← Адаб

Адаб · id 17681

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (952 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقوله لست منهم جملة في موضع خفض على الصفة، ولو صيرتها صفة لفظية غير معنوية لزمك أن تقول: غير كائن منهم، أنت، لأن ليس فعل غير منصرف فلم يمكنك اشتقاق صفة منه، فأتيت بشيء هو في معناه، ولزمك أن تظهر الضمير لجريان الصفة على غير من هي له، و (في) متعلقة بمحذوف لوقوعها موقع خبر كان، والوجه في (ما) أن تكون بمعنى الذي، وقد يمكن أن تكون التي توصل بالفعل فتنوب مناب المصدر في نحو قولك أعجبني ما فعلت، أي فعلك، فكأنه قال: فكل علفك. ويجب على هذا أن يكون العلف بمعنى المعلوف؛ لأن نفس المصدر لا يعلف، فيكون كقولهم درهم ضرب الأمير؛ أي مضروب. والفرق بين ما المصدرية وما التي بمعنى الذي وإن كانت كل واحدة منهما موصولة أن التي بمعنى الذي يعود عليها من صلتها عائد، والمصدرية لا يعود عليها من صلتها. عائد؛ لأنها حرف بمنزلة أن الموصولة. والوجه أن تكون ههنا بمعنى الذي. وأما (من) فإنها التي تأتي للتنويع والتفصيل في نحو قولهم جاءني القوم من فارس وراجل و (من) هذه و (بين) يتعاقبان على المعنى الواحد، ألا ترى أنهم يقولون جاءني القوم بين فارس راجل فتؤدي ذلك المعنى بعينه. وكذلك لو قال فكل ما علفت بين خبيث وطيب لأدى ذلك المعنى بعينه. و (من) هذه تتعلق بمحذوف، ويدلك على ذلك أنك تجدها تنوب مناب الأخبار في نحو قولهم: القوم من ضاحك وباك وقول ذي الرمة: والعيس من واسج أو عاسج خببا ... ينحزن من جانبيها وهي تنسلب

стр. 737

وقوله: فكل ما عُلفت كان القياس أن يقول فكل ما تعلف لأن الأمر إنما يكون بالمستقبل، غير أن العرب تستعمل ههنا الماضي فيقولون: خذ ما أعطيت، واشكر الله على ما وهب لك، ومنه قول الراجز: وإنما نأخذ ما أعطينا فيجوز أنا يكون هذا مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل حين فهم المعنى كقول الحطيئة: شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر وقول آخر: فإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من المس واستيجاب ما كان في الغد ويجوز أن يكون معناه خذ ما قُدر لك أن تعطاه، وكل ما قدر لك أن تعلفه؛ فالعلف والإعطاء وإن كانا مستقبلين فالقدر قد سبق بوقوعهما في الوقت الذي يقعان فيه، ويدلك على صحة اعتقادهم لهذا المعنى، أنهم قد صرحوا به فقالوا خذ ما قسم الله لك. وقال الشاعر: وإن جاء ما لا تستطيعان دفعه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا * * *

стр. 738

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (١٧٣) (لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ... ما أبصر الناس طعماً فيهم نجعا) هذا البيت لأعشى بكر قاله في بني تميم، وكانوا أخذوا لطيمة كسرى بنطاع، وهو واد باليمامة، فأغزاهم كسرى جيوشه فقتلت وسبت، فرغب هوذة بن علي الحنفي إلى المكعبر عامل كسرى في مائة منهم فوهبهم له، وكان ذلك في وقت صوم النصارى فحبسهم عنده يطعمهم الجذائذ في الجفان والتمر، فلما جاء الفصح كسا كل رجل منهم ثوبين وخلى سبيله، فلذل قال الأعشى قبل هذا البيت: سائل تميماً به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا وسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثم ممتنعاً وقوله لو أطعموا المن والسلوى، يقول لو أطعموا المن والسلوى اللذين هما اجل من الجذائذ والتمر لم ينجع فيهم لما كانوا فيه من الأسر وخوف القتل: * * * وأنشد في هذا الباب: (١٧٤) (يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... وطلابنا فابرق بأرضك وارعد)

стр. 739

هذا البيت يروى لابن أحمر، ويروى للمتلمس، ومعناه في أحد الشعرين مخالف لمعناه في الشعر الآخر، وقبله في شعر ابن أحمر: أزرى بوصل الحارثية أنها ... تنأى ويحدث بعض ما لم نعهد قالت لنا يوماً ببطن سيوحه ... في موكب زجل الهواجر مبرد قال الأصمعي: يقول إذا أبيت أن تأتينا في بلادنا فاذهب إلى أرضك وافعل بها ما بدالك أن تفعل. وسيوحة: واد بناحية اليمن، والزجل المختلط الأصوات. وأما الذي في شعر المتلمس فنه يخاطب به عمرو بن هند حين فر منه. ووقع في بعض ألفاظه خلاف ما وقع في شعر بن أحمر، ولفظه على ما رواه الأصمعي: فإذا حللت ودون بيتي غاوة ... فابرق بأرضك ما بدالك وارعد وغاوة: قرية في أوائل بلاد الشام، وقوله يا جل ما بعدت: أراد يا هذا جل ما بعدت، كحذف المنادى، ويجوز أن يكون "يا" استفتاح كلام، فلا يكون في البيت حذف. وعلى هذا أنشد الأصمعي قول الراجز: يا لعنة الله على أهل الرقم ... أهل الوقير والحمير والحزم برفع اللعنة، أراد يا هؤلاء لعنة الله. وما مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: جل بعد بلادنا. والأشبه بهذا البيت أن يكون للمتلمس لأنه يليق بما قبله وما بعده من الشعر. وأما شعر بن أحمر فلا مدخل له فيه، ولكن الرواة يفسدون الأشعار ويروون كثيراً من الأبيات في غير مواضعها، وسنذكر شيئاً من ذلك. * * *

стр. 740

وأنشد في باب ما يشدد والعوام تخففه: (١٧٥) (كأن لنا وهو فلو نرببه) هذا البيت لدكين بن رجاء الفقيمي، بوعده: مجعثن الخلق يطير زغبه ... كان غرمتنه إذ نجنبه من بعد يوم كامل نؤوبه ... سير صناع في خريز تكلبه قال أبو علي البغدادي: وكان ابن دريد ينشد نرببه فيجمع لغة من يقول رببته أربه فيكسر الباء، ولغة من يكسر زوائد الفعل المستقبل. والمجعثن: المجتمع الشديد. والمتن الظهر وغره: طريقته، ونجنبه: نقوده، والصناع: المرأة الحاذقة بالعمل، والخريز المخروز: قال يعقوب: يقول طريقة متنه تبرق كأنها سير في خرزن وقال غيره: الغر: تكسر الجلد وتثنيه، والكلب أن يبقى السير في القرية وهي تخرز فتدخل الخارزة يدها وتجعل عقبة أو شعرة مثنية فتدخل السير في ذلك الشراك المثني ثم تخرق خرقاً بالأشفى وتخرج رأس الشعرة منه وتجذبه فيخرج السير. * * * وأنشد في هذا الباب لعلقمة: (١٧٦) (يحملن أترجة نضخ العبير بها)

стр. 741

وتمامه: (كأن تطيابها في الأنف مشموم) الأترجة هنا: كناية عن امرأة شبهها في طيب رائحتها وما في لونها من الصفرةن وكانت العرب تكره بياض اللون المفرط، ولذلك كانوا يعيبون قول الأعشى: ومن كل بيضاء رعبوبة ... لها بشر ناصع كاللبن وكانوا يستحسنون قول ذي الرمة: صفراء في نعج، بيضاء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب وكان النساء يضمخن أجسامهن بالطيب، ولذلك قال الشاعر: وألين من مس الرخامات يلتقي ... بمارنه الجازي والعنبر الورد واختلف في قول الأعشى: بيضاء غدوتها وصفـ ... ـراء العشية كالعرارة فقال قوم: أراد أنها تتردع بالطيب، وقال آخرون: كانت العرب تقول إن المرأة إذا رقت بشرتها وصفت ابيضت، بابيضاض الشمس واصفرارها.

стр. 742

وهذا القول أشبه بالبيت. ولو أراد الطيب لم يكن لتخصيصه العشية معنى وقوله: (كأن تطيابها في الأنف مشموم) فيه قولان: أحدهما أن المشموم ههنا المسك، والآخر أنه وصف شدة تخيله لها وتذكره حتى كأن طيبها في أنفه وإن كانت قد فارقته، وهذا نحو قول الآخر: فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها ... وإلا وجدت ريحها من ثيابيا وهذا المعنى أراد أبو الطيب المتنبي بقوله: ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كان اليأس من وصلك الوعد وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الند وقال عبد بني الحسحاس: فما زال ثوبي طيباً من نسيمها ... إلى الحول حتى أصبح البرد باليا * * * وأنشد في هذا الباب: (١٧٧) (يا لك من قبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري) وبعده: (ونقري ما شئت أن تنقري)

стр. 743

معمر: موضع بعينه، وقيل: هو الموضع العامر المخصب، والتنقير: البحث والطلب. وقيل التنقير: تسوية الطائر لعشه. وهذا الرجز يروى لطرفة بن العبد وكان سافر مع عمه وهو صغير فنزل عمه في بعض مناقله فتصب طرفة فخا كان عندهن فجاءت قبرة لتلتقط ما فيه فجعلت تستدير حول الفخ ولا تقرب منه، فلما حان رحيل عمه تزغ فخه وركب، ثم التفت فرأى القبرة تلتقط الحب الذي كان وضعه في الفخ فقال هذا الرجز. وقد روى أن هذا الرجز لكليب وائل وذلك أن كليباً كان قد حمى مرعى لا ترعى فيه إلا إبله وإبل جساس بن مرة فخرج يطوف في حماه يوماً فإذا هو بحمرة على بيض لها فلما نظرت إليه صرصرت وخففت بجناحها فقال كليب آمن روعك أنت وبيضك في ذمتي. وقال: - (يا لك من حمرة بمعمر) الرجز. ثم خرج بعد ذلك يطوف في الحمى فإذا هو بأثر بعير لا يعرفه قد وطيء البيض فشدخها فاشتد ذلك عليه، وقال: وأنصاب وائل ما اجترأ على ذمتي جمل من إبل وائل. وانصرف والغضب قد عرف في وجهه، وكان رجل من جرم يقال له سعد قد نزل على البسوس جارة خاله جساس وكانت له ناقة يقال لها سراب فكانت ترعى في الحمى مع إبل جساس، فخرج كليب مع جساس يطوفان في الحمى، فنظر كليب على الناقة فن أنها كسرت البيض، فقال: لا تعد هذه الناقة إلى الحمى بعد يومها هذا. فقال جساس: والله لتعودن ولا وضعت إبل رؤوسها في موضع إلا وضعت هذه الناقة رأسها فيه. فقال: كليب: لقد تقدمت رجلك على سيسائك يا جساس، وأنصاب وائل، لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها. فقال جساس: وأنصاب وائل لئن وضعت

стр. 744

سهمك في ضرعها لأضعن سناني في صلبك. فلما كان بعد ذلك وجدها كليب في الحمى فرماها بسهم في ضرعها فكان ذلك سبباً لقتل جساس إياء، والخبر طويل، وفي ذلك يقول كليب: سيعلم آل مرة حيث كانوا ... بأن حماى ليس بمستباح وان لقوح جدارهم ستغدو ... على الأبيات غدوة لا رواح إذا عطيت سراب بفرسنيها ... تبينت المراض من الصحاح * * * وانشد ابن قتيبة في هذا الباب: (١٧٨) (أفلح من كانت له قوصره ... يأكل منها كل يوم مره) يروى هذا الرجز لعلي بن أبي طالب ﵁، والقوصرة: جلة يجعل فيها التمر وهي هاهنا كناية عن المرأة، ومثله: أفلح من كانت له ترغامه ... ورسة يدخل فيها هامه والرسة القلنسوة عن المطرز ومثله أفلح من كانت له كرد يده ... يأكل منها ثم يثني جيده ومثله: أفلح من كانت له مزخه ... يزخها ثم ينام الفخه

стр. 745

والزخ: النكاح، يقال: زخ المرأة يزخها زخا، والفخة: نوم يسع فيه للنائم فخيخ أي صوت. * * * وأنشد في هذا الباب: (١٧٩) (كالخص إذ جلله الباري) البيت للعجاج، يصف ناس ثور وحشي، فشبهه بخص قد جلل بباري، والخص: بيت من خشب كالسقيفة والباري: الحصير وقبله: ومكنس ينتابه قيظي ... فهو إذا ما اجتافه جوفي اجتافه: دخل في جوفه، وجوفي: عظيم الجوف. * * * وأنشد في باب ما جاء مخففاً والعامة تشدده: (١٨٠) (ومن تعاجيب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحي وغربيب)

стр. 746

التعاجيب: الأعاجيب، غير أن الأعاجيب جمع أعجوبة، والتعاجيب لا واحد لها، وغاطية: كرمة تغطي الأرض، كذا قال أبو حنيفة. وقيل هي: الدالية، وروى المفضل عاطية بالعين غير معجمة وقال: هي بمعنى معطية كأنها تعطي العنب فجاء على حذف الزيادة كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل وهذا أحد ما نسب فيه إلى التصحيف. والملاحي: العنب الأبيض، والغربيب: الأسود. * * * وأنشد في باب ما جاء محركاً والعامة تسكنه: (١٨١) (قد وكلتني طلتي بالسمسرة ... وأيقظتني لطلوع الزهره) قد ذكرنا هذا الرجز فيما تكلمنا عليه من أغلاط هذا الكتاب، وذكرنا ما حكاه أبو حاتم من السبب الذي قيل فيه هذا الرجز والصواب (صبحتني). * * * وأنشد في هذا الباب: (١٨٢) (والفارسية فيهم غير منكرة ... فكلهم لابيه ضيزن سلف) ذكر ابن قتيبة أن هذا البيت لأوس ولم أجده في شعر أوس بن حجر، ولعله لأوس بن غلفاء التميمي، وفي رواية أخرى غير رواية أبي حاتم والضيزن الشريك في المرأة، وقال ابن الأعرابي: ليس في النساء سلفة إنما اسلفان الرجلان. وأجاز الخليل أن يقال للمرأة سلفة. والفرس ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فأراد أوس

стр. 747

أن هؤلاء المهجوين يدينون بدينهم ويقتدون بأفعالهم فيشاركون آباءهم في أزواجهم. * * * وأنشد في هذا الباب: (١٨٣) (كروايا الطبع همت بالوحل) البيت للبيد بن ربيعة العامري وصدره: فتولوا فاتراً مشيهم يصف قوماً خاصمهم بين يدي النعمان بن المنذر فغلبهم فانصرفوا مغلوبين يقاربون الخطو لما أصابهم من اللة فشبههم لذل بالروايا التي همت بالوحل والروايا: الإبل التي يحمل عليها الماء والطبع ههنا النهر كذا قال يعقوب وقال ابن قتيبة: الطبع التي قد ملئت وطبعت وكان يجب على تفسيره أن يقول كالروايا الطبع لأن الظاهر من قوله أنه جعل الروايا ههنا المزاد التي يحمل فهيا الماء، فهو على هذا من باب قولهم صلاة الأولى، ومسجد الجامع. وحب الحصيد. ولا وجه لهذا لأن التشبيه إنما هو بالإبل لا بالمزاد. والوجه فيه أن يكون أراد بالروايا الإبل، وبالطبع المزاد المطبوعة، التي قد ملئت، فيكون الطبع صفة لموصوف محذوف، كأنه قال: كراويا المزاد الطبع. والكوفيون يجيزون في مثل هذا إضافة الموصوف إلى صفته، وذلك عندنا خطأ.

стр. 748

وقيل هذا البيت: ولدى النعمان منى مشهد ... بين فاثور أفاق فالدحل إذ دعتني عامر أنصرها ... والتقى الألسن كالنبل الدول فرميت القوم رشقاً صائباً ... ليس بالعصل ولا بالمفتعل فاثور أفاق والدحل: موضعان. والرشق (بكسر الراء) أن ترمي سهام كثيرة دفعة. والرشق (بفتح الراء): المصدر. والعصل: المعوجة. والمفتعل: الكذب، ويروى: المقتعل بالقاف، وهو السهم الذي لم يبر بريا جيداً. وقوله همت بالوحل جملة في موضع الحال عند البصريين، والعامل في هذه الحال ما في الكاف من معنى التشبيه، وهي صلة للطبع على مذهب الكوفيين كما قالوا في بيت الهذلي: لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل وقد ذكرناه في موضع آخر. وأما الكاف فتحتمل أمرين أحدهما: أن تكون في موضع الحال أيضاً من الضمير في تولوا، كأنه قال: مشبهين روايا الطبع. والثاني: أن تكون صفة لمصدر محذوف. كأنه قال فاترا مشيهم فتورا كفتور مشي روايا الطبع، والوجه الأول أجود لأن في هذا الوجه الثاني حذفاً كثيراً فكان بعيداً لذلك. * * * وأنشد في باب ما جاء بالصاد، صدر بيت الأعشى بكر، والبيت بكماله: (١٨٤) (ترتعي اسفح فالكثيب فذاقا ... ر فروض القطا فذات الرئال)

стр. 749

وقبله: لات هنا ذكرى جبيرة أو من ... جاء منها بطائف الأهوال حل أهلي بطن الغميس فبادوا ... لي وحلت علوية بالسخال قوله (لات هنا ذكرى جبيرة) يقول: ليس حين ذكرها فأيش منها. هذا قول الأصمعي. وقال أبو عبيدة: معناه اتنس ذكرها. والغميس، وبادولي، والسخال: مواضع وكذلك ذو قار. وروض القطا: روض تألفه القطا، وذات الرئال: أرض تألفها النعام، والرئال: فراخها. وقوله ترتعي السفح: أراد ترتعي إبلها السفح فنسب الرعي إليها مجازاً. ويجوز أن يريد ترتعي إبلها السفح، فيكون من قولهم ارتعي: بمعنى رعى كما تقول: كسب واكتسب. * * * وأنشد في باب ما جاء مكسوراً والعامة تفتحه: (١٨٥) (قد أطعمتني دقلا حوليا ... مدوداً مسوساً حجرياً) وبعده: (قد كنت تفرين به الفريا)

стр. 750

هذا الرجز لا أعلم قائله. والدقل: نوع من التمر رديء. وحجري: منسوب إلى حجر، وهي قصبة اليمامة. وقوله (قد كنت تفرين به الفريا) أي قد كنت تكثرين فيه القول، وتعظمين أمره، يقال: جاء فلان يفري الفرى: إذا جاء بالعجب فيما يفعله. وأصله في الخرز، يقال. فرى دلوه يفريها: إذا خرزها، فهي مفرية وفرى، قال امرؤ القيس: (فريان لما تسلقا بدهان) فمعنى قولهم يفرى الفرى يخرز المخروز، كأنه يريد على الخرز خرزاً آخر، ليكون أقوى له وأحكم فضرب مثلاً لمن يحكم الأمر، ويبلغ غاية الجد فيه، وقد يمكن أن يكون الفرى هنا مصدراً، فيكون كقولك: هو يضرب ضرباً. وإلى نحو هذا ذهب أبو عبيد في تفسير قوله، ﷺ ، في عمر: (فلم أر عبقرياً يفري فريه)، لأنه قال في تفسير قوله (يفري فريه) كقولك يعمل عمله، ويقول قوله: والذي قدمته أجود. وإنما أراد يعمل معموله، ويصنع مصنوعه، لأن مجيء المصدر على (فعيل) في غير الأصوات قليل، قالوا: النذير: بمعنى الإنذار، والنكير: بمعنى الإنكار، والعذير بمعنى العذر، قال ذو الإصبع العدواني: عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض

стр. 751

وقد روى في هذا الحديث (يفرى فريه): واستعمله محمد بن هانئ على هذا الرواية فقال: فلا عبقري كان أو هو كائن ... فرى فريه في المعضلات العظائم قال الفراء: معنى "قد كنت تفرين به الفريا": قد كنت تأكلينه أكلاً كثيراً. وهذا ليس بشيء، يلتفت إليه. * * * وأنشد في باب ما جاء مفتوحاً والعامة تضمه: (١٨٦) (يا بني التخوم لا تظلموها ... إن ظلم التخوم ذو عقال) هذا البيت لأحيحة بن الجلاح. قاله لبنية، يأمرهم بألا يغصبوا الأرضين ولا يغيروا حدودها. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والعقال: ظلع يعتري الدابة، يمنعها المشي. يقول: ظلم التخوم يصيب منه الظالم مثل ما يصيب الدابة من العقال. يريد أنه يثبطه عن الاستقلال والخلاص، كما يثبت العقال الدابة عن المشي. وفي الحديث: من غصب (جاره) شبراً من أرض، طوقه من سبع أرضين. وبعد هذا البيت: ثم مال اليتيم لا تأكلوه ... عن مال اليتيم يرعاه والي * * *

стр. 752

وأنشد في باب ما جاء على يفعل مما يغير عجز بيت لعنترة، والبيت بكماله: (١٨٧) ٠ حلفنا لهم والخيل تردى بنا معاً ... نزايلكم حتى تهروا العواليا) يقول لبني سعد بن زيد مناة بن تميم: إن كنتم جئتمونا حراصاً على الحرب محبين في الطعن والضرب، فلسنا نزايلكم حتى تبغضوا من ذلك ما أحببتم، وتندموا على ما فعلتم"وخص العوالي بالذكر، لأن الاعتماد عليها في المطاعنة. وقد يجوز أن تسمى الرماح عوالى. وإن كانت العوالى إنما هي صدورها، كما تسمى الجملة ببعضها إذا كان الإعتماد على ذلك البعض، كقولهم للربيئة (عين)، لأن اعتماده على عينه. وللذي يتسمع الأخبار (أذن) لأن اعتماده على أذنه. ويروى (نزايلهم) بالهاء، لأنه مخبر عنهم. ومن روى (نزايلكم) بالكاف: حكى ما خاطبهم به عند الحلف، وهذا كما تقول: حلفت لزيد: لأضربنه وإن شئت قلت: لأضربنك: أي قلت له: لأضربنك. و (معاً) ينتصب على الحال، كأنه قال: تردى بنا مجتمعين، وإن شئت كان ظرفاً، كأنه قال في وقت واحد، وقد ذهب قوم إلى ان الضمير في (نزايلهم) يرجع إلى النساء، في قوله قبل هذا البيت: ونحن منعنا بالفروق نساءنا ... نطرف عنها مشعلات غواشيا

стр. 753

وكان يجب على هذا أن يقول (نزايلهن)، ولنه ذكر الضمير، لاختلاط النساء بالأطفال، فغلب المذكر على المؤنث: * * * وأنشد في هذا الباب: (١٨٨) (فقد هر بعض القوم سقى زياد) البيت: لإسحاق بن إبراهيم الموصلي. ومثله لا يحتج به في اللغة: وصدره: (وقلنا لساينا زياد يرقها) وزياد هذا: غلام كان له، وقوله (يرقها) أي يمزجها بالماء، لترق وتزول بشاعتها. وقبله: خليل هبا نصطبح بسواد ... ونروى قلوباً هامهن صوادى فلما مات رثاه، فقال: فقدنا زياداً بعد طول صحابة ... فلا زال يسقى الغيث قبر زياد ستيكيك كأس لم تجد من يديرها ... وظمآن يستسقي الزجاجة صادي * * * وأنشد في باب ما جاء على ما لم يسم فاعله: (١٨٩) (وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء وخطب نعني به ونساء)

стр. 754

البيت: للحارث بن حلزة اليشكري، من قصيدته التي ارتجلها بين يدي عمرو بن هند، في أمر كنا قد شجر بني بكر وتغلب ابني وائل، وكان ينشده من وراء سجف، لبرص كان به، فأمر برفع السجف، استحساناً لها. ويقال إن الحارث قام ينشدها متوكئاً على عنزة، فارتزت في جسده وهو لا يشعر. وهذا البيت أنشده ابن قتيبة شاهداً على انه يقال عنيت بالأمر على صيغة ما لم يسم فاعله، وإنما يكون شاهداً إذا جعلته من العناية بالأمر، والاهتبال به، لأن هذا الفعل لم يأت مسنداً إلى الفاعل في قول أكثر اللغويين وحكى ابن الأعرابي عنيت بالأمر (بفتح العين وكسر النون). وأنشد: عان بأخراها طويل الشغل ... له جفيران وأي نبل وقد يجوز أن يكون (نعني به) بمعنى: نقصد به، فلا يكون فيه حجة، لأن الذي يراد به القصد: يسند إلى الفاعل، وإلى المفعول، يقال عناني الأمر يعنيني، قال الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

стр. 755

وأجاز أبو جعفر بن النحاس في قوله (نُساء) وجهين: أحدهما أن يكون من قولك (سؤته بالأمر). والآخر أن يريد: يساء بنا الظن فيه. وهذا الوجه الثاني لا يصح إلا على أن يكون من المقلوب. وبعد هذا البيت: إن إخواننا الأراقم يغلون ... علينا في قيلهم إحفاء والإحفاء: الإصرار. * * * وأنشد في هذا الباب: (١٩٠) (وقال المذمر للناتجين ... متى ذمرت قبلي الأرجل) هذا البيت للكميت. والمذمر: الذي يدخل يده في رحم الناقة، فيلمس مذمر الفصيل، وهو موضع الذفري، ليعلم: أذكر هو أم أنثى؟ والناتج: الذي يتولى أمر نتاج الناقة، يصف أموراً أنتجت دواهي وأحوالاً مقلوبة عن وجوهها، فضرب لها المثل بالأجنة التي تنقلب في بطون أمهاتها، فتخرج أرجلها قبل رءوسها، لأن المذمر لا يلمس رجل الفصيل إلا إذا انقلب في الرحم، وهذا هو الذي يسمى اليتن، والعرب تشبه تولد الأمور بخروج الأجنة من الأرحام، ولذلك قالوا في المثل: "الدهر حبلى ليس يدري ما تلد". ومنه قول خلف الأحمر:

стр. 756

قد طرفت ببكرها بنت طبق ... فذمروه خبراً ضخم العنق موت الإمام فلقة من الفلق وقد قيل في بيت الكميت: إنه أراد أن الجنة انقلبت في بطون أمهاتها، لطول الغزو، وكثرة السفر والحركة. وقيل هو مثل لارتفاع الأرذال، وانحطاط الأشراف، كما قال الأفوه: أمارة الغي أن يلقى الجميع لدى الـ ... إبرام للأمر والأذناب أكثار والقول الأول هو الوجه، ويدل عليه قوله قبل هذا البيت: إذا طرق الأمر بالمعضلات ... بتنا وضاق بها المهبل والتطريق: أن يخرج بعض الجنين من الرحم ويبقى بعض والمعضلات: الأمور الشداد، والمهبل موضع الولد من الرحم. * * * وأنشد في باب ما ينقص منه ويزاد: (١٩١) (شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخى جابر) البيت: لأعشى بكر. وحيان وجابر رجلان من بني حنيفة، وكان حيان نديماً للأعشى. يقول: يومي على رحل هذه الناقة، ويومي مع حيان أخي جابر

стр. 757

مختلفان، لا يستويان، لأن أحدهما يوم سفر وتعب، والثاني يوم لهو وطرب. ويروى أن حيان وجابرا كانا أخوين، وكان حيان سيداً أفضل من جابر، فلما أضافه (أي الأعشى) جابر إلى غضب وقال: عرفتني بأخي، وجعلته أشهر مني، والله لا نادمتك أبداً فقال له الأعشى: اضطرتني القافية، فلم يعذره. وبعده: أرمي بها البيد إذ هجرت ... وأنت بين القرو والعاصر والقرو: المعصرة. وشتان: اسم للفعل، مبني على الفتح، لوقوعه موقع الفعل الماضين وكان الفراء يجيز فيه الكسرن ويومي: مرتفع به، وما زائدة والكور رحل الناقة. * * * وأنشد في هذا الباب: (١٩٢) (لشتان ما بين اليزيدين في الندى) هذا البيت لربيعة الرقى يمدح يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلبن ويذم يزيد بن أسيد السلمي، وتمامه - يزيد سليم والأعز بن حاتم. وبعده: فهم الفتى الزدي اتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم فلا يحسب التمتام أنى هجوته ... ولكنني فضلك أهل المكارم

стр. 758

وهذا أقذع ما يكون من الهجاء، وإنما لم ير الأصمعي هذا البيت حجة، لأن ربيعة هذا محدث، وكان عنده ممن لا يحتج بشعره. وهذا غلط لأن شتان اسم للفعل، يجري مجراه في العمل، فلا فرق بين ارتفاع (ما) به في بيت ربيعة، وارتفاع (اليوم) من شعر الأعشى، كما أنك لو قلت: بعدما بين زيد وعمرو لجاز باتفاق. * * * وأنشد في هذا الباب لغدافر: (١٩٣) (بصرية تزوجت بصرياً ... يطعمها المالح والطريا) قد ذكرنا هذا الرجز فيما تقدم بما أغنى عن إعادته. * * * وأنشد في هذا الباب: (١٩٤) (لا يدفنون فيهم من فاظا) البيت لرؤبة بن العجاج، وقبله: إنا أناس نلزم الحفاظا ... إذ سئمت ربيعة الكظاظا لأراءها والأزل والمظاظا ... والأزد أمسى شلوهم لفاظا

стр. 759

يريد أن القتلى كثرت حتى لا يستطيع على دفنها. والحفاظ والمحافظة: الملازمة للشيء، والحفاظ: الغضب، وتسمى الحرب حفاظاً، لأن الغضب سببها. والكظاظ: المضايقة والملازمة. واللاواء والأزل: الشدة. والمظاظ: المشاتمة والمشارة. والشلو: العضو. وجمعه أشلاء. واللفاظ: الملفوظ المطروح. * * * أنشد في هذا الباب: (١٩٥) (كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حشو ريطة وبرود) هذا البيت يروى لأبي زيد الطائي في شعر يرثى به اللجلاج الحارثي وقبله: غير أن اللجلاج هاض جناحي ... يوم فارقته بأعلى الصعيد صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود وثوى، معناه: أقام. والريطة كل ملاءة لم تكن لفقين. والبرود: ثياب تصبغ باليمن. وقال أبو حاتم: لا يقال له برد حتى يكون فيه وشيء. * * * وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (١٩٦) (فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها ... فما ختنت إلا ومصان قاعد)

стр. 760

هذا البيت يروى لأعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله، ويكنى "أبا المصبع" قاله في خالد بن عبد الله القسرين ذكر ذلك الأصبهاني. وذكر أبو عمرو الشيباني: أنه لزياد الأعجم في خالد بن عتاب بن ورقاء، وقبله: لعمرك ما أدري وأني لسائل ... أبظراء أم مختونة أم خالد؟ قال الأصبهاني: كان خالد بن عبد الله القسري يسمى بالكوفة "ابن البظراء" فأنف من ذلك، فيقال أنه اكره أمه على الختان. وفي معنى هذا البيت قولان: قيل أنه أراد بالمصان: الحجام، لأنه يمص المحاجم. يقول: إن كانت قد ختنت فإنما ختنها الحجام، لتبذلها وقلة حيائها، لان العادة جرت أن يختن النساء النساء. وقيل: إنما أراد بالمصان ابنها خالداً، لأن العرب تقول لمن تسبه: يا مصان، أي من مص بظر أمه. يقول: إن كنت قد ختنت فإنما ختنت بعد أن بلغ أبيها المصان العقود، فقد مص بظرها على كل حال أو أجرى مصان مجرى اسماه الأعلام، فلذلك لم يصرفه. * * * وأنشد بن قتيبة في هذا الباب: (١٩٧) (رضعي لبان ثدي أم تحالفا ... باسحم داج عوض لا نتفرق) هذا البيت لأعشى بكر يمدح به المحلق بن جشم الكلابين وكان خامل الذكر، لا صيت له، وكان له بنات لا يخطبهن أحد، رغبة عنهن: فمر به الأعشى،

стр. 761

فنحر له ناقة لم يكن عنده غيرها، وأطعمه وسقاه، فلما أصبح الأعشى قال: ألك حاجة؟ قال: نعم، بذكرى، فلعلى أشتهر ويرغب في بناتي، فنهض الأعشى على (عكاظ) وانشد هذه القصيدة، فلم يمس حتى خطب إليه جميع بناته. وقيل هذا البيت: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق وإنما ذكر النار والمحالفة، لأنهم كانوا يتحالفون على النار، وجعل الندى والمحلق كالأخوين اللذين رضعا لباناً واحداً من ثدى أم واحدة، مبالغة في وصفه بالكرم، وذكر أنهما تحالفا وتعاقدا أن لا يفترقا أبدا. وعوض: صنم كان لبكر بن وائل. وقيل: هو اسم من أسماء الدهر. وزعم المازني: أنه يضم ويفتح ويكسر، ولا أعلم أحداً حكى فيه الكسر غير المازني. وأصله أن يكون ظرفاً، كقولهم: (لا أفعله عوض العائضين) كما تقول (دهر الداهرين) ثم كثر، حتى أجروه مجرى ما يقسم به وأحلوه محله. وفي قوله: (بأسحم داج) سبعة أقوال: قيل: هو الرماد، وكانوا يحلفون به، قال الشاعر: حلفت بالملح والمراد وبالنـ ... ـار وبالله نسلم الحلقه حتى يظل الجواد منعفراً ... وتخضب النيل غرة الدرقه

стр. 762

وقيل: أراد الليل. وقيل: أراد الرحم، وقيل: أراد الدم، لأنهم كانوا يغمسون أيديهم فيه إذا تحالفوا. حكى هذه الأقوال الأربعة (يعقوب) وقال غيره: (يعني حلمة الثدي)، وقيل: يعني زق الخمر. وقيل: يعني دماء الذبائح التي كانت تذبح للأصنام، وجعله أسحم، لأن الدم إذا يبس اسود. وهذا نحو قول النابغة. وما هريق على الأنصاب من جسد وأبعد هذه الأقوال قول من قال إنه أراد الرماد، لأن الرماد لا يوصف بأنه أسحم، ولا داج، وإنما يوصف بأنه أورق، والورقة: شبه الغبرة. وأما الدم فلا ينكر وصفه بالسواد، لأنه يسود إذا يبس. وقد صرح الطرماح بذلك في قوله يصف ثوراً: فبات يقاسي ليل أنقد دائباً ... ويحدر بالقف اختلاف العجاهن كطوف متلى حجة بين غبغب ... وقرت مسود من النسك فاتن وقد وصف المتنبي الدم بالسواد، على هذا المعنى، فقال: وربتما حملة في الوغى ... رددت بها الذبل السمر سودا

стр. 763

وقوله (تشب): أي توقد. والمقرور: الذي أصابه القر، وهو البرد. ومعنى (لاحت): نظرت وتشوفت إلى هذه النار. حكى الفراء لحت الشيء إذا أبصرته. وجعلها في (يفاع) لأنه أشهر لها، ولأنها إذا كانت في يفاع، وهو الموضع العالي، أصابتها الرياح فاشتعلت. وقوله وبات على النار: لما كان من شأن المتحالفين أن يتحالفوا على النار، جعل الندى والمحلق، كمتحالفين اجتمعا على نار، وذكر المقرورين، لأن المقرور يعظم النار ويشعلها، لشدة حاجته إليها. وقد أخذ أبو تمام الطائي هذا المعنى وأوضحه وإن كان ليس مثله من جميع الوجوه فقال في مدحه الحسن بن وهب: قد أثقب الحسن بن وهب في الندى ... ناراً جلت إنسان عين المجتلي موسومة للمهتدي مأدومة ... للمجتدي مظلومة للمصطلي ما أنت حين تعد ناراً مثلها ... إلا كتالى سورة لم تنزل وأما إعرابه فإن قوله (رضيعي) ينصب على أربعة أوجه: إن شئت كان حالاً. وقوله (على النار) هو خبر بات، وإن شئت جعلت رضيعي خبر بات، وعلى النار في موضع الحال، وغن شئت كانا خبرين، وإن شئت نصبت

стр. 764

(رضيعي) على المدح، ولك أن تجعل الرضيع بمعنى الراضع كقولهم قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، متعدياً إلى مفعول واحد، وإن شئت جعلته بمعنى مرضع، كقولهم رب قعيد بمعنى مقعد، فيتعدى إلى مفعولين. ومن خفض (ثدي أم) جعله بدلاً من لفظ اللبان، ومن نصبه أبدله من موضعهن لأنه في موضع نصب، ولابد من تقدير مضاف محذوف في كلا الوجهين، كأنه قال: لبان ثدى أم. وإنما لزم تقدير حذف مضاف، لأنه لا يخلو من أن يكون بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، أو بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال، فلا يجوز أن يكون من بدل البعض، لأن الثدي ليس بعض اللبان، ولا يجوز أن يكون بدل اشتمال، لأن معنى قولنا بدل اشتمال، أن يكون الأول يشتمل على الثاني، وذلك لا يصبح ههنا، وقد ذهب قوم إلى أن الثاني هو المشتمل على الأول وذلك غلط، فلم يبق إلا أن يكون بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، والثدي ليس اللبان، فوجب أن يقدر لبان ثدي ويجوز أن يكون ثدي أم مفعولاً سقط منه حرف الجر، كقولك اخترت زيداً الرجال وقوله (عوض لا نتفرق): من جعل (عوض) اسم صنم، جاز في إعرابه ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال عوض قسمنا الذي نقسم به. ويجوز أن يكون في موضع نصب، على أن تقدر فيه حرف الجر، وتحذفه، كقولك يمين الله لأفعلن: ويجوز أن يكون في موضع خفض على إضمار حرف القسم، وهو أضعف الوجوه ومن اعتقد هذا لزمه أن يجعل الباء في قوله بأسحم بمعنى (في) ويعني بالأسحم: الليل، أو الرحم، ولا يجوز أن تكون الباء في هذا الوجه للقسم، لأن القسم لم يقع بالأسحم، وإنما وقع بعوض، الذي هو الصنم.

стр. 765

ومن جعل (عوض) من أسماء الدهر، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون القسم به لا بالأسحم، فيكون القول فيه كالقول في الوجه الأول. والوجه الثاني: أن يكون القسم بالأسحم، فتكون الباء فيه باء القسم، ويكون (عوض) ظرفاً، كأنه قال: لا نتفرق عوض، أي لا نتفرق عوض دهرنا. وقوله (لا نتفرق) جاء بجواب القسم على حكاية لفظ المتحالفين، الذي نطقا به عند التحالف، ولو جاء به على لفظ الإخبار عنهما لقال لا يفترقان، كما تقول: حلف الزيدان لا يخرجان، إذا أخبرت عنهما، ولم تحك لفظهما فإن حكيت لفهما قلت: حلف الزيدان لا نخرج. * * * وأنشد في هذا البيت: (١٩٨) (فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها) البيت لأبي الأسود الدؤلي واسمه ظالم بن سراق، وقبله: دع الخمر يشربها الغواة فنني ... رأيت أخاها مغنيا لمكانها يعني بأخيها نبيذ الزبيب. يقول: إن لم يكن الزبيب الخمر أو يكن الزبيبي فإنهما أخوان، غذاي بلبن واحد، ينوب أحدهما مناب الآخر. * * *

стр. 766

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (١٩٩) (غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضح واستقباله الشمس أخضر) البيت لذي الرمة. وصف به الحرباء، وهي دويبة تستقبل الشمس، وتدور معها كيف دارت، وتتلون ألواناً بحر الشمس. وقبله: يظل بها الحرباء للشمس ماثلاً ... على الجذل إلا أنه لا يكبر إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفاً وفي قرن الضحى يتنصر يريد أنه يستقبل في أول النهار المشرق، فإذا زالت الشمس عن كبد السماء استقبل القبلة. وقوله (غدا أكهب الأعلى) يجوز أن يكون موضع الأعلى خفضاً، بإضافة أكهب إليه، ويجوز أن يكون في موضع نصب، على التشبيه بالمفعول به في قول البصريين، وعلى التمييز في قول الكوفيين. ويجوز أن يكون في موضع رفع بأكهب، وتقديره، على رأي البصريين: الأعلى منه، وعلى مذهب الكوفيين: أعلاه، فنابت الألف واللام مناب الضمير. وكان الفارسي يأبى قول الفريقين جميعاً، ويضمر في أكهب ضميراً فاعلاً، ويجعل الأعلى بدلاً منه. ونظير هذا البيت قول النابغة: أجب الظهر ليس له سنام

стр. 767

وقوله: (كأنه من الضح): جملة لها موضع من الإعراب، فإن اعتقدت أن راح ههنا هي الناقصة، جعلت كأن وما عملت فيه في موضع خبرها، وإن اعتقدت أنها التامة، التي لا خبر لها، جعلت الجملة في موضع الحال. * * * وأنشد في هذا الباب: (٢٠٠) (ترتج الياء ارتجاج الوطب) وقبله: كأنما عطية بن كعب ... ظعينة واقفة في ركب وصفه بأن كفله عظيم رخو، فهو يربح لعظمه ورخاوته ارتجاج الوطب، وهو زق اللبن، وارجاجه اضطرابه وهذا كقول الآخر: فأما الصدور لا صدور لجعفر ... ولكن أعجازاً شديداً ضريرها يقول: قوتهم ليست في صدورهم، إنما هي في أكفالهم، فهم يلقون منهم ضريراً، أي ضرراً ومشقة. والظعينة: المرأة سميت بذل لأنها يظعن بها، وكان يجب أن يقال: ظعين، بغير هاء، لأنها في تأويل: مظعون بها، وفعيل إذا كان صفة لمؤنث، في تأويل مفعول، كان بغير هاء، نحو امرأة قتيل وجريح، لكنها جرت مجرى الأسماء. حتى صارت غير جارية على موصوف،

стр. 768

كالذبيحة والنطيحة. ووصفها بأنها واقعة في ركب لأنها تتبختر إذا كانت كذلك، وتعظم عجيزتها لترى حسنها، ألا ترى إلى قول الآخر: تخطط حاجبها بالمداد ... وتربط في عجزها مرفقه وقال طرفة: فذالت كما ذالت وليدة مجلس ... ترى ربها اذيال سحل ممدد * * * وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٢٠١) (بنات بنات أعوج ملجمات ... مدى الأبصار عليتها الفحال) البيت للقحيف بن خمير العقيل. وصف أن هذه الخيل من نسل أعوج، وهو فحل مشهور بالنجابة والعتق، وأنها ملحمة للحرب، بحيث تراها أبصارهم، كما قال امرؤ القيس: وبات بعيني قائماً غير مرسل وقوله (عليتها الفحال): يقول: لا يعلوها إلا الفحول. وقبل هذا البيت: وحالفنا السيوف وصافنات ... سواء هن فينا والعيال نقود الخيل كل أشق نهد ... وكل طمرة فيها اعتدال

стр. 769

(الصافنات): الخيل التي تقوم على ثلاث، وتثني سنابك أيديها. يقال: صفن الفرس، فهو صافن والصافن أيضاً: الصاف قدميه. والأشق: الطويل، والنهد: الغليظ. والطمرة: الطويلة القوائم الوثابة. * * * وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٢٠٢) (لأبل كلى يامي واستأهلي ... إن الذي أنفقت من ماليه) هذا البيت لا أعلم قائله. ويروى: (يا أم) بكسر الميم، أراد يا أمي، فحذف الياء، واكتفى بالكسرة منها. كقوله (يا عباد فاتقون). ويروى يا أم بفتح الميم، وفيه ثلاثة أقوال: قيل أراد يا أما على لغة من يقول ياغلاما، فحذف الألف، واكتفى بالفتحة. وقيل: أريد يا أمة، فرخم وحذف التاء، وأمة: لغة في أم إلا أنها لا تستعمل في الغالب المشهورن إلا في النداء، وقد استعملت في غيره، قال الشاعر: نقيلتها من أمة لك طال ما ... تنوزع في الأسواق عنها خمارها وقيل: أراد يا أمتاه. وهذا خطأن لكثرة الحذف، ولأن هذا ليس بموضع ندبه. وهذه الزيادة أكثر ما تلحق في الندية وقد استعملت في غير الندية. أنشد يا مرحباه بحمار عفرا * * *

стр. 770

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٢٠٣) (أحافرة على صلع وشبب ... معاذ الله من سفه وعار) هذا البيت لا أعلم قائله وأظنه لعمران بن حطان ومعناه: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا؟ معاذ الله من أن آتي بمثل هذا السفه، ويتحدث به عني. والألف في قوله (أحافرة): للإنكار والتوبيخ. وحافرة اسم وقع موقع المصدر، وليس بمصدر، كأنه قال: أرجوعاً، فأجراه، وإن كان اسماًن مجرى المصدر المحض في قول العجاج: أطرباً وأنت قنسري وقوله (على صلع وشيب): في موضع نصب على الحال و (على) هاهنا: هي التي تنوب مناب واو الحال في قولهم (جاء زيد على ضعفه) كأنه قال: وهو ضعيف و (أحافرة وأنا أصلع أشيب). * * * وأنشد في هذا الباب: (٢٠٤) (إذا عملت بزتي على عدس ... على التي بين الحمار والفرس) (فما أبالي من غزا ومن جلس)

стр. 771

هذا الرجز لا أعلم قائله. والبزة: السلاح، وكذلك البز. (وعدس وحدس بالعين والحاء غير معجمتين): زجر تزجر به البغال. وزعم بعض اللغويين أن عدساً وحدساً رجلان كانا يبيعان البغال، ويعنفان عليها في زمن سليمان ﷺ ، فكان البغل إذا رآهما أو سمع باسم واحد منهما، طار فرقاً فاستعمل اسماهما في الزجر، فصارا صوتين مبنيين على السكون، يزجر بهما. وقوله ٠ على عدس) كلام فيه مجاز، لأن البزة لا تحمل على الزجر، وإنما أراد بغلة، فسماها يزجرها، كما قال الآخر: ولو ترى إذ جبتي من طاق ... ولمتي مثل جناح غاق يريد الغراب، وإنما (غاق): حكاية صوته. وقوله (على التي بين الحمار والفرس). الفرس: يقع على الذكر والأنثى، من الخيل، أراد أنها تناسلت بينهما، وإبدال التي من عدس بإعادة الجر كقوله (للذين استضعفوا لمن آمن منهم). * * * وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٢٠٥) (عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق)

стр. 772

هذا البيت ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. ولقب جده مفرغاً، لأنه راهن على أن يشرب سقاء لبن، فشربه كله حتى فرغه. وكان يزيد هذا قد صحب عباد بن أبي سفيان، أخا معاويةن فركب معه يوماً، فهبت ريح، فانتشرت لحية عباد، وكان عظيم اللحية، فقال ابن مفرغ: ألا ليت اللحى كانت حشيشاً ... فيعلفها خيول المسلمينا فاتصل ذلك بعباد، فسجنه، ودس إليه غرماءه، يطلبونه بما لهم عليه من الديون، فاضطره إلى بيع جارية له كان يقال لها (الأراكة)، وغلام له كان يسمى (بردا)، وكان شديد الكلف به، وقال في بيعه: شريت بردا ولولا ما تكنفني ... من الحوادث ما فارقته أبدا فلما أفرط عباد في تعذيبه، والعبث به، اجتمعت اليمنية، فدخلوا على معاوية، فكلموه في أمره، فلم يشفعهم، فقاموا غضاباً، وعرف الشر في وجوههم، فردهم واسترضاهم، وكتب عهداً بإطلاقه مع رجل من بني راسب، كان يسمى خمخاما، فأخرج ابن مفرغ من السجن، وقربت له بغلة من بغال البريد، فلما استوى على ظهرها قال: (عدس ما لعباد ... البيت). وبعده: طليق الذي نجى من الكرب بعدما ... تلاحم من كرب عليك مضيق قضى لك خمخام قضاك فألحقى ... بأهلك لا سدت عليك طريق لعمري لقد أنجا من هوة الردى ... إمام وحيل للإمام وثيق وقوله (وهذا تحملين طليق): الكوفيون يرون أن (هذا) في هذا البيت موصولة، بمنزلة (الذي)، و (تحملين): صلةلها، كأنه قال: والذي تحملين

стр. 773

طليق. وكذلك قالوا في قوله تعالى (وما تلك بيمينك يا موسى): تقديره عندهم: وما (الذي) بيمينك والبصريون يجعلون تحملين في موضع نصب على الحال، وكذلك قولك بيمينك. وبين الفريقين في ذلك تنازع، ليس هذا موضع ذكره. * * * وأنشد في هذا الباب: (٢٠٦) (سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلين عامي تلن) هذا البيت لابن مقبل، وبعده: صهابية منزع دنها ... ترجع في عود وعس مرن الصهباء: الخمر التي يضرب لونها إلى الحمرة، وكذلك الصهابية. وقيل: هي التي تعصر من العنب الأبيض. وقوله (درياقة): أراد أنها تشفى من العلل، كما يشفى الدرياق، ويروى: (تصفق)، ومعناه كمعنى ترجع، أي تحول من إناء إلى إناء عند المزج. ويروى الأصمعي: (عن عس عود)، قال الأصمعي: كأنه كان يشرب في قارورة، فصيرها كأنها عود، فقال: في عس عود أي في عس خشب، قال: وسمعت رجلاً يقول: اسقني في قدح عيدان. وروى غيره في عود وعس، وقال: أراد قدح زجاج، والزجاجي عمل من الرمل، والوعس الرمل اللين الموطي. والمرن الذي يصوت إذا فرغ. * * *

стр. 774

وأنشد في باب ما يتعدى والعامة لا تعديه: (٢٠٧) (قد كاد من طول البلى أن يمصحا) هذا البيت يروى لرؤبة بن العجاج، ولم أجده في ديوان شعره، يصف منزلاً بلى حتى كاد لا يتبين له أثر، ويقال: (مصبح الشيء يمصح): إذا ذهب: * * * وأنشد ابن قتيبة للنابغة: (٢٠٨) (وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار؟) هذا البيت خاطب به النابغة النعمان بن الحارث الغساني، وكان حمى موضعاً يقال له (ذو أقر) أي جعله حمى من الناس، لا يرعى به أحد، فتربعته بنو ذبيان، فنهاهم النابغة عن ذلك، وخوفهم من غارة النعمان وعقابه، فلم يلتفتوا إلى قوله، وعيروه خوفه منه، فبعث إليهم النعمان جيشاً مع النعمان بن الجلاج الكلبي، فأوقع بهم. والباء في قوله بأن أخشاك: بمعنى (في) و (من): زائدة مؤكدة، وتقديره: وهل على عار "في أن أخشاك"، فكأن المجرور في موضع الصفة للعار، فلما قدمه صار في موضع الحال، فالباء لها موضع، وأما (من) فلا موضع لها، لأنها زائدة، وفي تقديم الحال في مثل هذا الموضع خلاف بين النحويين، ليس هنا موضع ذكره. * * *

стр. 775

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب: (٢٠٩) (تعيرني أمي رجال ولن ترى ... أخا كرم إلا بأن يتكرما) البيت للمتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح. وقيل: هو جرير بن عبد العزى، وكان نشأ في أخواله بني يشكر، ويقال: إنه ولد فيهم وصحبهم، حتى كادوا يغلبون على نسبه، ويظن منهم، وإنما هو أحد بنى بهثة بن جلى بن أخمس ابن ضبيعة، فسأل عمرو بن هند الحارث اليشكري عن المتلمس، وعن نسبة، فادعاه، فغضب المتلمس، ولذلك قال في هذا الشعر: أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما وأصبحت ترجو أن أكون لعقبكم ... زعيماً فما أحرزت أن أتكلما أمنتفيا من نصر بهئة خلتني ... ألا إنني منهم وإن كنت أينما وقوله (ولن ترى أخا كرم إلا بأن يتكرما) يقول: غنما شرف الإنسان بنفسه، لا بآبائه، فإذا كان خسيس النفس، لم ينتفع بشرف قديمه. ومن أحسن ما قيل في هذا قول القائل: قد قال قوم أعطه لقديمه ... جهلوا ولن أعطني لتقدمي فأنا ابن نفسي لا ابن عرضي أحتذى ... بالسيف لا برفات تلك الأعظم وقال آخر: تلقى السرى من الرجال بنفسه ... وابن السرى إذا سرا أمراهما * * *
следующие страницы →