليس فعل غير منصرف فلم يمكنك اشتقاق صفة منه، فأتيت بشيء هو في معناه، ولزمك أن تظهر الضمير لجريان الصفة على غير من هي له، و (في) متعلقة بمحذوف لوقوعها موقع خبر كان، والوجه في (ما) أن تكون بمعنى الذي، وقد يمكن أن تكون التي توصل بالفعل فتنوب مناب المصدر في نحو قولك أعجبني ما فعلت، أي فعلك، فكأنه قال: فكل علفك. ويجب على هذا أن يكون العلف بمعنى المعلوف؛ لأن نفس المصدر لا يعلف، فيكون كقولهم درهم ضرب الأمير؛ أي مضروب. والفرق بين ما المصدرية وما التي بمعنى الذي وإن كانت كل واحدة منهما موصولة أن التي بمعنى الذي يعود عليها من صلتها عائد، والمصدرية لا يعود عليها من صلتها. عائد؛ لأنها حرف بمنزلة أن الموصولة. والوجه أن تكون ههنا بمعنى الذي. وأما (من) فإنها التي تأتي للتنويع والتفصيل في نحو قولهم جاءني القوم من فارس وراجل و (من) هذه و (بين) يتعاقبان على المعنى الواحد، ألا ترى أنهم يقولون جاءني القوم بين فارس راجل فتؤدي ذلك المعنى بعينه. وكذلك لو قال فكل ما علفت بين خبيث وطيب لأدى ذلك المعنى بعينه. و (من) هذه تتعلق بمحذوف، ويدلك على ذلك أنك تجدها تنوب مناب الأخبار في نحو قولهم: القوم من ضاحك وباك وقول ذي الرمة:
والعيس من واسج أو عاسج خببا ... ينحزن من جانبيها وهي تنسلب
стр. 737
وقوله: فكل ما عُلفت كان القياس أن يقول فكل ما تعلف لأن الأمر إنما يكون بالمستقبل، غير أن العرب تستعمل ههنا الماضي فيقولون: خذ ما أعطيت، واشكر الله على ما وهب لك، ومنه قول الراجز:
وإنما نأخذ ما أعطينا
فيجوز أنا يكون هذا مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل حين فهم المعنى كقول الحطيئة:
شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
وقول آخر:
فإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من المس واستيجاب ما كان في الغد
ويجوز أن يكون معناه خذ ما قُدر لك أن تعطاه، وكل ما قدر لك أن تعلفه؛ فالعلف والإعطاء وإن كانا مستقبلين فالقدر قد سبق بوقوعهما في الوقت الذي يقعان فيه، ويدلك على صحة اعتقادهم لهذا المعنى، أنهم قد صرحوا به فقالوا خذ ما قسم الله لك. وقال الشاعر:
وإن جاء ما لا تستطيعان دفعه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
* * *
стр. 738
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(١٧٣)
(لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ... ما أبصر الناس طعماً فيهم نجعا)
هذا البيت لأعشى بكر قاله في بني تميم، وكانوا أخذوا لطيمة كسرى بنطاع، وهو واد باليمامة، فأغزاهم كسرى جيوشه فقتلت وسبت، فرغب هوذة بن علي الحنفي إلى المكعبر عامل كسرى في مائة منهم فوهبهم له، وكان ذلك في وقت صوم النصارى فحبسهم عنده يطعمهم الجذائذ في الجفان والتمر، فلما جاء الفصح كسا كل رجل منهم ثوبين وخلى سبيله، فلذل قال الأعشى قبل هذا البيت:
سائل تميماً به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا
وسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثم ممتنعاً
وقوله لو أطعموا المن والسلوى، يقول لو أطعموا المن والسلوى اللذين هما اجل من الجذائذ والتمر لم ينجع فيهم لما كانوا فيه من الأسر وخوف القتل:
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(١٧٤)
(يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... وطلابنا فابرق بأرضك وارعد)
стр. 739
هذا البيت يروى لابن أحمر، ويروى للمتلمس، ومعناه في أحد الشعرين مخالف لمعناه في الشعر الآخر، وقبله في شعر ابن أحمر:
أزرى بوصل الحارثية أنها ... تنأى ويحدث بعض ما لم نعهد
قالت لنا يوماً ببطن سيوحه ... في موكب زجل الهواجر مبرد
قال الأصمعي: يقول إذا أبيت أن تأتينا في بلادنا فاذهب إلى أرضك وافعل بها ما بدالك أن تفعل. وسيوحة: واد بناحية اليمن، والزجل المختلط الأصوات.
وأما الذي في شعر المتلمس فنه يخاطب به عمرو بن هند حين فر منه. ووقع في بعض ألفاظه خلاف ما وقع في شعر بن أحمر، ولفظه على ما رواه الأصمعي:
فإذا حللت ودون بيتي غاوة ... فابرق بأرضك ما بدالك وارعد
وغاوة: قرية في أوائل بلاد الشام، وقوله يا جل ما بعدت: أراد يا هذا جل ما بعدت، كحذف المنادى، ويجوز أن يكون "يا" استفتاح كلام، فلا يكون في البيت حذف. وعلى هذا أنشد الأصمعي قول الراجز:
يا لعنة الله على أهل الرقم ... أهل الوقير والحمير والحزم
برفع اللعنة، أراد يا هؤلاء لعنة الله. وما مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: جل بعد بلادنا. والأشبه بهذا البيت أن يكون للمتلمس لأنه يليق بما قبله وما بعده من الشعر.
وأما شعر بن أحمر فلا مدخل له فيه، ولكن الرواة يفسدون الأشعار ويروون كثيراً من الأبيات في غير مواضعها، وسنذكر شيئاً من ذلك.
* * *
стр. 740
وأنشد في باب ما يشدد والعوام تخففه:
(١٧٥)
(كأن لنا وهو فلو نرببه)
هذا البيت لدكين بن رجاء الفقيمي، بوعده:
مجعثن الخلق يطير زغبه ... كان غرمتنه إذ نجنبه
من بعد يوم كامل نؤوبه ... سير صناع في خريز تكلبه
قال أبو علي البغدادي: وكان ابن دريد ينشد نرببه فيجمع لغة من يقول رببته أربه فيكسر الباء، ولغة من يكسر زوائد الفعل المستقبل. والمجعثن: المجتمع الشديد. والمتن الظهر وغره: طريقته، ونجنبه: نقوده، والصناع: المرأة الحاذقة بالعمل، والخريز المخروز: قال يعقوب: يقول طريقة متنه تبرق كأنها سير في خرزن وقال غيره: الغر: تكسر الجلد وتثنيه، والكلب أن يبقى السير في القرية وهي تخرز فتدخل الخارزة يدها وتجعل عقبة أو شعرة مثنية فتدخل السير في ذلك الشراك المثني ثم تخرق خرقاً بالأشفى وتخرج رأس الشعرة منه وتجذبه فيخرج السير.
* * *
وأنشد في هذا الباب لعلقمة:
(١٧٦)
(يحملن أترجة نضخ العبير بها)
следующие страницы →